المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المطلب الأول: حكم بيع عظم الميتة - البيوع المحرمة والمنهي عنها

[عبد الناصر بن خضر ميلاد]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول: التعريف بالبيع

- ‌المطلب الأول: البيع لغة

- ‌المطلب الثاني: البيع اصطلاحاً

- ‌المطلب الثالث: أركان البيع

- ‌المطلب الرابع: شروط المعقود عليه "المبيع

- ‌المبحث الثاني: مشروعية البيع وحكمه

- ‌المبحث الثالث: المقصود بالأعيان المحرمة

- ‌المطلب الأول: تعريف العين لغة واصطلاحاً والمحرم لغة والحرام عند الأصوليين

- ‌المطلب الثاني: الأعيان المحرمة لنجاستها

- ‌المطلب الثالث: الأعيان المحرمة لغلبة المفسدة فيها

- ‌المطلب الرابع: الأعيان المحرمة لكرامتها

- ‌الباب الأول: في النجاسات

- ‌التمهيد في بيان اختلاف الفقهاء في حرمة بيع النجاسات وأسبابه

- ‌الفصل الأول: بيع الميتة

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول حكم بيع الميتة

- ‌المبحث الثاني حكم بيع أجزاء الميتة

- ‌المطلب الأول: حكم بيع عظم الميتة

- ‌المطلب الثاني حكم بيع جلد الميتة

- ‌المطلب الثالث حكم بيع شعر الميتة

- ‌المبحث الثالث خلاصة القول بشأن بيع الميتة

- ‌الفصل الثاني بيع الدم

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول تعريف الدم المسفوح

- ‌المبحث الثاني: حكم بيع الدم المسفوح

- ‌المبحث الثالث: خلاصة ما قاله الفقهاء بشأن بيع الدم

- ‌الفصل الثالث: بيع فضلات الإنسان والحيوان

- ‌المبحث الأول حكم المني وحكم بيعه

- ‌المطلب الأول: حكم المني

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع المني

- ‌المبحث الثاني: حكم أرواث الحيوانات وحكم بيعها

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع رجيع الحيوانات

- ‌المطلب الثالث: حكم التداوي بأبوال الحيوانات

- ‌الفصل الرابع: بيع الكلب والخنزير

- ‌المبحث الأول: حكم الكلب وحكم بيعه

- ‌المطلب الأول: حكم الكلب

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع الكلب

- ‌المبحث الثاني: حكم الخنزير وحكم بيعه وبيع شعره

- ‌المطلب الأول: حكم الخنزير

- ‌المطلب الثاني حكم بيع الخنزير

- ‌المطلب الثالث: حكم بيع شعر الخنزير

- ‌الفصل الخامس: بيع الخمر

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: حكمة تحريم الخمر

- ‌المبحث الثاني: حكم الخمر

- ‌المبحث الثالث: حكم التداوي بالخمر، وحكم بيعها

- ‌المطلب الأول: حكم التداوي بالخمر

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع الخمر

- ‌الفصل السادس: حكم بيع المتنجسات والانتفاع بها

- ‌الباب الثاني: مانهى الشارع عن الانتفاع به

- ‌الفصل الأول: بيع أواني الذهب والفضة

- ‌المبحث الأول: حكم أواني الذهب والفضة

- ‌المطلب الأول: حكم استعمال واقتناء أواني الذهب والفضة

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع أواني الذهب

- ‌المبحث الثاني: حكم المضبب بالذهب والفضة

- ‌المطلب الأول: حكم استعمال المضبب بالذهب

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع المضبب بالذهب

- ‌المطلب الثالث: حكم استعمال المضبب بالفضة

- ‌المطلب الرابع: حكم بيع المضبب بالفضة

- ‌المطلب الخامس: حكم استعمال المموه بالذهب والفضة

- ‌المطلب السادس: حكم بيع المموه بالذهب أو الفضة

- ‌المطلب السابع: حكم اتخاذ خاتم وساعة الذهب المعدين للرجال واستعمالهما

- ‌المطلب الثامن: حكم بيع خاتم وساعة الذهب المعدين للرجال

- ‌المطلب التاسع في المستثنيات

- ‌الفصل الثاني: وبيع الأصنام والصور

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: بيان حكم الشرع للصور بأنواعها

