الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[1011] باب تفصيل القول
في حديث الجارية والرد على المخالفين
[قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم]:
- «أعْتِقْها؟ فإنَّها مؤْمِنَةٌ. يعني: الجاريةَ التي شَهِدَتْ بأنَّ اللهَ في السماء» .
[قال الإمام]:
1 -
أخرجه أبو داود (3/ 588/3283)، والنسائي (2/ 129)، والد ارمي (2/ 187)، وابن حبان في "صحيحه "(6/ 256/4296)، والبيهقي في "السنن "(7/ 388)، وأحمد (4/ 222 و388 و389)، والبزار في " مسنده"(1/ 29/38/- الكشف)، والطبراني (7/ 383/7257) من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن الشَّرِيدِ بن سُوَيْدٍ الثقفي قال:
قلت: يا رسول الله! إن أمي أوصت إليّ أن أعتق عنها رقبة، وإن عندي جارية سوداء نُوبية؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"ادع بها"، فقال:"مَن ربُّكِ؟ "، قالت: الله، قال:"فمن أنا؟ "، قالت: رسول الله، قال:
…
فذكره.
قلت: وهذا إسناد حسن رجاله ثقات رجال مسلم؛ إلا أنه أخرج لمحمد بن عمرو متابعة، وحماد بن سلمة في روايته عن غير ثابت البناني شيء من الضعف، وليس له رواية عن محمد بن عمرو- وهو ابن علقمة بن وقاص الليثي-
عند مسلم.
وقد خولف حماد في إسناده ومتنه، فقال ابن خزيمة في "التوحيد" (ص81): حدثنا محمد بن يحيى القُطَعِي قال: حدثنا زياد بن الربيع قال: ثنا
محمد بن عمرو بن علقمة عن أبي سلمة عن أبي هريرة- رضي الله عنه:
أن محمد بن الشريد جاء بخادم سوداء عتماء إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: يا رسول الله! إن أمي جعلت عليها عتق رقبة مؤمنة، فهل تجزي أن أعتق هذه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للخادم:
«مَنْ رَبُّكِ؟» .
فرفعت برأسها فقالت: في السماء
…
ثم ذكر باقي الحديث مثله.
وهذا السند أصح؛ لأن زياد بن الربيع ثقة من رجال البخاري، لكن يبدو أن قوله:"محمد بن الشريد" وَهْم من بعض الرواة؛ فإنه ليس له ذكر في "الصحابة"، وقد أورده الحافظ في القسم الرابع من "الإصابة" من رواية ابن منده وابن السكن والباوردي وابن شاهين؛ لكنه قال في روايته: " (جاء محمد بن الشريد أو الشريد بجارية) كذا عنده على الشك، وأخرجه أبو نعيم من رواية إبراهيم بن حرب العسكري عن القطعي (الأصل: القطيعي) مثله؛ إلا أنه قال: (إن عمرو بن الشريد جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم
…
)، وصوّب هذا الطريق، وكل ذلك غير محفوظ! والمحفوظ: ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وصححه ابن حبان، من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو
…
(فذكر الرواية الأولى)، ثم قال:
"قال ابن السكن: محمد بن الشريد ليس بمعروف في الصحابة، ولم أر له ذكراً إلا في هذه الرواية".
وقد جاء الحديث من طريق أخرى عن أبي هريرة، ليس فيها تسمية الرجل، وهو من رواية المسعودي عن عون بن عبد الله عن أخيه عُبيدالله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة:
أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بجارية سوداء أعجمية، فقال: يا رسول الله! إن عليَّ عتق رقبة مؤمنة، فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:"أين الله؟ "، فأشارت إلى السماء بإصبعها السبابة، فقال لها:"من أنا؟ "، فأشارت بإصبعها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وإلى السماء؛ أي: أنت رسول الله، فقال:
"أعتقها " فإنها مؤمنة ".
أخرجه أبو داود (3/ 588/ 3284)، وابن خزيمة أيضاً، والبيهقي في "السنن "(7/ 388)، وأحمد (2/ 291)؛ كلهم من طريق يزيد بن هارون عنه.
قلت: ويزيد سمع من المسعودي- وهو عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة- بعد اختلاطه؛ كما قال ابن نمير، فيما نقله الذهبي في "الكاشف " وغيره، فقوله في "العلو":"إسناده حسن "، غير حسن كما كنت ذكرت في كتابي "مختصر العلو"(81 - 82)، لكن بدا لي الآن أنه أحسن من الحسن، وذلك لأمرين:
الأول: أنني وجدت عند ابن خزيمة متابعين اثنين ليزيد، وهما أسد بن موسى (أسد السنة)، وأبو داود- وهو الطيالسي؛ صاحب "المسند" المعروف به، وليس الحديث فيه-، وهو بصري، وقد ذكر عبد الله بن أحمد في "العلل " عن أبيه
أنه قال:
"سماع وكيع من المسعودي بالكوفة قديماً، وأبو نعيم أيضاً، وإنما اختلط المسعودي ببغداد، ومن سمع منه بالبصرة والكوفة؛ فسماعه جيد".
وذكر نحوه في مكان آخر (2/ 130 - 131)؛ وزاد:
"وأما يزيد بن هارون، وحجاج، ومن سمع منه ببغداد؛ فهو في الاختلاط".
وعلى هذا فالسند جيد؛ لأن الطيالسي بصري كما تقدم.
