الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المبحث الثاني: حكم بيع المخدرات
إن المقرر لدى فقهاء المذاهب الأربعة وغيرهم، تحريم المخدرات تحريماً قاطعاً قياساً على تحريم الخمر، لاتحادهما في علة التحريم وهي الإسكار، والمراد بالإسكار هنا هو تغطية العقل لا مع الشدة المطربة، لأنها من خصوصيات المسكر المائع، فضلاً عن الأضرار الفردية والجماعية التي لا تخفى على أحد، لما فيها من ضرر، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"لا ضرر ولا ضرار"1.
قال المناوي: "فيه تحريم سائر أنواع الضرر، وأنه لا يخرج عن هذا إلا بدليل، لأن النكرة في سياق النفي تعم"2.
فتحريم المخدرات ومنع بيعها، يأتي بالتخريج على حكم الخمر المحرمة شرعاً عند من لم ينص صراحة على تحريمها باعتبارها من الأمور المستحدثة، فالفقهاء قد خرجوا حكم بيع المخدرات على حكم بيع الخمر أو للنص على تحريم المخدرات كما هو الحال عند الشافعية:
فقد ورد في مغني المحتاج: ".... وخرج به البنج ونحوه من الحشيش المسكر، فإنه ليس بنجس وإن كان حراماً...."3.
وفي حاشية قليوبي على شرح المحلي على منهاج الطالبين: "البنج ونحوه من كل
1 الحديث روي عن جماعة من الصحابة رضي الله عنهم، فروي عن أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن عباس، وعبادة بن الصامت، وعائشة، وأبي هريرة، وجابر بن عبد الله، وثعلبة، رضي الله عنهم أجمعين، وصححه الشيخ الألباني. راجع: نصب الراية للزيلعي 4/384-386، والسلسلة الصحيحة للألباني 1/443-448 برقم 250.
2 فيض القدير 6/431 – 432.
3 الشربيني 1/111.
ما فيه من تخدير وتغطية للعقل، فهو طاهر وإن حرم تناوله"1.
مذهب الحنفية: أنه لا يحل بيع الحشيشة، ويحرم أكلها لقيام المعصية بعينها، لأنها مفسدة للعقل، وتلهي عن ذكر الله سبحانه.
فقد جاء في حاشية ابن عابدين: "
…
قلت: وقد سئل ابن نجيم2 عن بيع الحشيشة هل يجوز؟ فكتب لا يجوز، فيحمل على أن مراده بعدم الجواز عدم الحل.... أي لقيام المعصية بعينها.... ويحرم أكل البنج والحشيشة" 3. وفي بدائع الصنائع: "ويجوز بيع ما سوى الخمر من الأشربة المحرمة كالسكر ونقيع الزبيب والمنصف ونحوها عند أبي حنيفة، وعند أبي يوسف ومحمد لا يجوز، لأنه إذا حرم شربها لم تكن مالاً، فلا تكون محلاً للبيع كالخمر، ولأن ما حرم شربه لا يجوز بيعه
…
"4.
فالمستفاد من نص البدائع: هو أن الإمام أبا حنيفة يرى جواز بيع جميع الأشربة المحرمة غير الخمر كالسكر ونقيع العنب والمنصف، لأنها غير نجسة العين كالخمر، وخالفه في ذلك الصاحبان أبو يوسف ومحمد من الحنفية حيث إنهما يريان عدم صحة بيع هذه الأشربة المحرمة لأن تحريمها يقتضي نجاستها وعدم ماليتها، لأن ما حرم شربه لا يصح بيعه.
مذهب المالكية: القول بجواز بيع الأفيون والبنج والجوزه ونحوها، والظاهر أن يقال فيها ما قال ابن رشد في المذر5 على أساس حرمة أكلها، فإذا كان هناك فائدة
1 قليوبي 1/69.
