الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
القول بعدم إباحة استعمال المضبب بالذهب، خلافاً لما عليه أبو بكر منهم بإباحة بيع الضبة اليسيرة خاصة لو كانت للحاجة.
يتضح لنا أن العلماء لهم في مسألة بيع المضبب بالذهب آراء متعددة تخلص في مذهبين:
المذهب الأول: يرى منع بيع المضبب بالذهب، وإلى هذا ذهب المالكية وما عليه أصل مذهب الشافعية، وصحيح مذهب الحنابلة وهو قول أبي يوسف من الحنفية.
المذهب الثاني: يرى إباحة بيع المضبب بالذهب، وإلى هذا ذهب كل من الإمام أبي حنيفة، ومحمد بن الحسن الشيباني، وهو قول لأبي بكر من الحنابلة خاصة ما إذا كانت الضبة يسيرة، وهو قول عند الحنابلة إذا كانت لحاجة.
الأدلة: باعتبار أن حكم بيع الضبة من الذهب قد خرج على حكم استعمالها واتخاذها، فإن أدلة المذهب هنا هي ذات الأدلة التي تمسك بها كل بحسب قوله في الاستعمال، على نحو ما تقرر في المطلب السابق، ولذات السبب المقرر هنا وهو تخريج الحكم على سابقه باعتباره أصلاً فيه.
الراجح في هذا: بعد مراجعة ما انتهى إليه الخلاف في أصل هذه المسألة، وهو ما ترجح لدى العلماء بشأن استعمال الأواني والآلات ونحوها مما ضبب بالذهب مطلقاً، يتضح هنا فيما تخرج عليه رجحان ما ذهب إليه أنصار المذهب الأول من القول بحرمة ومنع بيع المضبب بالذهب، وذلك لقوة ما تمسكوا به، ومنعاً لما يؤدي إلى كسر قلوب الفقراء بتداول هذه الأواني على هيئة تضبيبها بالذهب. والله تعالى أعلم.
المطلب الثالث: حكم استعمال المضبب بالفضة
اختلف الفقهاء في حكم استعمال المضبب بالفضة 1على النحو الآتي:
مذهب الحنفية: إباحة استعمال السيف والسكين والمنطقة المضببة بالفضة، وإباحة استعمال الإناء والكرسي والسرير وغيرها مما ضبب بالفضة قليلة كانت الضبة أو
1 المضبب بالفضة له خصوصية في العرض على وجه خاص حيث إنه يشتمل على تجاوز وتسامح في الحكم الشرعي بعض الشيء، وهذا غير متحقق في المضبب بالذهب.
كثيرة، إذا كان يتقى موضع الضبة من هذه الأشياء.
فقد جاء في بدائع الصنائع: "وأما السيف المضبب والسكين فلا بأس به بالإجماع، وكذا المنطقة المضببة، لورود الآثار بالرخصة بذلك في السلاح، ولا بأس بشد الفص بمسمار الذهب لأنه تبع للفص، والعبرة للأصل دون التبع، كالعلم للثوب ونحوه،
…
وأما شد السن المتحرك بالذهب فقد ذكر الكرخي رحمه الله أنه يجوز، ولم يذكر خلافاً، وذكر في الجامع الصغير أنه يكره عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد رحمهما الله لا يكره، ولو شدها بالفضة لا يكره بالإجماع""1.
فمذهب الحنفية: أنه لا بأس من استعمال السيف المضبب والسكين ونحو ذلك، وأنه لا يكره بالإجماع عند الحنفية شد السن المتحرك بالفضة.
مذهب المالكية: كراهية الشرب في الإناء المضبب بالفضة. فقد جاء في مواهب الجليل: "
…
وقال مالك في العتبية لا يعجبني أن يشرب في إناء مضبب، ولا ينظر في مرآة فيها حلقة، وهو يحتمل التحريم والكراهة، قال ابن عبد السلام وظاهره الكراهة، وهو الذي عزاه المازري للمذهب، وكذا بعض من تكلم على الخلاف،
…
والمذهب عندنا كراهة الشرب في الإناء المضبب، كما كره النظر في مرآة فيها حلقة فضة، قال القاضي عبد الوهاب ويجوز عندنا استعمال المضبب إذا كان يسيراً،
…
وعلة مجرد السرف لا تقتضي التحريم، كأواني البلور التي لها الثمن الكثير والياقوت فإن استعمالها عندنا جائز غير حرام لكنه مكروه للسرف انتهى
…
"2.
فمذهب المالكية: أن الإمام مالكاً لا يعجبه الشرب في إناء مضبب، وذكرت كتب المالكية أنه يحتمل التحريم ويحتمل الكراهة، غير أن الظاهر هو الكراهة، وقال صاحب مواهب الجليل إن المذهب كراهة الشرب في الإناء المضبب، وقال القاضي عبد الوهاب بجواز استعمال المضبب إذا كان يسيراً.
مذهب الشافعية: يرى جمهور الشافعية أن ما ضبب بضبة كبيرة كلها أو بعضها
1 الكاساني 5/132.
2 الحطاب 1/129.
