الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترجيح:
والذي يظهر لي رجحانه هو القول الثاني؛ لقوَّة ما بني عليه من استدلال، مع سلامة وصحَّة ما أورده على أدلَّة القائلين بالحرمة.
الفرع الثاني: في حكمه من حيث الصحة وعدمها:
وقد اختلف أهل العلم في حُكم طوافها، لو طافت وهي حائض، هل يصحُّ ذلك منها ويقبل أم لا على قولين:
القول الأول- أنه لا يصح:
ذهب إليه جمهور أهل العلم، ومنهم المالكية (1)، والشافعية (2)، والحنابلة في المذهب (3)، والظاهرية (4).
واستدلُّوا:
بما استدلُّوا به فيما سبق في مسألة الطواف حال الاختيار.
القول الثاني- أنه يصحُّ:
ذهب إليه الحنفية (5)، وأحمد في رواية عنه (6)، اختارها ابن تيمية (7)، وبعض المالكية (8)، وروي عن عطاء (9).
(1) انظر: الإشراف (1/ 28) بداية المجتهد (2/ 250) المنتقى (2/ 224) القوانين الفقهية (89) شرح الخرشي (2/ 314).
(2)
المجموع (8/ 17) الحاوي (1/ 384).
(3)
المغني (5/ 223) المبدع (3/ 221) الفروع (3/ 502) كشاف القناع (2/ 485).
(4)
المحلى (7/ 257)(2/ 220).
(5)
المبسوط (4/ 38) فتح القدير والعناية (3/ 51) والحجة على أهل المدينة (2/ 133) رد المحتار (2/ 519) بدائع الصنائع (2/ 129).
(6)
المغني (5/ 223) المبدع (3/ 221) الفروع (3/ 502) حاشية المقنع (1/ 445).
(7)
مجموع الفتاوى (26/ 239، 241).
(8)
حاشية الصاوي على الشرح الصغير (1/ 380).
(9)
فتح القدير (3/ 51) مجموع فتاوى ابن تيمية (26/ 208).
إلَاّ أنَّ أصحاب هذا القول: أوجبوا عليها الدم، قالوا: لأنَّ الطهارة إن لم تكن شرطًا، فهي واجب، وتركه يوجبه، وقد أشرنا لذلك في هذا البحث.
ومال ابن تيمية: إلى عدم وجوب الدم عليها في هذه الحالة، قال: لأنَّ الواجب إذا ترك من غير تفريط، فلا دم. مجموع الفتاوى (26/ 205، 240).
واستدلَّ هؤلاء:
بما أسلفناه لهم من الاستدلال في مسألة الطواف حال عدم الضرورة، وزاد عليها ابن تيمية في هذا الموضع، وأتى بما لم يسبق إليه.
وقد مثل ابن تيمية للعُذر الذي تسقط به الحرمة في طواف الحائض، وكذا اشتراط الطهارة على القول به، وبالمرأة تحرم بالحج، ثم تحيض قبل طواف الإفاضة، ولا يمكنها الاحتباس بعد الوفد، والوفد ينفر بعد التشريق بيوم أو يومين أو ثلاثة ولا يمكنها البقاء بمكة حتى تطهر، إمَّا لعدم النفقة، أو لعدم الرفقة التي تقيم معها وترجع معها، ولا يمكنها المقام بمكة لعدم هذا أو هذا أو خوف الضرر على نفسها، وما لها في المقام وفي الرجوع بعد الوفد.
والرفقة التي معها تارة لا يمكنهم الاحتباس لأجلها، إمَّا لعدم القدرة على المقام والرجوع وحدهم، وإما لخوف الضرر على أنفسهم وأموالهم، وتارة يمكنهم ذلك لكن لا يفعلونه، فتبقى هذه معذورة (1).
قال: لكن هل يُباح لها الطواف مع العذر؟
هذا محل النظر، وكذلك قول من يجعلها شرطًا، هل يسقط هذا الشرط للعجز عنه ويصح الطواف؟ هذا هو الذي يحتاج الناس إلى معرفته (2).
فيتوجَّه أن يقال إنما تفعل ما تقدر عليه من الواجبات، ويسقط عنها ما تعجز عنه، فتطوف، وينبغي أن تغتسل كما تغتسل للإحرام وأولى، وتستثفر كما تستثفر المستحاضة وأولى (3)، وذلك لوجوه:
(1) مجموع الفتاوى (26/ 224).
