الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وعلى كلِّ حال: فسواء كانت للمبالَغَة أو للنِّسْبَة فالمراد بها: الكَفُور بالله عز وجل.
وقال المُفَسِّر رحمه الله: [بعبادَتِه غَيْرَ الله] ولا شكَّ أن هذا كُفْر؛ عبادَةُ غَيْرِ الله، وتخصيصُ الكفر هنا بعبادة غير الله يؤيِّدُه السِّياق، وهو قوله فيما سبق:{وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ} .
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أنَّ الله لا يقبل إلا دينًا خالصًا؛ لقوله تعالى: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} أمأ ما سواه فليس لله حتى وإن أشْرَكْتَ به مع الله؛ لأنَّ الدين لله هو الخالِصُ النَّقِيُّ من شوائب الشِّرْك.
فإن قال قائل: إذا كان العمَلُ خالصًا في أوَّلِه مُشْرَكًا فيه في آخره، فهل يَبْطُل العَمَلُ كلُّه، أو يَبْطُل ما فيه الشِّرْكُ؟
فالجواب: في هذا تفصيلٌ؛ إذا كانت العبادة التي وقع الشِّرْك في أثنائها ينبني بعضُها على بعض فإنَّها تَبْطُل؛ مثل الصَّلاة؛ فرَجُلٌ أَحْرَم بالصلاة مُخْلِصًا لله وفي أثنائها سَمِعَ حوله أحدًا فراءى في ذلك في صلاتِهِ في أثناء العبادَةِ، فنقول: الصلاة تَبْطُلُ كُلُّها؛ لأنَّ أَوَّلَها وآخِرَها مبنيٌّ بَعْضُه على بعضٍ.
أما إذا كانت لا ينبني بَعْضُها على بعضٍ فإنَّ ما كان خالصًا يَصِحُّ، وما كان مَشُوبًا لا يَصِحُّ؛ فمثل رجل كان يتصدَّقُ، عنده ألف ريال، فكلما جاء فقيرٌ أعطاه منها؛ أنفق خَمْسَ مئة ريال خالصة لله، وفي أثناء الإنفاق حضَرَ أناسٌ فراءاهم، فهل تَبْطُلُ الصَّدَقة الأولى التي بها الإخلاصُ؟
الجواب: لا، لأنَّ بَعْضَها لا ينبني على بعضٍ، فكُلُّ ريال مُنْفَصِل عن الذي قبله؛ وهذه مسألة مُهِمَّة.
أما المسألة الثانية: فأحيانًا يهاجِمُ الرِّياءُ القَلْبَ، ويدافعه الإنسانُ، فهل يؤثِّر هذا على إخلاصِهِ؟
الجواب: لا، لا يؤثِّرُ ما دام يدافِعُه ويُعْرِضُ عنه؛ لأنَّه الآن في جهادٍ لعَدُوِّه، والشيطان دائمًا يأتي الإنسانَ من كل وَجْه، قال الله تعالى عنه في سورة الأعراف:{لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ} [الأعراف: 16] يعني: في كل مكانٍ، فيأتي الإنسانَ يُثَبِّطُه عن العبادة، يُثَبِّطُه عن طلب العلم، يثبِّطه عن صلة الرَّحِم، عن بِرِّ الوالدَينِ، وما أشبه ذلك مما أوجب الله عليه، فإذا رأى منه تَصْميمًا عَلى القيام بالعبادة أتاه من جهةٍ أخرى، وهو: الغُلُوُّ في العبادة، والزيادَةُ فيها، والتَّنَطُّع والتكَلُّف، فإذا عَجَز عنه من هذه الناحية أتاه من جهة النِّيَّة؛ أنك مُراءٍ، ولكنَّ الإنسان يجب عليه أن يدافِعَ الشيطان بقدر ما يستطيع مُسْتَعينًا بالله عز وجل.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: غِنى الله عز وجل غنى الله الغنى التَّام.
ووجه ذلك: أنَّه إذا كان الله لا يَقْبَلُ إلا ما كان خالصًا دلَّ على غناه عن عمل العباد لأنَّه - وحاشاه من ذلك - لو كان فقيرًا مُحتاجًا لذلك لاكتفى بما يأتيه منهم ولو على سبيل المشارَكَة، كالإنسان المُحتاجِ يقبل منك ما كان خاصًّا له وما كان مُشْتَرَكًا، فلما كان الله لا يقبل إلا ما كان خالِصًا عُلِمَ بهذا غناه عن العباد، وإلى هذا يشير قوله تعالى في الحديث القدسي:"أَنا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ"(1).
(1) أخرجه مسلم: كتاب الزهد، باب من أشرك في عمله غير الله، رقم (2985)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: أن عابدي الأصنامِ قد تولَّوُا الأَصنامَ واتَّخَذوها أولياءَ.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن عباد الأَصْنام يُمَوِّهون على النَّاس، يقولون: نحن ما نعبُدُهم إلا لغايةٍ، وهي أن يُقَرِّبونا إلى الله زُلْفى.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه يمكن أن نُعَدِّي هذا الحُكْم إلى جميع أهل الباطِلِ، فهم يدَّعُونَ أنهم يُحْسِنون صُنعًا وهم كَذَبَة.