- ‌المطلب الأول الصور المجسمة

- ‌المطلب الثاني: التصوير لغير ذي الروح

- ‌المبحث الثاني: حكم بيع الصور بأنواعها

- ‌المبحث الثالث: المستثنيات

- ‌الفصل الثالث: بيع آلات اللهو

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: آلات اللهو

- ‌المطلب الأول: حكم سماع الغناء

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع آلات اللهو

- ‌المبحث الثاني: النرد

- ‌المطلب الأول حكم اللعب بالنرد

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع النرد

- ‌المبحث الثالث: الشطرنج

- ‌المطلب الأول: حكم اللعب بالشطرنج

- ‌المطلب الثاني بيع الشطرنج

- ‌الفصل الرابع: بيع المخدرات والمفترات

- ‌المبحث الأول: التعريف بالمخدرات والمفترات

- ‌المبحث الثاني: حكم بيع المخدرات

- ‌المبحث الثالث: حكم بيع المفترات

- ‌الفصل الخامس: بيع الإنسان الحر وأجزائه

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: حكم بيع الإنسان الحر

- ‌المبحث الثاني: حكم نقل وبيع بعض أجزاء الإنسان الحر

- ‌المطلب الأول حكم نقل أعضاء الإنسان

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع بعض أجزاء الإنسان

- ‌الفصل السادس: بيع الأشياء المحرمة لقدسيتها

- ‌المبحث الأول: بيع المصحف

- ‌المبحث الثاني: بيع المصحف للكافر

- ‌المبحث الثالث: بيع أرض مكة

- ‌الخاتمة

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌المطلب الأول: حكم بيع عظم الميتة

‌المبحث الثاني حكم بيع أجزاء الميتة

تعرض الفقهاء لبيان حكم الشرع بشأن بيع أجزاء الميتة، كأثر من الآثار المهمة لما انتهوا إليه من البيان الخاص ببيع الميتة ذاتها، ومن هذه الأجزاء: العظم، والجلد، والشعر، وما يقرب منها، وسنعرض لما قالوا تبعاً في المطالب الآتية:

‌المطلب الأول: حكم بيع عظم الميتة

اختلف الفقهاء بشأن حكم بيع عظم الميتة ونحوه مثل القرن1، والحافر2، والظفر3، والظلف4، ومنشأ هذا الخلاف أنهم اختلفوا قبل ذلك بشأن مدى طهارة هذه الأشياء أو عدم ذلك، وهذا يستلزم -أولاً- ضرورة إلقاء الضوء على منهج العلماء فيه حتى يمكننا بالتالي الوقوف على حكم الشرع بشأن بيع عظم الميتة.

أولاً: آراء الفقهاء بشأن طهارة عظم الميتة

مذهب الحنفية: القول بطهارة عظم الميتة، من قرن، وظفر، ونحوهما، وبالتالي فإنه لا مانع من بيع هذه الأشياء، وإن كانوا قد استثنوا من هذا الحكم عظم الخنْزير، فقالوا بنجاسته باعتبار أصله، وذلك لأنه نجس العين، حيث وصفه الله سبحانه بكونه رجساً، فحرم استعمال شعره وسائر أجزائه.

فقد جاء في بدائع الصنائع: "

وأما الذي له دم سائل فلا خلاف في الأجزاء التي فيها دم من اللحم والشحم والجلد ونحوها أنها نجسة، لاحتباس الدم النجس فيها، وهو الدم المسفوح، وأما الأجزاء التي لا دم فيها، وإن كانت صلبة كالقرن، والعظم، والسن، والحافر، والخف، والظلف، والشعر، والصوف، والعصب،

1 القرن: للثور وغيره، وكبش أقرن كبير القرنين. راجع: لسان العرب لابن منظور 11/135.

2 الحافر: من الدواب يكون للخيل والبغال والحمير. راجع: لسان العرب لابن منظور 3/237.

3 الظفر: معروف، وجمعه أظفار، يكون للإنسان وغيره. راجع: لسان العرب لابن منظور 8/254.

4 الظلف: للبقرة والشاة والظبي وما أشبهها، والجمع أظلاف. راجع: لسان العرب لابن منظور 8/257.

ص: 48

والأنفحة، الصلبة، فليست بنجسة عند أصحابنا

ولأصحابنا طريقان: أن هذه الأشياء ليست بميتة، لأن الميتة من الحيوان في عرف الشرع اسم لما زالت حياته لا بصنع أحد من العباد أو بصنع غير مشروع، ولا حياة في هذه الأشياء فلا تكون ميتة. والثاني: أن نجاسة الميتات ليست لأعيانها بل لما فيها من الدماء السائلة والرطوبات النجسة، ولم توجد في هذه الأشياء، وعلى هذا ما أبين من الحي من هذه الأجزاء وإن كان المبان جزءاً فيه دم كاليد والأذن والأنف ونحوها فهو نجس بالإجماع، وإن لم يكن فيه دم كالشعر والصوف والظفر ونحوها فهو على الاختلاف

وأما الخنْزير

فإنه نجس العين، لأن الله تعالى وصفه بكونه رجساً فيحرم استعمال شعره وسائر أجزائه، إلا أنه رخص في شعره للخرازين للضرورة. وروي عن أبي

يوسف1 في غير رواية الأصول أنه كره ذلك أيضاً ولا يجوز بيعها في الروايات كلها...."2.

