الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والرفع جائز، وإنما جاز في إن ولم يجز في المبتدأ بغير إن، لأن الفعل لا يكون مقدمًا في إن، وقد يكون مقدمًا لو سقطت، انتهى كلامه.
وأنت ترى أنه إمام ثقة، وقد نقل عن أهل اللسان، فينبغي جواز النصب في الفعل الواقع خبرًا لاسم إن فقط حسبما نقل، وأفاد أن البيت حجة يصح الاستدلال به لقوله: أنشدني بعض العرب، فيكون جواز النصب والرفع فيه مع «إن» مثل ما إذا اقترن الفعل بعاطف في جوز الوجهين.
وقوله: لا تتركني .. الخ، الترك يستعمل بمعنى التخلية، ويتعدى لمفعول واحد، وبمعنى التصيير، فيتعدى لاثنين أصلهما المبتدأ والخبر، وكلاهما هنا جائز، فشطيرًا على الأول حال من «الياء» وعلى الثاني هو المفعول الثاني، و «فيهم» عليهما متعلق بالترك، أو هو المفعول الثاني، وشطيرًا: حال من ضمير الظرف، ويجوز أن يكون مفعول آخر مكررًا كما قيل في قوله تعالى:{وتركتهم في ظلمات لا يبصرون} [البقرة /17] ، أن «في ظلمات» مفعول ثان، وجملة لا يبصرون: مفعول آخر مكرر، وأهلك بكسر اللام، وماضيه هلك بفتحها، والشطير: البعيد والغريب، ونقل السيوطي أن السخاوي ذكر في «شرح المفصل» أن سيبويه أنشد بلفظ:
لا تتركني فيهم أسيرا
وأقول: إن هذا الشعر غير مذكور في «كتاب سيبويه» البتة، ولم أقف على قائله، والله تعالى أعلم.
وأنشد في «إن» المكسورة الخفيفة، وهو الانشاد الثاني والعشرون:
(22)
شلت يمينك إن قتلت لمسلما
…
حلت عليك عقوبة المتعمد
هو من أبيات لعاتكة ابنة زيد ترثي بها زوجها الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنهما، وهي:
غدر ابن جرموز بفارس بهمة
…
يوم اللقاء وكان غير معرد
يا عمرو لو نبهته لوجدته
…
لا طائشًا رعض الجنان ولا اليد
شلت يمينك إن قتلت لمسلما
…
حلت عليك عقوبة المتعمد
إن الزبير لذو بلاء صادق
…
سمح سجيته كريم المشهد
كم غمرة قد خاضها لم يثنه
…
عنها طرادك يا ابن فقع القردد
فاذهب فما ظفرت يداك بمثله
…
فيما مضى أو من يروح ويغتدي
قال عثمان سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب «المغازي» : لما رجع الزبير من وقعة الجمل مر ببني تميم، فأجاره النعر بن زمام المجاشعي، وسار معه، حتى إذا كان بوادي السباع، لحقه عمرو بن جرموز أخو بني ربيعة بن كعب، فقال له: أجيرك؟ قال: لا، فسار معه، ثم وضع ابن جرموز درعه على منسج فرسه، وقال للزبير: لو وضعت درعك فإنها تثقلك، ولم يزل به حتى نزعها ووضعها على منسج فرسه، وجعل يتخلف، فيناديه الزبير: ألا تلحقني! ثم تغشت الزبير نعسة، وألقى ابن جرموز رمحه وتخلف كأنه يأخذه، حتى إذا مضى وهو يخفق، حمل عليه فوضع الرمح بين كتفيه حتى خرج من بين ثدييه، ثم رجع برأسه إلى علي
فقال: من ذا؟ فقال: قاتل الزبير، قال: قاتل الزبير في النار، فقالت عاتكة بنت زيد ترثيه بهذه الأبيات، انتهى.
وقوله: يخفق، أي: يميل برأسه من غلبة النعاس. وأخرج السيوطي هذه القصة عن ابن سعد في «طبقاته» بأبسط مما تقدم.
والبهمة، بضم الموحدة وسكون الهاء، قال المصنف في شرح أبيات ابن الناظم: هنا بمعنى الجيش، ويكون في غير ذلك: الفارس الذي لا يدرى من أين يؤتى من شدة بأسه، انتهى. واللقاء: الحرب لأنه تتلاقى فيها الأبطال، واسم كان ضمير الفارس، والمعرد: اسم فاعل من عرد تعريدًا بمهملات، إذا فر وهرب، وطاش يطيش: إذا خف عقله من دهشة وخوف، ورعش بكسر العين: وصف من رعش - كفرح ومنع - رعشًا ورعشانًا: أخذته الرعدة، والجنان بفتح الجيم: القلب، وروي بدله «اللسان» و «البنان» وشلت يمينك: دعاء عليه. في «فصيح ثعلب» في باب: فعلت بكسر العين، ومضارعه مفتوحها، وقد شلت يده تشل، وينشد:
فلا تشلل يد فتكت بعمرو
وقال شارحه أبو سهل الهروي: شلت: يبست، وقيل: استرخت، ويروى بدله:«هبلتك أمك» في «القاموس» : هبلته أمه من باب فرح: ثكلته.
وروى بدله صدر الأفاضل: «بالله ربك» بالموحدة، وإن: مخففة من الثقيلة مهملة، ومسلمًا: مفعول قتلت، واللام هي اللام الفارقة فرقتها عن إن النافية، فإن اللام لا تصحبها، وعند الكوفيين: هي إن النافية، واللام بمعنى إلا، وهذه الجملة في موضع التعليل للدعاء عليه، وحلت عليك: دعاء عليه أيضًا بمعنى: نزلت، من الحلول.
وأغرب العيني يجعل هذه الجملة جواب شرط محذوف، قال: التقدير: إنك إن قتلت مسلمًا وجبت عليك عقوبة المتعمد، هذا كلامه.
قال الكرماني في «شرح أبيات التوشيح» وهو شرح «الكافية» الحاجبية أشارت بقولها: عقوبة المتعمد، إلى قوله تعالى:{ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا} [النساء/93] وقال بعض فضلاء العجم في شرح أبيات «المفصل» : وعقوبة المتعمد: أن يقتل قصاصاً، كأن المخاطب قتل إنسانًا عمدًا، فوجب عليه القصاص، وهذا وإن كان بيانًا للواقع تسهيل للقصاص على المخاطب، انتهى. وعذره أنه لم يقف على الأبيات ولا منشئها ولا قائلها.
وقولها: لذو بلاء، والبلاء: اسم من أبلى فلان في الحرب إبلاء، إذا بالغ في المقاتلة، وصادق بالجر: صفته، والصدق بمعنى التحقق يوصف به الفعل والقول.
وسمح: خبر آخر بمعنى سهل، وسجيته: فاعل سمح، صفة جرت على غير من هي له، والسجية: الطبيعة والغريزة، والمشهد: الحضور، وكم هنا لإنشاء التكثير، والغمرة بالفتح: الشدة، وخاضها: مشى فيها، ولم يثنه: لم يصرفه، مضارع ثناه عن أمره إذا صرفه عنه، وطرادك: مطاردتك، وفقع القردد: مثل للذليل، والفقع بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف: نوع أبيض من رديء الكمأة، والقردد كجعفر: الأرض المستوية المرتفعة، ويقال أيضًا: هو فقع قرقرة، وهي الأرض الملساء، أي أنه بمنزلة الكمء النابت في السهل تدوسه الأرجل وتشدخه، وروي «القدفد» وهي الأرض المستوية بدل «القردد» .
وعاتكة صاحبة الشعر من الصاحبيات المبايعات المهاجرات، وأبوها الذي
تحنف في الجاهلية ومات قبل بعثة النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بخمس سنين، وأخبر النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه في الجنة، وأنه يأتي يوم القيامة أمة وحده، وأخوها سعيد بن زيد أحد العشرة المبشرة.
قال الزبير بن بكار في «أنساب قريش» : حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه، وأحمد بن عبيد الله عن عبد الله بن عاصم بن المنذر بن الزبير، يزيد أحدهما على صاحبه، قال: تزوج عبد الله بن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهما عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت حسناء جميلة ذات خلق بارع، فشغلته عن مغازيه، فأمره أبوه بطلاقها، وقال: قد شغلتك عن مغازيك، فقال:
يقولون طلقها وخيم مكانها
…
مقيمًا عليك الهم أحلام نائم
وإن فراقي أهل بيت جمعتهم
…
على كثرة مني لإحدى العظائم
ثم طلقها، فمر به أبوه وهو يقول:
فلم أرد مثلي طلق اليوم مثلها
…
ولا مثلها في غير جرم تطلق
لها خلق جزل ورأي ومنصب
…
وخلق سوي في الحياة ومصدق
فرق له أبوه، وأمره فراجعها، ثم شهد مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم غزوة الطائف، فأصابه سهم، فمات منه بعد بالمدينة، فقالت عاتكة تبكيه:
رزيت بخير الناس بعد نبيهم
…
وبعد أبي بكر وما كان قصرا
فآليت لا تنفك عيني حزينةً
…
عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فلله عينا من رأى مثله فتى
…
أكر وأحمى في الهياج وأصبرا
إذا شرعت فيه الأسنة خاضها
…
إلى الموت حتى يترك الرمح أحمرا
ثم تزوجها عمر بن الخطاب، فأولم عليها، فكان فيمن دعا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما، فقال له علي: دعني أكلم عاتكة، فقال: كلمها يا أبا حسن، فأخذ علي بجانب الخدر، ثم قال يا عدية نفسها:
فآليت لا تنفك عيني حزينةً
…
عليك ولا ينفك جلدي أغبرا
فبكت، فقال عمر: ما دعاك إلى هذا يا أبا حسن؟ ! كل النساء يفعل هذا.
ثم قتل عنها عمر رضي الله تعالى عنه، فقالت تبكيه:
عين جودي بعبرةٍ ونحيب
…
لا تملي على الجواد النجيب
فجعتني المنون بالفارس المعـ
…
ـلم يوم الهياج والتثويب
قل لأهل الضراء والبأس موتوا
…
قد سقته المنون كأس شعوب
ثم تزوجها الزبير بن العوام رضي الله تعالى عنه، فكانت تخرج إلى المسجد ليلا، وكان يكره خروجها ويحرج من منعها، فخرجت ليلة إلى المسجد، وخرج الزبير فسبقها إلى مكان مظلم من طريقها، فلما موت وضع يده على بعض جسدها، فرجعت تبكي، ثم لم تخرج بعدها، فقال لها الزبير: مالك لا تخرجين إلى المسجد كما كنت تفعلين؟ قفالت: قد فسد الناس، فقال: أنا فعلت ذلك، فقالت: أليس يقدر غيرك أن يفعل مثله؟ فلم تخرج حتى قتل عنها الزبير، فقالت ترثيه: