الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
الخمر في اللغة:
ما أسكر من عصير العنب، وسميت بهذا لأنها تخامر العقل، وحقيقة الخمر إنما هي ما كان من العنب دون ما كان من سائر الأشياء1.
قال الفيروز آبادي: "الخمر ما أسكر من عصير العنب، وهو عام وقد يُذكر والعموم أصح لأنها حرمت وما بالمدينة خمر عنب وما كان شرابهم إلا البُسر والتمر سميت خمراً لأنها تخمر العقل وتستره أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت أو لأنها تخامر العقل أي تخالطه"2.
وقال الزبيدي بشرح قول صاحب القاموس: "أو عام" أي ما أسكر من عصير كل شيء، لأن المدار على السكر وغيبوبة العقل، وهو الذي اختاره الجماهير، وسمي الخمر خمراً لأنها تخمر العقل وتستره، أو لأنها تركت حتى أدركت واختمرت"3.
فقد أطلق اسم الخمر على سائر الأنبذة المسكرة لما فيها من مخامرة العقل.
وكان الإطلاق اللغوي قائما على أساس الستر والتغطية، فمادة "خمر" تدور بإزاء معانٍ حول الستر والتغطية والكتم والمخالطة، وهذا المعنى اللغوي يتسق مع المعنى الاصطلاحي للخمر عند الفقهاء على ما سيرد حالاً فضلاً عن اتساقه مع وظيفة الخمر الطبيعية، لأن الخمر تستر العقل وتغطيه وهي تخالطه وتكتم عمله ولو إلى حين لأن شارب الخمر لا يفكر بطريقة اعتيادية فالخمر خالطت عقله فسترته وغطته.
1 لسان العرب لابن منظور 4/211.
2 القاموس المحيط 2/23 مادة خمر.
3 تاج العروس 3/187 مادة خمر.
الخمر في اصطلاح الفقهاء:
مذهب الحنفية: إطلاق اسم الخمر على المعتصر من العنب النيء الذي غلا واشتد وقذف بالزبد. فقد جاء في الاختيار لتعليل المختار: "الخمر وهي النيء من ماء العنب إذا غلا واشتد وقذف بالزبد
…
"1.
وهذا ما عليه الإمام أبو حنيفة من تعريف الخمر خلافاً لما عليه الصاحبان أبو يوسف ومحمد من تعريفهم للخمر بأنها "ماء العنب إذا غلا واشتدوقذف بالزبد أو لم يقذف به
…
"2.
مذهب المالكية: أن الخمر تطلق على كل ما يسكر سواء كان ذلك من العنب أو غيره من جميع الأشربة الأخرى المسكرة وأنه يستوي في هذا القليل والكثير. فقد جاء في الكافي في فقه أهل المدينة: "الخمر شراب العنب المسكر، وكل شراب أسكر كثيره أو قليله فهو خمر"3.
فالنص يفيد أن الخمر شراب العنب المسكر، وكذلك كل شراب أسكر كثيره أو قليله، وعلى هذا فالخمر عندهم ما اتخذ من عصير العنب ودخلته النشوة المطربة.
مذهب الشافعية: أن الخمر تطلق على جميع الأشربة المسكرة من نقيع التمر والزبيب وغيرهما كالشعير والتمر أو العسل أو البر ونحو ذلك، ولم تنص كتب الشافعية فيما اطلعت عليه صراحة على تعريف الخمر واكتفت ببيان حكمها وحكم ما يقاس عليها من جميع الأشربة.
فقد جاء في مغني المحتاج: "كل شراب أسكر كثيره حرم هو وقليله، من جميع الأشربة من نقيع التمر والزبيب وغيرهما"4. وجاء في المهذب: "واسم الخمر يقع
1 الموصلي 4/99.
2 بدائع الصنائع للكاساني 5/112.
3 ابن عبد البر 1/442
4 الشربيني 4/232.
على كل مسكر
…
"1.
فالشافعية في هذا متفقون مع المالكية في التسمية وكذا في الحكم على المعتصر من العنب فقط، الخمر عند الشافعية يطلق على المسكر من عصير العنب وإن لم يقذف بالزبد.
مذهب الحنابلة: أن الخمر هي اسم لكل مسكر، أي تطلق على كل ما يسكر، سواء من العنب أو الشعير أو نحو ذلك، وسواء كان ذلك قليلاً أو كثيراً من كافة الأشربة.
فقدجاء في المغني: "أن كل مسكر حرام قليله وكثيره وهو خمر حكمه حكم عصير العنب
…
"2.
وجاء في كشاف القناع: "ويسمى كل شراب أسكر خمراً"3.
فالحنابلة على أن كل شراب أسكر فهو خمر قذف أم لا اشتد أم لا؟
وعلى هذا: فإطلاق اسم الخمر لدى جمهور الفقهاء "المالكية والشافعية والحنابلة" إطلاق أوسع مما عليه الحال عند الحنفية، الذين قصروا مسمى الخمر على المعتصر من العنب النيء الذي غلا واشتد وقذف بالزبد فقط بخلاف غيره من سائر الأنبذة مثل نبيذ التمر والشعير والحنطة ونحوها فإنه لا تسمى خمراً عندهم، في حين أن هذه الأشربة تسمى خمراً عند المالكية والشافعية والحنابلة، فالخمر عندهم تطلق على كل ما يسكر قليله أوكثيره سواء كان ذلك من العنب أو من الشعير أو التمر أو العسل أو البر أو غير ذلك.
فكل ما من شأنه أن يسكر فهو خمر ولا عبرة بالمادة التي أخذ منها فما كان مسكراً من أي نوع من الأنواع فهو خمر يستوي في ذلك ما كان من العنب أو التمر أو العسل أو الحنطة أو الشعير أو ما كان من غير هذه الأشياء فأساس الكلام في الخمر إنما هو مخامرة العقل وسكره وتغطيته وإفساد إدراكه.
1 الشيرازي 2/287.
2 ابن قدامة 8/304.
3 البهوتي 6/116.
وفي هذا يقول ابن تيمية: "وكل ما يغيب فإنه حرام وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغيب العقل حرام بإجماع المسلمين
…
فإن كل ما يغيب العقل يحرم باتفاق المسلمين"1.
ويقول ابن قيم الجوزية: "إن الخمر يدخل فيها كل مسكر مائعاً كان أو جامداً عصيراً أو مطبوخاً"2.
1مجموع الفتاوى 34 /211 – 218.
2 زاد المعاد 2/197.