الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ومن أوائل القصيدة:
لما تذكرت بالديرين أرقني
…
صوت الدجاج وقرع بالنواقيس
الديران: موضع قرب دمشق.
وهذا البيت استشهد به أبو علي في «الإيضاح» تبعًا لأهل اللغة، على أن الدجاج يقع على المذكر والمؤنث، لأنه إنما أراد هنا صوت الديكة خاصةز
يقول: أرقني في منزل الديرين انتظاري صوت الديوك والنواقيس، وإنما يكون ذاك عند الصباح.
وترجمة جرير تقدمت في الشاهد الحدي عشر.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثاني والسبعون:
(72)
فإن ترفقي يا هند فالرفق أيمن
…
وإن تخرقي يا هند فالخرق اشأم
فأنت طلاق والطلاق عزيمةً
…
ثلاث ومن يخرق أعق وأظلم
فبيني بها أن كنت غير رفيقةٍ
…
وما لامرئ بعد الثلاث مقدم
لم أقف على قائل هذه الأبيات. والرفق: الملاءمة والملاطفة، ضد العنف. والخرق، وفعله من باب قتل، وخرق يخرق خرقًا، من باب فرح: إذا عمل شيئًا فلم يرفق به، فهو أخرق، وهي خرقاء، والاسم الخرق بالضم. وأيمن: وصف بمعنى ذي يمنٍ وبركة، لا أنه أفعل تفضيل، وكذلك الأشأم، معناه: ذو شآمة ونحوسة، وصرفهما للضرورة، وفيه المطابقة بين ترفقي وتخرقي، وبين أيمن وأشأم.
وقوله: فأنت طلاق، قد أورد ابن يعيش في شرح «خطبة المفصل» هذه الأبيات الثلاثة، وشرحها فيها، وأوردها مع أشياء تشتد فاقه الفقيه إلى معرفة العربية لأجلها، قال: ومن ذلك مسائل الطلاق إذا قال: أنت طالق، طلقت منه، وإن لم ينو. ولم أتى بلفظ المصدر فقال: أنت طلاق، لم يقع الطلاق إلا بنية، لأنه ليس بصريح، إنما هو كناية عن إرادة إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل [على حد ماء غور أي غائر]. ومنهم من يجعله صريحًا يقع به الطلاق من غير نية، كاسم الفاعل، لكثرة إيقاع المصدر موقع اسم الفاعل، وكثرة استعماله في الطلاق حتى صار ظاهرًا فيه، قال الشعر: فإن ترفقي يا هند .. إلى آخر الأبيات الثلاثة. فأوقع الطلاق موقع طالق، ويجوز أن يكون على حذف [مضاف] أي: ذات طلاق، كما يقال: صلى المسجد، أي: أهل المسجد، واسأل القرية، أي: أهلها، وهو كثير. انتهى.
والعزيمة: بمعنى المعزوم عليه، أي: الذي وقع التصيم، فكان واقعًا قطعًا، قال الكرماني: هي في الأصل عقد القلب على الشيء، استعمل لكل أمر محتوم، وفي الاصطلاح: ضد الرخصة، وأعق: أفعل تفضيل من العقوق ضد البر. وقوله: ومن يخرق، قال ابن يعيش: قد حذف الفاء من جواب الشرط والمبتدأ، وتقديره: ومن يخرق فهو أعق وأظلم، وهذا من ضرورات الشعر المستقبحة.
ورده الدماميني بأن هذا ليس بمتعين، لجواز أن تكون من موصولة، وتسكين القاف للضرورة كقراءة أبي عمرو:(وما يشعركم)[الأنعام/109] بإسكان الراء. وأعق: خبر من، فلا حذف ولا ضرورة ولا قبح. انتهى.
وفيه: أن وجه الإسكان في الآية كما قال الجعبري طلب التخفيف عند اجتماع ثلاث حركات ثقال من نوع واحد، أو من نوعين، ويخرق ليس منهما. وقوله: فبيني بها .. الخ: أمر من البينونة، وهي الفراق، وضمير بها للثلاث، أي: كوني ذات طلاق بائن بهذه التطليقات الثلاث، لكونك غير رفيقة. فأن مفتوحة الهمزة مقدر قبلها لام العلة، ومقدم: مصدر ميمي، أي: ليس لأحد تقدم إلى العشرة والإلفة بعد إيقاع الثلاث، كذا قال الدماميني، وأجاز غيره أن يكون «مقدم» بمعنى: مهر مقدم، أي: ليس له بعد الثلاث مهر يقدمه لمطلقة ثلاثًا إلا بعد زوج آخر، فيكون اسم مفعول. هذا كلامه.
وقول المصنف: كتب الرشيد ليلة إلى القاضي أبي يوسف .. الخ، هذه الحكاية نقلها المصنف من كتاب «غرائب مجالس اللغويين الزائدة على تصنيف المصنفين» ونقلها السيوطي في «الأشباه الزجاجي، وهذا نص الحكاية من ذلك الكتاب: مجلس أبي يوسف مع الكسائي: حدث أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثني سلمة عن الفراء قال، كتب الرشيد في ليلة من الليالي إلى أبي يوسف صاحب أبي حنيفة: أفتنا – أحاطك الله – في هذه الأبيات: فإن ترفقي يا هند .. الأبيات الثلاثة، فقد أنشد البيت «عزيمة ثلاث» و «عزيمة ثلاثًا» بالنصب، فكم تطلق بالرفع، وكم تطلق بالنصب؟ قال أبو يوسف: فقلت في نفسي: هذه مسألة فقهية نحوية، إن قلت فيها بظني لم آمن الخطأ، وإن قلت: لا أعلم، قيل
لي: كيف تكون قاضي القضاة، وأنت لا تعرف مقل هذا؟ ! ثم ذكرت أن أبا الحسن علي بن حمزة الكسائي معي في الشارع، فقلت: ليكن رسول أمير المؤمنين بحيث يكرم، وقلت للجارية: خذي الشمعة بين يدي، ودخلت إلى الكسائي في فراشه، فأقرأته الرقعة، فقال لي: خذ الدواة واكتب: أما من أنشد البيت بالرفع فقال: «عزيمة ثلاث» فإنما طلقها بواحدة، وأنبأها أن الطلاق لا يكون إلا بثلاثة، ولا شيء عليه، وأما من أنشد «عزيمة ثلاثًا» فقد طلقها وأبانها، كأنه قال: أنتِ طالق ثلاثًا، وأفدت الجواب، فحملت إلي في آخر الليل جوائز وصلات، فوجهت بالجميع إلى الكسائي. انتهى كلامه.
وروى أبو علي الفارسي هذه الحكاية على خلاف ما تقدم، قال في «المسائل القصيرة»: حدثنا الشيخ أبو الحسن الكرخي عن يحيى الرقي قال: أرسلني الكسائي إلى محمد بن الحسن أسأله عن الجواب في هذه الأبيات، قال: فأتيت محمد ابن الحسن بالأبيات، فقال: إن نصب الثلاث فهي ثلاث تطليقات، وإن رفع الثلاث فهي واحدة، كأنه أراد أن يخبر أن عزيمة الطلاق ثلاث، قال: فرجعت إلى الكسائي فأخبرته يقول محمد، فتعجب من فطنته. انتهى.
وهذا هو المسطور في كتب الحنفية «كالمبسوط» و «شرح الكنز» للزيلعي. وقال صاحب «النهاية في شرح الهداية» : وذكر ابن سماعة أن الكسائي بعث إلى محمد بفتوى، فدفعها إلي فقرأتها عليه، فقال: ما قول قاضي القضاة الإمام فيمن يقول لامرأته: فإن ترفقي يا هند .. الأبيات؟ فكتب في جوابه: إن قال: «ثلاث» مرفوعًا، تقع واحدة، وإن قال:«ثلاثًا» منصوبًا، يقع ثلاثًا، لأنه إذا ذكره مرفوعًا كان ابتداء، فيبقى قوله: فأنت طلاق، فيقع واحدة، وإذا قال:
«ثلاثًا» كان منصوبًا على البدل أو التفسير، فقع به ثلاث، والمثنى بمعزل منهما، أي: من الفردية والجنسية. انتهى. وكذا نقل ابن الهمام عن «المبسوط» .
وقول المصنف: قال أبو يوسف: فقلت: هذه مسألة نحوية فقهية، ولا آمن من الخطأ.
قال ابن الهمام: هذا القول بعد كونه غلطًا، بعيد عن معرفة مقام الاجتهادو فإن من شرطه معرفة العربية وأساليبها، لأن الاجتهاد يقع في الأدلة السمعية، والذي نقله أهل التحقيق أن المرسل بالفتوى الكسائي إلى محمد بن الحسن، ولا دخل لأبي يوسف أصلًا ولا للرشيد، ومقام أبي يوسف أجل من أن يحتاج إلى غيره في مثل هذه التراكيب، مع إمامته واجتهاده، وبراعته في التصرفات من مقتضيات الألفاظ. انتهى.
قال ابن يعيش قوله: والطلاق عزيمة ثلاث، روي على ثلاثة أوجه: برفع عزيمة ونصب ثلاث، وبالعكس، وبرفعهما. فإذا نصب الثلاث فكأنه قال: أنت طالق ثلاثًا، فيقع الثلاث، ويكون قوله: والطلاق عزيمة، مبتدأ وخبرًا، فكأنه قال: والطلاق مني جد غير لغو، وإذا رفعهما كانت الثلاث خبرًا ثانيًا، أي: الطلاق الذي يقع بمثله الطلاق هو الثلاث، أو يكون موضحًا للعزيمة على سبيل البدل، وتقع واحدة لا غير. ويجوز أن يكون المراد: وأنت طالق ثلاثًا، ثم فسر ذلك بقوله: والطلاق عزيمة ثلاث، كأنه قال: والطلاق الذي ذكرته ونوبته عزيمة ثلاث، فسره بهذا الدليل، هذا إذا نوى الثلاث، ودليل ذلك قوله: فبينى بها، فهذا يدل على إرادة الثلاث والبينونة. وأما إذا نصب عزيمة مع رفع الثلاث، فعلى إضمار فعل، كأنه قال: والطلاق ثلاث، أعزم عليك عزيمة.
ويجوز أن يكون التقدير: والطلاق إذا كان عزيمة ثلاث، كما تقول: عبد الله راكبًا أحسن منه ماشيًا، والمراد: إذا كان ماشيًا، كما تقول: هذا بسرًا أطيب
منه رطبًا إذا كان رطبًا، أي: هذا إذا كان بسرًا أطيب منه إذا كان رطبًا. انتهى.
وقول المصنف: وعلى الجنسية تقع واحدة، كما قاله الكسائي. قال الفناري في حاشية «المطول»: قد انتصر جدنا شمس الدين الفناري للكسائي وأبي يوسف حيث قال: ولقائل أن يقول: إنما يم يعتبر الكسائي وأبو يوسف حين ارتفاع الثلاث كون اللام للعهد، لأن ثلاث وعزيمة لا يصح أن يكونا خبرين عن الطلاق المعهود، فإن الطلاق رخصة وليس بعزيمة، وكذا حين انتصاب الثلاث، لا يصلح أن يكون ثلاثًا حالًا عن ضمير عزيمة لما قلنا، فلم يتعين أيضًا، قال: اللهم إلا أن تحمل العزيمة على المعنى اللغوي، والعرف أملك. وفيه بحث، أما أولًا: فلأنه لا دخل في لزوم المحذور المذكور، لجعل اللام للعهد إذ منشؤه عدم اجتماع الثلاث والعزيمة، وهذا الاجتماع لازم على تقدير الحمل على مجاز الجنس. اللهم إلا أن يراد الحمل على الجنس المطلق ويجعل الإخبار بالعزيمة والثلاث بالنظر إلى أنواع الطلاق. وأما ثانيًا: فالأملك في مثله هو العرف العام، فالظاهر أن المعنى: الطلاق الذي ذكرت ليس بلغو ولا لعب، بل هو معزوم عليه. نعم، الكلام على تقدير جعل ثلاثًا حالًا عن المستتر في عزيمة محتمل لوقوع الثلاث، بأن يكون المعنى: والطلاق الذي ذكرته إذ كان ثلاثًا، فتأمل. انتهى.
وقول المصنف: ولأن يكون حالًا من الضمير المستتر في عزيمة، وحينئذ فلا يلزموقوع الثلاث .. الخ، قال الدماميني: فيه نظر، أما أولًا: *** الكلام محتمل لوقوع الثلاث على التقدير الذي ذكره بأن تجل «أل» للعهد الذكري، كما تقدم له في أحد وجهي الرفع، كأنه قال: والطلاق الذي ذكرته
ليس بلغو ولا لعب، بل هو معزوم عليه حالة كونه ثلاثًا. وأما ثانيًا: فلأنه لا يظهر داع إلى الإتيان بقوله، إذا كان مع جعله ثلاثًا حالًا من الضمير في غزيمة، إلا أن يكون غرضه بيان أن الحال في معنى الظرف، كما تقول: معنى جاء زيد قائمًا، جاء في حال كونه قائمًا، والأمر قريب فيه. فإن قلت: وفيه نظر من وجه آخر، وهو قوله: إن في عزيمة ضميرًا مستترًا، إذ هي، مصدر، والمصدر لا يضمر فيه، قلت: إنما ذلك إذا لم يؤول، وهنا مؤول، فتحمل الضمير، كما في: زيد عدل. فإن قلت: لو تحمله لأنث وثنى وجمع على نحو: هند صوم، والزيدون عدل، قلت: روعي فيه جهتان: جهة المشتق الذي أول به، فتحمل وجهة أصله، فلم يغير. انتهى كلامه.
وقد ألف السيد معين الدين جد السيد عيسى الصفوي الإيجي رسالة ضمنها هذه الأبيات، وأخذ كلام المصنف، واستنبط احتمالات أخر، قال فيها: العشر يحتمل اثني عشر وجهًا، لأن اللام إما للجنس وإما للعهد، وعزيمة إما مرفوع وإما منصوب. وثلاث إما مرفوع وإما منصوب على الحال، أو على المفعول المطلق، فخرج من ضرب أربعة في ثلاث اثنا عشر. لكن أربعة منها تركيب باطل. أما الثمانية، فعلى تقدير أن اللام للجنس، إما أن يكون عزيمة وثلاث مرفوعين، فيلزمه على ما قال ابن هشام واحدة، والظاهر أنه يلزمه ثلاث، إذ ليس الطلاق عنده إلا عزيمة ثلاث، وطلاقه فرد مما ادعاه. وإما أن يكون عزيمة منصوبًا، وثلاث مرفوعًا، فيلزمه واحدة، وهو أحد وجهي الإمام محمد، وفيه أن ذا الحال مبتدأ.
وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا وثلاث حالًا من المستتر في عزيمة يلزم واحدة، وهو وجه ثان لابن هشام وللإمام، لكن في كلام الإمام إبهام، لأنه يحتمل أن يكون ثلاث مفعولًا مطلقًا، وحينئذ يلزمه ثلاث. وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا،
وثلاث مفعولًا مطلقًا، فيلزمه ثلاث، وهو ثالث وجوه ابن هشام، فهذه وجوه أربعة. وعلى تقدير أن اللام للعهد، إما أن يكون عزيمة وثلاث مرفوعين، كأنه قال: فأنت طلاق، وهذا الطلاق عزيمة ثلاث، فيلزمه ثلاث، وهو رابع وجوه ابن هشام، وإما أن يكون عزيمة منصوبًا، وثلاث مرفوعًا، فيلزمه ثلاث. وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا، وثلاث منصوبًا حالًا من المستتر، فيلزمه ثلاث. وإما أن يكون عزيمة مرفوعًا، وثلاث مفعولًا مطلقًا، فيلزمه ثلاث، فهذه أربعة أخرى، فتكون ثمانية.
وأما الأربعة التي فسدت لأجل الإعراب: فهي بتقدير أن اللام للجنس، إما أن يكون عزيمة منصوبًا، وثلاث حالًا من المستتر، أو مفعولًا مطلقًا. وبتقدير أن اللام للعبد، إما أن يكون عزيمة منصوبًا، وثلاث حالًا من المستتر، أو مفعولًا مطلقًا. وعلى الوجهين وهو أنه حال، يلزمه واحدة، وعلى الوجهين الآخرين يلزمه ثلاث، هذا كلامه.
وقد كتب ابن قاسم العبادي على مواضع من هذه الرسالة، فكتب عند قوله:«الشعر يحتمل اثني عشر وجهًا» : لابد على سائر التقادير في وقوع أصل الطلاق عند الشافعية من النية. كما هو ظاهر، لأن أنت طلاق من الكنايات عندهم. وكتب عند قوله:«والظاهر أنه يلزمه ثلاث» : قد يمنع من هذا الظاهر عند الشافعية أن: أنت طلاق، كناية عندهم، وشرط تأثير الكناية في أصل الوقوع والعدد النية، ولا يقوم مقام النية ما اقترن بالكناية، مما يدل على الوقوع أو العدة من القرائن، ولهذا صرحوا بعدم الوقوع بقوله: أنت بائن بينونة محرمة، لا تحلين لي أبدًا إذا لم ينو، فإن نوى الطلاق الثلاث وقع الثلاث، وإن نوى أصل الطلاق فقط، فالقياس وقوع واحدة. وقوله: والطلاق عزيمة
ثلاث، على تقدير رفع عزيمة وثلاث، وكون أل في الطلاق للجنس لا يصلح لتقييد الطلاق الذي أوقعه بالثلاث، لأنه إن أراد جنس الطلاق ليس إلا الثلاث، فهو غير صحيح، إذ الجنس موجود في الواحدة والثنتين أيضًا: وإن أراد الجنس قد يكون في الثلاث، فهذا لا يقتضي تقييد هذا الطلاق الواقع بالثلاث، فليتأمل، وما ذكرناه لا ينافي قول «الروض» فإن قال: أنت بائن ثلاثًا، ونوى الطلاق الثلاث، وقعن، أي: الثلاث. انتهى، لأنه قيد للبينونة التي نوى بها الطلاق بالثلاث، وما ذكر لا تقييد فيه، ولا ارتباط فيه للثلاث بالطلاق الذي أوقعه، فليتأمل.
وكتب عند قوله: «وطلاقه فرد مما ادعاه» : قد يقال: ما ادعاه ليس بصحيح بظاهره، إذ جنس الطلاق لا ينحصر في الثلاث، فلا يلزم أن يكون طلاقه فردًا من جنس الثلاث، نعم إن قصد ذلك، بأن قصد طلاقًا من أفراد الثلاث، فمسلم، فليتأمل.
وكتب عند قوله: «وفيه أن ذا الحال مبتدأ» : قد يقال: هذا لا يرد لأن المراد أن هذا التقدير والحمل يقتضي هذا الحكم، وأما أن هذا التقدير ضعيف، فشيء آخر لا ينافي ذلك. وكتب عند قوله:«وحينئذ يلزمه ثلاث» : هذا ظاهر إن أريد المفعول المطلق من طالق لا من الطلاق. انتهى.
وكتب شيخنا الشهاب الخفاجي عند بيانه للأربعة التي فسدت لأجل الإعراب: وما ادعاه من بطلان الوجوه الأربعة إذا رفع الطلاق، ونصب عزيمة، وثلاث على الحالية، أو المفعولية غير مسلم، لأنه يجوز أن يكون خبر مبتدأ مقدر، أي: وهذا الطلاق، وباب التقدير واسع. انتهى.
هذا ما وقفت عليه مما كتب على هذا الشعر، وكلامهم دائر على أن ثلاثًا إما مفعول مطلق لطلاق المنكر، أو المعرف، وإما حال من الضمير المستتر.
ومنع الجميع أبو علي في «المسائل القصرية» ومع كونه تمييزًا أيضًا، وعين أن يكون ثلاثًا مفعولًا مطلقًا إما لعزيمة. أو لطلقت محذوفًا، وإما ظرف لعزيمة. وحقق أن مفاد البيت الطلاق الثلاث لا غير، وهذا كلامه. قوله: فأنت طلاق والطلاق عزيمة ثلاث: لا يخلو إذا نصبت ثلاثًا أن تكون متعلقة بطلاق أو غيره، فلا يجوز أن يكون متعلقًا بطلاق، ولأنه إن كان متعلقًا به، لم يخل من أن يكون طلاق الأول أو الثاني، فلا يجوز أن يكون متعلقًا بطلاق الأول لأن الطلاق مصدر، فلا يجوز أن يتعلق به شيء بعد العطف عليه، ولا يجوز أن ينصب ثلاث بطلاق الثاني، لأنه قد أخبر عنه للفصل، فإذا بطل الوجهان جميعًا ثبت أنه متعلق بغيره، فيجوز أن يكون متعلقًا بعزيمة أي: أعزم ثلاثًا، ولم يحتج إلى ذكر الفاعل، لأن ما تقدم من قوله: فأنت طلاق، قد دل على الفاعل، ألا ترى أن معناه: أنت ذات طلاق، أي: ذات طلاقي، أي: طلقتك، فلا فصل بين: أنت ذات طلاقي، وبين: قد طلقتك، لما أضفت المصدر إلى الفاعل، استغنيت عن إظهار المفعول لجري ذكره في الكلام، فحذفته، كما استغنيت من ذكر المفعول في قوله:(والحافظين فروجهم والحافظات)[الأحزاب/35] فلم يحتج إلى ذكر الفاعل في عزيمة. إذ كان مصدرًا كالنذير والنكير، وكما لم يحتج إليه في قوله تعالى:(أو إطعام في يوم ذي مسغبة يتيمًا)[البلد/14] لتقدم ذكره، فكذلك لم يحتج إلى ذكر الفاعل في عزيمة، فصار كأنه قال: أنت طلاق، والطلاق عزيمتي ثلاثًا، أي: أعزمه ثلاثًا، فيكون ثلاثًا المنصوب متعلقًا بعزيمة، أو يكون تعلقه به على جهة الظرف، كأنه قال: أعزم ثلاث مرار، أو ثلاث تطليقات، فإذا كان كذلك، وقع ثلاث تطليقات، لتعلق الثلاث بما ذكرناه، ولا يجوز أن يكون أقل من ذلك، لتعلقه بالعزيمة والأشبه فيمن نصب ثلاث، أن يكون الطلاق الثاني المعرف باللام يراد به الطلاق المنكور الذي تقدم ذكره، أي: ذلك الطلاق عزمته، أو عزمت
عليه ثلاثًا، فإذا كان كذلك لم يتجه إلا إلى الإيقاع للثلاث.
وأما إذا رفع ثلاثًا أمكن أن يكون المراد: الطلاق عزيمة ثلاث، أي: جنس الطلاق ذو عزيمة ثلاث، وأمكن أن يكون طلاقي ذو عزيمة ثلاث، فإذا أمكن أن يكون المراد به طلاقه خاصة، وأمكن أن يكون غير طلاقه، ولكن جنس الطلاق، ولم يوقع به شيئًا يتيقن ذلك بإقرار من المطلق أنه أراد ذلك، فأما إذا لم يقترن إلى هذا اللفظ الذي يحتمل الطلاق الخاص والطلاق العام شيء يدل به أنه يريد به طلاقك خاصة، لم يوقعه، والأشبه في قولهم واحدة واثنتان وثلاث في الطلاق، وإيصالهم إياه بهن أن يكون مرارًا، فينتصب على أنه ظرف من الزمان، يقوي ذلك قوله تعالى:(الطلاق مرتان)[البقرة/229] والمعنى: الطلاق في مرتني، إلا انه اتسع فيه فأقيم مقام الخبر، كما أقيم ظرف الزمان مقام الفاعل في قولهم: سير عليه طوران، وسير عليه مرتان وشهران، فكذلك قوله: مرتان، وإذا كان كذلك، كان قولهم: أنت طالق واحدة، كأنك قلت: أنت طالق مرة، وأنت طالق ثنتين، أي: مرتين، وكذلك ثلاثًا، فيكون ذلك ظرفًا من الزمان.
ويجوز فيمن نصب ثلاثًا في البيت أن لا يجعله على عزيمة، ولكن يحمله على فعل مضمر، كأنه لما لم يجز أن يحمله على طلاق الأول، ولا على طلاق الثاني، وكان المعنى والمراد أن يكون الثلاث محمولًا على الطلاق، أضمر طلقت، ودل عليه ما تقدم من ذكر الطلاق، فكأنه قال: طلقتك ثلاثًا. فأما حمل الثلاث على التفسير في قولهم: أنت طالق ثلاثًا، فليس ذلك من مواضع التفسير، ألا ترى أن التفسير جميع ما كان منتصبًا منه، فقد نص النحويون على جواز إدخال «من» فيه، وأن منه ما يرده إلى الجميع، ومنه ما يقره على الواحد، كقولهم: عشرون من الدراهم، ولله دره من رجل، ولا يجوز ذلك في هذا، ألا ترى أنه لا يستقيم: أنت طالق من واحد، ولا من العدد، ولا ما أشبه ذلك، فإذا كان كذلك لم
يكن تفسيرًا. وأيضًا فإن التفسير لا يجوز أن يكون معرفًا، والتعريف في هذا غير ممتنع، تقول: أنت طالق الثلاث، وأنت طالق الثنتين، أو التطليقتين.
فإذا كان كذلك كان ظرفًا، والظرف يكون تارة معرفة وتارة نكرة. وقد تقول: أنت طالق من ثلاث ما شئت، فيكون ما شئت معرفة، كأنك قلت: الذي شئته، فيكون معرفة، ولو كان تفسيرًا لم تقع المعرفة في هذا الموضع، ولا يجوز أن ينتصب على أنه حال، لأنه لو كان حالًا لم يجز أن يقع خبرًا للابتداء في قوله:(الطلاق مرتان)[البقرة/229] كما لا يكون الحال خبرًا للمبتدأ، ولو قلت: قمت خلفك، فنصبت خلفك على تقدير الحال، أي: قمت ثابتًا فيه، لم يجز الإخبار عنه، لأن الحال لا يكون خبر مبتدأ، فإن قلت: يكون قوله: والطلاق عزيمة، اعتراضًا بين الصلة والموصول، وتحمل ثلاثًا على الطلاق الأول، قيل: لا يجوز أن تحمله على الاعتراض، كما أن قوله:(وأقرضوا الله قرضًا حسنًا)[الحديد/18] في قولنا اعتراض، ألا ترى أن ذلك اعتراض بين الخبر والمخبر عنه، وكذلك قوله:(قل إن الهدى هدى الله)[آل عمران/73] اعتراض بين المفعول الذي هو: (أن يؤتى أحد) ولا يعترض بين الطلاق وثلاث، لأنه لا مثل له يشبه به. هذا كله كلام أبي علي، وقد حذفنا منه ما يستغني عنه.
وفي منعه الاعتراض رد على من قال به كالمحقق الرضي وغيره، حيث جعلوا الجملة معترضة، فإن الرضي روى البيت:«فأنت طلاق والطلاق ألية ثلاثًا .. » الخ وقال: الواو اعتراضية، وقد وقع في أكثر نسخ شرح الرضي المصراع الأول فقط اعتمادًا على شهرة الشعر، وقد نقل التفتازاني كلامه في بحث الجملة الحالية من «المطول» وقال الفناري في «حاشيته» قوله:
فأنت طلاق والطلاق ألية
آخره:
بها المرء ينجو من شباك الطوامث