الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بل هي علامة الجَرِّ بحرف الجَرِّ الزائِد الباء، فجعَلنا العمَل للظاهِر وهو الباء، أمَّا المَحلُّ فقدَّرْناه تقديرًا، وعلى هذا فيَكون مَنصوبًا بياء مُقدَّرة بدَل الياء التي عمِل فيها حرفُ الجَرِّ الزائِد.
وقوله تعالى: {بِمُعْجِزِينَ} اسمُ فاعِل من الفِعْل (أَعجَز)، يَعنِي: لن يُعجِز الله عز وجل فلا يَستَطيع أن يُعاقِبهم، بل عُقوبتهم أَمْرٌ هيِّن على الله عز وجل.
قال رحمه الله: [{وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ} أي: قُرَيْش {سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} بفائِتِين عذابَنا، فقُحِطوا سبع سِنينَ، ثم وُسِّع عليهم]؛ فقُحِطوا سبع سِنينَ بدَعْوة النبيِّ صلى الله عليه وسلم حين قال: "اللَّهُمَّ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ"(1) ، فقُحِطوا سبع سِنينَ قَحْطًا شديدًا حتى إن الإنسان منهم يَتَراءَى السماء فيَحول بينه وبينها غبَشٌ كأنه دُخَان من شِدَّة الجوع والتَّعَب.
من فوائد الآية الكريمة:
الْفَائِدَة الأُولَى: أن العُقوبة تَكون على قدر العمَل؛ لقوله تعالى: {فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ} مع أنه الذي أَصابهم ليست سَيِّئاتٍ ولكِنْ جزاؤُها، إلَّا أنه لمَّا كان الجزاء من جِنْس العمَل صحَّ أن يُعبَّر بالعمَل عنه.
الْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ: تهديد هؤلاء الذين كانوا في عهد النبيِّ صلى الله عليه وسلم أن يُصيبهم ما أَصاب الأوَّلين؛ لقوله تعالى: {وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا} .
الْفَائِدَةُ الثَّالِثَةُ: شُؤْم الظُّلْم؛ لأنه يُوقِع صاحِبه بالهَلاك.
(1) أخرجه البخاري: كتاب الاستسقاء، باب دعاء النبي صلى الله عليه وسلم:"اجعلها عليهم سنين كسني يوسف"، رقم (1007)، ومسلم: كتاب صفة القيامة، باب الدخان، رقم (2798)، من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
الْفَائِدَةُ الرَّابِعَةُ: أن مَن عصَى الله تعالى فهو ظالِمٌ لنفسه، وكذلك لغيره إن تَعدَّت مَعصيته إلى الغير، فلو جنَى على أحَدٍ مُحتَرَم من مُسلِم أو يَهودِيٍّ ذِمِّيٍّ أو نَصرانيٍّ ذِمِّيٍّ أو غيرهم من أهل الكُفْر الذِّمِّيِّين فإنه يَكون ظالِمًا لنفسه وظالِمًا لغيره.
الْفَائِدَةُ الخَامِسَةُ: أنه لا أحَدَ يَفوت الله تعالى ويُعجِزه؛ لقوله تعالى: {وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ} ، وقد قال الشاعِر الجاهِليُّ:
أَيْنَ المَفَرُّ وَالْإِلَهُ الطَّالِبُ
…
وَالْأَشْرَمُ المَغْلُوبُ لَيْسَ الْغَالِبُ (1)
فلا أحَدَ يُعجِز الله عز وجل، أو يَفوت الله تعالى لا في السماءِ ولا في الأرض.
(1) نسبه ابن هشام في السيرة (1/ 53) لنفيل بن حبيب.