الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (10)
قَالَ اللهُ عز وجل: {قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
ثم قال الله عز وجل: {قُلْ يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ} قوله: {قُلْ} الخطابُ للرَّسول صلى الله عليه وسلم، أو لِكُلِّ من يصِحُّ توجيه الخطاب إليه؛ فعلى الأول يكون التَّقدير: قل يا محمَّدُ، وعلى الثاني يكون التقدير: قل أيها الإنسانُ.
وقوله: {يَاعِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ} : (عبادِ) هنا فيها شيء محذوفٌ، وهو الياء التي دلت عليها الكَسْرة في قوله:{يَاعِبَادِ} وحُذِفَتِ الياء تخفيفًا.
قوله: {الَّذِينَ} عَطْف بيان أو وَصْف.
قوله: {الَّذِينَ آمَنُوا} الإيمان في اللغة: التَّصديق أو الإقرار؛ بل نقول: الإقرارُ؛ لأنَّه هو المطابق للإيمان في التَّعَدِّي والعمل، يقال: أقَرَّ بكذا وآمَنَ بكذا، والتَّصْديق لا يطابِقُه تمامًا، وعلى هذا فنقول: الإيمانُ هو الإقرار، لكنه ليس مجرَّد الإقرار كما قاله بعض طوائف المُبْتَدِعَة - مُرْجِئَة الجَهْمِيَّة - بل نقول: هو الإقرار المُسْتَلْزِم للقَبُول والإذعان، هذا الإيمانُ، إذا لم يستلزم للقَبُول والإذعان فإنه ليس بإيمانٍ.
قوله: {اتَّقُوا رَبَّكُمْ} قال المُفَسِّر رحمه الله: [أي عذابَه]، وفي هذا نَظَرٌ، بل المراد: تقوى الله عز وجل، والله سبحانه وتعالى يضيف التقوى أحيانًا إلى نفسه، وأحيانًا إلى النَّار،
وأحيانًا إلى يوم الجزاء؛ فقد قال الله تبارك وتعالى: {وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ} [آل عمران: 131] بعد أن قال: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (130) وَاتَّقُوا النَّارَ} [آل عمران: 130، 131]؛ فلو فَسَّرْتَ تقوى الله بتقوى عذابه لكان في الآية تَكرار.
فالصواب: أنَّ الله يُضيف التقوى أحيانًا إلى نفسه، وأحيانًا إلى النَّار، وأحيانًا إلى يوم الجزاء، كما في قوله:{وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ} [البقرة: 281].
والصَّحيح: أنَّها تُفَسَّرُ بما تُضاف إليه؛ فقوله: {اتَّقُوا اللهَ} أي: اتَّقوا الله نَفْسَه لِعَظَمَةِ وكمالِ سُلْطانِهِ عز وجل.
قال المُفَسِّر رحمه الله: [{اتَّقُوا اللهَ} أي: عذابه، بأن تطيعوه]، نقول: الصَّحيحُ: أي الله نفسه. وقوله: [بأن تطيعوه] هذا تفسيرٌ للتقوى، وعلى هذا نقول: التقوى: طاعة الله بفِعْل أوامِرِه واجتنابِ نَواهيه؛ لأنَّ أَصْلَ التقوى مأخوذٌ مِنَ الوِقَايَة، ولهذا يقولون: إنَّ أصلها (وَقْوَى) من الوِقايَة.
والوقاية هي اتخاذُ ما يَقي الإنسانَ، ولا يقي الإنسانَ من عذابِ الله إلا طاعَةُ الله، ولهذا نقول: إنَّ أَجْمَعَ ما قيل في التقوى أنَّها طاعةُ الله؛ كما قال المُفَسِّر رحمه الله؛ أو اتخاذُ وقاية من عذابه بفِعْل أوامره واجتنابِ نَواهيه.