ولْنَضْرِبْ لهذا مثلًا بأهْلِ التَّعْطيلِ:
أهلُ التَّعْطيلِ يدَّعون أنهم بتَعْطيلِهِم هذا مُنَزِّهون لله، وأنَّ قَصْدَهم تنزيه الله عز وجل عن النَّقص وعن مشابَهَة المخلوقين، وهم كاذبون في هذا؛ لأنَّهُم إذا عطَّلوه عن كمالِ صِفاتِهِ فهو ضِدُّ التَّنْزيل، وهؤلاء يقولون:{مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى} والحقيقة: أنَّ هذه العبادةَ تُبْعِدُهُم من الله مسافاتٍ كثيرةً.
الْفَائِدَةُ السَّادِسَةُ: إقرارُ المشركين بأنَّهُم يَعْبُدون أصنامهم {مَا نَعْبُدُهُمْ} فإنَّهم يصرِّحون بأنَّهُم يَعْبُدونهم، لكن لا يقولون: نعبدهم لنَتَقَرَّب إليهم، بل:{لِيُقَرِّبُونَا} .
الْفَائِدَةُ السَّابِعَةُ: أنَّ المشركينَ في عَهْدِ الرَّسول صلى الله عليه وسلم يُقِرُّون بوجود الله، وأنه أعْظَمُ من كل عظيم؛ لقولهم:{لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ} فهم مُعْتَرِفون بالله عز وجل وأنه أعظم من أصنامهم؛ ولهذا جعلوها وسيلةً له أو للتَّقرُّب إليه.
الْفَائِدَةُ الثَّامِنَةُ: أنه سيكون بين هؤلاء المشركينَ وبين أوليائِهِم، سيكون نزاعٌ وخُصُومَة يوم القيامة؛ لقوله:{إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} .
الْفَائِدَةُ التَّاسِعَةُ: أنَّ الحُكْم لله عز وجل وحده في ذلك اليوم - أعني يوم القيامة - وأنَّ المَرْجِعَ إليه.
الْفَائِدَةُ الْعَاشِرَةُ: أنَّ من كان كاذبًا كفَّارًا فإنَّ الله لا يوافِقُه؛ لقوله: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} .
الْفَائِدَةُ الحَادِيَةَ عَشْرَةَ: التَّحْذيرُ من الكَذِبِ وخصال الكُفْر، وأنَّ الكَذِب سببٌ لِمَنْع الهداية وذلك - وهذه القاعدة التي يمكن أن نُطَبِّق عليها هذه الفائِدَة - لأنَّ الحكم إذا عُلِّق بوصف وُجد بوجوده وانتفى بانتفائِهِ، ويدلُّ لهذا أنَّ النَّبِي صلى الله عليه وسلم قال:"إِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ؛ فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ"(1).
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الصِّدْق سببٌ للهِدايَة؛ وجهه: أنَّه إذا كان الكَذِب سببًا للغِوَاية فضِدُّه سببٌ لضِدِّه، يكون الصِّدْق سببًا للهداية.
ويتفرَّع على هذه الفائِدَة: التَّرغيب في الصِّدْق، ولكن الصِّدْق مع الله، ومع رسول الله، ومع عباد الله؛ فالصِّدْقُ مع الله بالإخلاص له، ومع الرَّسول باتِّباعه، ومع عباد الله بحُسْن المعاملة، فعليك بالصِّدْقِ:"فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، والْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الجَنَّةِ، وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللهِ صِدِّيقًا"، جَعَلَنَا اللهُ وإيَّاكم منهم.
يقول بعض السُّفَهاء: الكَذِب منجاةٌ؛ ويقول بعض الباعَة: الكَذِبُ مساميرُ السِّلَع؛ ونقول: الكذب مَهْلَكَة، والصِّدْق منجاة.
وبالنسبة للسِّلَع فالذين يبيعون ويشترون ويقولون: اكْذِبْ لأجل تُحْكِم السِّلْعة مثلَ المساميرِ للأبوابِ؛ ماذا نقول لهم؟ نقول: بلِ اصْدُقُوا؛ فإن هذا هو المساميرُ، في
(1) أخرجه البخاري: كتاب الأدب، باب قول الله تعالى:{يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ} ، رقم (6094)، ومسلم: كتاب البر والصلة والآداب، باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله، رقم (2607)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.
الحقيقة؛ لأنَّ هذا هو الذي يُثْبِت البَرَكة، لكن الكَذِب مَنْفَقَةٌ للسِّلعة مَمْحَقَةٌ للكَسْب.
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ: أنَّ الكفر سببٌ للغواية؛ لقوله تعالى: {مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ} ، ويؤيِّد هذا قولُه تعالى:{فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ} [الصف: 5].
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ: التَّحْذير من خِصالِ الكُفْر؛ لأنَّ الحُكْمَ إذا عُلِّق بِوَصْف ثبت بوجوده وانتفى بانتفائِهِ، خصالُ الكُفْر التي لا تؤدي إلى الكُفْر المُطْلَق قد تكون سببًا والعياذ بالله للغِواية، مثل: الطَّعْن في النَّسَب، النياحة على الميِّت، قتل المعصوم المُسْلِم؛ لقوله عليه الصلاة والسلام:"سِبَابُ المُؤْمِنِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ"(1).
(1) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، رقم (48)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب بيان قول النبي صلى الله عليه وسلم:"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر"، رقم (64)، من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.