فالحنفية: يرون أن أجزاء الميتة التي لا دم سائل فيها مثل القرن والعظم والسن والحافر والخف والظلف والشعر والعصب والأنفحة الصلبة، يرون أن هذه الأجزاء ليست بنجسة، لعدم حياة هذه الأجزاء، فلا تكون ميتة، أو أن نجاسة الميتات ليست لأعيانها، وإنما لما فيها من الدماء السائلة، وغيرها من الرطوبات النجسة، وهذه الأجزاء ليست بها دماء سائلة، ولا رطوبة فيها، ولهذا كانت غير نجسة.

واتفقوا على نجاسة جميع أجزاء الخنْزير كالعظم والشعر ونحوها، وذلك لنجاسة أصله، فيحرم استعماله وجميع أجزائه، وإن كان الترخص في استعمال شعره للخرازين

1 هو يعقوب بن إبراهيم بن حبيب القاضي الإمام، من ولد سعد بن حبتة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ الفقه عن أبي حنيفة رضي الله عنه، وهو المقدم من أصحابه جميعاً، ولي القضاء للهادي والمهدي والرشيد وهو أول من سمي قاضي القضاة، وأول من اتخذ للعلماء زياً خاصاً توفي رحمه الله سنة 188 ? من تصانيفه "الخراج" و"آداب القاضي" راجع: تاريخ بغداد للحافظ أبي بكر أحمد البغدادي 14/242، والبداية والنهاية لابن كثير 10/180.

2 الكاساني 1/63.

ص: 49

للضرورة هو منصوص المذهب، خلافا لأبي يوسف، حيث روى عنه القول بكراهة ذلك.

مذهب المالكية: قالوا إن العظم ونحوه كالقرن والحافر والظفر والظلف طاهر، طالما كان من حيوان مذكى ذكاة شرعية، من ذبح، ونحر، وعقر، ونحو ذلك وإن هذا الحكم وهو الطهارة يسري كذلك على أجزاء ذلك الحيوان المذكى من عظم ولحم وظفر وسن وجلد، وخلافه، وهذا يعني أن المحرم أكله فإنه لا أثر لهذه التذكية، وبالتالي فإن أجزاءه تظل محرمة بحسب أصله لنجاسته والنهي عن تناوله.

فقد جاء في تقريرات الشيخ عليش1 بهامش حاشية الدسوقي2: "

والطاهر: أَيُّ حيوانٍ ذكي ذكاة شرعية، من ذبح، ونحر، وعقر، ولحم، وظفر، وسن، وجلد، إلا محرم الأكل، كالخيل، والبغال، والحمير، والخنْزير. فإن الذكاة لا تنفع فيها، وأما مكروه الأكل، كسبع، وهر، فإن ذكي لأكل لحمه، طهر جلده تبعاً، لأنه يؤكل اللحم، وإن ذكي بقصد أخذ جلده فقد طهر، ولا يؤكل لحمه، لأنه ميتة بناء على تبعيض الذكاة وهو الراجح، وعلى عدم تبعيضها يؤكل"3.

فمذهب المالكية: أن عظم الميتة يأخذ حكم أصله فإن كان من حيوان مذكى ذكاة شرعية، فإن يكون طاهراً وهذا يعني أن المحرم أكله فإنه لا أثر لهذه التذكية فإن أجزاءه تظل محرمة بحسب أصله لنجاسته.

وجاء في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: "قوله: وجزؤه" إنما نص على

1 هو محمد بن أحمد بن محمد عليش أبو عبد الله، فقيه من أعيان المالكية، مغربي الأصل، من أهل طرابلس الغرب، ولد بالقاهرة، وتعلم في الأزهر، وولي مشيخة المالكية فيه، ولما كانت ثورة عرابي باشا اتهم بموالاتها فأخذ من داره وهو مريض محمولاً لا حراك به، وألقي في سجن المستشفى من تصانيفه "فتح العلى المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك" و "منح الجليل على مختصر خليل" توفي رحمه الله تعالى بالقاهرة سنة 1299?. راجع: الأعلام للزركلي 6/19.

2 محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي المالكي، من أهل دسوق بمصر، تعلم وأقام بالقاهرة من مؤلفاته حاشية على الشرح الكبير على مختصر خليل وكتاب الحدود الفقهية، توفي رحمه الله عام 1230?. راجع: عجائب الآثار للجبرتي 4/231، الأعلام للزركلي 6/17.

3 1/49.

ص: 50

الجزء بعد النص على الكل، لأنه لا يلزم من الحكم على الكل الحكم على الجزء

"1.

مذهب الشافعية: قالوا إن عظم الميتة ونحوه، كالقرن، والحافر، ونحوهما، يأخذ حكم ميتته، أي إنه نجس بنجاسة تلك الميتة وذلك لأن الأصل عندهم في هذا هو أن حكم الجزء المنفصل بعد الموت حكم ذات الميتة أي أنه على النجاسة بحسب الأصل، فعظم الميتة عند الشافعية نجس بنجاسة أصله.

