الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على ذلك؛ لأنه لَمَّا نصَّ على الثيب لأنها قد وطئت ولم يجعل على البكر استبراء (1).
قال ابن المنذر: واحتجَّ بعض من هذا مذهبه بأنَّ الله تعالى أباح وطء ما ملكت اليمين عامًا مُطلقًا، ولا يجوز أن يمنع المالك من وطء أمته إلَاّ بِحجَّة، ولا نعلم حجة تمنع من وطء من يعلم ألَاّ حمل بها (2).
الترجيح:
والذي يظهر لي رجحانه هو القول الثاني لقوَّة أدلته، ولزوال المعنى الذي شرع الاستبراء لأجله.
المطلب الثاني
في استبراء البكر
وقد اختلف أهل العلم في وجوب استبرائها على قولين:
القول الأول: وجوب استبرائها:
ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ ومنهم الحنفية (3)، والمالكية (4)، والشافعية (5)، والحنابلة (6).
واستدلُّوا بما يلي:
1 -
حديث أبي سعيد السابق وما فيه من نهي النبي صلى الله عليه وسلم من وطأ غير ذات الحمل حتى تحيض.
2 -
ومثله ما جاء في حديث رويفع (7).
(1) الإشراف (4/ 314).
(2)
الإشراف (4/ 314).
(3)
ذكره لهم ابن قدامة (11/ 274) وابن القيم في زاد المعاد (5/ 714).
(4)
الكافي (1/ 527) الشرح الصغير (3/ 555).
(5)
روضة الطالبين (8/ 427) مغني المحتاج (3/ 408).
(6)
المغني (11/ 274) زاد المعاد (5/ 714).
(7)
سبق تخريجهما.
فعمومه يقتضي تحريم وطء أبكارهنَّ قبل الاستبراء، كما يمتنع وطء الثيب (1).
ونوقش: بأنَّ غايته أنه عموم أو إطلاق ظهر القصد منه، فيخصُّ أو يقيِّد عند انتفاء موجب الاستبراء.
ويخص أيضًا بمفهوم قوله صلى الله عليه وسلم في حديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكح ثيبًا من السبايا حتى تحيض» .
ويخص أيضًا بمذهب الصحابي، وهو ما صحَّ عن ابن عمر، ولا يُعلم له مخالف من الصحابة (2).
3 -
ولأنه ملك جارية محرَّمة عليه، فلم تحلّ له قبل استبرائها، كالثيب التي تحمل (3).
ونوقش: بالفارق، للاحتمال في الثيب بخلاف البكر.
4 -
ولأنه سبب موجب للاستبراء، فلم يفترق الحال فيه بين البكر والثيِّب والتي تحمل والتي لا تحمل كالعدَّة (4).
القول الثاني: أنه لا يجب استبراؤها:
ذهب إليه الظاهرية (5)، وابن سريج من الشافعية (6)، وابن تيمية وابن القيم (7)، وروي عن ابن عمر (8).
واحتجُّوا بما يلي:
1 -
أنَّ الغرض من الاستبراء معرفة براءتها من الحمل، وهذا
(1) المغني (11/ 274) روضة الطالبين (8/ 724) مغني المحتاج (3/ 408) زاد المعاد (5/ 717).
(2)
زاد المعاد (5/ 717، 718).
(3)
المغني (11/ 275).
(4)
المغني (11/ 275).
(5)
المحلى (11/ 728).
(6)
روضة الطالبين (8/ 427).
(7)
زاد المعاد (5/ 717).
(8)
أخرجه البخاري في صحيحه (4/ 351) تعليقًا.
معلومٌ في البكر (1).
ونوقش: بأنَّ هذا غير مسلَّم؛ إذ العذراء قد تحمل (2).
وأجيب: بأن هذا نادر فلا يُلتَفت إليه.
2 -
أنه ليس عن النبي صلى الله عليه وسلم عام في وجوب استبراء كلِّ من تجدَّد له عليها ملك على أية حالة كانت، وإنما نهى عن وطء السبايا حتى تضع حواملهن وتحيض حوائلهن (3).
وقوله صلى الله عليه وسلم: «ولا غير ذات حمل حتى تحيض» يراد به من يجوز أن تكون حاملاً وأن لا تكون، فيمسك عن وطئها مخافة الحمل، لأنه لا علم بما اشتمل عليه رحمها (4).
3 -
ما جاء في صحيح البخاري من حديث بريدة، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عليًّا رضي الله عنه إلى خالد - يعني باليمن - ليقبض الخُمس، فاصطفى عليُّ منه سبيَّة، فأصبح وقد اغتسل، فقلت لخالد: أما ترى إلى هذا؟ قال بريدة: فلمَّا قدمنا إلى النبي صلى الله عليه وسلم ذكرت ذلك له فقال: «يا بريدة، أتبغض عليًّا؟» قلت: نعم، قال:«لا تبغضه؛ فإنَّ له في الخمس أكثر من ذلك» (5).
قال ابن القيم:
فهذه الجارية إما أن تكون بكرًا فلم يرَ عليُّ وجوب استبرائها، وإما أن تكون في آخر حيضها فاكتفى بالحيضة قبل تملُّكه لها وبكلِّ حال، فلا بدَّ أن يكون تحقُّق براءة رحمها بحيث أغناه عن الاستبراء (6).
(1) الإشراف (4/ 314) المغني (11/ 274) زاد المعاد (5/ 714).
(2)
المغني (11/ 275) حاشية الصاوي على الشرح الصغير (3/ 55).
(3)
زاد المعاد (5/ 718).
(4)
زاد المعاد (5/ 718).
(5)
أخرجه البخاري في المغازي، باب بعث علي بن أبي طالب، وخالد إلى اليمن قبل حجة الوداع (8/ 52، 53).
(6)
زاد المعاد (5/ 718).
2 -
ما رُوي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «إذا وهبت الوليدة التي توطأ أو بيعت، أو أعتقت فلتُستبرأ بحيضة، ولا تُستبرَأ العذراء» (1).
الترجيح:
والذي يظهر لي أنَّ الاستبراء إنما شُرِّع للعلم ببراءة الرحم من الحمل، وقد رجَّحت فيما سبق عدم وجوب استبراء من علم براءة رحمها من الحمل ولو كانت ثيبًا، والعلم ببراءة الرحم من الحمل ليست متوقِّفة على الحيض (2)، وإنما هو أحد الوسائل، فإذا كان وجود البكارة مانع من الحمل فلا تحتاج إلى استبراء، وإلَاّ فلا بدَّ منه.
(1) أخرجه البخاري عليقًا بصيغة الجزم (4/ 351) ووصله عبد الرزاق (7/ 227) من طريق أيوب عن نافع عنه.
(2)
ولا يرد علينا أن الاعتداد لذات الأقراء لا يكون إلا بالحيض، وبالثلاثة قروء؛ لأن للاعداد معاني أخر غير الاستبراء، وإلا لاكتفى بقرء واحد.