هذا هو الأمر الأول.
والأمر الآخر: أن ابن معين صحح أحاديث المسعودي عن القاسم وعن عون؛ كما في "التهذيب "، وهذا من روايته عن عون كما ترى، فصح الحديث والحمد لله.
وفي حديث أسد السنة:
"بجارية سوداء لا تُفْصِحُ ".
وفي حديث الطيالسي:
"بجارية عجماء لا تفصح "؛ وعندهما: "مَنْ رَبُّكِ؟ ".
لكن قد خولف عون في إسناد الحديث من قِبَلِ الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن رجل من الأنصار:
أنه جاء بأمة سوداء، فقال: يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، فإن كنت ترى هذه مؤمنة؛ أعتقها؟! فقال:
"تشهدين أن لا إله إلا الله؟ ".
قالت: نعم، قال:
"تشهدين أني رسول الله؟ ". قالت: نعم، قال:
"أتؤمنين بالبعث بعد الموت؟ ".قالت: نعم، قال:
"أعتقها".
أخرجه ابن خزيمة من طريق عبد الرزاق، وهذا في "المصنف " (9/ 175/ 16814) قال: أخبرنا معمر عن الزهري به.
ومن طريق عبد الرزاق: أخرجه أحمد (3/ 451)، وابن الجارود في "المنتقى" 31/ 931).وقال ابن كثير في "التفسير" بعد أن عزاه لأحمد:
"وإسناده صحيح، وجهالة الصحابي لا تضره ".
قلت: وهو كما قال؛ لولا أن معمراً خالفه جماعة من الثقات فأرسلوه:
فرواه مالك (2/ 6)، ويونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عبيد الله: أن رجلاً من الأنصار أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم
…
الحديث مثله.
أخرجه البيهقي (7/ 388 و10/ 57)، وقال:
"هذا مرسل، وقد قيل: عن عون بن عبيد الله بن عتبة عن عبيد الله بن عتبة أبي هريرة- رضي الله عنه.
وقد قيل: عن عون عن أبيه عن جده ".
قلت: وصله الحاكم (3/ 258) وعنه البيهقي في الموضع الأول، وكذا الطبراني (17/ 136) من طريق أبي عاصم: نا أبو مَعْدان المِنْقَري- يعني: عامر بن مسعود-: نا عون بن عبيد الله بن عتبة: حدثني أبي عن جدي.
وعامر هذا لم أعرفه، ولا وجدت له ترجمة فيما لدي من المراجع، لا فيمن يسمى بـ "عامر" ولا فيمن يكنى بأبي معدان، ولا فيمن نسبته "المنقري ".
2 -
وروي عنه بإسناد آخر، فقال الجراح بن مَخلَد: ثنا محمد بن عثمان الجزري: ثنا سعيد بن عَنْبسة القطان: ثنا أبو معدان قال: سمعت عون بن أبي
جحيفة يحدث عن أبيه قال:
أتت رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم امرأةٌ ومعها جارية سوداء، فقالت المرأة: يا رسول الله! إن علي رقبة مؤمنة، أفتجزي عني هذه؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"أين الله؟ ".قالت: في السماء. قال:
"فمن أنا؟ ".قالت: أنت رسول الله. قال:
"أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ ".قالت: نعم. قال:
"أتؤمنين بما جاء من عند الله؟ ".قالت: نعم، قال:
"أعتقيها؛ فإنها مؤمنة".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(22/ 116 - 117).
قلت: وهذا إسناد ضعيف جدّاً مسلسل بالعلل:
الأولى: أبو معدان هذا؛ فإنه غير معروف كما تقدم، وقد سماه الطبراني في باب "أبو معدان: عامر بن مرة عن عون "، ثم ساق هذا الحديث، ولم أجده أيضاً.
الثانية: سعيد بن عنبسة القطان، والظاهر أنه أبو عثمان الخزاز الرازي الذي ذكره ابن أبي حاتم (2/ 1/52) وقال عن أبيه:
"فيه نظر".
ثم روى عن علي بن الحسين بن الجنيد قال: "سعيد بن عنبسة كذاب، سمعت أبي يقول: كان لا يصدق ".
وبه أعله الهيثمي؛ فقال (4/ 244):
"رواه الطبراني، وفيه سعيد بن عنبسة، وهو ضعيف ".
الثالثة: محمد بن عثمان الجزري، لم أجد له ترجمة أيضاً.
ثم وجدت لسعيد بن عنبسة متابعاً لا بأس به، وعرفنا بسببه اسم أبي معدان: رواه صُرَدُ بن حماد أبو سهل قال: حدثنا الحسن بن الحكم بن طَهْمان: حدثنا أبو معدان به.
أخرجه الخطيب في "التاريخ "(9/ 343)، وقال:
"تفرد به أبو معدان، وهو غريب من حديث أبي معدان عبد الله بن معدان، تفرد به الحسن بن الحكم عنه، ولا أعلم حدث به غير صرد، وما علمت من حاله إلا خيراً".
قلت: وابءن طهمان هذا؛ قال ابن أبي حاتم عن أبيه:
"حديثه صالح ليس بذلك، يضطرب".
وعبد الله بن معدان روى عنه أيضاً وكيع وأبو نعيم كما في "الجرح "، وذكر الذهبي في "المقتنى في الكنى":(البُرْساني) مكان: (أبي نعيم).
