الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الآية (66)
* قَالَ اللهُ عز وجل: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [الزمر: 66].
قوله تعالى: {بَلِ} هذه لإِضراب الإِبْطال؛ والإضرابُ عِندهم نَوْعان:
1 -
نَوْعٌ يُراد به إبطال ما سبَق وإثبات ما لَحِق.
2 -
ونَوْعٌ يُراد به الانتِقال من شيءٍ إلى آخَرَ.
مِثال الأوَّل: هذه الآيةُ.
ومِثال الثاني: قولُه تعالى: {بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} [النمل: 66]، فهنا انتِقالات من سيِّئٍ إلى أَسوَأَ {بَلِ ادَّارَكَ} ، أي: بعد عِلْمهم في الآخِرة {بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ} .
وهُنا يَقول تعالى: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ} هذا إضرابٌ إِبْطاليٌّ لما سبَق من الشِّرْك. يَعنِي: بل دَعِ الشِّرْك فإنه باطِل واعبُدِ الله تعالى.
وقوله تعالى: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ} قال المُفَسِّر رحمه الله: [وحدَه] وأخَذ هذه الوَحْدانيةَ المُفيدةَ للحَصْر من تَقدير المَعمول؛ والقاعِدة في البَلاغة: أن تَقديم ما حقُّه التَّأخيرُ يُفيد الحَصْر والاختِصاص، ومَعلومٌ أن المَفعول به حَقُّه التأخيرُ، فإذا قُدِّم على عامِله أَفاد الاختِصاص والحَصْر، أي: بل اللهَ تعالى وحده فاعبُدْ.
وقوله تعالى: {فَاعْبُدْ} الفاء يَقولون: إنه جِيء بها لتَحسين اللَّفْظ، ولو حُذِفت في غير القُرآن لاستَقام الكلام، لكنها في القرآن لا تُحذَف؛ لأنه نزَل من عند الله تعالى، ولا يُمكِن تَغييرُه، إنما في التَّعبير بمِثْل ذلك يُسمُّون هذه الفاءَ فاءَ التَّزْيِين، ولها نَظير مثل قولهم: عِندي كذا وكذا فقَطْ. أي قَطُّ، والفاء زائِدة؛ لتَحسين اللَّفْظ.
قال تعالى: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ} : (اعْبُدْ) فِعْل أَمْر أي: تَذلَّل له بفِعْل عِبادة بامتِثال أوامِره واجتِناب نَواهيه.
واعلَمْ أن العِبادة تُطلَق على مَعنَيَيْن:
المَعنَى الأوَّل: التَّعبُّد.
والمَعنَى الثاني: المُتعبَّد به.
أمَّا التَّعبُّد فمَعناه: التَّذلُّل لله تعالى محَبَّةً وتَعظيمًا، بالقِيام بأَوامِره واجتِناب نَواهِيه، فإذا رأَيْنا شَخْصًا يُصلِّي مثَلًا قلنا: هذا يَتَعبَّد. أي: يَتَذلَّل لله تعالى بفِعْل الصلاة، وتُطلَق على المُتعَبَّد به، أي: على نَفْس المَفعول.
وعرَّفها شيخُ الإسلام رحمه الله على هذا المَعنَى بقوله: "العِبادة اسمٌ جامِع لكل ما يُحِبُّه الله تعالى ويَرضاه من الأقوال والأعمال الباطِنة والظاهِرة"(1).
وعلى هذا فالصلاةُ نَفسُها نُسمِّيها عِبادة، والصدَقة عِبادة، والصوم عِبادة، والحَجُّ عِبادة، وبِرُّ الوالِدَيْن عِبادة، وصِلة الأَرْحام عِبادة، والإحسان إلى الفُقَراء عِبادة، وهكذا.
قوله تعالى: {بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ} : (كُنْ) فِعْل أَمْر، و {مِنَ
(1) مجموع الفتاوى (10/ 149).
الشَّاكِرِينَ} أي: مِنَ الذين يَشكُرون الله تعالى.
واعْلَمْ أن (أل) إذا اتَّصَلت بمُشتَقٍّ فإنها تَكون اسْمًا مَوصولًا من أسماء المَوْصول العامَّة، فهي بمَنزِلة (مَن) وبمَنزِلة (ما) إذا اتَّصَلت بمُشتَقٍّ، مثل: الشاكِر والمَشكور والأحسَن وما أَشبَهها؛ فعلى هذا يَكون قوله تعالى: {مِنَ الشَّاكِرِينَ} مُفيدًا للعُموم، أي: من القائِمين بشُكْر الله تعالى، والشُّكْر هو القِيام بطاعة المُنعِم عَقيدةً وقولًا وفِعْلًا، ولهذا قال الشاعِر:
أَفَادَتْكُمُ النَّعْمَاءُ مِنِّي ثَلَاثَةً
…
يَدِي وَلِسَانِي وَالضَّمِيرَ المُحَجَّبَا (1)
يَعنِي: أنكم مَلَكْتم بإنعامكم عليَّ قلبي ولِساني وجَوارحي.
فإن قال قائِل: هل الشُّكْر هو الحَمْد أو غيرُه؟
فالجَوابُ: بينهما عُموم وخُصوص، يَجتَمِعان فيما إذا كانا في مُقابَلة نِعمة، فإن الحَمْد هو الشُّكْر؛ لأنه ثَناءٌ على الله تعالى باللِّسان، فإذا أكَل الإنسان أو شَرِب فقال: الحَمْد لله تعالى؛ كان بذلك شاكِرًا وحامِدًا، ويَنفَرِد الحمد بوَصْف الله تعالى بالكَمال دون مُقابَلة نِعْمة، فإذا أَثنَيْت على الله تعالى بأنه الحيُّ العَظيم، وما أَشبَهَ ذلك فهو حَمْد، وليس شُكْرًا؛ لأنه ليس في مُقابِل نِعْمة، لكن ربما نَعتَبِره شُكْرًا باعتِبار أنه عِبادة، والقِيام بطاعة المُنعِم من الشُّكْر.
وإذا قُمْتَ بطاعة الله سبحانه وتعالى جَزاءً على نِعْمته ولم يَكُن في ذِهْنك وَصْفه بالكَمال صار ذلك شُكْرًا لا حَمْدًا.
وعلى كل حال: قد يَحصُل انفِراد أحدِهما عن الآخَر، وذلك لأن الثَّناء نفسه وإن لم يَكُن في مُقابَلة نِعْمة يُعتَبر شُكْرًا؛ لأنه قِيامٌ بطاعة المُنعِم.
(1) غير منسوب، وانظره في غريب الحديث للخطابي (1/ 346)، والفائق للزمخشري (1/ 314).