2 هو زين الدين بن إبراهيم بن محمد الشهير بابن نجيم من أهل مصر، فقيه وأصولي حنفي، كان عالماً محققاً ومكثراً من التصنيف، أخذ عن شرف الدين البلقيني، وشهاب الدين الشلبي، وغيرهما. أجيز بالإفتاء والتدريس، وانتفع به خلائق، من تصانيفه "البحر الرائق في شرح كنْز الدقائق" و "الأشباه والنظائر" توفي رحمه الله سنة 970هـ. راجع: الأعلام للزركلي 3/104، ومعجم المؤلفين لعمر كحالة 4/192.
3 ابن عابدين 10/41 – 46 – 48.
4 الكاساني 5/144 – 145.
5 المذررت البيضة فسدت والمذرة تطلق على البيض الذي استحال دما بحيث لا ينتفع به. تهذيب الأسماء واللغات للنووي 3/313.
غير الأكل جاز بيعها لمن يصرفها في غير الأكل، ويؤمن من بيعه لمن يأكله ويسري حكم جواز البيع على سائر المعاجين المغيبة للعقل لمن لا يستعمل منها القدر المغيب للعقل ويؤمن أن يبيعها لمن يستعملها في تغيب العقل، وإلاّ كان بيعها ممنوعاً على نحو ما ذكره الخرشي وقال إنه المذهب.
فقد جاء في مواهب الجليل: ".... جواز بيع هذه الأشياء من الأفيون والبنج والجوزه ونحوها ولم أر فيه نصاً صريحاً، والظاهر أن يقال في ذلك كما قال ابن رشد في المذر على القول بحرمة أكله إن كان فيه منفعة غير الأكل جاز بيعه ممن يصرفه في غير الأكل، ويؤمن أن يبيعه ممن يأكله، وكذلك يقال في هذه الأشياء في سائر المعاجين المغيبة للعقل، يجوز بيع ذلك لمن لا يستعمل منه القدر المغيب للعقل، ويؤمن أن يبيعه ممن يستعمل ذلك، والله أعلم
…
"1.
وجاء في حاشية الخرشي: "
…
قال الحطاب2 جواز بيع هذه الأشياء من الأفيون والبنج والجوزه ونحوه ولم أر فيه نصاً صريحاً، والظاهر أن يقال في ذلك يجوز بيعه لمن لا يستعمل منه القدر المغيب للعقل ويؤمن أن يبيعه من يستعمل ذلك
…
"3.
فمذهب المالكية: أن بيع الأفيون والبنج والمخدر جائز، وبهذا قال بعض المالكية كالحطاب، وقال: لم أر فيه نصاً صريحاً غير أن الخرشي المالكي يرى أن الظاهر في المذهب هو جواز البيع لمن لا يستعمل من هذه الأشياء القدر المغيب للعقل ويؤمن ذلك منه، بمعنى التأكد من أنه لا يبيع منه شيئاً لمن يستعمله في القدر المغيب للعقل، وعلى هذا فإن لم يتحقق هذا الاحتياط فإن البيع يكون ممنوعاً.
مذهب الشافعية: لم تنص كتب الشافعية فيما اطلعت عليه على حكم بيع
1 الحطاب 1/90.
2 هو محمد بن محمد بن عبد الرحمن الرعيني المعروف بالحطاب، فقيه مالكي من علماء المتصوفين، أصله من المغرب، ولد واشتهر بمكة من مصنفاته "مواهب الجليل في شرح مختصر خليل" توفي في طرابلس الغرب رحمه الله سنة 954هـ. راجع: الأعلام للزركلي 7/286، الديباج المذهب لابن فرحون 2/337.
3 الخرشي 1/156.
المخدرات وما في حكمها، فقد اقتصرت هذه الكتب على بيان حكم المخدرات من حيث التناول والعقوبة المقررة لمن يتناولها وأن هذا الحكم قيس على حكم تناول الخمر.
وعلى هذا فمن الممكن تخريج حكم بيع المخدرات على حكم بيع الخمر، ولما كان بيع الخمر ممنوعاً عند الشافعية لنجاستها ولحرمة شربها كانت المخدرات هي الأخرى كذلك فيشملها المنع فلا يجوز بيعها لتحقق ذات العلة، وهي حرمة التناول والتعاطي على خلاف في كونها نجسة أم لا؟.
فقد جاء في المجموع: ".... وأما ما يزيل العقل من غير الأشربة كالبنج وهذه الحشيشة المعروفة فحكمه حكم الخمر في التحريم، ووجوب قضاء الصلوات، ويجب فيه التعزير دون الحد.... لا يحل أكل ما فيه ضرر من الطاهرات كالسم القاتل والزجاج والتراب الذي يؤذي البدن
…
قال الروياني1: النبات الذي يسكر وليس فيه شدة مطربة يحرم أكله، ولا حد على أكله...."2.
وجاء في مغني المحتاج: ".... كل شراب أسكر كثيره حرم قليله وحد شاربه
…
والمراد بالشارب المتعاطي شراباً
…
وخرج بالشراب النبات قال الدميري3: كالحشيشة التي تأكلها الحرافيش، ونقل الشيخان في باب الأطعمة.... أن أكلها حرام ولا حد فيها.... يحرم تناول ما يضر البدن أو العقل
…
كالأفيون وهو لبن
1 هو عبد الواحد بن إسماعيل أحمد بن محمد أبو المحاسن الروياني فقيه شافعي، درس نيسابور وبخارى، أحد أئمة مذهب الشافعي اشتهر بحفظ المذهب حتى يحكى عنه أنه قال:"لو احترقت كتب الشافعي لأمليتها من حفظي" ولي قضاء طبرستان ورويان وقراها، قتله الملاحدة بوطن أهله آمل سنة 502 ? راجع: الأعلام للزركلي 4/324، وطبقات الشافعين للأسنوي 4/264.
2 النووي 3/9، 9/36.
3 هو محمد بن موسى بن عيسى بن علي الدميري أبو البقاء كمال الدين باحث أديب من فقهاء الشافعية من أهل دميره بمصر ولد ونشأ بالقاهرة سنة 742 هـ كان يتكسب بالخياطة ثم أقبل على العلم وأفتى ودّرس وكانت له في الأزهر حلقة خاصة وأقام مدة بمكة والمدينة من كتبه "حياة الحيوان" توفي في القاهرة رحمه الله سنة 808هـ. راجع: الأعلام للزركلي 7/118.
الخشخاش لأن ذلك مضر وربما يقتل"1.
وفي إعانة الطالبين: "
…
كل شراب أسكر كثيره من خمر وغيرها حرم قليله وكثيره
…
وخرج بالشراب ما حرم من الجامدات فلا حد فيها وإن حرمت وأسكرت. بل التعزير ككثير البنج والحشيشة والأفيون
…
وعلق قائلاً
…
إن العلماء قد ذكروا في مضار الحشيشة نحو مائة وعشرين مضرة دينية ودنيوية
…
"2.
وجاء في نهاية المحتاج: ".... وخرج بالشرب ما حرم من الجامدات كالبنج والأفيون وكثير الزعفران والجوزة والحشيش"3.
وهكذا: فقد قاس الشافعية حكم المخدرات على حكم الخمر، وقالوا بعدم جواز بيعها تبعاً لهذا، خاصة وأن كتب الفقه الشافعي لم تتحدث صراحة عن حكم بيع المخدرات مما جعلنا نخّرج الحكم على أمرين:
أحدهما: القياس على الخمر، لتحقق ذات العلة في هذا القياس وهي الحرمة، لأن ما أسكر كثيره فقليله حرام.
أما الثاني: فهو النص في كتب الشافعية على حكم تناول المخدرات بأنواعها، حيث تقرر حرمة ذلك لإفسادها للعقل والإضرار به، والواقع أنه لا إشكال، فالشافعية بالنسبة للتناول نصوا عليه، أما بالنسبة للبيع فقد خرجوا الحكم على حكم التناول.
وتجدر ملاحظة أن بعض نصوص الشافعية في هذا الشأن فرقت بين المخدرات التي تشرب، وبين غير المشروبة كالبنج والأفيون ونحوهما، من حيث حكم الكثير والقليل، ومن حيث العقوبة. فقالوا إنه بالنسبة للجامدات من المخدرات، فرغم أنها محرمة، غير أنها لا تستوجب الحد كالخمر وإنما يكتفي فيها بالتعزير فقط.
1 الشربيني 4/232 –386.
2 السيد البكرى 4/176 – 177.
3 الرملي 8/12.
وعلى هذا فكثير الشراب المحرم وقليله ممنوع وفيه الحد، بخلاف الجامدات كالبنج والأفيون والزعفران والجوزة والحشيش، فإنها مشمولة بحكم التحريم كالخمر، ومنع البيع والتداول، إلاّ أنه من حيث العقوبة المقررة، فإنها تقف عند التعزير دون الحد.
مذهب الحنابلة: لم تذكر كتب الحنابلة فيما اطلعت عليه حكم بيع المخدرات، وما في حكمها، واكتفت بذكر العقوبة على من يتناولها، وأنها أخبث من الخمر من ناحية أنها تفسد العقل وتؤدي إلى التخنث والدياثة ونحو ذلك، كما أن بعض الكتب مثل كشاف القناع نصت على عدم إباحة أكل الحشيشة المسكرة، حيث إنه لا يباح كل ما فيه مضرة من السموم وغيرها.
وعليه: فحكم بيع المخدرات وما في حكمها مخرج على حكم بيع الخمر الذي قال الحنابلة بعدم جواز بيعها، فكذلك يكون حكم بيع المخدرات وما في حكمها على ذات الحكم فقد جاء في مجموع الفتاوى:"والحشيشة المصنوعة من ورق القنب أيضاً – يجلد صاحبها كما يجلد شارب الخمر، وهي أخبث من الخمر من جهة أنها تفسد العقل والمزاج حتى يصير في الرجل تخنث ودياثة"1. وجاء في المغني: "
…
فأما إن شرب البنج ونحوه مما يزيل عقله عالما بمعصية فأشبه السكران"2. وفي كشاف القناع: ".... ولا يباح أكل الحشيشة المسكرة.... ولا يباح كل ما فيه مضرة من السموم وغيرها"3.
فمذهب الحنابلة: القول بعدم صحة بيع المخدرات قياساً على الخمر، رغم أنهم لم يصرحوا بحكم بيع هذه الأشياء، مما استلزمنا عرض النصوص الواردة بحكم التناول لنخرج عليها حكم البيع، وحيث جاء في النصوص الواردة تحريم التناول للحشيشة وما في حكمها لأنها تفسد العقل وتضر بالإنسان، كان بيعها كذلك ممنوعاً لذات
1 ابن تيمية 28/339.
2 ابن قدامة 7/114.
3 البهوتي 9/3091.
السبب تخريجاً على حكم بيع الخمر لذات وجه التعليل فيها، وعلى قول من قال بنجاسة المخدرات كابن تيمية ومن وافقه على نحو ما سبق بيانه1.
الموازنة: بمراجعة ما قاله العلماء بشأن بيع المخدرات بكافة أنواعها يتضح الآتي:
أن الحنفية مختلفون في هذا، حيث جوز الإمام أبو حنيفة بيع جميع الأشربة غير الخمر، وخالفه في هذا الصاحبان أبو يوسف ومحمد حيث منعا بيعها على أساس عدم ماليتها بسبب تحريمها، وقالا ما حرم شربه حرم بيعه، فالمخدرات عندهما محكومة بهذا المنع.
أن المالكية مختلفون بشأن بيع المخدرات مما هو سوى الخمر، فبعضهم يرى جواز بيع البنج والأفيون ونحوهما، وعلى هذا الحطاب من المالكية، في حين أن الخرشي يرى هذا الجواز بشرط التأكد أن البيع لمن لم يستعمل هذه الأشياء في القدر المغيب للعقل، وإلا كان البيع ممنوعاً، أي إنه بنى الحكم على القدر المستعمل من هذه الأشياء.
أن الشافعية قد خرجوا حكم بيع المخدرات على حكم بيع الخمر، ودعّموا هذا بالنص على حرمة تناول المخدرات، وانتهوا إلى منع بيع هذه المخدرات من الحشيش والأفيون ونحو ذلك.
أن الحنابلة قد خرجوا حكم بيع المخدرات على حكم بيع الخمر، خاصة عند من قال منهم بنجاسة المخدرات، كشيخ الإسلام ابن تيمية.
وعليه فالمسألة فيها مذهبان:
المذهب الأول: يرى عدم جواز بيع المخدرات، وإلى هذا ذهب كل من الشافعية والحنابلة، وقال به أبو يوسف ومحمد من الحنفية والخرشي من المالكية، إذا كان البيع
1 فقد تقرر لدى شيخ الإسلام ابن تيمية القول بنجاسة المخدرات مطلقاً وأنه لا فرق بين جامدها ومائعها في هذا الحكم. راجع: مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية 28/340، 34/206 – 212.
لمن يستعمل منها القدر المغيب للعقل أو لا يؤمن منه ذلك.
المذهب الثاني: يرى جواز بيع جميع الأشربة مما هو سوى الخمر، ومن هذا المخدرات، وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة، ووافقه في هذا بعض المالكية كالحطاب، وهو قول الخرشي، بشرط التأكد من أن البيع لمن لا يستعمل منها القدر المغيب للعقل أو يؤمن منه ذلك.
الأدلة: استدل القائلون بحرمة بيع المخدرات بما يأتي:
1 – قوله تعالى: {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} 1 حيث حرم الله سبحانه وتعالى كل ضار خبيث، ولما كان من شأن المواد السابقة الضرر بعقل من يتناولها، كانت خبيثة، ونهى عنها الشارع، ولأن المحافظة على العقل من المصالح الضرورية التي قصد الشارع إلى تحقيقها من تشريع الأحكام، فتناول هذه المواد يخل بما قصد إليه الشارع من ذلك.
2 – قوله تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً} 2، وقال:{وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ} 3. ففي هاتين الآيتين نهى الله سبحانه وتعالى عن قتل النفس، والإلقاء بها إلى ما فيه هلاكها، والنهي يفيد التحريم عند الإطلاق، وأن المواد السابقة تفتك ببدن من تناولها، وقد تؤدي إلى وفاته، فإنه يحرم بيع وتناول ما يؤدي إلى ذلك منها.
3 – قوله صلى الله عليه وسلم: فيما رواه جابر بن عبد الله رضي الله عنهما "كل مسكر حرام" 4، فقوله صلى الله عليه وسلم:"كل مسكر" عام يشمل ما وقع به الإسكار سواء كان شراباً أو جامداً أو مائعاً، والمخدرات مسكرة مزيلة للعقول سواء كانت نباتية أو مصنعة.
1 سورة الأعراف: الآية 157.
2 سورة النساء: الآية 29.
3 سورة البقرة: الآية 195.
4 أخرجه البخاري برقم 4087، 4088 برقم 5773، وكتاب الأحكام باب أمر الوالي إذا وجه أميرين إلى موضع أن يتطاوعا ولا يتعاصيا برقم 6751، ومسلم برقم 2001، وبرقم 2001 وبرقم 2002 وبرقم 2003.
ولهذا وجدت ابن حجر رحمه الله يقول: "واستدل بمطلق قوله صلى الله عليه وسلم "كل مسكر حرام" على تحريم ما يسكر ولو لم يكن شراباً فيدخل في ذلك الحشيشة والبنج وما في حكمها"1.
ويعضد هذا بما جاء من حديث أم سلمة رضي الله عنها قالت: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن كل مسكر ومفتر"2.
حيث يقتضي هذا الحديث حرمة المخدرات، لأنه نص على تحريم كل ما يسكر ويفتر، والمعروف أن المخدرات فيها العلتان فهي مسكرة ومفترة.
هذا فضلا ً عن الحديث التي روته السيدة عائشة رضي الله عنها قالت: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول وقد سئل عن البتع3؟ فقال: "إن كل شراب أسكر فهو حرام"4.
فقد حرم النبي صلى الله عليه وسلم كل ما يغيب العقل ويستره دون تفريق بين المسكر المائع أو الجامد، حيث يصدق على ذلك مسمى الخمر المحرمة، لأنها تخمر العقل أي تغطيه وتستره، أو لأنها تخامره أي تخالطه.
