الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أنشد أبو زيد في «نوادره» عن المفضل قال: أنشدني أبو الغول لبعض أهل اليمن:
أي قلوص راكبٍ تراها
…
شالوا علاهن فشل علاها
وأشدد بمثنى حقب حقواها
…
ناجيةً وناجيا أباها
إن أباها
…
الخ
وقد رجعت إلى هذه «النواد» أيضًا من ثلاث نسخ صحيحة، فلم أجد فيها الأبيات الأربعة من قوله: وناجيًا أباها، وأوردها في موضعين من «النوادر» وقد أوردها الرضي في باب الظروف، وشرحناها في الشاهد الثامن عشر بعد الخمسمائة.
وأنشد في «أم» ، وهو الانشاد الخمسون:
(50)
وما أدري وسوف إخال أدري
…
أقوم آل حصن أم نساء
وبعده:
فإن قالوا النساء مخبات
…
فحق لكل محصنة هداء
فإما أن تقول بنو مصادٍ
…
إليكم إننا قوم براء
وإما أن يقولوا قد وفينا
…
بذمتنا وعادتنا الوفاء
وإما أن يقولوا قد أبينا
…
وشر مواطن الذمم الإباء
وإن الحق مقطعه ثلاث
…
يمين أونفار أو جلاء
فذالكم مقاطع كل حق
…
ثلاث كلهن لكم شقاء
فلا مستكرهون لما منعتم
…
ولا تعطون إلا أن تشاوؤا
جوار شاهد عدل عليكم
…
وسيان الكفالة والتلاء
بأي الجيرتين أجرتموه
…
فلم يصلح لكمإلا الأداء
ولم أر معشرًا أسروا هديًا
…
ولم أر جار بيتٍ يستباء
وجار البيت والرجل المنادي
…
أمام الحي عقدهما سواء
من قصيدة لزهير بن أبي سلمى هجا بها قومًا من بني عليم من غير إساءة إليه، فلما ظهر له ذلك ندم، وحلف أن لا يهجو أهل بيت أبدًا، وكان يقول: ما خرجت بليل إلا خفت أن يرميني الله تعالى من السماء بداهية لهجائي قومًا لا ذنب لهم عندي، وكان سبب الهجو أن رجلًا من بني عبد الله بن غطفان رحل إلى بني عليم، وهم حي من كلب. فنزل بهم فأكرموه وأحسنوا جواره، وكان رجلصا مولعها بالقمار، فنهوه عنه فأبى، فقمر مرة فردوا عليه، ثم قمر أخرى فردوا عليه، ثم قمر ثالثة فلم يردوا عليه، فرحل من عندهم إلى قومه، فزعم أنهم أغاروا عليه، وكان زهير نازلًا في غطفان، فهاجم وذكر صنيعهم به، ويقال: إن ذلك الرجل لما خلع من ماله رجا أن يجوز الخصل، فرهن امرأته وابنه فكان الفوز عليه، قال الأصمعي: فلما بلغهم قول زهير بعثوا إليه بالإبل، وأرسلوا يخبرونه خبر صاحبه ويعتذرون إليه، ولاموه على ما فرط منه، فأرسل
إليهم زهير: والله لقد فعلت وعجلت، وايم الله لا أهجو أهل بيت من العرب أبدًا.
وقوله: وما أدري .. الخ، أصله: وما أدري أقوم آل حصن أم نساء. وجملة: أقوم .. الخ: معلقة عن أدري بهمزة الاستفهام، واعترض بينهما بجملة: وسوف أدري، واعترض بين سوف وبين أدري بجملة إدخال، بمعنى أظن، فهذا اعتراض في أثناء اعتراض، وإخال ملغاة لا عمل لها في جملة الاستفهام لا لفظًا ولا محلًا، وفي قوله: وسوف أدري مبالغة، يقول: لشدة شبههم بالنساء لا يمكن الآن معرفتهم، ويمكن أن أعرفهم في المستقبل بمزاولة فكر. وفي قوله: إخال مبالغة أخرى، فإن القدرة على معرفتهم في المستقبل أمر ظني قد يتخلف، وهذا من باب التشكك، وهو من ملح الشعر وظرف الكلام، وله في النفس حلاوة وحسن موقع، بخلاف ما للغلو والإغراق، وفائدته الدلالة على قرب الشبهين، حتى لم يفرق بينهما ولا ميز أحدهما من الآخر، فقد أظهر أنه لم يعلم أهم رجال أم نساء؟ وهذا أملح من أن يقول: هم نساء، وأقرب إلى الصدق، وهو من أمض الهجاء.
قال الأعلم في «شرح الأشعار السنة» : يهزأ بهم ويتوعدهم، ويريد: إن كانوا رجالا فسيوفون بعهدهم، ويبقون على أعراضهم، وإن كانوا نساء فمن عادة النساء الغدر وقلة الوفاء.
وفي البيت دليل على أن القوم مختص بالرجال كما قال الجوهري، وقال: وربما دخل النساء فيه على طريق التبع، لأن قوم كل نبي رجال ونساء. وفي «القاموس»: القوم: الجماعة من الرجال والنساء معًا، أو الرجال خاصة، أو يدخله النساء على التبعية. انتهى. ولكون الأول هو الراجح عنده قدمه، وهو الظاهر، لأن المرأة أيضًا قيمة بينها، وإليه ذهب أبو عبد الله حمزة بن الحسن في كتاب «التثنية على حدوث التصحيف» قال: ادعى قوم من أهل اللغة
أن القوم اسم يقع على الرجال دون النساء، قالوا: وذلك أن الرجال قوامون بالأمور دون النساء، واحتجوا برواية بيت لزهير ينقضها رواية أخرى، وكتاب الله تعالى يرد عليهم، لأن قوم كل نبي كانوا رجالًا ونساء، والأصمعي رواه رواية موافقة للتنزيل، وهي:«رجال آل حصن أم نساء» انتهى. وعليه تكون الهمزة مقدرة قبل رجال.
وقوله: فإن قالوا النساء مخبآت، قال الأعلم: أي: إن قال آل حصن نحن النساء، ونصب مخبآت على الحال المؤكد بها، لأنه إذ ذكر النساء فقد دل على التخبئة، إذ كان ذلك من شأنهن، ثم أكده بذكر الحال، أي: إن قالوا نحن النساء اللواني يختبئن في الخدور والحجال، فيبنغي أن يزوجن الرجال ويهدين إلى أزواجهن، والهداء بالكسر: زفاف العروس إلى زوجها، وحق بالبناء للمجهول، والمحصنة: ذات الزوج، وهي أيضًا البكر لأن الإحصان يكون بها، فتوصف بما يؤول إليه أمرها. انتهى كلامه.
وقوله: فإما أن تقول بنو مصاد، بفتح الميم: من بني حصن، وقوله: إليكم، أي: تنحوا عني فلا سبيل لكم علينا، فإنا براء مما وسمتمونا من الغدر ومنع الحق، وبرآء: جمع بريء، ومن ضم الباء فأصله برآء، ثم ترك الهمزة، ويجوز فتح الباء على أنه مصدر وصف به. وقوله: وإما أن يقولوا: قد وفينا، يقول: إما أن يقولوا: نحن نساء: وإما أن يقولوا نحن برآء مما اتهمنا به، وإما أن يقولوا: نفي بما عندنا، وإما أن يقولوا: نأبى ذلك ونمنعه، وهذا كله توعد منه واستخفاف، قوله: قد أبينا، أي: أبينا أن نخلي الأسارى الذين في أيدينا. وقوله: وشر مواطن .. الخ. روي: «الحب» بدل
الذمم، يقول: للحسب موطن عطية، وموطن حلم، وشر مواطنه وخصاله، أن يسأل صاحبه خيرًا فيأبى أن يفعله، أو حقًا فيأبى أن يعطيه.
وقوله: وإن الحق مقطعه ثلاث .. الخ، الحق: خلاف الباطل، ومقطعه: الأمر الذي ينقطع به ثلاث، أي أحد خصال ثلاث ينفذ بكل واحدة منها، وقوله: يمين .. الخ، بدل مفصل من مجمل، واليمين يكون على المنكر إذا لم يكن للمدعي شهود، ونفار، أي: تنافر إلى رجل حاكم يتبين حجج الخصوم، ويحكم بينهم، والجلاء، بفتح الجيم: الأمر الجلي، يريد به بيانًا بإقرار أو شهادة، وهذه أحكام الإسلام.
وقوله: فذلكم مقاطع .. الخ، الإشارة راجعة إلى قوله: مقطعه ثلاث، أي: فذلك المقطع الذي هو الثلاث مقاطع كل حق، وجعل تبيين الحق شفاء من الالتباس والشك فيه.
وقوله: فلا مستكرهون .. الخ، أي: فلا أنتم مستكرهون على ما صنعتم من الوفاءوالجوار وتأدية مال هذا الرجل، إنما تعطون إن أعطيتم عن طيب نفس، فلين لهم القول بعد توعده لهم ليستنزلهم بذلك.
وقوله: جوار شاهد، يقول: كان هذا الرجل جارًا لكم، وجواره بين مشهور، فهو شاهد عليكم أنكم أصحابه، وقوله: وسيان، أي: مثلان أن يتكفل للرجل أويتلى له بذمة، والتلاء بالفتح: الحوالة، أي: من كفل لك كفالة، ومن جعل لك حوالة في ذمة، فقد وجب حق هذين جميعًا.
وقوله: بأي الجيرتين، يقول: الكفالة جوار، والتلاء جوار، فأي الأمرين كان، فلا يصلح لكم إلا أداء ذمته والوفاء به.
وقوله: أسروا هديًا، الهدي بوزن كريم: الرجل ذو الحرمة، وهو المستجير بالقوم ما لم يأخذ عهدًا، فإذا أخذ العهد وأجير فهو حينئذ جار، وسمي هديًا على معنى أنه له