ثم رأيت في "الجرح "(9/ 446): "أبو معدان ...... عن يحيى بن معين قال: أبو معدان صالح "، وعلَّق المعلمي عليه بما يشعر أنهما واحد.
3 -
حديث ابن عباس، وله عنه طريقان:
الأول: يرويه ابن أبي ليلى عن المنهال عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وعن الحكم يرفعه:
أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن على أمي رقبةً مؤمنةً، وعندي رقبة سوداء أعجمية؟ قال:"ائتِ بها"، قال:"أتشهدين أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟ "، قالت: نعم، قال:
"فأعتقها".
أخرجه ابن أبي شيبة في "المصنف "(11/ 20/10392)، وفي "كتاب الإيمان " (28/ 85 - بتحقيقي): حدثنا علي بن هاشم عن ابن أبي ليلى
…
هكذا وقع في إسناده: " .. عن ابن عباس، وعن الحكم "! وهو معطوف على المنهال- وهو ابن عمرو- على خلاف المتبادر، ولكن مثله يقع كثيراً في الأسانيد، كما يعرفه من مارس هذا العلم.
وقد رواه الطبراني (12/ 26 - 27) و"الأوسط "(2/ 36/2/ 5653) من طريق الحسن بن فرات القزاز: ثنا علي بن هاشم به؛ إلا أنه قال:
"عن المنهال بن عمرو، والحكم عن سعيد بن جبير
…
"، فهذا على الجادة، وقال:
"لم يروه عن المنهال والحكم إلا ابن أبي ليلى".
قلت: وهو ضعيف لسوء حفظه، وبه أعله الهيثمي فقال (4/ 244):
"وفيه محمد بن أبي ليلى، وهوسيىء الحفظ، وقد وُثِّق".
قلت: ومن طريقه: أخرجه البزار (1/ 14/13 - الكشف)، ولم يذكر في إسناده الحكم، وقال:
"وهذا قد روي نحوه بألفاظ مختلفة"!
قلت: هو بهذا اللفظ المرفوع له طريق أخرى، يرويه يزيد بن حكيم: ثنا يحيى
ابن السكن عن قيس بن الربيع: ثنا حبيب بن أبي ثابت عن محمد بن علي عن حنين عن ابن عباس به إلا أنه قال:
"إن عليّ رقبة مؤمنة .. "؛ لم يذكر أمَّه.
أخرجه الطبراني في "الأوسط "(2/ 143/1/ 7212): حدثنا محمد بن يحيى: ثنا يزيد به، وقال:
"لم يروه عن حبيب إلا قيس ".
قلت: وهو ضعيف من قِبل حفظه، ويحيى بن السَّكَن- وهو الرقي ثم البصري- ضعيف، وإن وثقه ابن حبان.
ويزيد بن حكيم مجهول الحال، لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحاً ولا تعديلاً. وأما اللفظ الآخر؛ فيرويه سعيد بن المَرْزُبَان عن عكرمة عن ابن عباس قال:
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ومعه جارية له سوداء، فقال: إن علي رقبة- أحسبه قال: مؤمنة-، فهل يجزئ عني هذه؟ فقال لها:
"أين الله؟ ".
قالت بيدها إلى السماء، قال:
"من أنا؟ ".
قالت: أنت رسول الله، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"أعتقها؛ فإنها مؤمنة ".
أخرجه البزار (1/ 28/37) بسند صحيح عن ابن المرزبان، لكن هذا- مع ضعفه- مدلس، وهو وإن كان ذكروا له رواية عن عكرمة؛ فإنه لم يصرح بسماعه منه كما ترى، وبه وبابن أبي ليلى أعله الهيثمي (4/ 424).
4 -
ومما يشهد لهذا اللفظ: "السماء" حديث كعب بن مالك قال:
جاءت جارية ترعى غنماً لي، فأكل الذئب شاة، فضربتُ وجهَ الجارية، فندمت، فأتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقلت: يا رسول الله! لو أعلم أنها مؤمنة؛ لأعتقتها، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للجارية:
"من أنا؟ ".قالت: رسول الله. قال:
"فمن الله؟ ".قالت: الذي في السماء، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:
"أعتقها، فإنها مؤمنة ".
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(19/ 98/193) و"الأوسط "(2/ 171/1/ 7712) من طريق عبد الله بن شبيب: ثنا داود بن عبد الله الجعفري: ثنا حاتم بن إسماعيل عن ابن عجلان عن زيد بن أسلم عن ابن كعب بن مالك عن أبيه به، وقال:
"لم يروه عن ابن عجلان إلا حاتم، ولا عن حاتم إلا داود الجعفري، ولا يروى عن كعب إلا بهذا الإسناد".
قلت: ورجاله ثقات؛ غير عبد الله بن شبيب؛ فإنه ضعيف، وبه أعله الهيثمي.
وبالجملة؛ فهذه الطرق التي وقفت عليها عن هؤلاء الصحابة الأربعة، وهم: الشريد بن سويد- وإسناده حسن على الخلاف في صحابيِّه ومسنِدِه، فمنهم من
جعله من رواية أبي سلمة عنه، ومنهم من جعله من مسند أبي هريرة من رواية أبي سلمة نفسه، على اختلاف في ضبط بعض ألفاظه كما يأتي بيانه ملخصاً-، وأبو هريرة- وإسناده صحيح-، وأبو جحيفة- بإسناد ضعيف-، وابن عباس- بإسنادين عنه؛ واختلاف أيضاً في بعض ألفاظه-.
ولعله من الضروري أن أقدم إلى القراء الكرام خلاصة نيِّرة عن تلك الروايات والاختلافات في بعض ألفاظها، وبيان الراجح من المرجوح منها؛ ليكون القراء على معرفة بصحيحها من ضعيفها، والنظر في إمكانية الجمع بينها؛ ليكون القراء على حذر من بعض المضللين:
أولاً: لقد اتفقت الروايات كلها على شهادته صلى الله عليه وآله وسلم للجارية بأنها مؤمنة.
ثانياً: واختلفت في نص سؤاله صلى الله عليه وآله وسلم إياها وجوابها على وجوه ثمانية:
الأول: "من ربك؟ قالت: الله ". (الحديث الأول عن شريد، وهو حسن).
الثاني: "من ربك؟ فقالت: في السماء". (الحديث الأول عن أبي هريرة؛
وهو حسن).
الثالث: "أين الله؟ فأشارت إلى السماء". (الحديث الأول أيضاً من الطريق الآخر عنه، وهو صحيح).
الرابع: "تشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم ". (الحديث الأول أيضاً عن الرجل الأنصاري. وهو معلول بالإرسال).
الخامس: "أين الله؟ قالت: في السماء". (الحديث الثاني، وهو ضعيف؛ لكنه بمعنى الوجه الثالث).
السادس: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ قالت: نعم ". (الحديث الثالث من الطريق الأول، وهو ضعيف).
السابع: "أين الله؟ قالت بيدها إلى السماء"(الحديث نفسه من الطريق الآخر، وهو ضعيف أيضاً).
الثامن: "فمن الله؟ قالت: الذي في السماء". (الحديث الرابع،
وسنده ضعيف).
قلت: وبهذا التلخيص الدقيق يتبين للقراء الحقيقة التالية وهي:
أن الأرجح أن سؤاله صلى الله عليه وآله وسلم كان: "أين الله؟ ".
وأن جواب الجارية كان: "في السماء".
وذلك؛ لأن ثلاث روايات اتفقت على السؤال المذكور، والأولى منها هي الرواية الصحيحة عن أبي هريرة، والثانية إن لم تنفع فلا تضر، والثالثة تصلح للاستشهاد بها؛ لأنها ليست شديدة الضعف.
كما اتفقت خمس روايات على الجواب المذكور، وهو في الطريق الأصح في الحديث الأول عن أبي هريرة، وفي الطريق الأخرى الصحيحة عنه، والروايات الباقية منها شاهدة لها.
وإذا كان هذا هو الراجح من مجموع تلك الوجوه الثمانية لاتفاق أكثر الروايات وأصحها عليه؛ فإن ما خالفها؛ إما أن تؤول، وإما أن ترد بالمخالفة؛ فيقال مثلاً: إن رواية: "من ربك؟ " مختصرة من رواية: "أتشهدين أن لا إله إلا الله؟ "، وأن هذه لا تنافي سؤالها بـ "أين الله؟ "، فإننا نعلم اليوم كثيراً ممن ينطقون بهذه الشهادة إذا سئلوا بهذا السؤال بادروك بقولهم:(الله في كل مكان)! وهم يعلمون
أن الله كان ولا مكان! وقد تنبه بعض المجادلين بالباطل لضلال هذا القول فلجأ إلى المراوغة، فقال: لا يقال: إنه في كل مكان، ولا: إنه ليس في مكان (1)، وهذا احتيال منهم في التعبير، يتظاهرون بذلك بالتنزيه، وهو يشبه قول أسلافهم من الجهمية والمعتزلة وأذنابهم من المعطلة:"ليس هو داخل العالم ولا خارجه"؛ ورحم الله من قال في أمثالهم: "هؤلاء قوم أضاعوا ربهم "! فلا يبعد أن يكون السؤال وقع باللفظين: "أين " و: "أتشهدين "، ويؤيده الحديث الثاني.
وإن مما يقطع ويؤكد ترجيحنا المذكور: حديث معاوية بن الحكم الذي وعدتُ بذكره، فإنه قد ساق قصة الجارية سياقاً تامَّاً رائعاً، لم يسقه غيره كسياقه، ولا غرابة في ذلك؛ فإنه سيدها، فقال- رضي الله عنه في حادثة وقعت له وهو يصلي خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فسأله بعض الأسئلة، فأجابه عليها:
5 -
فقال رضي الله عنه:
"وكانت لي جارية ترعى غنماً لي قِبَلَ أُحُدٍ والجَوَّانِيَّة، فاطّلعت ذات يوم فإذا الذئب قد ذهب بشاة من غنمها، وأنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون، لكني صككتها صكة، فأتيتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فعظَّم ذلك عليّ، قلت: يا رسول الله! أفلا أعتقها؟! قال: "ائتني بها"، فأتيته بها، فقال لها:
"أين الله؟ ".
قالت: "في السماء"، قال:"من أنا"، قالت: أنت رسول الله، قال:
"أعتقها؛ فإنها مؤمنة ".
(1) ويقول آخرون: الله موجود بلا مكان. [منه].
أخرجه مسلم، وأبو عوانة وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود
في "صحاحهم" وغيرهم، وهو مخرج في "صحيح أبي داود"(862)،
و"الإرواء"(390).
هذا؛ ويشهد لسؤال: "أين الله " حديث مرفوع، وأثر موقوف.
