الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهو شاعر مقدم من شعراء الجاهلية، وكان ممن يهجو قومه وليس بمكثر، وله القصيدة المشهورة التي أولها:
نام الخلي وما أحس رقادي
…
والهم محتضر لدي وسادي
وفيها أبيات شواهد تأني في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.
وكان ينادم النعمان بن المنذر، ولما أسن كف بصره فكان يقاد. وابنه الجراح وأخوه حطائط شاعران، ومن شعر حطائط يقول لأمه وقد عاتبته على جوده:
أرني جوادًا مات هزلًا لعلني
…
أرى ما ترين أو بخيلًا مخلدا
ذريني أكن للمال ربا ولا يكن
…
لي المال ربا تحمدي غبه غدا
ذريني يكن ما لي لعرضي واقيةً
…
يقي المال عرضي قبل أن يتبددا
وأنشد بعده، وهو الانشاد الرابع والخمسون:
(54)
تقول عجوز مدرجي متروحًا
…
على بابها من عند أهلي وغاديا
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومةٍ
…
أراك لها بالبصرة العام ثاويا
فقلت لها لا إن أهلي لجيرة
…
لأكثبة الدهنا جميعًا وماليا
وما كنت مذ أبصرتني في خصومةٍ
…
أراجع فيها يا ابنة العم قاضيا
على أن قوله: «لا» ليس جوابًا لسؤالها، بل رد لما توهمته من وقوع أحد الأمرين: كونه ذا زوجة، وكونه ذا خصومة، ولهذا لم يكتف بقوله: لا، إذ كان رد ما لم يلفظ به إنما يكون بالكلام التام، فلهذا قال: إن أهلي جيرة .. البيت، وما كنت مذ أبصرتني .. البيت. قال الدماميني: وهذا السؤال والجواب مسطوران في «شرح الجمل» لابن عصفور، ومذكوران فيما وجد له من «شرح الجزولية» ولعل المصنف وقع له ذلك على سبيل المواردة ولاتفاق، ولم يطلق على كلامه. انتهى. قال شيخنا الشهاب الخفاجي: قلت: لا وجه لما ذكره من أن المصنف توارد فيه مع غيره، وأي مانع من أخذه من كلام غيره! وليس هذا بأحسن من عدم وقوفه على كتب من قبله. انتهى.
وهذه عبارة ابن عصفور: إن قال قائل: فكيف قال ذو الرمة: تقول عجوز .. الأبيات الأربعة؟ فأجاب «أم» من قوله:
أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة
بقوله: «لا» وهي متصلة، ألا ترى أنها تقدمنها الهمزة وما بعدها مفرد، فالجواب أن قوله:«لا» جواب لاعتقادها، وذلك أنها لم تسأل بأم المتصلة إلا بعدما قطعت في ظنها بأنه إما ذو زوجة وإما ذو خصومة، فأجابها عن ذلك بلا، كأنه قال: لست ذا زوجة ولا ذا خصومة. ولو كان سؤالها بأم سؤالًا صحيحًا، لم يكن الجواب إلا بأن يقول: ذو زوجة، أو: ذو خصومة، فإن قال قائل: فلعل أم هذه منفصلة، ويكون ذوخصومة خبر ابتداء مضمر، كأنه قيل: أم أنت ذو خصومة، فيكون ما بعدها جملة، ولذلك أجاب بلا، فالجواب أن أم المنقطعة إنما يجاب ما بعدها خاصة، لأن ما قبلها مضرب عنه، فلا يحتاج إلى جواب،
وهو ههنا قد أجاب عن قولها: أذو زوجة، وعن قولها: أم ذو خصومة، فنفى أن يكون ذا زوجة بالمصر بقوله: إن أهلي جيرة .. البيت. ونفى أن يكون ذا خصومة بقوله: وما كنت مذ أبصرتني في خصومة .. ، فلم يبق إلا أن يكون محمولًا على ما ذكرنا. انتهى كلامه.
وأخذ الجواب أبو حيان أيضًا فقال في «شرح التسهيل» : لما رأته يتردد على بابها رواحًا وغدوًا، توهمت أنه ذو زوجة أو ذو خصومة: فأجابها بلا، أي: لست واحدًا من هذين، وأعلمها أنما توهمته لم يكن فتسألي عن تعيين ما توهمت أني متلبس به. انتهى.
وأخذه الخفاف أيضًا برمته، وأورده في «شرح الجمل» ولم يعزه إليه، وأخذه التاج التبريزي أيضًا وأورده في «شرح الكافية الحاجبية» بمقدار ما أورده المصنف، ثم قال: وقال مولانا عز الدين: إنما جاء بلا لأنه جعلها منقطعة، كأنها قالت: أذو زوجة بالمصر بل أنت ذو خصومة. انتهى كلامه. ولم يتعقبه بشيء، وهو مردود بما قاله ابن عصفور. ونقل ناظر الجيش كلام ابن عصفور برمته في «شرح التسهيل» وعزاه إليه. وأخذه الصفار أيضًا، وأورده في شرح «كتاب سيبويه» ولم يعزه إليه. ونقله عن الدماميني في «المزج» وعقبه بقوله: قلت: وظاهر كلامهم أن «لا» في كلام ذي الرمة هي الجوابية أخت «نعم» ولو قيل بأنها الناهية، والمعنى: لا تظني ما ذكرت من أني متصف بأحد ذينك الأمرين، وحذف الفعل المنهي عنه لقرينة قوله: إن أهلي جيرة .. الخ، لكان حسنًا، واندفع السؤال بذلك لابتنائه على أن «لا» هو الجوابية، وقد منعناه فتأمله.
أقول: تأملناه فوجدناه غير جائز، فإنه لم يسمع حذف جملة المنهي عنه مع بقاء حرفه.
قال المرزباني في «الموشح» أخبرني الصولي قال: حدثني القاسم بن إسماعيل قال: حدثني أبو عمر الجرمي قال: قدم ذو الرمة على بلال بن أبي بردة، فجعل يتردد إليه، وأراد أن يبتدئ قصيدة فيه فعي، فقالت له عجوز مر بها – وكان جميلا –: قد طال تردادك أفإلى زوجة سعدت بها، أم إلى خصومة شقيت بها؟ ! فقال لراويته: جاء والله ما أريد، ثم قال: تقول عجوز مرجي متروحًا .. البيتين. ثم مر في القصيدة. انتهى. وهذه الأبيات من قصيدة مدح بها بلال بن أبي بردة، وذكر في أول القصيدة ديارمي، ثم نسب بها في أبيات أكثر من عشرين بيتًا، ثم قال:
تقول عجوز مدرجي متروحًا
…
على بابها من عند رحلي وغاديا
وقد عرفت وجهي مع اسم مشهر
…
على أننا كنا نطيل التنائيا
أذو زوجة بالمصر .. إلى آخر الأبيات الثلاثة.
وبعدها:
ولكنني أقبلت من جانبي قسا
…
أزور امرءا محضًا نجيبًا يمانيا
من ال أبي موسى ترى الناس حوله
…
كأنهم الكروان أبصرن بازيا
مرمين من ليث عليه مهابة
…
تفادى الأسود الغلب منه تفاديا
فما يغربون الضحك إلا تبسما
…
ولا ينسبون القول إلا تناجيا
لدى ملك يعلو الرجال بهيبةٍ
…
كما يبهر البدر النجوم السواريا
فلا الفحش منه يرهبون ولا الخنا
…
عليهم ولكن هيبة هي ماهيا
فتى السن كهل الحلم ت سمع قوله
…
يوازن أدناه الجبال الرواسيا
وهي طويلة عدتها تسعة وخمسون بيتًا. وقوله: مدرجي متروحًا على بابها، مدرجي: بفتح الميم: مصدر درج الرجل بمعنى مشى.
ومتروح: اسم فاعل، قال صاحب «المصباح»: راح يروح رواحة، وتروج مثله، يكون بمعنى الغدو، وبمعنى الرجوع، وقد طابق بينهما في قوله تعالى:{غدوها شهر ورواحها شهر} [سبأ /12] أي: ذهابها ورجوعها. وقد يتوهم بعض الناس أن الرواح لا يكون إلا في آخر النهار، وليس كذلك، بل الرواح والغدو عند العرب يستعملان في المسير أي وقت كان من ليل أو نهار، قاله الأزهري. انتهى. وهو في البيت بمعنى الرجوع لمقابلته بغاديًا من الغدو، وهو الذهاب في الغدوة، قال صاحب «المصباح»: غدا غدوًا، من باب قعد: ذهب غدوة، وهي ما بين صلاة الصبح وطلوع الشمس، هذا أصله، ثم كثر حتى استعمل في الذهاب والانطلاق أي وقت كان. انتهى.
والرحل: بالحاء المهملة، قال صاحب «المصباح»: ورحل الشخص: مأواه في الحضر، ثم أطلق على أمتعة المسافر، لأنها هناك مأواه. انتهى. ووقع في «المغني» وغيره:«أهلي» بدله، والأول أولى. ومدرجي مبتدأ، ومتروحًا حال من ياء المتكلم، وصح مجيء الحال من المضاف إليه، لأن المضاف مصدر عامل في صاحب الحال والحال، وغاديا معطوف على متروحًا. قال الدماميني في
«المزج» : وقد يستكشل عطف قوله: غاديًا، مع أنه من معمولات المصدر المخبر عنه بقوله: على بابها، أو بقوله: من عند أهلي، ففيه الإخبار عن المصدر قبل استكمال معمولاته وهوممتنع، ويجاب بمنع أن يكون «على بابها» أو «من عند أهلي» خبرًا، بل الكل من معمولات المصدر، والخبر محذوف: أي حاصل. انتهى. وجملة المبتدأ والخبر صفة عجوز.
وقد أورد المبرد في «الكامل» : المقدار الذي أوردناه من شعر ذي الرمة وتكلم عليها. قال: قوله: مدرجي، يقول: ممري، فأما قولهم في المثل: خير من دب ودرج، فمعناه: من حيي ومن مات، يريدون: دب على وجه الأرض، ومن درج عنها فذهب. انتهى.
وقوله: وقد عرفت وجهي .. الخ، يقول: عرفت وجهي لكثرة ترددي على بابها لشهرة اسمي على أنني قد كنت أطيل الغيبة أحيانًا عن المصر.
وقوله: أذو زوجة بالمضر .. الخ، ذو: خبر مبتدأ محذوف تقديره: أذو زوجة بالمصر أنت، وقوله: بالمصر: ظرف في موضع الصفة لزوجة، والمصر: المدينة، وأوراد به البصرة، وثاويًا: حال من الكاف إن كانت الرؤبة بصرية، ومفعول ثان إن كانت الرؤية علمية.
والثاوي: المقيم، قال المبرد: يقال: ثوى الرجل فهو ثاو يا فتى: إذا أقام، وهي أكثر، ويقال: أثوى فهو مثو يا فتى، وهي أقل، ومن ذلك قول الأعشى:
أثوى وقصر ليلة ليزودا
…
ومضى وأخلف من قتيلة موعدا
انتهى.
وفي البيت رد على من زعم أنه لا يقال زوجة.
قال المرزباني في «التوشيح» : أخبرني محمد بن العباس قال: حدثنا محمد بن يزيد النحوي قال: حدثنا عبد الله بن محمد التوري قال: سمعت الأصمعي يقول: ما أقل ما تقول العرب الفصحاء: فلانة زوجة فلان، إنما يقولون: زوج فلان، فقال له السدري: أليس قد قال ذو الرمة: أذو زوجة بالمصر أم ذو خصومة .. البيت! ؟ فقال: إن ذا الرمة قد أكل البقل والمماوح في حوانيت البقالين حتى يشم! انتهى.
وكذا نقل ابن جني في «الخصائص» عن أبي حاتم عن الأصمعي.
وقد أجاد أبو القاسم علي بن حمزة اللغوي البصري في الرد على الأصمعي، قال في الجزء الرابع من «التنبيهات على أغلاط الرواة» وهو الجزء الذي رد فيه على أبي عبيد في «الغريب المصنف» قال أبو عبيد قال الأصمعي: حنة الرجل: امرأته، وهي طلته وعرسه وقعيدته وربضه وظعينته وزوجته، ولا تكاد العرب تقول زوجته. قال أبو عبيد: هذا الحرف بلغني عنه، قال أبو القاسم: هذا صحيح من قول الأصمعي، وقد أساء فيه، وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى، وإنما ننبه على أغلاط الأصمعي في جملة مما ننبه عليه من كتب المصنفين، لأنها ليست له في كتاب مصنف يشمله التنبيه، وإنما جاءت في روايتهم عنه، فمتى مر منها شيء في كتبهم نبهنا عليه، ونسبنا الغلط في ذلك إليه، ولا شيء على الراوي إلا عيب التقصير في أن لم ينبه على غلطه قبلنا، والرواية ناقل، والمصنف ثاقد، وكذلك نفعل فيمن حاله حال الأصمعي ممن أغلاطه في كتب المصنفين موجودة.
وقول الأصمعي: لا تكاد العرب تعرف زوجته، غلط، وفصحاء العرب يقولون: زوج وزوجة، فمن قال في ذلك لقمان بن عاد، رواه عنه أهل الضبط الثقات، فقالوا: قال لقمان في خبر له:
يا ذا النجاد الحلكه والزوجة المشتركه
ليست لمن ليس لكه
ومنهم الفرزدق، وهو الذي يقول:
وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي
…
كساع إلى أسد الشرى يستبيلها
ومنهم العجاج، وهو الذي يقول:
لا تسأل الزوجة ريح العطر
ومنهم الشماخ حيث يقول:
قد أصبحت زوجة شماخ بشر
…
فما أنال اليوم منها من خبر
ومنهم عمرة الخثعمية حيث تقول في مرثية ابنيها:
لقد ساءني أن عنست زوجتاهما
…
وأن عريت بعد الوجا فرساهما
وقالت أخرى:
ترى زوجة الشيخ مغمومةً
…
وتمسي الصحبته قاليه
وروى الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: سمعت عليًا عليه السلام ينشد، والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم يسمع:
أنا أخو المصطفى لا شك في نسبي
…
معه ربيت وسبطاه هما ولدي
جدي وجد رسول الله منفرد
…
وفاطم زوجتي لا قول ذي فند
وأنشد ابن الأعرابي:
قد ثبت قبل الشيب من لداتي
…
وذاك ما ألقى من الأذاة
من زوجة كثيرة السنبات
قال: أراد سوء الخلق وسرعة الغضب، وهي السنبة. رجل سنوب، أي: غضوب. وقال البحراني:
من منزلي قد أخبرجتني زوجتي
…
تهر في وجهي هرير الكلبة
زوجتها فقيرة من حرفتي
ومنهم ذو الرمة:
أذو زوجة في المصر أم ذو خصومة .. البيت
وأنشد أبو عمرو:
وزوجةٍ كثيرة السنبات
وأنشد غيره لأخي المرار بن منقذ العدوي:
تحب زوجات أقوام حليلته
…
إذا الأنوف امترى مكنونها الشم
وقال آخر:
تحب زوجات أآقوام حليلته
…
إذا الدخان يغشي الأشمط البر ما
وأنشد ابن الأعرابي عن أبي زياد الكلابي.
وكانت من الزوجات يومن غيبها
…
وترتاد فيها العين منتجعا حمدا
والزوجات: جمع زوجة، فأما جمع زوج فأزواج، قال عز وجل:{يا أيها النبي لم تحرم ما أحل الله لك تبتغي مرضات أزواجك} [التحريم/1] فهذا قول فصحاء العرب، ولكن الأصمعي ينسى فيشترط، فيفسد عليه شرطه حفظ غيره، ولو ترك الشرط نجا من كثير مما غلط فيه. انتهى كلام علي بن حمزة البصري، ونقلناه برمته.
وقوله: فقلت لها لا .. الخ، أي: فقلت للعجوز إني لا زوجة لي ههنا، ولم أجئ في خصومة، إن أهلي. ومالي لأكثبة الدهنا، أي: ثم منزلي ومالي، قاله شارح الديوان. وجيرة: جمع جار، واللام للتأكيد تأتي في خبر إن، وأكثبة: جمع كثيب وهو التل من الرمل. قال المبرد: أكثبة جمع كثيب وهو أقل العدد، والكثير كثب وكثبان. انتهى. والدهنا قال المبرد: من بلاد بني تميم، ولم أسمع فيها إلا القصر من أهل العلم والعرب، وسمعت بعد من يروي مدها، ولا أعرفه. انتهى وقال صاحب «القاموس»: والدهناء: الفلاة، وموضع لتميم بنجد ويقصر. انتهى. فيجعل المد أكثر.
وقال أبو عبيد البكري في «معجم ما استعجم» : الدهنا بفتح أوله يمد ويقصر، قال ابن حبيب: الدهنا: رمال في طريق اليمامة إلى مكة لا يعرف طولها، وأما عرضها فثلاث ليال، وهي على أربعة أميال من هجر، ويقال في المثل:«أوسع من الدهنا» . وعلم الدهنا هو قسًا، وأورد للمقصور والمدود يتبين. ومالي معطوف على جيرة، والألف للإطلاق، وقوله: وما كنت مذ أبصرتني بكسر التاء: خطاب للعجوز، وقاضيًا: مفعول أراجع، وقوله: يا ابنة العم، جعلها بنت عمه تلطفًا في خطابها، وفي ديوانه:«يا ابنة القرم» بفتح القاف وسكون الراء، قال شارحه: والقرم: الفحل، وفي رواية المبرد:«يا ابنة الخير» وهو مخفف خير بالتشديد، وجملة أراجع: خبر كنت.
وقوله: ولكنني أقبلت من جانبي قسًا، هو بفتح القاف والسين المهملة وألف مقصورة، قال المبرد: هو موضع من بلاد بني تميم، وقال أبو عبيد البكري:
هو مقصور [على وزن فعل] يكتب بالألف: على بالدهنا، جبيل صغير لبني ضة، وهذا خلاف المشهور. وجبيل – بالتصغير – تفسير لقوله: علم. وعبر عنه صاحب «القاموس» بقوله: قارة لتميم، ويمد. والمحض: الكريم الخالص.
وقوله: ترى القوم حوله، قال المبرد: كانت المخاطبة أولًا لامرأة ألا تراه يقول: وما كنت مذ أبصرتني .. البيت، ثم حول المخاطبة إلى رجل، والعرب تفعل ذلك، قال الله تعالى:{حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم} [يونس/22]. انتهى. يريد أنه من باب الالتفات. وقوله: كأنهم الكروان، هو بكسر الكاف وسكون الراء جمع كروان بفتحهما، كما يجمع ورشان على ورشان بكسر الواو وسكون الراء. وقال المبرد: الكروان: جماعة كروان، وهو طائر معروف، وليس هذا الجمع لهذا الاسم بكماله، ولكنه على حذف الزيادة وتقديره كرًا وكروان، كما تقول: أخ وإخوان، وو رل وورلان، وبرق وبرقان، والبرق أعجمي ولكنه قد أعرب وجمع كما تجمع العربية. واستعمل الكروان جمعًا على حذف الزيادة، واستعمل في الواحد، تقول العرب في أمثالها:
أطرق كرا أطرق كرا
…
إن النعام في القرى
يريدون الكروان انتهى.
ورأيت بخط الحافظ مغلطاي في هامشه على هذا البيت: يشبه أن يكون هذا من قول مكي بن سواد البرجمي صاحب أبي عبيدة في خالد بن صفوان، أو مكي أخذه من ذي الرمة لكونهما في عصر واحد:
عليم بترتيب الكلام ملقن
…
ذكور لما سداه أول أولا
يبذ خطيب القوم في كل مشهدٍ
…
وإن كان سحبان الخطيب ودغفلا
ترى خطباء القوم يوم ارتجاله
…
كأنهم الكروان أبصرن أجدلا
انتهى. والأجدل: الصقر. وقوله: مرمين .. الخو قال شارح الديوان: قوله: مرمين، أي: مطرقين من هيبته، يقال: أرم الرجل إرمامًا، والغلب: الغلاظ الأرقاب جمع أغلب، والأنثى: غلباء، وتفادى الأسود، أي: يتقي بعضها ببعض، أي يشهي ذا أن يقدم ذا. انتهى. وقال المبرد: مرمين، يريد: سكوتًا مطرقين، يقال: أرم إذا أطرق ساكتًا، وقوله: تفادى الأسود، معناه: تفتدي منه بعضها ببعض. انتهى. وقوله: فما يغربون الضحك .. البيت. قال شارح ديوانه: يقال: أغرب في الضحك إذا أكثر، فيقول: من هيبته إنما يتبسمون عنده، ويقال: ما نيس بكلمة، أي: ما تكلم بكلمة، وقوله: إلا تناجيًا، أي: إلا إسرارًا من هيبته. انتهى.
وقوله: لدى ملك .. البيت. لدى: ظرف، تنازعه يغربون وينسبون، ويجوز أن يتعلق بنتاجيًا. قال شارح ديوانه: لدى ملك، أي: عند ملك، وقوله: كما يبهر البدر النجوم، يقلو: يلعو الرجال بضوئه، كما يغلب ضوء البدر النجوم السواري، وهي التي تسري بالليل، انتهى. والمبرد لم يورد هذين البيتين.
وقوله: فلا الفحش منه يرهبون .. البيت. قال شارحه: أراد: لا يرهبون فحشه ولا خناه، قد أمنوا ذلك. وهيبة هي ماهيه: تعجب من عظمها، انتهى. وروى المبرد:«وما الخرق منه يرهبون» والخرق: بضم الخاء المعجمة: العنف، وقال: إذا رفعت هيبة، فالمعنى: ولكن أمره هيبة، كما قال تعالى:{كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ} [الأحقاف/35] أي: ذلك بلاغ. ومن نصب هيبة أراد المصدر، أي: ولكن يهاب هيبة.
وأحسن ما قيل في هذا المعنى:
يغضي حياء ويغضي من مهابته
…
فما يكلم إلا حين يبتسم
وقال الفرزدق يعني يزيد بن الملهب:
وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم
…
خضع الرقاب نواكس الأبصار
انتهى. وقوله: فتى السن .. البيت، قال شارحه: يريد هو كهل في حلمه، وفتى في سنه، وقوله: يوازن، أي: يحاذي أدناه الجبال الثابتة، وأراد: أدنى قوله يوازن الجبال، انتهى.
وذو الرمة: اسمه غيلان – بالعمعجمة – ابن عقبة من بني صعب بن مالك بن عدي، ولقب ذا الرمة لقوله:
أشعث باقي رمة التقليد
والرمة بضم الراء وتشديد الميم: قطعة من الحبل الخلق، وقيل لغير ذلك. قال: حماد الرواية: امرؤ القيس أحسن الجاهلية تشبيهًا، وذو الرمة أحسن الإسلام تشبيهًا، وما أخر القوم ذكره إلا لحداثة سنه، وأنهم حسدوه، وكان الفرزدق وجرير مجسدانه على شعره، وقال أبو المطرف: لم يكن أحد من القوم في زمانه أبلغ منه ولا أحسن جوابًا، ولقد عارضه رجل بسوق الإبل في البصرة يهزأ به، فقال: يا أعرابي أنشهد بما لا ترى؟ قال: نعم، أشهد أن أباك تاك أمك.
وقال أبو عمرو بن العلاء: ختم الشعر بذي الرمة، والرجز برؤبة، ومات بالبادية، ولما حضرته الوفاة قال: أنا ابن نصف الهرم، أي: ابن الأربعين، وقال السيوطي: مات ذو الرمة بأصبهان سنة سبع عشرة ومائة عن أربعين سنة، وقال الأصمعي: مات ذو الرمة عطشان، وأني بالماءوما به رمق فلم ينتفع به، وكان آخر ما تكلم به قوله:
يا مخرج الروح من نفسي إذا احتضرت
وفارج الكرب زحزحني من النار
أخرجه ابن عساكر. انتهى. وقد بسطنا ترجمته في الشاهد الثامن من أوائل شرح شواهد شرح الكافية للمحقق الرضي.
وبلال الممدوح هو بلال بن أبي بردة ابن أبي موسى الأشعري. قال ابن حجر في «التهذيب» : هو من الطبقة الخامسة من التابعين، مات سنة نيف وعشرين ومائة، وقال في «تهذيب التهذيب»: هو أمير البصرة وقاضيها وروى عن أنس فيما قيل، وعن أبيه وعمه، روى له الترمذي حديثًا واحدًا، وذكره البخاري في «الأحكام» وذكره الصقلي في كتاب «الضعفاء» قال: خليفة الخياط ولاه خالد القسري القضاء سنة تسع ومائة. وحكي عن مالك بن دينار أنه قال لما ولي بلال القضاء: يا لك أمة هلكت ضياعًا. فلم يزل قاضيًا حتى قد يوسف بن عمر سنة عشرين ومائة، فعزله وروى المبرد أن أول من أظهر الجور من القضاة في الحكم بلال، وكان يقول: إن الرجلين ليختصمان إلي، فأجد أحدهما أخف على قلبي فأقضي له. وروى ابن الأنباري أنه مات في حبس يوسف بن عمر، وأنه قتله دهاؤه، قال للسجان: اعلم يوسف أني قدمت ولك مني ما يغنيك، فأعلمه، فقال يوسف: أحب أن أراه ميتًا، فرجع إليه السجان فألقى عليه شيئًا فغمه حتى مات، ثم أراه يوسف.
وقال جويرية ابن أسماء: لما ولي عمر بن عبد العزيز وفد إليه بلال فهنأه، ثم لزم المسجد يصلي، ويقرأ ليله ونهاره، فدس عمر إليه ثقله له، فقال له: إن عملت لك ولاية العراق