(2)
المصدر السابق (26/ 225).
(3)
الاستثفار: أن تشد على فرجها ما يمنع خروج الدم، فتأخذ خرقة مشقوقة الطرفين تشدها على جنينها ووسطها على الفرج، انظر: الحاوي (1/ 433) المغني (1/ 421).
أحدها: أنَّ هذه لا يمكن فيها إلَاّ أحد أمور خمسة:
إما أن يقال: تقيم حتى تطهر وتطوف، وإن لم يكن لها نفقة، ولا مكان تأوي إليه بمكَّة، وإن لم يمكنها الرجوع إلى بلدها، وإن حصل لها بالمقام بمكة من يستكرهها على الفاحشة فيأخذ مالها إن كان معها مال.
وإمَّا أن يقال: بل ترجع غير طائفة بالبيت وتقيم على ما بقي من إحرامها إلى أن يمكنها الرجوع، وإن لم يمكنها بقيت مُحرِمة إلى أن تموت.
وإما أن يقال: بل تتحلَّل كما يتحلَّل المحصر، ويبقى تمام الحج فرضًا عليها تعود كالمحصر عن البيت مطلقًا لعذر، فإنه يتحلَّل من إحرامه، ولكن لم يسقط الفرض عنه، بل هو باقٍ في ذمَّته باتفاق العلماء .. ولو كان قد أحرم بتطوُّعٍ من حجٍّ أو عمرة فأحصر، فهل عليه قضاؤه على قولَين مشهورين.
وإما أن يقال: من تخاف أن تحيض فلا يمكنها الطواف طاهرًا لا تؤمر بالحج، لا إيجابًا ولا استحبابًا، ونصف النساء أو قريب من النصف يحضن إمَّا في العاشر وإما قبله بأيام، ويستمر حيضهنَّ إلى ما بعد التشريق بيوم أو يومين أو ثلاثة، فهؤلاء في هذه الأزمنة (1)، في كثير من الأعوام، أو أكثرها لا يمكنهنَّ طواف الإفاضة مع الطهر، فلا يحججن ثم إذا قدر أنَّ الواحدة حجَّت فلا بدَّ لها من أحد الأمور الثلاثة المتقدمة، إلَاّ أن يسوَّغ لها الطواف مع الحيض (2).
قال: ومن المعلوم أن الوجه الأول لا يجوز أن تؤمر به، فإن في ذلك من الفساد في دينها ودنياها ما يعلم بالاضطرار أن الله ينهى عنه، فضلاً عن أن يأمر به.
(1) أي: الأزمنة التي لا يمكن المرأة الاحتباس بعد الوفد.
(2)
مجموع الفتاوى (26/ 225، 226).
والوجه الثاني- كذلك لثلاثة أوجه:
أحدها: أنَّ الله لا يأمر أحدًا أن يبقى محرمًا إلى أن يموت، فالمحصر بعدوٍّ له أن يَحلل باتفاق العلماء، والمحصر بمرض أو فقر فيه نزاع مشهور، فمن جوَّز له التحلُّل فلا كلام فيه، ومن منعه التحلُّل قال: إنَّ ضرر المرض والفقر لا يزول بالتحلل، بخلاف حبس العدو؛ فإنه يستفيد بالتحلل الرجوع إلى بلده، وأباحوا له أن يفعل ما يحتاج إليه من المحظورات، ثم إذا فاته الحج تحلَّل بعمرة الفوات، فإذا صحَّ المريض ذهب، والفقير حاجته في إتمام سفر الحج كحاجته في الرجوع إلى وطنه، فهذا مأخذهم في أنه لا يتحلل، قالوا: لأنه لا يستفيد بالتحلُّل شيئًا، فإن كان هذا المأخذ صحيحًا، وإلَاّ كان الصحيح هو القول الأوَّل، وهذا المأخذ يقتضي اتفاق الأئمَّة على أنه متى كان دوام الإحرام يحصل به ضرر يزول بالتحلُّل فله التحلُّل.
ومعلومٌ أنَّ هذه المرأة إذا دام إحرامها تبقى ممنوعة من الوطء دائمًا، بل وممنوعة في أحد قوليهم من مقدمات الوطء، بل من النكاح ومن الطيب وشريعتنا لا تأتي بهذا.