ثم قال تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} : {لِلَّذِينَ} خبر مُقَدَّم و {حَسَنَةٌ} مبتدأ مؤخَّر {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا} الإحسانُ يكون في عبادة الله، ويكون إلى عبادِ الله، أما الإحسانُ في عبادة الله فلا أَجْمَع ولا أصدق من تفسيرِ النَّبِي صلى الله عليه وسلم له حين سأله جبريلُ عن الإيمان؛ فقال:"أنْ تُؤْمِنَ بالله"؛ وقال صلى الله عليه وسلم حين
سأله عن الإحسان، فقال:"أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ"(1) فإذا عبد الإنسانُ ربَّه كأنه يراه فسوف يعبُدُه حقَّ العبادة؛ لأنَّه يَعبُد اللهَ كأنَّه يرى الله، وهذا تكون عبادَتُه مبنِيَّةً على كمال اليَقينِ، وإذا كانت كذلك فلا بدَّ أن تكون موافِقَةً للأمر، ولا بد أن تكون خالِصَة.
إذن: الإحسانُ تمام الإخلاص، وتمام المُتابَعَة؛ فتمامُ الإخلاصِ وتمام المُتابَعَة؛ لقوله:"أَنْ تَعْبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ ترَاهُ" وعبادة الله على هذا الوَجْه هي مَبْنيَّة على تمام اليقين، وهذه المرتبة أعلى من المرتبة الثانية:"فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ" يعني: فإن لم تَعْبُدْه على هذا الوجه فاعْلَمْ أنه يراك.
ويقال: إنَّ الأوَّلَ إحسانُ الطَّلب، والثاني إحسانٌ في الهَرَب؛ (إحسانٌ في الهَرَب) يعني: العابد طلبًا أكْمَل حالًا من العابِدِ هربًا؛ وهذا يلزم منه أن تكون العبادة خالصةً لله متابَعًا فيها شريعَةُ الله.
أما الإحسان إلى عباد الله فيكون بالمالِ والبَدَنِ وهو كثير؛ فقد تُحْسِن إلى عباد الله بالمالِ؛ كالصَّدْقات والهدايا والهِباتِ، وقد تُحْسِن إلى عباد الله بالبَدَنِ كالمساعدة وما أشبه ذلك، وتُعينُ الرَّجُلَ في دابَّتِه فتحْمِلُه عليها أو تَرْفَعُ عليها متاعه، وتعين عباد الله بالجاهِ والشَّفاعَة عند الحاجة إلى ذلك.
المهم: أنَّ الإحسانَ إلى عباد الله مُتَنوِّعٌ كثيرٌ، وقد فسَّرَه بعضهم بأنه كَفُّ الأذى وبَذْلُ النَّدى وطلاقة الوجه؛ فكفُّ الأذى عن النَّاس؛ لأنَّ مَن لم يَكُفَّ أذاه فإنه لم يُحْسِنْ، والثاني: بَذْل الندى. أي: المَعْروف، والثالث: طلاقَة الوجه، بأن تَلقى
(1) أخرجه البخاري: كتاب الإيمان، باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم عن الإيمان، رقم (50)، ومسلم: كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، رقم (9)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
النَّاس بوجهٍ مُنْطَلِقٍ مُنْشَرِحٍ لا بوجهٍ مُقَطَّب مُعَبَّس.
فالإحسان إذن: إحسانٌ في عبادة الله، وإحسانٌ إلى عبادِ الله؛ ولهذا قال تعالى:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} أي: في عبادة الله، وإلى عباد الله.
وقوله: {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} هل نجعل {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا} مُتَعَلِّقًا بـ (أَحْسن)؛ أو نقول: هو خبرٌ مُقَدَّم و {حَسَنَةٌ} مبتدأ مؤخَّرٌ، والجملة من المبتدأ والخبر خَبَرٌ {لِلَّذِينَ} ؟
الجواب: ننظر: إذا قلنا: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} في هذه الدنيا متعلِّقة بـ (أحسن)، و {حَسَنَةٌ} مبتدأٌ خَبَرُه {لِلَّذِينَ} هذا وجه.
الوجه الثاني: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا} وينتهي الكلام، ثم:{فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} مبتدأٌ وخَبَرٌ.
