الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (70)
* قَالَ اللهُ عز وجل: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} [الزمر: 70].
قوله تعالى: (وُفِّيَت) أي: أُعطِيَت وفاءً، كما تقول: وفَّيْتُه حَقَّه. أي: أَعطَيْته إيَّاه وفاءً.
قوله تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ} : {كُلُّ} بالضَّمِّ على أنها نائِب فاعِل.
قوله تعالى: {مَا عَمِلَتْ} أيِ: الذي عمِلَت، فـ {مَّا} هو اسمٌ مَوْصول، وهو مَفعول ثانٍ لـ (وُفِّيَت)، والمَفعول الأوَّل هو {كُلُّ} وإن كانت بالضَّمِّ، لكن نائب الفاعل يَنوب مَناب المَفعول؛ فلهذا صارت {كُلُّ} في مَحلِّ المَفعول الأوَّل، و {مَا عَمِلَتْ} في محَلِّ المَفعول الثاني.
فإن قال قائِل: الفِعْل المَبنيُّ للمَجهول هل الأَوْلى دائِمًا أن نَقول: مبنيٌّ لما لم يُسَمَّ فاعِلُه. أم في هذه الصِّيَغِ؟
فالجَوابُ: أن نَقول: الأَوْلَى دائِمًا: (لما لم يُسمَّ فاعِله)، وأنت إذا قُلتَ:(لما لم يُسمَّ)، فصحيح سواءٌ كان مَجهولًا أو غيرَ مَجهول، ثُمَّ إن الفِعْل المَبنيَّ لما لم يُسمَّ فاعِله إذا كان الله تعالى هو الذي تَكلَّم به؛ فلا يَصِحُّ أن نَقول: إن هذا مَجهول لله تعالى. يَعنِي: في القرآن لا يُمكِن أن تَقول: مَبنيٌّ للمَجهول؛ لأن الله تعالى لا يَجهَل الفِعْل، أمَّا في غيره فربما يَقول القائِل مثلًا: لمَّا أَصبَح صاحَ. فقيل: ماذا أَصابَك؟
قال: سُرِق مَتاعي. فهذا مَبنيٌّ للمَجهول؛ لأنه لا يُمكِن أنه يُريد السَّتْر على السارِق!.
قوله تعالى: {وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ} قال المُفسِّر رحمه الله: [أي: جزاءَه] حمَلَه على هذا التأويلِ أن العمَلَ قد مضَى في الدنيا، والذي تُوفَّى النفسُ هو الجَزاءُ، كما قال الله تعالى:{جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} [السجدة: 17].
فإذا قال قائِل: الأمر واضِح كما قال المُفسِّر رحمه الله، لكن ما الحِكْمة في أن الله عز وجل عبَّر بالعمَل عن جَزاء العمَل؟
فالجَوابُ: الحِكْمة في ذلك: الإشارة إلى أن الجَزاء لا يَتَجاوَز العمَل، ولا يَنقُص عن العمَل، فكأنه هو العمَل، فإذا كان لا يَتَجاوَزه ولا يَنقُص عنه فكأنه هو العمَل، وهذا هو كَمال العَدْل، وكما تَدين تُدانُ.
قوله تعالى: {وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} الضمير (هو) يَعود على الله عز وجل، يَعنِي: كأنَّ قائِلًا يَقول: كيف يَعلَم ما عمِلت النَّفْس، وقد مضت دُهور ودُهور وفي العمَل الدقيق والجَليل؟ فقال:{وَهُوَ} أيِ: الله {أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ} ، يَعنِي: لا يَخفَى عليه شيء، وهو عز وجل لا يَضِلُّ ولا يَنسَى، فلا يُمكِن أن يَفوت شيء من عمَل الإنسان.
وقول المُفسِّر رحمه الله: أي: [عالِمٌ {بِمَا يَفْعَلُونَ}] تفسيره {أَعْلَمُ} بـ (عالِم) يُعتَبَر تفسيرًا قاصِرًا؛ لأن (أَعلَم) أعلى درجةً من عالِم، فإنك تَقول: زيد عالِم، وعَمرٌو عالِم، فيَتَساوَيان في العِلْم، وتَقول: زَيْد أَعلَمُ من عَمرٍو، فيَكون زَيْدٌ أَعلَمَ وأعلى درجةً من عَمرٍو.
فالمُفَسِّر رحمه الله الآنَ إذا قال: {أَعْلَمُ} أي: [عالِم] نقَص من عِلْم الله تعالى؛ لأن كلِمة (عالِم) لا تمَنَع المُشارَكة، لكن (أَعلَم) تَمنَع المُشارَكة؛ لأنه لا يَستَوِي الأفضل والمَفضول.
والعجَبُ أننا لو سأَلَنا سائِل: لماذا عدَل المُفَسِّر رحمه الله عن اسمِ التَّفضيل إلى اسمِ الفاعِل؟ قال: لأنه لا يَنبَغي أن يَكون هناك تَناسُب أو مُفاضَلة بين الخالِق والمَخلوق.
إذا قُلتَ: (أَعلَمُ) مَعناه: فضَّلت الخالِق عن المَخلوق، فنَقول له: سبحان الله! وإذا قُلت: (عالِم) فقد سوَّيْت الخالِق بالمَخلوق، فانْظُر كيف عدَل عن ظاهِر اللَّفْظ إلى فَساد المَعنَى! فجَنَى جِنايَتَيْن - عفا الله عنه -:
الأُولى: مُخالَفة ظاهِر اللَّفْظ.
الثاني: تَنقيص الخالِق في عِلْمه.
فنَحن نَقول: إن الله تعالى أَعلَمُ وأَرحَمُ، ففي القرآن الكريم:{وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} [الأعراف: 151]، وأَحكَم {أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ} [التين: 8].
بل أَبلَغُ من ذلك أن الله تعالى قال: {آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59]، مع العِلْم بأنه لا أحَدَ يَظُنُّ أو يُقدِّر أن الأصنام مثل الخالِق، لكن قال هذا من أَجْل إفحام الخَصْم، وبيان ضَلاله؛ بأن نَقول له: آللهُ خيرٌ أَمِ الذي تُشرِكون به؟
فالحاصِلُ: أن علينا أن نُجرِي (أَعلَم) على ظاهِرها من أن المُراد بها تَفضيل الله تعالى في عِلْمه على عِباده، فهو أَعلَمُ بما يَفعَلون.
فإن قال قائِل: إن المُفَسِّر رحمه الله عدَل عن (أَعلَم) إلى (عالِم)؛ لأن الناس لا يَعلَمون ما يَفعَلون، فالعِلْم مُنتَفٍ وحينئذ لا يَكون تَفسيرُه (أَعلَم) بـ (عالِم) ضارًّا؟
قُلْنا: هذا خطَأ أيضًا، بلِ العالم يَعلَمون ما يَفعَلون، إِذْ كل إنسان يَعلَم ما فعَل،