أما الحديث؛ فيرويه وكيع بن حُدُسٍ عن عمه أبي رَزِين قال:
قلت: يا رسول الله! أين كان ربُّنا قبل أن يخلق خلقه؟ قال: "كان في عماء، ما تحته هواء، وما فوقه هواء، وما ثَمَّ خلق، عرشه على الماء".
أخرجه الترمذي (2108)، وابن ماجه (182)، وابن حبان (39 - الموارد)، وابن أبي عاصم (1/ 271/612)، وأحمد (4/ 11 و12)، وابن عبد البر في "التمهيد"(7/ 137)، وقال الترمذي:
"حديث حسن ".وقال الذهبي في "مختصر العلو"(186/ 193):
"رواه الترمذي وابن ماجه، وإسناده حسن "
وفيه نظر؛ لأن وكيعاً هذا مجهول، كما بينته هناك.
وأما الأثر؛ فهو ما رواه زيد بن أسلم قال:
مرَّ ابن عمر براعي غنم فقال: يا راعي الغنم! هل من جَزَرة (1)؟ قال الراعي: ليس ههنا ربُّها، فقال ابن عمر: تقول: أكلها الذئب! فرفع الراعي رأسه إلى السماء ثم قال: فأين الله؟!
(1) أي: شاة تصلح للذبح. [منه].
فاشترى ابن عمر الراعي واشترى الغنم فأعتقه، وأعطاه الغنم.
أخرجه الطبراني في "المعجم الكبير"(12/ 263/13054): حدثنا محمد ابن نصر الصائغ: ثنا أبو مصعب: ثنا عبد الله بن الحارث الجُمَحِي: ثنا زيد بن أسلم به.
قلت: وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات مترجمون في "التهذيب "، غير شيخ الطبراني محمد بن نصر الصائغ، وهو ثقة مترجم في "تاريخ بغداد"(3/ 318 - 319)، مات سنة (297).
وهذا الأثر احتج به الحافظ الذهبي في "العلو"، ذكره معلقاً على أبي مصعب الزهري، وكنت جوّدت إسناده في "مختصره "(127) ولم أكن قد وقفت يومئذ على وصله، فها قد وقفت عليه الآن، والحمد لله.
وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد"(9/ 347):
"رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح، غير عبد الله بن الحارث الحاطبي، وهو ثقة".
وجملة القول: إن أصح الأحاديث المتقدمة إنما هو حديث معاوية، فلا جرم أن يتفق العلماء- من محدثين وفقهاء- على تصحيحه على مرِّ العصور دون أي خلاف بينهم؛ فقد صححه الخمسة الذين أخرجوه في "صحاحهم " كما تقدم، وكذا البيهقي في "الأسماء"(422)، والبغوي في "شرح السنة"(3/ 239)، والذهبي كما يأتي، والحافظ في "الفتح "(13/ 359)، كل هؤلاء صرحوا بصحة الحديث وإسناده، ويُلحق بهم كل من احتج بالحديث من أئمة الحديث والفقه والتفسير على اختلاف مذاهبهم، ممن احتج به في باب من أبواب الشريعة،
ضرورة أنه لا يحتج إلا بما صح عنده، كالإمام مالك في "الموطأ"(3/ 5 - 6)، والشافعي في "الأم "(5/ 266)، وأحمد في "مسائل عبد الله "(101/ 363)، و"مسائل صالح "(3/ 74/1374)، والطحاوي في "شرح المعاني"(1/ 258)، وابن عبد البر في "الاستيعاب "، وابن الجوزي في "دفع شبه التشبيه"، والنووي في "المجموع "، وابن الوزير في " العواصم والقواصم "(1/ 379 - 380)، وغيرهم كثير وكثير ممن لا يمكن حصرهم، وفيهم بعض المبتدعة المعروفين بمعاداتهم لأهل السنة، وسُوِّد في الرد عليهم رسائل عدة، كالشيخ الصابوني؛ فإنه تابع الحافظ ابن كثير في الاحتجاج بهذا الحديث، فأورده في موضعين (1/ 421 و523) من "مختصره " الذي التزم أن لا يورد فيه إلا ما صح من الحديث!
أما الغلاة من المبتدعة والمتجهمة في هذا العصر؛ فقد أعلن بعضهم عن تضعيفه لهذا الحديث، وإنكاره لصحة قوله صلى الله عليه وآله وسلم:"أين الله؟ "، وجواب الجارية:"في السماء"! وعلى رأس هؤلاء الشيخ الكوثري ومقلِّدوه، وقد كنت رددت عليه في كتابي "مختصر العلو"(ص 82) بما يغني عن إعادته هنا، وكان الرد حول حديث معاوية هذا فقط، قبل أن يتيسر لي جمع شواهده المتقدمة عن أبي هريرة، وأبي جُحَيفة، وابن عباس، ثم أوقفني بعض الإخوان على حديث خامس من رواية ابن شاهين بسنده عن عُكَّاشة الغَنَوِي في "أسد الغابة"، و"الإصابة"، وإسناده حسن.
ثم رأيت في "تلخيص ابن حجر"(3/ 223) حديثاً سادساً عن يحيى ابن عبد الرحمن بن حاطب- الثقة- مرسلاً، رواه أبو أحمد العسَّال في "السنة " من طريق أسامة بن زيد، وفي الحديثين:"أين الله؟ "، قالت:"في السماء".