والأول أَحْسَنُ؛ فإنَّ إحسانَهُم في الدنيا وجزاؤهم حَسَنَةٌ، هذا ما مشى عليه المُفَسِّر رحمه الله؛ يقول:[{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا} بالطَّاعَةِ].
إذن: {فِي هَذِهِ الدُّنْيَا} مُتَعَلِّقَة بـ {أَحْسَنُوا} وقول المُفَسِّر رحمه الله: [بالطَّاعَة] فيه قصور؛ وجهه: أنَّنا قُلْنا إنَّ الإحسانَ يَشْمَلُ الإحسان في عبادة الله، والإحسان إلى عباد الله، وعلى كلام المُفَسِّر رحمه الله: في العبادة فقط، ولكنَّ الصَّحيح ما ذكرنا.
قوله: {حَسَنَةٌ} قال المُفَسِّر رحمه الله: [هي الجَنَّة]، ولعله اعتمد في هذه التفسير على قوله تعالى:{لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس: 26] فإن الحُسنى هي الجَنَّة، والزيادة: النَّظَرُ إلى وجه الله، ولكن: هل {حَسَنَةٌ} هنا تُطابِقُ {الْحُسْنَى} هناك؟
لا، فالحُسنى اسم تفضيل، وهنا {حَسَنَةٌ} نكِرَة لا تدل على التَّفْضيل، فعندي
أن في تَفْسيرِ هذه الآية بما تُفسَّرَ به تلك الآيةُ نظرًا، بل نقول: لهم حَسَنَةٌ، وهذا مُطْلَقٌ، فيُحْتَمَل أنَّ المعنى: للذين أحسنوا في هذه الدنيا حَسَنةٌ أي: جزاءٌ على إحسانِهِم؛ أي: لكلِّ إحسانٍ يُحْسِنونه حسَنَةً؛ لأنَّ الله تعالى لم يُعَرِّف الكلمة الحسَنَة حتى نقول: إنَّها دَخَلَت عليها (أل) التي للعَهْد، وأيضًا الجَنَّة وصفها الله باسم التفضيل {الْحُسْنَى} التي ليس شيء أحْسَن منها بخلاف {حَسَنَةٌ} وهذه تشبه قول الله تعالى:{رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً} [البقرة: 201] لأنَّها مطابقة لها.
قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} : {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} ما المناسبة بين قوله: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} وبين قوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ} ؟ المناسبة: أنَّ مِن جُمْلة الإحسانِ في الدنيا الِهجْرَة لا شكَّ؛ لأنَّ الهجرة من أكبر ما يدُلُّ على صِدْق العامل؛ إذ إن المهاجِرَ يَدَعُ أَهْلَه ووطنه وعَشيرَتَه وماله لله.
وقوله تعالى: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} قال المُفَسِّر رحمه الله: [فَهَاجِرُوا إلَيْهَا مِنْ بَيْن الْكُفَّار وَمُشَاهَدَة المُنْكَرَات] وصدق الله عز وجل: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} فإذا ضاقت بك الأَرْضُ يومًا فثَمَّ السَّعَةُ اخرج تَسْلَمْ في دِينك وعِرْضِك، ولا تَشَحَّ بِمَالِكَ ودارِكَ وأَهْلِكَ وعَشيرتِكَ؛ فإن الدِّينَ أغلى من ذلك كُلِّه.
وقوله: {وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ} والدَّارُ التي كانوا فيها ضَيِقة، نعم، هي ضيِّقَة لكنَّ ضِيقَها ضيقٌ معنويٌّ؛ لأنَّ السَّعةَ والضيق في الحقيقَةِ إنما يكون في القَلْب، فكم من إنسان في بيتٍ ضَيِّق، حُجَرُه بِقَدْر فِراشِه، وتجده مسرورًا مُنْشَرِح الصَّدْر، وكم من إنسان في قُصُورٍ مُشَيَّدة ولكنه في ضيق وغَمٍّ؛ فسعة الأرض في الحقيقة بالنِّسْبة للمهاجر واضِحَة جدًّا؛ لأنَّ بقاءه يشاهِدُ المُنْكَرَات ويشاهِدُ ما يؤذيه وما يُؤْلِمُه لا شكَّ أن هذا ضيقٌ.