الثاني: أنَّ هذه إذا أمكنها العود فعادت أصابها في المرة الثانية نظير ما أصابها في الأولى، إذا كان لا يمكنها العود إلا مع الوفد، والحيض قد يصيبها مدَّة مقامهم بمكة.
الثالث: أنَّ هذا إيجاب سَفَرين كاملين على الإنسان للحجِّ من غير تفريطٍ منه ولا عدوان، وهذا خلاف الأصول، فإنَّ الله لم يوجب على الناس الحجَّ إلَاّ مرَّةً واحدة، وإذا أوجب القضاء على المفسد فذلك بسبب جنايته على إحرامه، وإذا أوجبه على من فاته الحج فذلك بسبب تفريطه؛ لأنَّ الوقوف له وقتٌ محدد، يمكن في العادة ألَاّ يتأخَّر عنه، فتأخُّره يكون لجهله بالطريق أو بما بقي من الوقت أو لترك السير
المعتاد، وكلُّ ذلك تفريط، بخلاف الحائض، فإنها لم تفرِّط، ولهذا أسقط النبي صلى الله عليه وسلم عنها طواف الوداع وطواف القدوم، كما في حديث عائشة وصفية.
وأما التقدير الثالث:
وهو أن يقال: تتحلَّل كما يتحلَّل المحصر، فهذا أقوى، كما قال ذلك طائفةٌ من العلماء، فإن خوَّفها منعها من المقام حتى تطوف، كما لو كان بمكة عدُّو منعها من نفس الطواف دون المقام على القول بذلك، لكنَّ هذا القدر لا يُسقط عنها فرض الإسلام، ولا يؤمر المسلم بحجٍّ يحصر فيه، فمن اعتقد أنه إذا حج أحصر عن البيت، لم يكن عليه الحج، بل خلو الطريق وأمنه ، وسعة الوقت شرط في لزوم السفر باتفاق المسلمين.
وإنما تنازعوا: هل هو شرطٌ في الوجوب، بمعنى: أنَّ من ملك الزاد والراحلة مع خوف الطريق أو ضيق الوقت، هل يجب عليه فيحجُّ عنه إذا مات؟ أو لا يجب عليه بحال؟ على قولَين معروفين:
فعلى قول من لم يجعل لها رخصة إلَاّ رخصة الحصر يلزمه القول الرابع، وهو أنها لا تُؤمَر بالحج، بل ولا يَجب ولا يُستَحَب، فعلى هذا التقدير يبقى الحجُّ غير مشروعٍ لكثيرٍ من النساء، أو أكثرهنَّ في أكثر هذه الأوقات، مع إمكان أفعالها كلَّها لكونهنَّ يعجزن عن بعض الفروض في الطواف.
ومعلوم أنَّ هذا خلاف أصول الشريعة، فإنَّ العبادات المشروعة إيجابًا أو استحبابًا، إذا عجز عن بعض ما يجب فيها لم يسقط عنه المقدور لأجل المعجوز، بل قد قال النبي صلى الله عليه وسلم:«إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (1). وذلك مطابق لقوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]
ومعلومٌ أنَّ الصلاة وغيرها من العبادات التي هي أعظم من
(1) سبق تخريجه.
الطواف لا تسقط بالعجز عن بعض شروطها وأركانها، فكيف يسقط الحج بعجزه عن بعض شروط الطواف وأركانه؟!
رابعًا- قال: ومثل هذا القول أن يقال يسقط عنها طواف الإفاضة، فإنَّ هذا خلاف الأصول؛ إذ الحجُّ عبارة عن الوقوف، والطواف أفضل الرُّكنَين وأجلهما، ولهذا يشرع في الحج، ويشرع في العمرة، ويشرع منفردًا، ويُشترط له من الشروط ما لا يُشتَرَط للوقوف، فكيف يمكن أن يصحَّ الحج بوقوف بلا طواف؟!
ولكن أقرب من ذلك أن يقال: يجزئها طواف الإفاضة قبل الوقوف، فيقال: إنها إذا أمكنها الطواف قبل التعريف، وإلا طافت قبله؛ لكن هذا لا نعلم أن أحدًا من الأئمَّة قال به في صورة من الصور ولا قال بإجزائه (1).