فماذا عسى أن يقول القائل في مثل هذا المكابر الجاحد للحقائق العلمية
المعترف بها عند العلماء الفطاحل كما تقدم؟! إلا أن يقرأ: {فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور} ! وأن يذكر قوله صلى الله عليه وآله وسلم في حديث معاوية- رضي الله عنه في حديث تفرّق الأمة:
«وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكَلَب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله» : "صحيح الترغيب "(1/ 97/48)؛ نسأل الله السلامة والعافية!
وقد جرى على سَنَنِ هذا الجاحد: الشيخُ المغربي عبد الله الغماري المعروف بعدائه الشديد- كالكوثري- للسنة وأتباعها، ويزيد عليه أنه شيخ الطريقة الدرقاوية، ويزعم أنه مجدد العصر الحاضر! فقد رَدَّ في تعليقه على "التمهيد"(7/ 135) حديث مسلم، فزعم أن قوله صلى الله عليه وآله وسلم فيه:"أين الله؟ " وجواب الجارية عليه بقولها: "في السماء" أنه من تصرف الرواة! ضارباً صفحاً عن تصحيح أولئك الحفاظ إياه، وعن الشواهد المؤكدة لصحته، وعن إمكانية الجمع بينه وبين بعض الألفاظ التي تخالفه بزعمه، مع كونه أصح منها كما تقدم، فما أحراه هو وسلفه الكوثري وأمثالهما ممن يرد الأحاديث الصحيحة المتلقاة من الأمة بالقبول- كالغزالي المعاصر- بوعيد قوله تعالى:{ومن يشاقق الرسول من بعدما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً} (النساء:15).
ثم زاد الجاحد إغراقاً في الضلال بعد أن اتهم رواة اللفظ الأصح بالخطأ والرواية بالمعنى؛ فقال:
"ويؤيد ذلك أن المعهود من حال النبي صلى الله عليه وآله وسلم الثابت عنه بالتواتر أنه كان يختبر إسلام الشخص بسؤاله عن الشهادتين اللتين هما أساس الإسلام ودليله ".
فأقول: هذا باطل من وجوه:
الأول: ما زعمه من التواتر مجرد دعوى لا دليل عليه، وما كان كذلك؛ وجب طرحه وعدم الاشتغال به.
الثاني: أنه يبطل زعمَه بعضُ الألفاظ التي اعتمد عليها في تخطئة اللفظ الأصح، وهو لفظ:"من ربكِ؟ " " فهذا ليس فيه الاختبار بالشهادتين كما زعم.
فإن قيل: هذا لا ينافي اللفظ المذكور!
قلنا: وكذلك لا ينافي اللفظ الأصح: "أين الله؟ "؟ كما تقدم بيانه في الخلاصة النيرة، فتذكر! الثالث: أنه قال أخيراً:
"أما كون الله في السماء؛ فكانت عقيدة العرب في الجاهلية، وكانوا مشركين، فكيف تكون دليلاً على الإسلام؟! ".
كذا قال فُضَّ فوه! فإنه يعلم أن الجاهليين كانوا يؤمنون- مع شركهم- بتوحيد الربوبية بدليل قوله تعالى: {ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله} ونحوه من الآيات، وكانوا يُلبُّون به وهم يطوفون حول البيت، فيقولون: لبيك لا شريك لك إلا شريكاً هو لك، تملكه وما ملك! رواه مسلم (4/ 8).
فإذا كان توحيدهم هذا حقاً، وإذا كان اعتقادهم أن الله في السماء حقاً كذلك، لمطابقته لنص القرآن، وبه أجابت الجارية التي شهد لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالإيمان، أفيُعقل أن يقول مؤمن بالله ورسوله حقاً: لا نؤمن بأن الله في السماء لأن المشركين كانوا يعتقدون ذلك؟! إذن؛ يلزمه أن لا يؤمن بتوحيد الربوبية؛ لأن المشركين يؤمنون به!! ذلك هو الضلال البعيد.
وأصل ضلال هؤلاء المتجهمة أنهم تأثروا بالمعتزلة والجهمية الذين ضلُّوا ضلالاً مبيناً؛ بإنكارهم كثيراً من الغيبيات المتعلقة بالله تعالى وصفاته، وذلك يعود إلى أمرين:
أحدهما: ضعف إيمانهم بالله ورسوله وما جاء عنهما.
والآخر: ضعف عقولهم وقلة فهمهم للنصوص، وهذا هو المثال بين يديك: لم يؤمنوا بأن الله في السماء مع صراحة الآيات في ذلك، والتي منها قوله تعالى:{أأمِنْتُم مَنْ في السماء أنْ يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور} (الملك: 6 1)، وصحة حديث الجارية، الذي شهد لها بالإيمان لأنها عرفت ربها في السماء، ولذلك بادروا إلى إنكار صحته، وأما الآية فعطَّلوا دلالتها بعقولهم المريضة، ذلك أنهم تبادر إلى أذهانهم الكليلة أن (في) هنا ظرفية، وهذا خطأ ظاهر، ففروا منه، فتأولوا (مَنْ) بالملائكة، فوقعوا في خطأ آخر، فوقف في طريقهم قوله صلى الله عليه وآله وسلم:«ارحموا من في الأرض؛ يرحمكم من في السماء، فهذا صريح في أن (في) في شَطْرَيِ الحديث بمعنى (على)، ولما رأى ذلك بعض جهلة الغماريين وأنه يبطل تأويله المذكور؛ بادر بكل صفاقة وجهل إلى القول بأنه "حديث باطل» ! (1) خلافاً لكل العلماء حتى شيوخه الغماريين، كما بينته في الاستدراك المطبوع في آخر المجلد الثاني من "الصحيحة"، طبع عمّان رقم (12).
والمقصود أن معنى الآية المذكورة {أأمنتم من في السماء} ؛ أي: من على
(1) انظر مقدمة المسمى حسن السقاف لكتاب "دفع شبه التشبيه "لابن الجوزي (ص 62و64)
الذي دفعه الذهبي في "السير"(21/ 368) دفعاً لطيفاً بقوله: "ليته لم يخض في التأويل، ولا خالف إمامه"!
السماء. يعني: على العرش؛ كما قال ابن عبد البر (7/ 129و130و134) وغيره؛ كالبيهقي في "الأسماء"(377)؛ حيثما قال: "يعني: من فوق السماء".
وهذا التفسير هو الذي لا يمكن القول إلا به؛ لمن سلّم بمعاني النصوص الكثيرة من القرآن والسنة المُجْمِعة على إثبات العلو والفوقية لله تعالى علوّاً يليق بعظمته؛ كقوله تعالى في الملائكة: {يخافون رَبَّهُم مِنْ فوقهم} وغيرها من الآيات المعروفة، وعلى هذا أهل السنة والجماعة؛ خلافاً للمعتزلة والجهمية في قولهم: إن الله عز وجل في كل مكان، وليس على العرش!
كما في "التمهيد"(7/ 129).
والعجيب من أمر هؤلاء النفاة أنهم أرادوا بنفيهم تنزيه ربهم أن يكون فوق المخلوقات؛ فحصروه في داخلها، كما روي عن بشر المريسي أنه لما قال: هو
في كل شيء! قيل له: وفي قَلَنْسُوتك هذه؟ قال: نعم، قيل: وفي جوف حمار؟! قال: نعم!
وهذا القول يلزم كل من يقول بأنه تعالى في كل مكان، وهو من أبطل ما قيل في رب العالمين الحكيم الحليم، ولذلك قال بعض السلف: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية!
ولوضوح بطلان هذا القول لبعض علماء الكلام؛ فرُّوا إلى القول بما هو أبطل منه، وسمعته بأذني من بعض الخطباء يوم الجمعة على المنبر:
الله ليس فوق ولا تحت، ولا يمين ولا يسار، ولا أمام ولا خلف، لا داخل العالم ولا خارجه، وزاد بعض الفلاسفة: لا متصلاً به، ولا منفصلاً عنه!!
وهذا هو التعطيل المطلق الذي لا يمكن لأفصح الناس أن يصف العدم بأكثر
مما وصف هؤلاء ربهم، تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً! ورحم الله ذلك الأمير العاقل الذي قال لما سمع هذا من بعض علماء الكلام:"هؤلاء قوم أضاعوا ربّهم"!
ولهذا؛ قال بعض العلماء:
"المجسِّم يعبد صنماً، والمعطّل يعبد عدماً، المجسم أعشى، والمعطل أعمى"!
ومن المؤسف أن العلامة ابن الجوزي- في رده على المشبهة- قد وقع منه من ذاك الكلام؛ فقال في كتابه المتقدم بعد أن تأول (الاستواء) بالاستيلاء واستشهد على ذلك ببيت الأخطل النصراني المعروف:
قد استوى بِشْرٌ على العراقِ من غير سيف ولا دمٍ مُهْراقِ
وتفلسف في رد المعنى الصحيح وهو الاستعلاء، قال:
"ولذا؛ ينبغي أن يقال: ليس بداخل في العالم، وليس بخارج منه "!
ولم يعلق المسمى بـ "حسن السقاف" على هذا النفي الباطل؛ الذي لم يقل به إمام معروف من قبل، والذي ليس فيه ذَرَّةٌ من علم كما هو شأن النفاة، ومن عجائبه وجهالاته أنه يقلد ابن الجوزي في إنكاره على من يقول من المثبتة:"استوى على العرش بذاته "؛ فيقول ابن الجوزي (ص 127) منكراً لهذه اللفظة " بذاته":
"وهي زيادة لم تنقل ".
فيا سبحان الله! زيادة كهذه يُراد بها دفع التعطيل تُنكر لأنها لم تنقل، وقوله
المتقدم: "ليس بداخل
…
"لا ينكر! اللهم إن هذه لإحدى الكُبَرِ!!
وكذلك لم يعلِّق على تأويل ابن الجوزي لآية (الاستواء) بل أقرَّه، لأنه صرح (ص 123) - بعد كلام طويل له فيه كثير من التحريف والكذب لا مجال الآن لبيانه- قال:
"الاستواء عندنا هو الاستيلاء والقهر، أو تفويض معناه إلى الله ".
كذا قال! وهذا يدل على أنه لم يعرف الحق بعدُ، لتردده بين التأويل والتفويض!
ولكنني أعتقد أن ذكره التفويض هنا؛ إنما هو سياسة منه، ومراوغة وتضليل للقراء الذين قد ينكرون عليه التأويل، فإنه قال بعدُ (ص 127):
"وأما رد الإمام أبي الحسن الأشعري تفسير الاستواء بالاستعلاء؛ فنحن لا نوافقه في ذلك أبداً، ونقول: إنه قال ذلك بسبب رَدّة فعل حصلت عنده من المعتزلة، وهم وإن لم نوافقهم في كثير من مسائلهم؛ إلا أننا هنا نوافقهم ونعتقد أنهم مصيبون في هذه المسألة"!
