الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثاني عشر، وهو من شواهد سيبويه:
(12)
أطربا وأنت قنسري
…
والدهر بالإنسان دواري
استشهد به سيبويه، قال ابن خلف في «شرح شواهد سيبويه»: الشاهد فيه انتصاب قوله: أطربًا، بفعل مضمر دل عليه الاستفهام. لأنه بالفعل أولى، والتقدير: أتطرب طربًا؟ وإنما ذكر المصدر دون الفعل لأنه أعم وأبلغ في المراد، قال أبو .. : همزة الاستفهام فيه للإثبات والتقرير والتوبيخ، ومن ههنا عودل بها أم، لأن أم يثبت بها الشيء مبهمًا، فلما تشابها من باب الإثبات وقعا معًا موقع أي، قال: لا يعادل أم سوى الألف، فيكون معه بمنزلة أيهما، وإنما جاز ذلك في الألف، ولم يجز في هل، لأن الألف قد تقع حيث يراد الإثبات والتقرير، ولا يراد التفهم والاستعلام، كمال قال تعالى:{أليس الله بكافٍ عبده} [الزمر /36] يريد التقرير، فلما كانت في الاستفهام بالألف وأم مدعيًا لأحد الشيئين أو الأشياء مثبتًا له، لم يجز أني قع بما سوى الألف لذا المعنى، بخلاف هل، لأنك لا تقرر بها إنما تستقبل بالاستفهام، فلو قلت: هل طوبًا، لم يجز، فأما قوله تعالى: لآهل يسمعونكم إذ تدعون} [الشعراء /72] فإنما هو إرشاد لا تقرير، ليكون ذلك داعية إلى النظر، ولو كان بالألف لجاز أن يظن بهم السماع والمتابعة على ذلك، وإن مخرج الكلام على التقرير والإنكار فقط، ومثل الآية قوله تعالى:{هل في ذلك قسم لذي حجر} [الفجر/5]. وزعم الفراء أن هل استعملت في الإثبات، واحتج بقول الله تعالى:{هل في ذلك قسم} و {هل أتى على الإنسان
حين} [الإنسان /1] وهذا إرشاد وتنبيه، لينظروا. وكذلك إظهار التشكك في قصة إبراهيم عليه السلام، وإنما هو تنبيه وإرشاد، لا تقرير، ليكون ذلك داعية إلى النظر، قال سيبويه: إنما أراد أتطرب، أي: أنت في حال طرب، ولم يرد أن يخبر عما مضى، ولا عما يستقبل. والطرب: خفة تصيب الإنسان عند الفرح أو الجزع، وهو هنا في الجزع، لأن قبله:
بكيت والمحتزن البكي
…
وإنما يأتي الصبا الصبي
قال أبو الحسن: يقال للسن: فنسري، ولم يسمع به إلا في شعر العجاج، وقوله: دواري أراد به: دوار، وأدخل عليه ياء النسب، والدوار: الذي يدور بالناس من حالة إلى حالة، انتهى كلام ابن خلف.
وقوله: إنما أراد أتطرب
…
الخ، أشار إلى أن الفعل المقدر زمنه حالي، وقوله: أي أنت في حال طرب، أشار إلى أنه متلبس بالطرب، وهذا مما يوبخ عليه إذ حقه أن لا يستفزه الحزن، لأن من حنكته التجارب ينبغي أن يكون متثبتًا لدى الشدائد.
واستشهد به ابن مالك على وجوب حذف عامل المصدر الواقع في توبيخ، وقال الدماميني: طربا إما مصدر مؤكد لفعل محذوف، أي: أتطرب؟ أو مفعول به، أي: أتأتي، انتهى. وهذا كما يقال: أتيت معصية، أي: أحدثتها وفعلتها، ونقل السيوطي عن أبي حيان أنه حكى عن بعضهم أنه قال: طربًا حال مؤكدة، أي: أتطرب في حال طرب، وفيه نظر، فإن مجيء المصدر حالًا سماعي لا يذهب إليه إلا عند عدم صحة غير الحال من الوجوه، وحينئذ يؤول باسم الفاعل أو اسم المفعول بحسب المراد، وينظر ما معنى ذلك التقدير، وجملة:
وأنت قنسري: حال من ضمير تطرب المحذوف، والقنسري: المشهور أنه بكسر القاف وتشديد النون، وجوز فيها الفتح والكسر، قال الدماميني: ويحتمل أن يكون بقاف مفتوحة ومثناة تحتية ساكنة والسين مفتوحة، وقد حكاه صاحب «القاموس» قال: القيسر كجعفر وجعفري، وجردل: الكبير المن أو القديم، وقول ابن خلف: وأدخل عليه ياء النسب، أي: لتأكيد النسبة كقولهم: أحمري وخارجي وأعجمي، والمحتزن: من الحزن، وهو الهم، والبكي: فعيل من البكاء، وهو الكثير البكاء، والصبا: التصابي والميل إلى الجهل، والصبي: فعيل من الصبورة، وهي الميل.
وهذا من أرجوزة العجاج.
والأرجوزة: أفعولة من الرجز، وهو أحد بحور الشعر الخمسة عشر، وقد تطلق على ما شبهه من مشطور السريع، بيانه أن بحر الرجز من مستفعلن ست مرات فإذا شطر خف، ومعناه: حذف شطره، بقي «مستفعلن» ثلاث مرات، وبحر السريع من ستة أجزاء وهي:«مستفعلن مستفعلن مفعولات» مرتين، فإذا شطر بقي «مستفعلن مستفعلن مفعولات» مرة واحدة، وأما مشابهة السريع للرجز فمن وجهين، أحدهما: أن كل واحد منهما يشطر، ولا يقع الشطر في غيرهما من البحور، وثانيهما: أن مشطور كل واحد منهما قريب جدًا من مشطور الآخر، وإنما اختلفنا في الجزء الثالث، ثم إن أحدهما قريب من الآخر، فإن مستفعلن سببان خفيفان فوتد مجموع، ومفعولات سببان خفيفان فوتد مفروق، وهذا أشد ما يكون من المشابهة بين هذين البحرين، إذا لم يختلفا إلا في شيء يسير من بعض الأجزاء، ولذلك لا يكاد يفرق بينهما إلا الماهر بالعروض. قال ابن رشيق في «العمدة»: ومن المقصد ما ليس برجز، وهم يسمونه رجز التصريع،