قال: فإذا تبيَّن فساد هذه أقسام الأربعة بقي الخامس وهو أنها تفعل ما تقدر عليه، ويسقط عنها ما تعجز عنه.
وهذا هو الذي تدلُّ عليه النصوص المتناولة لذلك والأصول المشابهة له، وليس في ذلك مخالفة للأصول والنصوص التي تدل على وجوب الطهارة كقوله صلى الله عليه وسلم:«تقضي الحائض المناسك كلَّها إلَاّ الطواف بالبيت» (2) إنما تدل على الوجوب مطلقًا، كقوله:«لا يقبل الله صلاة أحدكم حتى يتوضَّأ» (3)، وقوله:«لا يقبل الله صلاة حائض إلَاّ بخمار» (4).
(1) مجموع الفتاوى (26/ 229، 230، 231).
(2)
سبق تخريجه.
(3)
أخرجه البخاري في كتاب الوضوء، باب لا تقبل صلاة بغير طهور (1/ 43) ومسلم في كتاب الطهارة باب وجوب الطهارة للصلاة (1/ 204).
(4)
أخرجه أبو داود في الصلاة، باب المرأة تصلي بغير خمار (1/ 421) والترمذي، في الصلاة باب لا تقبل صلاة المرأة إلَاّ بخمار (2/ 215) وقال: حديث حسن، وابن ماجة، في الطهارة، باب إذا حاضت الجارية لم تصل إلا بخمار (1/ 215) وأحمد (6/ 150) والحاكم (1/ 251) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه ووافقه الذهبي عليه وصحَّحه الألباني كما في إرواء الغليل (1/ 214) عليه، وصحَّحه الألباني كما في إرواء الغليل (1/ 214).
وقوله: «حُتِّيه ثم اقرصيه ثم صلي فيه» (1)، وقوله:«لا يطوف بالبيت عريان» (2)، وأمثال ذلك من النصوص.
وقد عُلِم أنَّ جميع ذلك مشروطٌ بالقدرة كما قال تعالى: {فَاتَّقُوا اللهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} [التغابن: 16]
وقال صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمرٍ فأتوا منه ما استطعتم» (3)
وهذا تقسيم حاصر.
إذا تبيَّن أنه لا يمكن أن تُؤمَر بالمقام مع العجز والضرر على نفسها ودينها ومالها، ولا تؤمر بدوام الإحرام، وبالعود مع العجز، وتكرير السفر، وبقاء الضرر، من غير تفريط منها، ولا يكفي التحلُّل ولا يسقط به الفرض.
وكذلك سائر الشروط، كالستارة واجتناب النجاسة، وهي في الصلاة أوكد، فإنَّ غاية الطواف أن يُشبه بالصلاة، وليس في الطواف نصٌّ ينفي قبول الطواف مع عدم الطهارة، والستارة، كما في الصلاة، ولكن فيه ما يقتضي وجوب ذلك.
ولهذا تنازع العلماء:
هل ذلك شرط؟ أو واجب ليس بشرط؟
ولم يتنازعوا أنَّ ذلك شرط في صحة الصلاة، وأنه يستلزم أن تؤمر بترك الحج، ولا تؤمر بترك الحج بغير ما ذكرناه، وهو المطلوب (4).
الدليل الثاني:
أن يقال: غاية ما في الطهارة أنها شرط في الطواف، ومعلومٌ أنَّ كونها شرط في الصلاة أوكد منها في الطواف، ومعلومٌ أنَّ الطهارة كالستارة واجتناب النجاسة، بل الستارة في الطواف أوكد من الطواف؛ لأنَّ ستر العورة يجب في الطواف وخارج الطواف،
(1) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء باب غسل الدم (11/ 63) ومسلم في كتاب الطهارة باب نجاسة الدم (1/ 140).
(2)
أخرجه البخاري في الصلاة، باب ما يستر من العورة (1/ 97).
(3)
سبق تخريجه.
(4)
مجموع الفتاوى (26/ 233، 234).
ولأنَّ ذلك من أفعال المشركين التي نهى الله ورسوله صلى الله عليه وسلم عنها نهيًا عامًا.
ولأنَّ المستحاضة ومن به سلس البول ونحوهما يطوف ويصلِّي باتفاق المسلمين، والحدث في حقِّهم من جنس الحدث في حقِّ غيرهم، ولم يفرِّق بينهما إلَاّ العُذر، وإذا كان كذلك وشروط الصلاة تسقط بالعجز، فسقوط شروط الطواف بالعجز أولى وأحرى.
والمصلِّى يصلِّي عُريانًا، ومع الحدث، والنجاسة في صورة المستحاضة وغيرها، ويصلي مع الجنابة، وحدث الحيض مع التيمم وبدون التيمم عند الأكثرين إذا عجز عن الماء والتراب (1).
الدليل الثالث:
أن يُقال: هذا نوعٌ من أنواع الطهارة، فسقط بالعجز كغيره من أنواع الطهارة، فإنها لو كانت مستحاضة ولم يمكنها أن تطوف إلَاّ مع الحدث الدائم طافت باتفاق العلماء، وفي وجوب الوضوء عليها خلاف مشهور بين العلماء، وفي هذا صلاة مع الحدث، مع حمل النجاسة، وكذلك لو عجز الجنب أو المحدث عن الماء والتراب صلَّى وطاف في أظهر قولي العلماء.
الدليل الرابع:
أن يُقال شرط من شرائط الطواف، فسقط بالعجز كغيره من الشرائط، فإنه لو لم يمكنه أن يطوف إلَاّ عُريانًا لكان طوافه عُريانًا أهون من صلاته عريانًا، وهذا واجب بالاتفاق، فالطواف مع العري إذا لم يمكن إلَاّ ذلك أولى وأحرى.
وإنما قلَّ تكلُّم العلماء في ذلك لأنَّ هذا نادر، فلا يكاد بمكة يعجز عن سترة يطوف بها، لكن لو قُدِّر أنه سُلِب ثيابه، والقافلة خارجون لا يمكنه أن يتخلَّف عنهم، كان الواجب عليه فعل ما يقدر عليه من الطواف مع العري، كما تطوف المستحاضة ومن به سلس البول، مع أنَّ النهي عن الطواف عُريانًا أظهر وأشهر في الكتاب والسنة من طواف الحائض (2).
(1) مجموع الفتاوى (26/ 235).
(2)
المصدر السابق (26/ 238).
قال ابن تيمية:
وهذا الذي ذكرته هو مقتضى الأصول المنصوصة العامة المتناولة لهذه الصورة لفظًا ومعنى، ومقتضى الاعتبار والقياس على الأصول التي تشابهها.
والمعارض لها لم يجد للعلماء المتبوعين كلامًا في هذه الحادثة المعينة، كما لم يجد لهم كلامًا فيما إذا لم يمكنه الطواف إلا عريانًا. وذلك لأنَّ الصور التي لم تقع في أزمنتهم لا يجب أن تخطر بقلوبهم ليجب أن يتكلَّموا فيها، ووقوع هذا، وهذا في أزمنتهم إمَّا معدومٌ وإمَّا نادرٌ جدًا، وكلامهم في هذا الباب مُطلَق عام، وذلك يُفيد العموم، لو لم تختصّ الصورة المعينة بمعانٍ توجب الفرق والاختصاص، وهذه الصورة قد لا يستحضرها المتكلِّم باللفظ العام من الأئمَّة لعدم وجودها في زمنهم، والمقلِّدون لهم ذكروا ما وجدوا من كلامهم (1).
قال: هذا الذي توجَّه عندي في هذه المسألة، ولا حول ولا قوَّة إلَاّ بالله العلي العظيم، ولولا ضرورة الناس واحتياجهم إليها علمًا وعملاً لما تجشمت الكلام، حيث لم أجد فيها كلامًا لغيري، فإنَّ الاجتهاد عند الضرورة مما أمرنا الله به (2).
الترجيح:
والذي يظهر لي رجحانه هو القول الثاني من صحَّة طوافها حال الضرورة لصحة ما أورده ابن تيمية على قول الجمهور وسلامة ما ذكره من استدلال، ولأنه هو الذي يتمشَّى مع ما بُنِيَت عليه هذه الشريعة من دفع العنت ورفع التشطط.
(1) مجموع الفتاوى (26/ 239).
(2)
المصدر السابق (26/ 241).