وإن كانوا قد استثنوا من هذا الأصل شعر الميتة، وصوفها، وريشها، ووبرها من المأكول، حيث قالوا بالإجماع على أنه طاهر إذا انفصلت من الميتة بعد موتها.

فقد جاء في مغني المحتاج: "

ودخل في نجاسة الميتة جميع أجزائها من عظم وشعر وصوف ووبر وغير ذلك، لأن كلا منها تحلّه الحياة، ودخل في ذلك ميتة دود نحو خل وتفاح فإنها نجسة

والجزء المنفصل من الحيوان الحي ومشيمته كميتته أي ذلك الحي إِنْ طَاهِراً فطاهر وإن نجساً فنجس لخبر "ما قطع من حي فهو ميتة" 2

فالمنفصل من الآدمي، أو السمك، أو الجراد، طاهر، ومن غيرها نجس، وسواء في المشيمة: -وهي غلاف الولد- مشيمة الآدمي وغيره. أما المنفصل من بعد موته، فحكمه حكم ميتته، بلا شك، إلا شعر أو صوف أو ريش أو وبر المأكول فطاهر بالإجماع

"3.

فمناط الحكم عند الشافعية: أن الجزء المنفصل من الميتة يأخذ حكم ذات الميتة، وأنه يكون نجساً بنجاسة أصله، وقد استثنوا من ذلك الشعر والصوف والريش ونحوه.

مذهب الحنابلة: القول بنجاسة عظم الميتة وظفرها ونحو ذلك لأنها تنجس بموت

1 المرجع السابق نفس الموضوع.

2 الحديث أخرجه الإمام أحمد 5/218، وأبو داود برقم 2858، والترمذي 1/280 وقال: حديث حسن غريب، والحاكم 4/239 وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، والحديث حسنه الشيخ الألباني في غاية المرام برقم 41.

3 الشربيني 1/114 - 115.

ص: 51

تلك الميتة، وهذا ما عليه المذهب وعليه الأصحاب، وفي رواية عن الإمام أحمد1 بأن هذه الأشياء طاهرة.

فقد جاء في الإنصاف: قوله: "وعظمها وقرنها وظفرها: نجس وكذا عصبها وحافرها: يعني التي تنجس بموتها وهو المذهب وعليه الأصحاب، وعنه طاهر

"2.

وفي كشاف القناع: "وعظمها أي الميتة وقرنها وظفرها وعصبها وحافرها وأصول شعرها إذا نتف وأصول ريشها إذا نتف وهو رطب أو يابس نجس، لأنه من جملة أجزاء الميتة، أشبه سائرها، ولأن أصول الشعر والريش جزء من اللحم، لم يستكمل شعراً ولا ريشاً"3.

الموازنة: من خلال النظر فيما سبق يتضح لنا أن الخلاف في مسألة طهارة عظم الميتة ينحصر في مذهبين أساسيين، مع خلاف ضعيف بالنسبة لوجه تعليل من قال بأن عظم الميتة نجس على نحو ما تقرر لدى المالكية في الشق الخاص بكون أصل ذلك العظم نجساً بأن كان من غير مأكول اللحم، أو كان منه من مأكول اللحم غير أنه لم يذك ذكاة شرعية.

المذهب الأول: يرى أن عظم الميتة ونحوه كالقرن والحافر والظفر والظلف طاهر، وإلى هذا ذهب الحنفية، وإن كانوا قد استثنوا من ذلك عظم الخنْزير، أما الفيل فقد شبهه محمد بن الحسن4 بالخنْزير، وعند الإمام أبى حنيفة5 وأبى يوسف: يشبه

1 هو أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أبو عبد الله من بني ذهل بن شيبان الذين ينتمون إلى قبيلة بكر بن وائل إمام المذهب الحنبلي وأحد أئمة الفقه الأربعة أصله من مرو وولد ببغداد امتحن في أيام المأمون والمعتصم ليقول بخلق القرآن فأبى وأظهر الله على يديه مذهب أهل السنة توفى رحمه الله سنة 241?. راجع: الأعلام للزركلي 1/192.

2 المرداوي 1/92 - 93.

3 البهوتي 1/70.

4 هو محمد بن الحسن بن فرقد نسبته إلى بني شيبان بالولاء أصله من حرسته من قرى دمشق، منها قدم أبوه العراق، فولد له محمد بواسط، ونشأ بالكوفة. إمام في الفقه والأصول، ثاني أصحاب أبي حنفية بعد أبي يوسف، هو الذي نشر مذهب أبي حنيفة بتصانيفه الكثيرة، ولي القضاء للرشيد بالرقة، ثم عزله، واستصحبه الرشيد من مخرجه إلى خراسان فمات محمد رحمه الله بالري سنة 189? من تصانيفه "الجامع الكبير" و"الجامع الصغير". راجع: الأعلام للزركلي 6/80، والبداية والنهاية لابن كثير 10/202.

ص: 52

السباع، وبالتالي فإنه يجوز بيع عظمه ونحوه وعلى القول بطهارة عظم الميتة رواية عن الإمام أحمد.

المذهب الثاني: يرى أن عظم الميتة ونحوه كالقرن والحافر والظفر والظلف نجس وبالتالي لا يجوز بيعه

وأن هذا ينطبق على كل مأكول اللحم وغيره، وإلى هذا ذهب المالكية والشافعية والحنابلة.

الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول بما يأتي:

أ - أن أم المؤمنين أم سلمة1 رضي الله عنها قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "لا بأس بمسك الميتة إذا دبغ ولا بأس بصوفها وشعرها وقرونها إذا غسل بالماء"2.

ب - أن أنس3 رضي الله عنه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يتمشط بمشط من عاج"4.

? - أن ابن عباس5 رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في قوله

5 هو النعمان بن ثابت بن هرمز، ينتسب إلى تيم بالولاء، الفقيه المجتهد المحقق الإمام، أحد أئمة المذاهب الأربعة، قيل أصله من أبناء فارس، ولد ونشأ بالكوفة، كان يبيع الخز ويطلب العلم، ثم انقطع للدرس والإفتاء توفي رحمه الله سنة150هـ. راجع: الأعلام للزركلي 8/36.

1 أم المؤمنين أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشية المخزومية، واسمها هند، كان زوجها ابن عمها أبو سلمة بن عبد الأسد بن المغيرة، فمات عنها، فتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم، أسلمت قديما هي وزوجها، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، توفيت رضي الله عنها سنة 62?، وهي آخر أمهات المؤمنين موتا.

راجع: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر 3617، الإصابة في تميز الصحابة لابن حجر 8/404-406 برقم 12065.

2 الحديث: أخرجه الدارقطني في السنن 1/47، والبيهقي في السنن 1/24

3 الصحابي الجليل أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد المكثرين عنه من الرواية، لقبه ذو الأذنين، توفي رضي الله عنه عام 92? أو 93? وقد جاوز المائة. راجع: الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر برقم 84، الإصابة في تميز الصحابة لابن حجر 1/275-278 برقم 277.

4 الحديث أخرجه البيهقي في السنن 1/26.

5 هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب قرشي هاشمي، حبر هذه الأمة وترجمان القرآن، ولد بمكة سنة =

ص: 53

تعالى: {قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} 1 "ألا كل شيء من الميتة حلال إلا ما أكل منها فأما الجلد والقرن والشعر والصوف والسن والعظم فكل هذا حلال لأنه لا يذكى"2.

د - "أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر ثوبان3 رضي الله عنه أن يشتري لفاطمة رضي الله عنها قلادة من عصب وسوارين من عاج" 4 والعاج هو ناب الفيل، ولو كان نجساً ما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بشرائه، لأن النجس لا يجوز اعتباره محلاً للبيع أو الشراء.

وهذه الآثار في مجملها تدل على طهارة العظام ونحوها مما يترتب عليه القول بجواز بيعها على نحو ما سيرد حالاً.

هذا فضلاً عن أن السبب في حرمة الميتة إنما هو الرطوبة السيالة والدماء النجسة، ولما كانت العظام ونحوها لا رطوبة ولا دم فيها، فلا تتحقق نجاستها، وبالتالي فلا مانع من اعتبارها محلاً لإجراء التصرفات عليها ومنها البيع5.

واستدل أصحاب المذهب الثاني بما يأتي:

أ- أن الله سبحانه قال: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} 6 والمعروف أن العظم ونحوه بعض الميتة ولهذا تسري عليه أحكامها من القول بالنجاسة وحرمة البيع للنهي عن بيع

= ثلاث قبل الهجرة أسلم صغيراً ولازم النبي صلى الله عليه وسلم بعد الفتح وروى عنه، كان الخلفاء يجلونه، شهد مع علي الجمل وصفين، وكف بصره في آخر عمره، توفي رضي الله عنه بالطائف سنة 68 ?. راجع: الأعلام للزركلي 4/95.

1 سورة الأنعام الآية: 145.

2 الحديث أخرجه الدارقطني 1/47-48 والبيهقي في الكبرى 1/23 - 24.

3 هو محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان القرشي العامري، روى عن أبي هريرة وأبي سعيد وفاطمة بنت قيس وزيد بن ثابت وجابر بن عبد الله وابن عباس وابن عمر وغيرهم. راجع: الطبقات لابن سعد 5/283.

4 الحديث: أخرجه الإمام أحمد في المسند 5/275، وأبو داود في السنن كتاب الترجل باب ما جاء في الانتفاع بالعاج برقم 4213، والبيهقي في السنن 1/26.