لزينة حرم استعمالها، وإن كانت صغيرة بقدر الحاجة فلا يحرم للصغر، ولا يكره للحاجة، فإن كانت الضبة صغيرة وكلها أو بعضها لزينة، أو كانت كبيرة كلها لحاجة، جاز مع الكراهة فيهما، أما في الأولى فللصغر، ولقدرة معظم الناس على مثلها، وكره لفقد الحاجة، وأما الثانية فللحاجة وكره للكبر.
فقد جاء في المهذب: "وأما المضبب بالفضة فقد اختلف أصحابنا فيه، فمنهم من قال إن كان قليلاً للحاجة لم يكره لما روى أنس رضي الله عنه: "أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشَّفة سلسلة من فضة"1 وإن كان للزينة كره لأنه غير محتاج إليه، ولا يحرم، لما روى أنس قال: "كان نعل سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضة، وقبيعة سيفه من فضة، وما بين ذلك حلق الفضة"2، وإن كثيراً للحاجة كره لكثرته، ولم يحرم للحاجة، وإن كان كثيراً للزينة حرم، لقول ابن عمر: "لا يتوضأ ولا يشرب من قدح فيه حلقة من فضة أو ضبة من فضة"3
…
ومن أصحابنا من قال: يحرم في موضع الشرب، لأنه يقع الاستعمال به، ولا يحرم فيما سواه، لأنه لا يقع به الاستعمال، ومنهم من قال يكره ولا يحرم، لحديث أنس في سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم"4.
فمذهب الشافعية: أن استعمال المضبب بالفضة مختلف فيه بحسب ما إذا كان قليلاً أم لا؟ ولحاجة أم لا؟ في موضع شرب أم لا؟ وأن منهم من قال: إن كان قليلاً للحاجة لم يكره وإن كان للزينة كره، ومنهم من قال: إن كان كثيراً للحاجة: كره وإن كان للزينة حرم؛ ومنهم من قال: يحرم استعمال المضبب في موضع الشرب، ولا يحرم فيما سواه؛ ومنهم قال: يكره ولا يحرم.
1 الحديث أخرجه البخاري برقم 2942.
وفي "المهذب": "فاتخذ مكان الشفة" هو تصحيف، والصواب ما في صحيح البخاري وغيره "فاتخذ مكان الشعب" والمراد بالشعب الشق والصدع، وقوله: انكسر معناه انشق، والمراد أنه شد الشق بخيط فضة فصارت صورته صورة سلسلة وفي رواية البخاري فسلسله بفضة. راجع: المجموع: 1/313
2 الحديث أخرجه النسائي في سننه كتاب الزينة باب حلية السيف برقم 5374.
3 الأثر أخرج نحوه البيهقي في السنن 1/29.
4 الشيرازي 1/63 – 64.
مذهب الحنابلة: أن الضبة إن كانت كثيرة حرم الاستعمال، سواء كانت الضبة لحاجة أو لغيرها، وإن كانت يسيرة أبيح استعمال المضبب بها، واشترط أبو الخطاب لإباحة استعمال المضبب أن تدعو الحاجة إلى هذه الضبة، وقال القاضي يباح الاستعمال سواء دعت الحاجة إلى الضبة أو لم تدع، ويرون أنه تكره مباشرة موضع الفضة بالاستعمال حتى لا يكون مستعملاً لها.
فقد جاء في الإنصاف: قوله: "إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة". استثنى للإباحة مسألة واحدة؛ لكن بشروط: منها: أن تكون ضبة، وأن تكون يسيرة، وأن تكون لحاجة، ولم يستثنها المصنف، لكن في كلامه أومأ إليها، وأن تكون من الفضة ولا خلاف في جواز ذلك، بل هو إجماع بهذه الشروط، ولا يكره على الصحيح من المذهب، وقيل: يكره.
فائدة: في "الضبة" أربع مسائل، كلها داخلة في كلام المصنف في المستثنى والمستثنى منه يسيرة بالشروط المتقدمة، فتباح، وكثيرة لغير حاجة فلا تباح مطلقاً على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب وجزم به، واختار الشيخ تقي الدين الإباحة إذا كانت أقل مما هي فيه، وكثيرة لحاجة، فلا تباح على الصحيح من المذهب وعليه الجمهور
…
ويسيره لحاجة: فلا تباح على الصحيح من المذهب، نص عليه،
…
وإن كان التضبيب بالفضة وكان يسيراً على قدر حاجة الكسر فمباح،
…
قال في تجريد العناية1: لا تباح اليسيرة لزينة في الأظهر وقيل: لا يحرم، اختاره جماعة من الأصحاب"2.
فمذهب الحنابلة: استثناء الضبة اليسيرة من الفضة واعتبار استعمالها مباحاً، غير أن هذا مشروط بعدة شروط: أن تكون ضبة، وأن تكون يسيرة، وأن تكون لحاجة،
1 تجريد العناية في تحرير أحكام النهاية للقاضي علاء الدين ابن اللحام، اعتمده المردواي كما في مقدمة الإنصاف1/15 والنهاية لابن رزين وقد حقق في رسالة ماجستير في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض. راجع: معجم مصنفات الحنابلة للدكتور عبد الله الطريقي 4/262.
2 المرداوي 1/82 - 83.
وأن تكون من الفضة، وأنه لا خلاف في جواز هذا الاستعمال على وجه تحقيق هذه الشروط، وأن هذا لا يكره على الصحيح من المذهب، وقيل يكره.
الموازنة: بمطالعة كتب الفقهاء على اختلاف مذاهبها بشأن استعمال المضبب بالفضة يتضح الآتي:
أن الحنفية يرون إباحة استعمال المضبب بالفضة، وأنه لا بأس بشد السن المتحرك بضبة من فضة.
أن الظاهر من مذهب المالكية كراهية استعمال المضبب والشرب فيه، وأن هذا يقابله احتمال القول بالتحريم، وأن هذين الاحتمالين فهما من قول الإمام مالك أنه لا يعجبه الشرب في إناء مضبب، وإن كان القاضي عبد الوهاب المالكي يقول بجواز استعمال المضبب إذا كان يسيراً.
أن الخلاف حاصل لدى الشافعية بشأن استعمال المضبب بالفضة، وذلك بحسب ما إذا كان قليلاً أو كثيراً، فإن كانت قليلة وكانت للحاجة لم يكره ذلك الاستعمال، وإن كانت للزينة كره، وإن كانت كثيرة لحاجة كره، وللزينة حرم، ومنهم من قال بأنها يحرم استعمالها في موضع الشرب، ولا يحرم فيما سواه.
أن الحنابلة قد استثنوا الضبة اليسيرة من الفضة، وقالوا بإباحتها طالما كانت ضبة يسيرة لحاجة، وكانت من فضة، وقيل بكراهية ذلك. والصحيح عدم الكراهة.
فخلاصة ما قاله الفقهاء في هذه المسألة يتلخص في مذهبين:
المذهب الأول: يرى إباحة استعمال المضبب بالفضة، وإلى هذا ذهب الحنفية وما قال به القاضي عبد الوهاب المالكي إذا كانت الضبة يسيرة، وما قال به الشافعية في الضبة اليسيرة للحاجة، خاصة ما إذا لم تكن في موضع الشرب على نحو ما ذكر بعضهم، وهذا ما عليه الحنابلة عند تحقق شروط هذه الإباحة.
المذهب الثاني: يرى كراهية استعمال المضبب بالفضة، وإلى هذا ذهب المالكية في صحيح مذهبهم والشافعية، سواء كانت قليلة للزينة أو كثيرة لحاجة، وهو قول عند الحنابلة.
الأدلة: استدل أصحاب المذهب الأول على إباحة استعمال المضبب بالفضة بما يلي:
1-
بما روي عن عاصم الأحول1 قال: "رأيت قدح رسول الله صلى الله عليه وسلم عند أنس بن
مالك وكان قد انصدع، فسلسله بفضة، وقال أنس: لقد سقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا القدح أكثر من كذا وكذا"2.
2-
بما روي عن أنس رضي الله عنه قال: "كانت قبيعة سيف النبي صلى الله عليه وسلم من فضة"3.
لقد أفاد الحديثان جواز استعمال المحلى أو المضبب بالفضة، وقد استدل بالحديث الأول من يقصر حل الاستعمال على اليسير من الضبة، وقال: إن موضع الشعب من القدح كان يسيراً، ولهذا جاز ما كان في مقداره.
3-
أن الحاجة تدعو إلى هذه الضبة، فإذا كانت يسيرة فلا يكون فيها سرف، ولا خيلاء، فكانت بمثابة الضبة من الصفر4.
استدل أصحاب المذهب الثاني على كراهة استعمال المضبب بالفضة بما يلي:
1-
حديثا أم سلمة وحذيفة بن اليمان السابقان، اللذان يدلان على كراهة الأكل والشرب في أواني الفضة، ويقاس على الأكل والشرب فيهما وجوه الاستعمال المختلفة كما قال الجمهور، وإذا كره استعمال المتخذ من الفضة فإن هذا الاستعمال
1 هو عاصم بن سليمان بن الأحول، أبو عبد الرحمن البصري ثقة. تقريب التهذيب لابن حجر صفحة 159.
2 الحديث أخرجه البخاري برقم 5315.
3 الحديث أخرجه الترمذي برقم 1691، وأبو داود برقم 2583، 2584، والنسائي برقم 5373، 5375، كلهم من طريق جرير عن قتادة عن أنس به، وأيضا عن قتادة عن سعيد بن أبي الحسن مرسلا، قال الحافظ ابن حجر: ورجحه – أي الإرسال – أحمد وأبو داود والنسائي وأبو حاتم والبزار والدارمي والبيهقي. اهـ. وله شاهد من حديث أبي أمامة بن سهل بن حنيف أخرجه النسائي الكبرى 5/508 برقم 9815، وقال الحافظ عنه: إسناده صحيح. راجع: التلخيص الحبير 1/52.
4 راجع: كشاف القناع للبهوتي 1/63، والمغني لابن قدامة 1/78.