ثم قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} قوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى} أي: يُعطَى، و {إِنَّمَا} أداة حصر، والمعنى: ما يُوَفَّى الصَّابرون أجْرَهُم إلا بغير حساب؛ أي: أجرًا كثيرًا أكثرَ من الأَعْمال.
ولماذا قال: {الصَّابِرُونَ} ولم يقل: الصَّابرين؛ والمعروف أنَّ المفعول به يكون منصوبًا فيقال: الصابرين؟
الجواب: لأنَّها نائِبُ فاعل، ونائب الفاعل مفعولٌ به في المعنى، فاعلٌ في اللَّفْظ، يعني أنه يُعْرَبُ إعرابَ الفاعل، ولكنه في المعنى مفعولٌ به؛ قال ابن مالك:
يَنُوبُ مَفْعُولٌ بِهِ عَنْ فَاعِلِ
…
فِيمَا لَهُ كَنِيلَ خَيْرُ نَائِلِ (1)
وقوله: {الصَّابِرُونَ} قال المُفَسِّر رحمه الله: [عَلَى الطَّاعَة وَمَا يُبْتَلَوْنَ بِهِ]، فذكر نوعين من أنواع الصَّبر وأضاف عليه واحدًا، وهو: الصَّبْر عن معصية الله، إلَّا أنْ يُقال: إنَّ الطاعة بالمعنى الأَعَمِّ تَشْمَل امتثال الأمر واجتنابَ النهي، فيكون قد وفَّى المُفَسِّر رحمه الله أنواعَ الصَّبْر.
أنواع الصَّبْر ثلاثة:
1 -
صبرٌ على طاعة الله.
2 -
وصبرٌ عن مَعْصِيَة الله.
3 -
وصَبْرٌ على أقدارِ الله المُؤْلِمَة.
فأعلاها: الصَّبْرُ على طاعة الله، ثم الصَّبْرُ عن معصية الله، ثم الصَّبْر على أقدار الله، هذا من حيث نوعُ الصَّبْر نفسه، أما من حيث الصَّابر، فإنَّ الإنسان أحيانًا
(1) الألفية (ص 26).
يعاني من الصَّبْر عن المعصية أكْثَرَ مما يعاني على الصَّبْر على الطاعة، وكذلك الصَّبْر على البلاءِ قد يعاني منه أكْثَرَ مما يعاني من الصَّبْر على المَعْصِيَة وعلى الطَّاعَة.
لكن نقول من حيث نوعُ الصَّبْر بقطع النظر عن الصَّابِر؛ أفضله: الصَّبْرُ على الطاعة، ثم على المعصية، ثم على الأقدار؛ لأنَّ الصَّبْر على الطَّاعة يحتاج إلى جُهْدٍ نَفْسِيٍّ وجهدٍ بدني، بفعل الطاعة نفْسِها، فمُعالَجَة النَّفْس عندما يؤَذِّن الفَجْر وأنت في الفِراش تبدأ تتمطى وتَسْهو، وتقول: ما زِلْنا مُبَكِّرين، حتى تَفُوتَ الصلاة؛ فهذا يحتاج إلى جُهد، عالِجْ نفسك وقُمْ، أما الصَّبْر على المعصية فيحتاج إلى جُهْدٍ نَفْسِيٍّ فقط؛ لأنَّه كَفٌّ، فتَرْكُ المَعْصِيَة ليس عليك أي تَعَبٍ، لكنَّ النَّفْسَ تَتْعَبُ، إذا كانت المَعْصِيَة مما تدعو إليه النَّفْس وكَفَفْتَ عنها تَعِبَتِ النَّفْسُ لا شك.
وأما الصَّبْر على أقدار الله المؤلِمَة فهو أدناها؛ لأنَّ الأَمْرَ ليس إليك، فالأَمْرُ تَمَّ، فهو كما قال بعضُ السَّلَف: إما أن تَصْبِرَ صَبْرَ الكِرَامِ، وإمَّا أن تَسْلُوَ سُلُوَّ البهائمِ. فهو ليس منك، فأيُّ عمل لا بد أن يُصيبَكَ أصابَكَ؛ ويقولون: إنَّ يُوسُفَ صلى الله عليه وسلم؛ إنه ابْتُلِي بأنواع الصَّبْرِ الثلاثة:
أليس هو قد دعا إلى الله وهو في السِّجْن؛ فقال: {أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ} [يوسف: 39] هذا - لا شك - صبْرٌ، إنسانٌ مَسْجونٌ ويدعو النَّاس إلى التَّوحيد!
والصَّبْرُ عن المعصية امتناعُهُ عن موافقة امرأةِ العَزيزِ حين راوَدَتْه عن نفسها.
والصَّبْر على أقدار الله المُؤْلِمة؛ ما حصل من إِخْوَتِه.
وقوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} : {أَجْرَهُمْ} أي: ثوابَهم، والله عَزَّ وَجَلَّ
بِكَرَمِه سَمَّى الثَّواب: أجرًا من باب اطمئنان العامِلِ إلى استيفائِهِ؛ لأنَّ الأَجْرَ مقابِلَ عملٍ لا بد أن يُسَلَّمَ، كأنَّ العمل والجزاء معاوَضَة وعَقْد بين الله وبين العابِدِ؛ أنَّ الله يعطيه الثَّمَن؛ الأَجْر مع أنَّ الله سبحانه وتعالى هو المتفَضِّل أولًا وآخرًا؛ أولًا بالتَّوفيق للعَمَل، ولولا أنَّ الله أعانك وسَدَّدَك ما قَدَرْتَ، ثم المُتَفَضِّل ثانيًا بالأَجْر.
وقوله: {بِغَيْرِ حِسَابٍ} يقول رحمه الله: [بِغَيْرِ مكيالٍ ولا مِيزانٍ] يعني: الأَجْرُ الذي يعطيه الله عز وجل عن العَمَل ليس على سبيل التَّدْقيق والمعاوَضَة التي تكون بين العباد؛ فالمعاوَضةُ بين العباد عَدْل، يعني: ما يعطيكَ أَكْثَرَ مما تستحِقُّ، وأما ثوابُ الله عز وجل على الصَّبْر فهو أكْثَرُ، بدون حساب، فالحَسَنَة بعَشْرِ أمثالِها إلى سَبْعِ مئَةِ ضِعْفٍ إلى أضعاف كثيرة، والصَّبْرُ لا حساب له.
إذن: يتوقَّع الصابر بأن له جزاءً لا يدركه عَقْلُه من كَثْرَتِه؛ لأنَّ الله قال: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10].
كما أنَّ الصَّبْر فيه فائِدَةٌ عظيمة للإنسان نفْسِه، وهو: ترويضُ النَّفْس على التَّحَمُّل، كثيرٌ من النَّاس يريد أن تكونَ الأُمُورُ بِسُرْعة، يدعو الله عز وجل بكَشْفِ ضُرٍّ وتتأخَّر الإجابة، فيقول: لماذا؟ وييأَس، نقول: اصْبِر، وقد يَحْصُل للناس مصائِبُ عامَّة فتجده يريد السُّرْعة في انجلائها، فنقول: اصْبِر، وطِّنْ نَفْسَك على الصَّبْر، هذه تَرْبِيَة؛ أن تُوَطِّنَ نفسَك على الصَّبْر.
والصَّبْرُ مع انْتِظارِ الفَرَجِ يُعْتبَرُ من أعظم العبادات؛ لأنَّك إذا كنت تَنْتَظِرُ الفرج فأنت تَنْتَظِرُ الفرج من الله عز وجل، وهذه عبادة، وقد قال النَّبِي عليه الصلاة والسلام:"وَاعْلَمْ أَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ"؛ فكلما اكْتَرَبَتِ الأمورُ فإن