5 بدائع الصنائع 5/142.

6 سورة المائدة: الآية 3.

ص: 54

الميتة في مجملها لنجاستها.

ونوقش هذا: بأن المراد من هذه الآية الكريمة إنما هو حرمة الأكل، وذلك لأن الله سبحانه قد أخبر في قوله تعالى:{قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ} 1، بما يفيد أن التحريم مقصور على ما يتأتى به الأكل، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم قد صرح بذلك حين قال:"إنما حُرم أكلها" 2 يعني الميتة، ولما كان العظم وما يشابهه كالصوف وخلافه ليس من المأكولات فإن التحريم الوارد في الآية التي تمسكتم بها لا يشمله وبالتالي فلا ينصرف عليه حكم المنع من البيع الذي قلتم به3.

ب- أن الحياة تحل بالعظام كاللحم وذلك عملاً بقوله سبحانه: {قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ*قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ} 4.

والمقرر أن دليل الحياة هو الإحساس والألم، وهما موجودان في العظم فضلاً عن أن العظم ونحوه ينمو بنمو الجسم، وهذا يؤكد أن فيه الحياة التي يحلها الموت فتتحقق نجاسته بالموت، ويترتب على هذا القول بعدم جواز بيعه قياساً على أصل الميتة5.

ونوقش هذا: بأن النمو والكبر لا يدل على الحياة ضرورة، حيث إن الشجرة والنبات يحدث لهما النماء رغم عدم الحياة فيهما، فضلاً عن عدم التسليم بأن العظم يتألم ويحس بتألم وإحساس اللحم المتصل به6.

1 سورة الأنعام: الآية 145.

2 ذكر بعض العلماء أن المراد بهذا السمك والجراد. راجع: السنن الكبرى 1/23 - 24، وسنن الدارقطني 1/47 - 48.

3 أحكام القرآن للجصاص 1/148 - 149.

4 سورة يس: الآيتان 78 - 79.

5 مواهب الجليل للحطاب 4/261.

6 المبسوط للسرخسي 1/203 - 204.

ص: 55

والراجح في هذا الخلاف: -والله أعلم- هو ما ذهب إليه الحنفية ومن وافقهم من القول بطهارة عظم الميتة وذلك لقوة ما استدلوا به وإمكانهم الرد على ما تمسك به غيرهم ولعدم وجود نص صريح يدل على نجاسة العظام، بل وجد بعض النصوص تدل على طهارة عظم الميتة ونحوه وإن كثرة طرقها جعلها تقوي بعضها البعض حتى تحقق قوة الاستدلال.

هذا بملاحظة: أن الخلاف بشأن مدى طهارة عظم الميتة وغير ذلك من جميع أجزائها جعلني أتعرض لبحث حكم بيع عظم الميتة لاستكمال وجه أثر هذا الخلاف خاصة وأن البعض اعتبر أصل هذه الأشياء وقال إنها نجسة بنجاسة أصلها مثلما فعل الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، وإن كان بعض الفقهاء قد استثنى من هذا الحكم الشعر والظفر ونحو ذلك.

وعليه: فإن بحث حكم بيع عظم الميتة هنا كان عملاً لأصل الخلاف في مسألة طهارة ذلك العظم، وأنه لا أثر لما رجحته من القول بطهارتها على مسار منهج البحث في الرسالة.

ثانياً: موقف العلماء من إمكان بيع عظم الميتة

مذهب الحنفية: ذهب فقهاء الحنفية إلى القول بجواز بيع عظم الميتة وعصبها وشعرها ووبرها وريشها وخفها وحافرها، وذلك لطهارتها، وإمكان الانتفاع بها. جاء في بدائع الصنائع: "

وأما عظم الميتة وعصبها وشعرها وصوفها ووبرها وريشها وخفها وظلفها وحافرها فيجوز بيعها والانتفاع بها عندنا.."1. وجاء في الهداية: "

ولا بأس ببيع عظم الميتة وعصبها وصوفها وقرنها وشعرها ووبرها، والانتفاع بذلك كله؛ لأنها طاهرة لا يحلها الموت لعدم الحياة"2.

وقد استثنوا من ذلك عظم الخنْزير، فقالوا لا يجوز بيعه، واختلفوا في بيع شعره لاختلافهم في حكمه أطاهر هو أم نجس، والصحيح -عندهم- عدم بيعه لنجاسته،

1 الكاساني 5/142.

2 المرغيناني 6/427.

ص: 56

وخالف محمد في بيع عظم الفيل، فمنع بيعه خلافاً للشيخين.

"

والفيل كالخنْزير نجس العين عند محمد رحمه الله وعندهما: بمنْزلة السباع حتى يباح عظمه وينتفع به

" 1.

وجاء في بدائع الصنائع: "

أما عظم الخنْزير فلا يجوز بيعه

وأما شعره فقد روي أنه طاهر يجوز بيعه، والصحيح أنه نجس لا يجوز بيعه

وروي عن أبي حنيفة وأبي يوسف رحمها الله أنه لا بأس ببيع عظم الفيل، وقال محمد رحمه الله عظم الفيل نجس لا يجوز بيعه ولا الانتفاع به"2.

وهكذا: فالحنفية لا يمنعون بيع عظم الميتة إلا عظم الخنْزير؛ حيث اتفقوا على منع بيع عظم الخنْزير لنجاسته بنجاسة أصله، في حين أنهم مختلفون بشأن حكم بيع عظم الفيل، حيث منع بيعه محمد بن الحسن لنجاسته ولعدم الانتفاع به، خلافا لما روى عن الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف رحمهما الله من أنه لا بأس ببيع عظم الفيل.

مذهب المالكية: اختلف فقهاء المالكية في حكم بيع عظام الميتة وقرونها وأظلافها والانتفاع بها، فقيل يجوز بيعها، وقيل لا يجوز وهو المشهور، ونقل عن ابن عرفة3 عن أصبغ4 أنه قال: إذا وقع البيع بعد صلق العظم فلا يفسخ إن فات، وأما إذا وقع البيع قبل صلق العظم فسخ مطلقاً، وهو قول مبني على القول بطهارة العظام بالصلق.

1 الهداية للمرغيناني 6/427.

2 الكاساني 5/142.

3 هو محمد بن محمد بن عرفة الورغمي إمام تونس وعالمها وخطيبها ومفتيها، قدم للخطابة سنة 772?، وللفتوى سنة 773?، كان من كبار فقهاء المالكية، تصدى للدرس بجامع، تونس وانتفع به خلق كثير، توفي سنة 803? من تصانيفه "المبسوط" و"الحدود". راجع: الديباج المذهب لابن فرحون 2/331، والأعلام للزركلي 7/272.

4 هو أصبغ بن الفرج بن سعد بن نافع مولى عبد العزيز بن مروان من أهل الفسطاط، فقيه من كبار المالكية بمصر، رحل إلى المدينة إلى مالك ليأخذ عنه فدخلها يوم مات، وصحب ابن القاسم وابن وهب، وقدمه بعضهم على ابن القاسم، توفي رحمه الله بمصر سنة 225?. راجع: الأعلام للزركلي 1/336، والديباج المذهب لابن فرحون 1/299.

ص: 57

فقد ورد في مواهب الجليل: "أما عظام الميتة وقرونها وأظلافها ففي طهارة ذلك ونجاسته خلاف مذكور في الطهارة، والمشهور النجاسة في ذلك كله، وفي أنياب الفيل فيمنع البيع

والمشهور أنه نجس فلا يباع

انتهى ونقل عن ابن عرفة في الطهارة عن أصبغ أنه إذا وقع البيع فإن كانت العظام وأنياب الفيل صلقت فلا يفسخ إن فات، وإن لم تصلق فيفسخ ولو فات. انتهى، وهذا على قوله إنها تطهر بالصلق، وعلى المشهور يكون الحكم واحداً قبل الصلق وبعده"1.

مذهب الشافعية: اتفق فقهاء الشافعية على عدم جواز بيع دهن الميتة وعصبها وشعرها وريشها.

فقد جاء في المجموع: "ودهن الميتة وعصبها وشعرها

وكذلك ريشها

ولا يجوز بيعها بلا خلاف عندنا"2.

هذا: ولم يصرح في كتب الشافعية التي اطلعت عليها3 إلا بالعصب دون العظم ويمكن تخريج حكم بيع العظم عليه.

مذهب الحنابلة: القول بمنع بيع عظم الميتة حتى ولو كان ذلك للمضطر وكذا كان الانتفاع بها على أصل هذا المنع. فقد جاء في كشاف القناع: "ولا يصح بيع ميتة ولا شيء منها ولو لمضطر

"4. وجاء في الإنصاف: "

وعظمها وقرنها وظفرها نجس

وهو المذهب

وعليه الأصحاب وعنه طاهر ذكره في الفروع5

وهو المختار

قال بعض الأصحاب فعلى هذا يجوز بيعه"6.

فالمستفاد من نصوص الحنابلة: عدم صحة بيع الميتة وكذا كافة أجزائها بما في ذلك العظم ونحوه، على المذهب وما عليه فقهاء الحنابلة خلافاً للرواية الثانية والتي اختارها

1 الحطاب 4/261.

2 النووي 9/270.

3 كالمجموع للنووي، ومغني المحتاج للشربيني، وقليوبي وعميرة.

4 البهوتي 4/1386.

5 الفروع في الفقه الحنبلي للشيخ شمس الدين محمد بن مفلح الحنبلي المتوفى سنة 763? راجع: كشف الظنون 2/1256.

6 المرداوي 1/92- 93.

ص: 58

المرداوي1.

وبناء على هذا: فالمذهب عند الحنابلة: منع بيع عظم الميتة لنجاسته، وهناك رواية عن الإمام أحمد بطهارة عظام الميتة، وقد خرج بعض الحنابلة على هذا القول بجواز بيعها وأن هذا الحكم يشمل كذلك غير العظم في جميع أجزاء الميتة مثل اللبن، والأنفحة، والقرن، والظفر، والعصب، والحافر، والدهن.

فأساس منع بيع العظم ونحوه عند الحنابلة هو نجاسة هذه الأشياء، خلافاً لمن قال منهم بطهارتها وبنى على ذلك القول بجواز بيعها.

الموازنة: بمراجعة نصوص ما ذكره الفقهاء بشأن حكم بيع عظم الميتة يتضح لنا الآتي:

أ- منع بيع عظم الميتة ومنع الانتفاع به. وإلى هذا ذهب المالكية في القول المشهور عندهم وهو مذهب الشافعية والحنابلة أيضاً.

ب- جواز بيع عظم الميتة والانتفاع به شرعاً على خلاف فرعي فيما يتعلق بالاستثناء من هذا الحكم خاصة بالنسبة لعظم الخنْزير وعظم الفيل ونابه وذلك على النحو الآتي:

1-

جواز بيع عظم الميتة والانتفاع به شرعاً، وهذا قول المالكية غير المشهور، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل، وهي الرواية المختارة في المذهب، وهو مذهب الحنفية على خلاف بينهم في عظم الخنْزير والفيل ونابه

2-

بالنسبة لعظم الخنْزير -خاصة- فقد استثناه الحنفية من حكم جواز البيع والانتفاع به لنجاسته وهذا هو المذهب عند الحنفية.

1 هو علي بن سليمان بن أحمد بن محمد المرداوي السعدي، أبو الحسن علاء الدين، شيخ المذهب وإمامه، ولد سنة 817? بمراد، تفقه على الشيخ تقي الدين بن قندس البعلي، من مصنفاته الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف، والتحرير في أصول الفقه، توفي رحمه الله سنة 885? بالصالحية.

راجع: شذرات الذهب لابن عماد الحنبلي 9/511، المنهج الأحمد لعبد الرحمن العليمي 5/290-298.

ص: 59

3-

بالنسبة لعظم الفيل: فقد أضافه محمد بن الحسن إلى المنع، وقال بأنه لا يجوز بيعه والانتفاع به، وأنه في هذا شأنه شأن عظم الخنْزير.

وهناك قول للمالكية: أنه يجوز بيعه والانتفاع به بعد الصلق لا قبله.

وعلى هذا: انحصر الخلاف في عظم الميتة في مذهبين: أحدهما بالمنع والآخر بالجواز.

وهناك خلاف فرعي فيما يتعلق بعظم الخنْزير وعظم الفيل خاصة عند من قال بجواز الانتفاع بعظم الميتة وذلك في وجه استثناء عظم الخنْزير وعظم الفيل.

هذا: وقد بنى من منع بيع عظم الميتة هذا الحكم على القول بنجاسة أصل ذلك العظم والميتة فقد تنجس بنجاستها. واعتبروا هذا دليلاً لهم وهذا يسري على منع الحنفية لبيع عظم الخنْزير وإضافة محمد بن الحسن بيع عظم الفيل، في حين أن من قال بجواز بيع عظم الميتة فقد بنى هذا الجواز على القول بطهارته كما هو الحال عند الإمام أحمد في رواية له ومقابل المشهور عند المالكية وعلى قول من لم يشترط طهارة المبيع كالحنفية والاكتفاء بماليته.

والذي يترجح لدي من هذا الخلاف: ما ذهب إليه الحنفية من القول بجواز بيع عظم الميتة والانتفاع به ما عدا عظم الخنْزير بناءً على ما ترجح من قولهم - 1 بشأن طهارته - وعلى هذا فلا مانع من اعتبار عظم الميتة محلاً للتصرفات المالية ومنها البيع والاتجار فيه شأنه في هذا شأن باقي الطاهرات المباحة، خاصة لو كان في هذه العظام نفع للعباد، وذلك لأن المقرر شرعاً أن كل ما فيه مصلحة ونفع للعباد لا يمنعه الشرع بل يسهل طرق التعامل فيه طالما أنه غير محظور شرعاً، مع مراعاة الاستثناء الخاص بالنسبة لعظم الخنْزير وجميع أجزائه حيث استثنى ذلك في إباحة الانتفاع والتداول بالبيع ونحوه، وذلك لنجاسة عينه المقرر بالكتاب والسنة، وهذا الذي ترجح هنا هو أصل مذهب الحنفية الذي أوقف استثناء المنع من البيع عند عظم الخنْزير باعتبار

1 راجع: صفحة 68.

ص: 60