والناظر في هذه الأحاديث الشريفة يجد أن إطلاق التحريم شامل لكل ما يحصل به الإسكار، ومن ذلك الحشيشة وما يجري مجراها من المواد المخدرة، وأن العلة الموجودة في الخمر موجودة في الحشيشة، فوجب أن يتخذ الحكم بالتحريم فيهما.
يقول ابن القيم: "إن الخمر يدخل فيها كل مسكر، مائعاً كان أو جامداً، عصيراً أو مطبوخاً"5.
1 راجع: فتح الباري 10/45.
2 أخرجه الإمام أحمد 6/309، وأبو داود كتاب الأشربة باب النهي عن المسكر برقم 3686، والبيهقي في السنن 8/296، والطبراني في الكبير 23/337، من طريق شهر بن حوشب عن أم سلمة به، وشهر قال عنه الحافظ: صدوق كثير الإرسال والأوهام، لكنه قال في الفتح 10/44: أخرجه أبو داود بسند حسن. ا?. وقال أيضا 10/45: فقد ثبت عن أبي داود النهي عن كل مسكر ومفتر. ا?.
3 هو نبيذ العسل. المعجم الوسيط للدكتور إبراهيم أنيس وجماعه 1/37 ص 37.
4 أخرجه مسلم كتاب الأشربة باب بيان أن كل مسكر خمر وكل خمر حرام برقم 2001.
5 زاد المعاد 2/197.
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "وكل ما يغيب العقل، فإنه حرام، وإن لم تحصل به نشوة ولا طرب، فإن تغييب العقل حرام بإجماع المسلمين.... ومن اعتقد حل ذلك كفر"1.
هذا كله فضلاً عن أن العقل والقياس والاعتبار الصحيح، كل هذا يدل على أن المخدرات كالخمر في الحكم، وهو التحريم، وذلك بجامع زوال العقل في كل، وحيث كان هذا الحال بالنسبة للعلة فإنه يجب الاتحاد في الحكم وهو التحريم، كما أن القواعد الشرعية تدل كذلك على ذات الحكم، وأن الشريعة الإسلامية قد راعت درء المفاسد ومن قواعدها "الضرر يزال"2.
والمعروف أن المواد المخدرة على اختلاف أنواعها وأشكالها، فيها أضرار بالغة ومفاسد كثيرة، فقد أجمع الأطباء على أنها مضرة بالإنسان، وقال أهل العلم: إن الحشيشة بها مائة وعشرون مضرة دينية ودنيوية3.
واستدل من قال بجواز بيع جميع الأشربة مما هو سوى الخمر: فقد تمسك من جوز بيع ما سوى الخمر من السكر ونقيع الزبيب والمنصف، ونحو ذلك، بأن هذه الأشياء لا يوجد دليل مقطوع به ومتيقن على عدم ماليتها أو حرمتها أو نجاستها، وأن هذه الأمور كلها محل اجتهاد، خاصة وأن هذه الأشياء لها صفة المالية قبل حدوث الشدة على سبيل اليقين، ولهذا كانت الحرمة مجتهداً فيها في مقابل أن المالية متيقنة، والمقرر أن المتيقن لا يرفع بما هو مجتهد فيه، وهذه المالية كافية لإمكان البيع خاصة عند من لم يشترط طهارة المبيع والاكتفاء بماليته، كالحنفية فضلاً على أن القول بنجاسة هذه الأشياء محل خلاف بين العلماء، والقول بنجاستها مرجوح وهذا مقيد أيضاً عند من يرى ضرورة طهارة المبيع.
والراجح في هذا: هو القول بمنع بيع المخدرات ونحوها مما سوى الخمر لقوة ما استدل به وسداً لذريعة تداولها بين الناس لما فيها من أضرار وفتن لا تقل عن مثيلتها في الخمر، والله تعالى أعلم.
1 مجموع الفتاوى 34/211.
2 الأشباه والنظائر للسيوطي صفحة 83.
3 الزواجر لابن حجر 4/232، مجموع فتاوى ابن تيمية 34/205.