أي: في إنكارهم علوَّ الله على خلقه، لكن المعتزلة وأمثالهم كالإباضية يقولون بأن الله في كل مكان، وهذا مما ينكره أشدَّ الإنكار ذلك الجاهل المتعالم، ويصرِّح بتكفير من يقول به، ويعتقد أن الله سبحانه وتعالى موجود بلا مكان! ويعني: أنه ليس فوق العرش كما أخبر تعالى في كثير من آياته، وأخبر نبيُّه صلى الله عليه وآله وسلم في أحاديثه، فراجع كلامه في ذلك في "الأحاديث الضعيفة" تحت الحديث (6332).
وإن من ضلال ذاك السقاف أنه يصرح بنفي ثبوت قوله صلى الله عليه وآله وسلم: "أين الله؟ "؟
مع قوله بأنه في " صحيح الإمام مسلم "! ثم يؤكد ذلك فيقول - فُضَّ فوه- (ص108):
"ونحن نقطع بأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم يقل: "أين الله؟ "، وإنما قال: "أتشهدين أن لا إله إلا الله " الذي رواه أحمد .. و .. و
…
بأسانيد صحيحة".
ثم أعاد نحو هذا الكلام في مكان آخر (ص 186 - 187).
وفيه أكاذيب عجيبة عديدة- تؤكد أن الرجل لا يخشى الله، ولا يستحي من عباد الله- يطول الكلام عليها جدّاً، فأوجزُ في العبارة ما استطعت:
فمن ذلك أن اللفظ الذي عزاه لأحمد- وغيره ممن أشرت إليهم بالنقط وهم ثمانية-، يوهم القراء أنهم جميعاً رووه باللفظ المذكور، وعن صحابي واحد، وهو كذب وزور، فإنما رووه بأكثر من لفظ وعن أكثر من صحابي، فبعضهم رواه: عن أنصاري- وهو الذي أعله البيهقي بالإرسال كما تقدم-، وبعضهم: عن الشريد- وسنده حَسن على الخلاف في إسناده كما تقدم، ثم هو بلفظ:"من ربك؟ "، خلافاً للفظ المذكور! -، وبعضهم عن ابن عباس- وفيه ابن أبي ليلى-.
فأين الأسانيد الصحيحة التي ادعاها كذباً ومَيْناً؟! على أنه سرعان ما كذَّب نفسه بنفسه في المكان الآخر المشار إليه؛ فإنه قال- عقب بعض المصادر المشار إليها بالنقط-:
" .. والطبراني (12/ 27) بسند صحيح .. "، ثم ذكر مصدرين آخرين
تمام الثمانية.
قلت: وهذا كذب أيضاً لما عرفت، وبخاصة إذا أرجعنا الضمير إلى أقرب
مذكور- وهو الطبراني- فإن فيه ابن أبي ليلى كما عرفت! ومن تدجيله- زيادة على ما تقدم- أنه تعمد أن لا يضيف إلى تلك المصادر أبا داود، وابن خزيمة مطلقاً، ولا إلى المجلد السابع من "سنن البيهقي "؛ لأن الحديث عندهم باللفظ الذي قطع بتكذيبه، عامله الله بما يستحق!! ولو أن طالب علم عكس عليه قطعه المأفون، فجزم ببطلان اللفظ الذي زعم صحته؛ لكان قاهراً عليه؛ لأن معه بعض الروايات التي فيها."أين الله " من طرق أكثر وأصح من لفظه، فكيف ومعه حديث معاوية بن الحكم- رضي الله عنه وقد صححه جمع غفير من المحدثين قديماً وحديثاً كما تقدم؟! ولكننا لا نرى تعارضاً حتى نلجأ إلى الترجيح كما سبق، وإلى هذا جنح العلامة ابن قيّم الجوزية- رحمه الله في "إعلام الموقعين " (3/ 521 - كردي)؛ فقد ذكر روايتين مما تقدم:"من ربك؟ "، و"أين الله "، ثم قال:
"وسأل صلى الله عليه وآله وسلم: "أين الله؟ "، فأجاب من سأله بأن الله في السماء، فرضي جوابه وعلم به أنه حقيقة الإيمان بربه، ولم ينكر هذا السؤال عليه، وعند الجهمي أن السؤال بـ "أين الله؟ " كالسؤال بـ: ما لونه، وما طعمه، وما جنسه، وما أصله؟ ونحو ذلك من الأسئلة المحالة الباطلة! ".
ولقد صدق- رحمه الله وأصاب كبد الحقيقة، فأنت ترى هذا (السخاف) كيف يصر على التكذيب بهذا الحديث الصحيح الذي صححه أئمة المسلمين كما تقدم بيانه، ثم لا يكتفي بذلك، فيتهمهم بالتجسيم! فيقول- فُضَّ فوه- (ص187):
"ومن الغريب العجيب: أننا نرى المجسمة يرددون هذا اللفظ: "أين الله؟ " على ألسنتهم دائماً، ولا يدركون (!) أن هذا تصرف رواة، وحكاية لكلام النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالمعنى المخطئ، وخصوصاً بعد ثبوت هذا الحديث عند غير مسلم بلفظ: