الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
غدر ابن جرموز بفارس بهمة
…
الأبيات المتقدمة
وحدثني محمد بن الضحاك قال: لما قتل الزبير بن العوام خطبها علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فأرسلت إليه تقول: إني لأضن بابن عم رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن القتلو رضي الله تعالى عنها، انتهى.
وأخرج السيوطي عن ابن سعد في «طبقاته» في قصة قتل الزبير أن أهل المدينة كانوا يقولون: من أراد الشهادة فليتزوج عاتكة بنت زيد، وكانت تحت عبد الله بن أبي بكر رضي الله تعالى عنهما، فقتل عنها، ثم كانت عند زيد بن الخطاب فقتل عنها باليمامة، ثم كانت تحت عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقتل عنها، ثم كانت عند الزبير رضي الله تعالى عنه فقتل عنها.
وأنشد بعده، وهو الانشاد الثالث والعشرون:
(23)
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه
…
إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
هو من قصيدة للنابغة الذبياني، وقبله:
فلا لعمر الذي قد زرته حججًا
…
وما هريق على الأنصاب من جسد
والمؤمن العائذات الطير يمسحها
…
ركبان مكة بين الغيل والسند
ما إن أتيت بشيء أنت تكرهه
…
إذن فلا رفعت سوطي إلى يدي
إذن فعاقبني ربي معاقبةً
…
قرت بها عين من يأتيك بالحسد
هذا لأبرأ من قولٍ قذفت به
…
طارت نوافده حرًا على كبدي
وهذا من قصيدة مدح بها النعمان بن المنذر ملك الحيرة، وتتصل بها عما قذفوه به حتى خافه، وهرب منه إلى بني جفنة ملوك الشام، وهي من القصائد الاعتذاريات، ولحسنها ألحقها أبو جعفر النحاس والخطيب التبريزي وغيرهما بالمعلقات البيع ..
وكان النابغة من خواص النعمان بن المنذر وندمائه وأهل أنه، فرأى المتجردة زوجة النعمان يومًا، وغشيها أمر، سقط نصيفها، وهو ما تغطي به رأسها، فاستترت بيدها وذراعها، فذكرها في قصيدة ووصفها، وذكر فيها أمورًا عجيبة منها في صفة فرجها، ثم أنشدها النابغة مرة بن سعيد القريعي، فأنشدها مرة النعمان، فامتلأ غضبًا وأوعد النابغة وتهدده، فهرب منه إلى ملوك غسان بالشام، وهم بنو جفنة. وقيل: إن الذي من أجله هرب النابغة أنه كان هو والمنخل اليشكري نديمين للنعمان، وكان النعمان دميمًا قبيح المنظر، وكان المنخل من أجمل العرب، وكان يرمى بالمتجردة، وتكلمت العرب أن ابني النعمان منها كانا منه، فقال النعمان للنابغة: يا أبا أمامة: صف المتجردة في شعرك، فقال تلك القصيدة، وصف فيها بطنها وفرجها وأردافها، فلحقت المنخل من ذلك غيرة، فقال للنعمان: ما يستطيع أن يقول هذا الشعر إلا من جرب! فوقر ذلك في نفس النعمان، فبلغ النابغة فخافه، فهرب إلى ملوك غسان، ونزل بعمرو ابن الحارث الأصفر، فمدحه ومدح أخاه، ولم يزل مقيمًا عنده حتى مات، وملك أخوه النعمان بن الحارث فصار معه إلى أن استعطف النعمان بن المنذر فعاد إليه.
والنابغة: اسمه زياد بن معاوية، وينتهي نسبه إلى سعد بن ذبيان، وكنيته أبو أمامة، وهو أحد شعراء الجاهلية وأحد فحولهم، وسمي النابغة لقوه:
فقد نبغت لنا منهم شؤون
وقيل: لأنه لم يقل الشعر حتى صار رجلًا، قال ابن قتيبة في «تراجم الشعراء»: ونبغ بالشعر بعدما احتنك، وهلك قبل أن يهتر. وهو أحد الأشراف الذين غض الشهر منهم، وهو أحسنهم ديباجة شعر، وأكثرهم رونق كلام، وأجزلهم بيتًا، كأن شعره كلام ليس فيه تكلف، ومات في الجاهلية في زمن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قبل أن يبعث.
ومما قاله في ملوك غسان ما أنشده ابن قتيبة عن الشعبي أنه قال: دخلت على عبد الملك وعنده رجل لا أعرفه، فالتقت إليه عبد الملك فقال: من أشعر الناس؟ قال: أنا، فأظلم ما بيني وبينه، فقلت: من هذا يا أمير المؤمنين؟ فتعجب عبد الملك من عجلتي، فقال: هذا الأخطل، فقلت: أشعر منه الذي يقول:
هذا غلام حسن وجهه
…
مستقبل الخير سريع التمام
للحارث الأكبر والحارث الـ
…
أصغر والأعرج خير الأنام
ثم لهند ولهند وقد
…
ينجع في الروضات ماء الغمام
ستة آباء هم ما هم
…
هم خير من يشرب صفو المدام
فقال الأخطل: صدق يا أمير المؤمنين، النابغة أشعر مني، فقال لي عبد الملك: ما تقول في النابغة؟ قلت: قد فضله عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه على الشعراء غير مرة، خرج وببابه وفد غطفان فقال: أي شعرائكم الذي يقول:
حلفت فلم أترك لنفسك ريبةً
…
وليس وراء الله للمرء مطلب
قالوا: النابغة، قال: فأي شعرائكم الذي يقول:
فإنك كالليل الذي هو مدركي
…
وإن خلت أن المنتأى عنك واسع
قالوا: النابغة، قال: هذا أشعر شعرائكم.
وله القصائد الاعتذاريات المشهورة إلى النعمان بن المنذر، لم يقل أحد مثلها، منها قوله:
نبئت أن أبا قابوس أوعدني
…
ولا قرار على زأر من الأسد
وتمثل به الحجاج بن يوسف حين سخط عليه عبد الملك، ومما يتمثل من شعره:
فلو كفى اليمين بغتك خونًا
…
لأفردت اليمين من الشمال
أخذه المثقب العبدي فقال:
فلو أني تخالفني شمالي
…
خلافك ما وصلت بها يميني
وقوله:
فحملتني ذنب امرئ وتركته
كذي العر يكوى غيره وهو راتع
أخذه الكميت فقال:
ولا أكوي الصحاح براتعاتٍ
…
بهن العر قبلي ما كوينا
قال الآمدي في «المؤتلف والمختلف» : من يقال له النابغة ثمانية، أولهم هذا، والثاني: النابغة الجعدي الصحابي، والثالث: نابغة بني الديان الحارثي، والرابع: النابغة الشيباني، والخامس: النابغة الغنوي، والسادس: النابغة العدواني، والسابع: النابغة الذبياني أيضًا، وهو نابغة بني قتال بن يربوع، والثامن: النابغة التغلبي واسمه الحارث، انتهىز
قوله: فلا لعمر الذي .. إلخ، لا الداخلة على جملة القسم نافية، ومنفيها محذوف، أي: ليس الأمر كما زعموا، أولا لما زعموا صحة. وقيل زائدة زيدت توطئة لنفي جواب القسم، وعمر: مبتدأ محذوف الخبر وجوبًا تقديره قسمي، والعمر بالفتح:
البقاء، والحجج: جمع حجة بكسر المهملة وهي السنة، والذي: صفة موصوفها محذوف، أي: لعمر البيت الذي، أقسم ببقاء البيت الذي زاره سنين متعددة، وهو البيت الحرام، وروي أيضًا:
فلا لغمر الذي مسحت كعبته
فيكون القسم ببقاء الله تعالى. وقوله: وما هريق على الأنصاب من جسد، هربق: هو أريق، والهاء بدل من الهمزة، والأنصاب: حجارة كانت العرب في الجاهلية تنصبها وتذبح عندها، والجسد بفتح الجيم والسين المهملة: هو الدم، وهو بيان لـ «ما» المعطوفة على الذي.
وقوله: والمؤمن العائذات الطير .. الخ، أقسم ببقاء الله تعالى أيضًا، فهو معطوف على الذي أيضًا، وزعم من لم يلاحظ البيت الذي قبله أن هذه الواو للقسم، قال ثعلب: أراد بالعائذات الحمام، جمع عائد، من عذت بالشيء، أي: لجأت إليه، والطير بالجر: بدل منه، وبالنصب إن كان العائذات منصوبًا بالكسرة على أنه مفعول به للمؤمن، والمؤمن هو الله سبحانه، وهو اسم فاعل من آمنه كما قال تعالى:{الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} .
وقد جمعنا ما للعلماء في هذا البيت من الكلام في الشاهد السابع والأربعين بعد الثلاثمائة من شواهد الرضي.
والطير: جمع طائر، وقد يقع على الواحد، والركبان: جمع راكب، وجملة «يمسحها ركبان مكة»: حال من الطير، والسند بفتحتين: ما قابلك من الجبل وعلا عن السفح. وروى أبو عبيدة: «الغيل» بكسر الغين المعجمة، وقال: هي والسند أجمتان كانتا بين مكة والمدينة، وأنكرها الأصمعي وقال: إنما الغيل بالفتح وهو ماء، وإنما يعني النابغة ماء كان يخرج من أبي قبيس، كذا
في «شرح ديوان النابغة» ، ولم يذكر هذا أبو عبيد في «معجم ما استعجم» .
وقوله: ما إن أتيت بشيء .. الخ، هذه الجملة جواب القسم الذي هو قوله:«لعمر الذي قد زرته حججًا» وما: نافية، وإن: زائدة للتأكيد، وروي بدله:
ما قلت من سيء مما أتيت به
وقوله: إذن فلا رفعت، استشهد به مع البيت الذي بعده المحقق الرضي على أن «إذن» إذا كانت للشرط في المستقبل، جاز دخول الفاء في جوابها، كأنه قال: إن أتيت بشيء تكرهه فلا رفعت، فجملة: فلا رفعت دعائية وقعت جزاءً، واقترنت بما يقترن به جزاء الشرط لما في إذن من معنى الشرط، وكذا الحال في البيت الذي يليه، ومعناه: شلت يدي حتى لا تقدر على أخذ شيء خف كالسوط، وهذا دعاء على نفسه على تقدير ثبوت ما نفاه.
وقد تداول الشعراء هذا المعنى حتى جعلوه مثلًا، أخذه برمته أنس بن زنيم الصحابي، وكان قبل إسلامه يحرض المشركين على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، فأهدر دمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام الفتح، فأتاه وأسلم، ومدح النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقصيدة منها:
ونبي رسول الله أني هجوته
…
فلا رفعت سوطي إلى إذن يدي
وقال حسان بن ثابت: