المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل السادس: حكم بيع المتنجسات والانتفاع بها - البيوع المحرمة والمنهي عنها

[عبد الناصر بن خضر ميلاد]

فهرس الكتاب

- ‌مقدمة

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول: التعريف بالبيع

- ‌المطلب الأول: البيع لغة

- ‌المطلب الثاني: البيع اصطلاحاً

- ‌المطلب الثالث: أركان البيع

- ‌المطلب الرابع: شروط المعقود عليه "المبيع

- ‌المبحث الثاني: مشروعية البيع وحكمه

- ‌المبحث الثالث: المقصود بالأعيان المحرمة

- ‌المطلب الأول: تعريف العين لغة واصطلاحاً والمحرم لغة والحرام عند الأصوليين

- ‌المطلب الثاني: الأعيان المحرمة لنجاستها

- ‌المطلب الثالث: الأعيان المحرمة لغلبة المفسدة فيها

- ‌المطلب الرابع: الأعيان المحرمة لكرامتها

- ‌الباب الأول: في النجاسات

- ‌التمهيد في بيان اختلاف الفقهاء في حرمة بيع النجاسات وأسبابه

- ‌الفصل الأول: بيع الميتة

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول حكم بيع الميتة

- ‌المبحث الثاني حكم بيع أجزاء الميتة

- ‌المطلب الأول: حكم بيع عظم الميتة

- ‌المطلب الثاني حكم بيع جلد الميتة

- ‌المطلب الثالث حكم بيع شعر الميتة

- ‌المبحث الثالث خلاصة القول بشأن بيع الميتة

- ‌الفصل الثاني بيع الدم

- ‌التمهيد

- ‌المبحث الأول تعريف الدم المسفوح

- ‌المبحث الثاني: حكم بيع الدم المسفوح

- ‌المبحث الثالث: خلاصة ما قاله الفقهاء بشأن بيع الدم

- ‌الفصل الثالث: بيع فضلات الإنسان والحيوان

- ‌المبحث الأول حكم المني وحكم بيعه

- ‌المطلب الأول: حكم المني

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع المني

- ‌المبحث الثاني: حكم أرواث الحيوانات وحكم بيعها

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع رجيع الحيوانات

- ‌المطلب الثالث: حكم التداوي بأبوال الحيوانات

- ‌الفصل الرابع: بيع الكلب والخنزير

- ‌المبحث الأول: حكم الكلب وحكم بيعه

- ‌المطلب الأول: حكم الكلب

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع الكلب

- ‌المبحث الثاني: حكم الخنزير وحكم بيعه وبيع شعره

- ‌المطلب الأول: حكم الخنزير

- ‌المطلب الثاني حكم بيع الخنزير

- ‌المطلب الثالث: حكم بيع شعر الخنزير

- ‌الفصل الخامس: بيع الخمر

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: حكمة تحريم الخمر

- ‌المبحث الثاني: حكم الخمر

- ‌المبحث الثالث: حكم التداوي بالخمر، وحكم بيعها

- ‌المطلب الأول: حكم التداوي بالخمر

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع الخمر

- ‌الفصل السادس: حكم بيع المتنجسات والانتفاع بها

- ‌الباب الثاني: مانهى الشارع عن الانتفاع به

- ‌الفصل الأول: بيع أواني الذهب والفضة

- ‌المبحث الأول: حكم أواني الذهب والفضة

- ‌المطلب الأول: حكم استعمال واقتناء أواني الذهب والفضة

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع أواني الذهب

- ‌المبحث الثاني: حكم المضبب بالذهب والفضة

- ‌المطلب الأول: حكم استعمال المضبب بالذهب

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع المضبب بالذهب

- ‌المطلب الثالث: حكم استعمال المضبب بالفضة

- ‌المطلب الرابع: حكم بيع المضبب بالفضة

- ‌المطلب الخامس: حكم استعمال المموه بالذهب والفضة

- ‌المطلب السادس: حكم بيع المموه بالذهب أو الفضة

- ‌المطلب السابع: حكم اتخاذ خاتم وساعة الذهب المعدين للرجال واستعمالهما

- ‌المطلب الثامن: حكم بيع خاتم وساعة الذهب المعدين للرجال

- ‌المطلب التاسع في المستثنيات

- ‌الفصل الثاني: وبيع الأصنام والصور

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: بيان حكم الشرع للصور بأنواعها

- ‌المطلب الأول الصور المجسمة

- ‌المطلب الثاني: التصوير لغير ذي الروح

- ‌المبحث الثاني: حكم بيع الصور بأنواعها

- ‌المبحث الثالث: المستثنيات

- ‌الفصل الثالث: بيع آلات اللهو

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: آلات اللهو

- ‌المطلب الأول: حكم سماع الغناء

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع آلات اللهو

- ‌المبحث الثاني: النرد

- ‌المطلب الأول حكم اللعب بالنرد

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع النرد

- ‌المبحث الثالث: الشطرنج

- ‌المطلب الأول: حكم اللعب بالشطرنج

- ‌المطلب الثاني بيع الشطرنج

- ‌الفصل الرابع: بيع المخدرات والمفترات

- ‌المبحث الأول: التعريف بالمخدرات والمفترات

- ‌المبحث الثاني: حكم بيع المخدرات

- ‌المبحث الثالث: حكم بيع المفترات

- ‌الفصل الخامس: بيع الإنسان الحر وأجزائه

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: حكم بيع الإنسان الحر

- ‌المبحث الثاني: حكم نقل وبيع بعض أجزاء الإنسان الحر

- ‌المطلب الأول حكم نقل أعضاء الإنسان

- ‌المطلب الثاني: حكم بيع بعض أجزاء الإنسان

- ‌الفصل السادس: بيع الأشياء المحرمة لقدسيتها

- ‌المبحث الأول: بيع المصحف

- ‌المبحث الثاني: بيع المصحف للكافر

- ‌المبحث الثالث: بيع أرض مكة

- ‌الخاتمة

- ‌المصادر والمراجع

الفصل: ‌الفصل السادس: حكم بيع المتنجسات والانتفاع بها

‌الفصل السادس: حكم بيع المتنجسات والانتفاع بها

مذهب الحنفية: القول بجواز بيع المتنجسات كلها، لا فرق عندهم بين الأدهان المتنجسة، والثياب المتنجسة، ولا بين بيعها من مسلم أو كافر، لكنهم فيما يختص بالأدهان المتنجسة يشترطون البيان، فإن لم يبينها البائع، فالمشتري بالخيار في فسخ البيع أو إمضائه، لكنهم يكرهون الاستصباح بها في المساجد، لما فيه من إدخال النجاسة.

فقد جاء في حاشية ابن عابدين: "

ولا يضر أثر دهن، إلاّ ودك دهن ميتة، لأنه عين النجاسة حتى لا يدبغ به جلد بل يستصبح به في غير مسجد

قال الرافعي

بل يستصبح به في غير مسجد، أي بالدهن المتنجس لا بودك الميتة"1.

فنص حاشية ابن عابدين أن أثر الدهن المتنجس لا ضرر فيه، أي لا يمنع الانتفاع أو البيع، إلا ودك دهن الميتة لأن نجاسته عينية، وعليه لا يصح الانتفاع به في دبغ الجلد وغيره، وقيل يصح الانتفاع به في الاستصباح في غير المسجد، وقال الرافعي الذي يصح الاستصباح به هو الدهن المتنجس لا دهن ودك الميتة، فدهن ودك الميتة، لا يصح الانتفاع به عنده بحال.

وفي بدائع الصنائع: "

إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه، أنه إن كان جامداً تلقى الفأرة وما حولها ويؤكل الباقي، وإن كان ذائباً لا يؤكل، ولكن يستصبح به، ويدبغ به الجلد، ويجوز بيعه وينبغي للبائع أن يبين عيبه، فإن لم يبين وباعه ثم علم به المشتري فهو بالخيار إن شاء رده وإن شاء رضي به

لأن ما تنجس باختلاط النجاسة به والنجاسة معلومة لا يباح أكله ويباح الانتفاع به فيما وراء الأكل كالدهن النجس أنه ينتفع به استصباحاً إذا كان الطاهر غالباً"2.

1 ابن عابدين 1/592 – 593.

2 الكاساني 1/66 – 78.

ص: 231

فقد نص الكاساني في البدائع: على أنه إذا وقعت الفأرة في السمن فماتت فيه فإنه لا مانع من الاستصباح به، بشرط أن يكون الطاهر غالباً، وأنه لا مانع من الانتفاع به في غير الأكل، لأن نجاسة الدهن الواقع فيه الفأرة معلومة، وقد عرض لما عليه رأي الحنفية من أنه إذا كان جامداً فإن الفأرة تلقى وما حولها، ولا مانع من أكل الباقي، وبالتالي فإن بيعه يكون جائزاً، وكذا جميع أوجه الانتفاع به. وذلك بخلاف ما لو كان مائعاً، فإن النجاسة تسري فيه، وبالتالي يمتنع أكله، ولا مانع من الانتفاع به في الاستصباح واستخدامه في الدبغ وغيره، إذا كان الطاهر غالباً، ويجوز بيعه إلا أنه يجب على البائع بيان عيبه للمشتري، وإلا فإن الخيار يثبت للمشتري عند علمه بهذا.

مذهب المالكية: التفريق بين ما كانت نجاسته ذاتية، وبين ما نجاسته كالذاتية، فأما ما نجاسته ذاتية كالخمر والميتة فقد سبق بيان حكمه عند الحديث عن بيع الخمر والميتة، وأما ما كانت نجاسته كالذاتية كالزيت واللبن والعسل والخل تقع فيه النجاسة، فقد اختلف في حكم بيعه والانتفاع به، أما البيع فقد روى ابن وهب جوازه لكن مشهور مذهبهم المنع، وأما الانتفاع فالراجح من مذهبهم جواز الانتفاع به إلا في شيئين: الأول الآدمي فلا يجوز له شربه أو أكله، وفي الادهان به خلاف، الراجح فيه الكراهة، وتجب إزالته عند الصلاة، أو الطواف، أو دخول المسجد.

الثاني المساجد: فلا يجوز الاستصباح بالزيت المتنجس، إلا أن يكون المصباح خارجه والضوء داخله فيجوز، أما الثياب المتنجسة فيجوز بيعها عندهم، بشرط أن يبين البائع تنجسها، ويجوزون الانتفاع بالثياب المتنجسة في غير الصلاة، وفي غير الأوقات التي يعرق بها، ويجوزون عمل الصابون من الزيوت المتنجسة.

فقد جاء في القوانين الفقهية: "

واختلف في بيع الزيت النجس، فمنع في المشهور مطلقاً، وأجاز ابن وهب إذا بين، واختلف في الاستصباح به في غير المساجد

"1.

1 ابن جزي صفحة 163.

ص: 232

وهكذا تقرر الخلاف في مذهب المالكية بشأن بيع الزيت النجس، وأن المشهور في المذهب منع بيعه مطلقاً، وإن كان بعض المالكية كابن وهب أجاز ذلك البيع بشرط البيان للمشتري، وذكر الخلاف بشأن مدى جواز الاستصباح به في غير المساجد.

وجاء في مواهب الجليل: "وينتفع بمتنجس لا نجس في غير مسجد وآدمي" مراده بالمتنجس ما كان طاهراً في الأصل وأصابته نجاسة، كالثوب النجس، والزيت، والسمن، ونحوه تقع فيه فأرة أو نجاسة، وبالنجس ما كانت عينه نجسة، كالبول، والعذرة، والميتة، والدم، وذكر أن الأول ينتفع به في غير المسجد والآدمي وشمل سائر وجوه الانتفاع، فيستصبح بالزيت في غير المسجد، ويستحفظ منه، ويعمل منه الصابون، لكن تغسل الثياب فيه بماء طاهر، ويدهن به الحبل والعجلة

والمشهور أن ما يقبل التطهير كالثوب النجس يجوز بيعه، وما لا يقبله كالزيت النجس لا يجوز بيعه،

إذ لا يصح نفي كل منفعة تضاف للآدمي، لأنه يجوز له الاستصباح بالدهن النجس وعمله صابونا، وعلف الطعام النجس للدواب والعسل النجس للنحل وهو من منفعته

ولا بأس بلبس الثوب النجس والنوم فيه، ما لم يكن وقت يعرق فيه، فيكره.."1.

فأصل مذهب المالكية: جواز الانتفاع بالمتنجس في غير مسجد وآدمي، وهذا الحكم خاص بالمتنجس، لا النجس بأصله، أي ما كان في أصله طاهراً، ثم لحقته النجاسة، كالثوب النجس، والسمن، والزيت الذي أصابته نجاسة، بأن وقعت فيه على نحو الفأرة إذا وقعت، وأنه يخرج من هذا ما كان نجساً في عينه، أي بحسب أصله كالبول، والميتة، والدم، وأن المتنجس كالدهن ونحوه، يخرج عن أصل المنع من الانتفاع به في غير مسجد وآدمي، فلا بأس من الاستصباح به في غير مسجد، ويصنع منه الصابون ونحوه، ويدهن به الحبل والعجلة وعلف الطعام النجس للدواب ونحوها.

ومشهور مذهب المالكية هو جواز بيع المتنجس، إذا كان قابلاً للتطهير، كالثوب النجس بخلاف ما لا يمكن تطهيره كالزيت المتنجس حيث يمتنع بيعه لتعذر تطهيره.

1 الحطاب 1/117 – 119.

ص: 233

وجاء في الكافي: "

إذا وقعت ميتة أو شيء من النجاسات في طعام أو الشراب جامداً طرحت الميتة والنجاسات وما حولها وانتفع بباقيه، وإن كان ذائباً أريق كله وإن كان زيتاً فلا بأس باستعماله في الصابون للغسل، ولا بأس بالاستصباح به في غير المساجد، ولا يجوز أكله ولا بيعه ولا تطهر الأدهان النجسة بغسلها، وهذا تحصيل مذهب مالك وطائفة من المدنيين1، ومنهم من أجاز غسل ألبان النجس والزيت النجس

"2.

فنص الكافي: يفيد أنه إن وقعت نجاسة في طعام أو شراب، وكان ذلك الطعام جامداً، فإن النجاسة وما حولها تطرح وينتفع بالباقي، وإن كان ذائباً أي غير جامد فإنه يجب إراقته كله، غير أنه إذا كان الشيء الواقع به النجاسة ذائباً وكان زيتاً فلا بأس من الاستفادة به في صناعة الصابون لاستعماله في الغسل ونحوه أو الاستصباح به في غير المسجد، غير أنه لا يجوز أكله ولا بيعه وأنه لا تطهر الأدهان النجسة بغسلها، وأن هذا تحصيل مذهب مالك وطائفة من المدنيين، وإن كان هناك من قال بجواز غسل ألبان النجس والزيت النجس، وهذا يستفاد منه إمكان استعماله بعد هذا الغسل، وبالتالي جواز بيعه.

وجاء في الشرح الكبير: "فلا يوقد بزيت تنجس، إلا إذا كان المصباح خارجه والضوء فيه فيجوز، ولا يبنى بالمتنجس، فإن بني به ليس بطاهر ولا يهدم، وفي غير آدمي فلا يأكله ولا يشربه ولا يدهن به، إلا أن الادهان به مكروه على الراجح إن علم أن عنده ما يزيل به النجاسة، ومراده بغيرهما أن يستصبح بالزيت المتنجس، ويعمل به صابون ثم تغسل الثياب بالمطلق بعد الغسل به، ويدهن به حبل وعجلة وساقية، ويسقى به ويطعم للدواب

"3.

1 المقصود بهم عروة وابن شهاب. الكافي لابن عبد البر 1/440.

2 ابن عبد البر 1/440.

3 تعليقات الشيخ محمد عليش على الشرح الكبير مطبوع بهامش حاشية الدسوقي 1/61.

ص: 234

فالمستفاد من نص الشرح الكبير: منع الاستصباح بالزيت المتنجس داخل المسجد، وأنه إذا كان لا بد من ذلك فإن المصباح يكون خارج المسجد، والضوء فقط يكون مشعاً بداخل المسجد صوناً، له عن ملاقاة ذلك المتنجس، - وأنه لا يبنى المسجد بالمتنجس لأنه ليس بطاهر، وأنه إذا بني به لا يهدم البناء، كما أن الآدمي يمنع من أكل أو شرب المتنجس أو الادهان به، إلا أن الادهان بالمتنجس مكروه إذا كان عنده ما يزيل به النجاسة على القول الراجح عندهم، إلا أنه يجوز له الاستصباح بالزيت المتنجس وعمله صابوناً، أو علف الطعام المتنجس للدواب، ولبس الثوب المتنجس في غير المسجد وفي غير الصلاة.

وهكذا: كان مذهب المالكية على أنه يجوز الانتفاع بالمتنجس في غير مسجد وآدمي، خاصة لو كان المتنجس طاهراً بحسب أصله ثم لحقته النجاسة كالثوب المتنجس، ولهذا كان مشهور مذهب المالكية هو جواز بيع الشيء المتنجس إذا كان قابلاً للتطهير كالثوب المتنجس، بخلاف ما لو كان تطهيره غير ممكن كالزيت المتنجس فلا يجوز بيعه لهذا السبب، وقالوا بأنه إذا وقعت النجاسة في طعام أو شراب وكان جامداً طرحت النجاسة وما حولها وأمكن الانتفاع بالباقي أكلاً وبيعاً ونحو ذلك، بخلاف ما لو كان الطعام الذي لاقته النجاسة مائعاً فإنه لا مناص من التخلص منه جملة كالزيت ونحوه، حيث لا يتصور الانتفاع به لإذابة النجاسة فيه، وإن كان هناك وجه للانتفاع به في حالة الزيت المتنجس حيث إنه يمكن استعماله في صناعة الصابون للغسل ونحوه أو للاستصباح به في غير مسجد، ورغم هذا نصوا على عدم جواز أكله أو بيعه.

مذهب الشافعية: قالوا بصحة بيع الثوب المتنجس، لإمكان تطهيره، وكذا بجواز لبسه في غير الصلاة، وأما المتنجسات الأخرى كالزيت ونحوه فعندهم فيها خلاف مبني على الخلاف في إمكان تطهيرها، فالراجح من المذهب عدم صحة البيع لعدم إمكان تطهيرها، وهناك وجه بإباحة البيع لإمكان التطهير؛ وهم يجيزون الاستصباح بها في ظاهر مذهبهم، وهناك وجه بعدم الجواز لأنه لا تؤمن مباشرة النجاسة، ولما قد يعلق

ص: 235

في ثياب المستصبح من دخان النجاسة وهو نجس عندهم.

فقد جاء في نهاية المحتاج: "ولا بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل واللبن وكذا الدهن في الأصح لتعذر تطهيره

"1.

ففي هذا النص على عدم جواز بيع المتنجس طالما تعذر تطهيره مثل الخل واللبن والدهن ونحو ذلك، وهذا يعني بمفهوم المخالفة أنه إذا أمكن تطهير الشيء المتنجس كالثوب فلا مانع من بيعه.

وجاء في حاشية الباجوري على ابن القاسم: "

أنه إذا تنجس مائع تعذر تطهيره كالزيت المتنجس لا يمكن تطهيره في الأصح، خلافاً لمن قال بأنه يمكن تطهيره فإنه لو أمكن لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإراقة السمن

، وأما ما يمكن تطهيره بالغسل ولم تستر النجاسة جزأ فيه صح بيعه، وإن أمكن تطهيره بغير الغسل كالمكاثرة في الماء القليل لم يصح"2.

فالمائع المتنجس إن تعذر تطهيره لم يصح بيعه، خاصة وأن الأصح في مذهب الشافعية عدم إمكانية تطهير المائع المتنجس، وعلى أية حال إن كان تطهير المائع ممكناً فإما أن يكون ذلك بالغسل بالماء بحيث إن النجاسة لا تصير جزءاً منه، ففي هذه الحالة لا بأس من بيعه، بخلاف ما إن كان تطهير المائع ممكناً بغير الغسل، كأن كان بالمكاثرة في الماء القليل، فإن بيع ذلك المائع المتنجس في هذه الحالة لا يصح.

وجاء في مغني المحتاج: "

ولا بيع المتنجس الذي لا يمكن تطهيره كالخل، واللبن، والصبغ3، والآجرّ4 المعجون بالزبل، لأنه في معنى نجس العين، أما ما يمكن تطهيره كالثوب المتنجس، والآجُرّ المعجون بمائع نجس، فإنه يصح بيعه لإمكان طهره.

1 الرملي 3/393.

2 الباجوري 1/658.

3 الصبغ: بكسر الصاد، والصبغة والصباغ كله بمعنى، وهو ما يصبغ به. والصبغ أيضا ما يصبغ به الخبز في الأكل ويختص بكل إدام مائع كالخل وغيره. المصباح المنير صفحة 332 القاموس المحيط 1013.

4 الآجر اللبن إذا طبخ، والواحدة منه آجرة، وهو معرب. المصباح المنير للفيومي صفحة 6 القاموس المحيط للفيروز آبادي 436.

ص: 236

"وكذا الدهن" كالزيت إذ لا يمكن تطهيره

لأنه لو أمكن لما أمر بإراقة السمن

، والثاني: يمكن تطهيره بغسله، بأن يوضع على قُلّتي ماء، أو يصب عليه ماء يغمره ثم يحرك حتى يصل إلى جميع أجزائه،

ولو تصدق بدهن نجس لنحو استصباح به على إرادة نقل اليد جاز

"1.

فنص مغني المحتاج أن المتنجس المتعذر تطهيره مثل الخل واللبن والصبغ ونحوه لا يمكن بيعه، وذلك لأنه في معنى نجس العين، ونص على أنه إذا أمكن تطهيره فإنه لا مانع من بيعه والانتفاع به بعد تطهيره ويجوز التصدق بالدهن النجس للاستصباح به.

وجاء في المجموع: "

نص الشافعي على جواز الاستصباح بالزيت النجس

وهو المذهب، وذكر أكثر الخراسانيين2 في جوازه قولين: أصحهما جوازه، والثاني تحريمه، لأنه يؤدي إلى ملابسته وملابسة دخانه، ودخانه نجس على الأصح، والخلاف في جواز الاستصباح جاز في الزيت النجس والسمن،

وسائر الأدهان المتنجسة،

والصحيح في الجميع جواز الاستصباح

"3.

وعليه فإن الصحيح في مذهب الشافعية هو جواز الاستصباح بالزيت المتنجس، وقد نص عليه الإمام الشافعي، ونقل عن أكثر الخراسانيين أن في جوازه قولين: أصحهما الجواز، والثاني تحريم الاستصباح، وهذا الخلاف يجري في سائر الأدهان. والصحيح فيها جميعاً هو جواز الاستصباح.

مذهب الحنابلة: القول بعدم جواز بيع الأدهان المتنجسة، وهناك رواية عن الإمام أحمد بجواز بيعه للكافر، وأجازوا دفع الدهن المتنجس لكافر لفكاك مسلم، لأنه ليس ببيع حقيقة وإنما هو استنقاذ المسلم به، وأما الاستصباح به فالراجح من مذهبهم جواز ذلك في غير المساجد، على وجه لا تتعدى نجاسته إلى المنتفع، ويحكمون بالعفو عن قليل الدخان إذا أصاب ثياب

1 الشربيني 2/15- 16.

2 مؤسس طريقة الخراسانيين هو أبو عوانة يعقوب بن إسحاق النيسابوري صاحب المسند والمستخرج على كتاب مسلم.

راجع: المذهب عند الشافعية لمحمد الطيب اليوسف ص 114-125.

3 النووي 9/283.

ص: 237

المستصبح.

فقد جاء في المغني والشرح الكبير "مسئلة""ولا يجوز بيع الأدهان النجسة" في ظاهر كلام أحمد رضي الله عنه، لأن أكله حرام لا نعلم فيه خلافاً،

وإذا كان حراماً لم يجز بيعه،

ولأنه نجس، فلم يجز بيعه قياساً على شحم الميتة، وعنه يجوز بيعه لكافر يعلم نجاستها، لأنه يعتقد حلها ويستبيح أكلها،

والصحيح الأول،

ولأنه لا يجوز بيعها من مسلم فلا يجوز بيعها لكافر، كالخمر والخنْزير فإنهم يعتقدون حله ولا يجوز بيعه لهم، ولأنه دهن نجس، فلم يجز بيعه لكافر كشحوم الميتة. قال شيخنا ويجوز أن يدفع إلى الكافر في فكاك مسلم، ويعلم الكافر بنجاسته، لأنه ليس ببيع في الحقيقة، إنما هو استنقاذ المسلم به

اختلفت الرواية في الاستصباح بالزيت النجس فروي عنه أنه لا يجوز،

وهو قول ابن المنذر، وعنه إباحته، لأن ذلك يروى عن ابن عمر، لأنه أمكن الانتفاع به من غير ضرر فجاز كالطاهر،

ويتخرج على جواز الاستصباح به جواز بيعه،

لأنه يجوز الانتفاع به من غير ضرورة فجاز بيعه

"1.

ومن خلال هذا النص يتضح لنا أنه لا يجوز بيع الأدهان النجسة في ظاهر كلام الإمام أحمد، وعنه يجوز بيعها لكافر يعلم نجاستها، والصحيح الأول: أي عدم بيعها مطلقاً حتى لكافر

إلا أنه يجوز دفعها للكافر مقابل فكاك المسلم إذا علم الكافر بنجاستها، لأن ذلك ليس بيعاً؛ وقد اختلفوا بشأن الاستصباح بالزيت النجس: فروي عنه عدم الجواز، وهذا ما عليه ابن المنذر، وروي عنه إباحة الاستصباح، ويخرج على هذه الرواية جواز البيع لإمكان الانتفاع به.

وجاء في شرح منتهى الإرادات: "

ولا يطهر دهن تنجس، لأنه صلى الله عليه وسلم سئل عن السمن تقع فيه الفأرة:[فقال إن كان مائعاً فلا تقربوه] ، ولو أمكن تطهيره لما أمرنا بإراقته"2.

وفي كشاف القناع: "

ويجوز الاستصباح بدهن متنجس في غير مسجد، ولا

1 ابن قدامة 4/14 – 15.

2 البهوتي 1/97.

ص: 238

يحل أكله ولا بيعه

"1.

وعلى هذا: فلا يحل أكل المتنجس، ولا بيعه، إلا أنه يجوز الاستصباح بدهن متنجس في غير المسجد.

فقد نص صاحب الكشاف على أنه يجوز الاستصباح بالدهن المتنجس في غير المسجد.

وجاء في كتاب الكافي: "

وما نجس من الأدهان كالزيت، فظاهر المذهب تحريم بيعها

وعنه: يباع لكافر، ويُعلم بحاله، لأنه يعتقد حله، وفي جواز الاستصباح بها روايتان إحداهما: لا يجوز، لأنه دهن نجس، أشبه شحم الميتة. والثانية: يجوز، لأنه أمكن الانتفاع بها من غير ضرر، أشبه الانتفاع بالجلد اليابس قال أبو الخطاب: ويتخرج على جواز الاستصباح بها، جواز بيعها

"2.

وعلى هذا: فإن الاستصباح بالدهن المتنجس محل خلاف في المذهب الحنبلي، فالرواية الأولى لا تجوز الاستصباح، في حين أن الرواية المقابلة تجوز الاستصباح، وتخرج على هذا جواز بيعه، وروي عنه جواز بيعه لكافر يعلم بنجاسته.

وقد نص على أن ظاهر المذهب تحريم ما نجس من الأدهان كالزيت ونحوه.

وجاء في الإنصاف: "وفي جواز الاستصباح روايتان:

إحداهما: يجوز، وهو المذهب صححه في التصحيح

قال الزركشي3 هذا أشهر الروايتين ونصرها في المغني واختاره الخرقي4 والشيخ تقي الدين وغيرهما وجزم به في الإفادات في باب النجاسة.

1 البهوتي 1/223.

2 ابن قدامة 2/8.

3 هو محمد بن عبد الله بن محمد شمس الدين أبو عبد الله بدر الدين الزركشي المصري الحنبلي، فقيه كان إماما في المذهب، أخذ الفقه عن قاضي القضاة موفق الدين عبد الله الحجاوي، من تصانيفه "شرح الخرقي" توفي رحمه الله سنة 772?. راجع: معجم المؤلفين لعمر كحالة 1/239.

4 هو عمر بن الحسين بن عبد الله أبو القاسم الخرقي بغدادي نسبته إلى بيع الخرق من كبار فقهاء الحنابلة رحل عن بغداد لما ظهر بها سبّ الصحابة وترك كتبه في بيت ببغداد فاحترقت ولم تكن انتشرت وبقي منها مختصرة المشهور بـ "مختصر الخرقي" الذي شرحه ابن قدامه في المغنى توفى رحمه الله سنة 334 ?. راجع: الأعلام للزركلي 5/202، طبقات الحنابلة لابن أبي يعلى الحنبلي 2/75.

ص: 239

والرواية الثانية: لا يجوز الاستصباح بها جزم به في الوجيز1"2.

فقد ذكر صاحب الإنصاف أن في جواز الاستصباح بالدهن النجس روايتين في مذهب الحنابلة، إحداهما: جوازه وهي الصحيحة وهي المذهب، كما نقل عن كتاب التصحيح، وقال الزركشي إنها الأشهر من الروايتين، وعليها جماعة من العلماء ونصروها أما الرواية الثانية: فهي عدم جواز الاستصباح بها وهذا ما عليه صاحب الوجيز.

فالمستفاد من نصوص الحنابلة: أن الأدهان المتنجسة نجسة، وأنه لا يمكن تطهيرها، وذلك لعدم إمكان وصول الماء إلى جميع أجزائها، وعلى هذا تكون محرمة لا يجوز أكلها.

أما بالنسبة لمسألة بيعها من عدمه فللحنابلة في هذا أقوال:

الأول: أنه لا يجوز بيعها لنجاستها، وهذا هو ظاهر مذهب الحنابلة.

الثاني: أنه يجوز بيعها، لأنه يجوز الانتفاع بها في الاستصباح.

الثالث: أنه يجوز بيعها لكافر يعلم نجاستها.

أما بخصوص إمكان الاستصباح بها فهو الآخر محل خلاف في المذهب:

قيل: إنه لا يجوز الاستصباح بها مطلقاً.

وقيل: يجوز ذلك الاستصباح مطلقاً.

وقيل: يجوز الاستصباح به في غير المسجد.

الموازنة: بالنظر فيما قاله الفقهاء بشأن الأدهان المتنجسة:

مذهب الحنفية: التفرقة بين الدهن الجامد وغير الجامد، فيقولون إنه إذا تنجس الدهن الذائب أي المائع فإنه لا يؤكل، غير أنه يمكن الانتفاع به في الاستصباح ونحوه

1 الوجيز في الفقه على مذهب الإمام أحمد تأليف الحسن بن يوسف بن أبي السري الدجيلي الحنبلي المتوفي 732? وهو مطبوع بتحقيق الدكتور عبد الرحمن بن سعدي الحربي.

2 المرداوي 4/270- 271.

ص: 240

من استعماله في دبغ الجلود، وأنه لا مانع من بيعه بشرط أن يبين البائع ما به من عيب، وإلا ثبت الخيار للمشتري في الرد، كل هذا إذا كان الطاهر غالباً، وإن كان المتنجس جامداً فتطرح الأجزاء المتنجسة وما حولها ويؤكل الباقي، وبالتالي فلا مانع من الانتفاع به في الاستصباح وغيره، وكذا إمكان بيعه، لأن الحنفية يكتفون باعتبار مالية المبيع.

مذهب المالكية: منع أكل الأدهان المتنجسة مطلقاً، سواء كان ما علقت به النجاسة مائعاً أو جامداً، وبالتالي فإن الانتفاع به على أي وجه ممنوع، وبالتالي فلا مجال للحديث عن بيعه لهذا الغرض.

غير أنهم قالوا بجواز الاستصباح بالدهن المتنجس في غير المسجد، وأنه يمكن استخدامه في صناعة الصابون، ودهن الحبال، والعجل، وصناعة أعلاف للحيوانات؛ وبناء على هذا فلا مانع من بيع الأدهان المتنجسة والزيت النجس لهذا الغرض.

وإن كان مشهور مذهب المالكية هو جواز بيع المتنجس إذا كان قابلاً للتطهير كالثوب النجس، بخلاف ما لا يمكن تطهيره كالزيت المتنجس حيث يمتنع بيعه لتعذر تطهيره.

مذهب الشافعية: أن المتنجسات من حيث إمكان الانتفاع بها وبالتالي بيعها تختلف من هذه الزاوية باختلاف ما علقت به النجاسة ومدى إمكان إزالتها.

فقالوا: إنه إذا أمكن تطهير المتنجس، جاز بيعه والانتفاع به في الاستصباح ونحوه، كالثوب المتنجس حيث إنه يمكن تطهيره ولبسه في غير الصلاة.

أما إذا لم يمكن تطهيره بأن كان مائعاً متنجساً وصارت النجاسة جزءاً منه، فإنه لا يجوز الانتفاع به، وبالتالي فلا يجوز بيعه.

وبالنسبة للاستصباح بالزيت المتنجس، فالصحيح في مذهب الشافعية جوازه، وهو المذهب، وأصح المذهبين؛ والثاني تحريم ذلك الاستصباح.

مذهب الحنابلة: أن الأدهان المتنجسة لا يمكن تطهيرها وبالتالي فلا يجوز أكلها.

ص: 241

واختلفوا بالنسبة للاستصباح بها على ثلاثة أقوال:

الأول: لا يجوز؛ والثاني: يجوز؛ والثالث: يجوز الاستصباح بها في غير المسجد. والخلاف حاصل كذلك في مذهب الحنابلة بشأن بيع الأدهان المتنجسة على ثلاثة أقوال: الأول: لا يجوز، والثاني: يجوز، أما الثالث: يجوز للكافر دون غيره. وعلى هذا:

1-

فأكل الأدهان النجسة وكذا المتنجسة محل إجماع على المنع، خاصة لو كانت هذه الأدهان مائعة لعدم إمكان التحرز في تطهيرها، حيث ذابت النجاسة في كافة المحل، وإن كان الحنفية جوزوا أكل المتنجس الجامد بعد طرح النجاسة، فالمالكية والشافعية والحنابلة على منع أكل المتنجس مطلقاً، حتى لو كان جامداً، والحنفية وافقوهم بالنسبة للمائع دون الجامد.

2-

أما الانتفاع بالاستصباح ونحوه بهذه الأدهان المتنجسة، فقال العلماء: إنه يجوز الاستصباح بالدهن المتنجس واستعماله في الدبغ ونحوه وصناعة الصابون والأعلاف والدهانات المختلفة، وعلى هذا مذهب الحنفية، وقول عند المالكية، وصحيح مذهب الشافعية، وأحد الأقوال عند الحنابلة، ومقابل هذا الرأي أنه لا يجوز الانتفاع بالأدهان المتنجسة في الاستصباح ونحوه في المسجد وغيره إذا لم يمكن تطهيرها بأن كانت زيتاً ونحوه، حيث شملت النجاسة كل أجزائه، وهذا ما عليه مشهور مذهب المالكية، ومقابل الصحيح عند الشافعية، وأحد الأقوال في مذهب الحنابلة.

3-

وما قيل في الانتفاع والاستصباح ونحوه يقال في البيع:

فالمذهب الأول: جواز بيع الأدهان المتنجسة، وهذا مذهب الحنفية، ومذهب المالكية خاصة إذا كان قابلاً للتطهير، وصحيح مذهب الشافعية، وأحد الأقوال عند الحنابلة، وقول آخر يجوز للكافر خاصة.

أما المذهب الثاني: يرى عدم جواز بيع الأدهان المتنجسة، وإلى هذا ذهب مشهور مذهب المالكية خاصة إذا لم يمكن تطهير تلك الأدهان، وما عليه مقابل الصحيح عند

ص: 242

الشافعية وأحد أقوال مذهب الحنابلة.

فالمذاهب في مسألة البيع للأدهان المتنجسة وكذا الاستصباح ونحوه من كافة أوجه الانتفاع تنحصر في المذهبين السابقين تأصيلاً واستدلالاً وترجيحاً، وبناء على هذا فكما أن عرض المذاهب في المسألتين واحد فإن الاستدلال بوجوهه المتعددة واحد كذلك، لأن حكم البيع فرع عن حكم الانتفاع والاتخاذ، وهذا الانتفاع معلق على إمكان التطهير من عدمه، والأخير مرتبط بما إذا كان المتنجس مائعاً أم جامداً.

الأدلة: استدل من قال بجواز البيع والانتفاع بالأدهان المتنجسة بما يلي:

1-

ما روي عن علي رضي الله عنه في النجاسة إذا وقعت في الدهن قال: "يستصبح به ويدبغ به الجلود"1.

2-

حديث أبي هريرة رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فإن كان مائعاً فانتفعوا به"2.

3-

حديث ابن عمر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن فأرة ماتت في سمن فقال: "تلقى الفأرة وما حولها ويؤكل الباقي؛" فقيل: يا رسول الله أرأيت لو كان السمن ذائباً؟ فقال: "لا تأكلوه، ولكن انتفعوا به" 3، وهذا تصريح منه صلى الله عليه وسلم بالانتفاع بالمتنجسات.

4-

القياس على الثوب المتنجس بجامع أن كلا النجاستين ليست عينية بل هي بالمجاورة.

ونوقشت هذه الأدلة بما يأتي:

أما حديث ابن عمر رضي الله عنهما فقد أجاب عنه ابن حجر في الفتح قائلاً: وقد احتج بعضهم بما وقع في رواية عبد الجبار بن عمر عند البيهقي في حديث

1 لم أقف على إسناد هذا الحديث في الكتب المسنده ولكني وجدت بعض العلماء ذكروا ذلك عنه بغير إسناد.

2 رواه ابن الجوزي في التحقيق 2/188 برقم 1471.

3 الحديث أخرجه الدارقطني 4/291، والبيهقي في السنن 9/354.

ص: 243

ابن عمر "إن كان السمن مائعاً فانتفعوا به ولا تأكلوه" قال البيهقي: "وجاء من رواية ابن جريج عن الزهري كذلك، لكن السند ضعيف، والمحفوظ أنه من قول ابن عمر1.

أما القياس على الثوب المتنجس فقد أجاب عنه النووي قائلاً: "والجواب عن قياسهم على الثوب، يمكن غسله بالإجماع بخلاف الدهن لأن المنفعة المقصودة بالثوب هي اللبس، وهو حاصل مع أنه نجس، والمنفعة المقصودة بالزيت الأكل وهو حرام"2.

واستدل من قال بمنع البيع والانتفاع بالأدهان المتنجسة بما يلي:

1-

قوله صلى الله عليه وسلم "إن الله إذا حرم شيئاً حرم ثمنه"، وحرمة الثمن تقتضي حرمة البيع.

2-

قوله صلى الله عليه وسلم في حديث الفأرة تقع في السمن: "إذا كان مائعاً فلا تقربوه3" وفي رواية "فأريقوه"4.

فلو كان هناك سبيل إلى تطهيره والانتفاع به، لبينه صلى الله عليه وسلم كما فعل في جلد الميتة. فإنه صلى الله عليه وسلم أمر بدباغه والانتفاع به.

3-

قياس الأدهان المتنجسة على الأدهان النجسة العين كودك الميتة من جهة وقياسه على الخمر من جهة أخرى بجامع النجاسة، فيحرم الانتفاع لذلك5.

1 راجع: فتح الباري 9/668 – 670.

2 راجع: المجموع 9/283.

3 الحديث أخرجه الإمام أحمد في المسند 2/232، 265، 490، وأبو داود كتاب الأطعمة باب في الفأرة تقع في السمن برقم 3841 من طريق معمر عن الزهري عن ابن المسيب عن أبي هريرة به، قال الترمذي: سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم وذكر فيه أنه سئل عنه فقال: "إذا كان جامدا فألقوها وما حولها وإن كان مائعا فلا تقربوه"، هذا خطأ أخطأ فيه معمر قال والصحيح حديث الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن ميمونة. ا?.

4 يقول الحافظ ابن حجر: وأما قوله فأريقوه فذكر الخطابي أنها جاءت في بعض الأخبار ولم يسندها. ا?.

5 المغني والشرح الكبير 4/14 – 15.

ص: 244

ونوقشت هذه الأدلة بما يأتي: بالنسبة لحديث الفأرة تقع في السمن.

1-

أن المراد بتحريم السمن والأمر بإراقته إذا كان مائعاً، إنما هو تحريم الأكل لأن الأكل هو المقصود الأعظم من السمن1.

2-

وأما عدم بيان النبي صلى الله عليه وسلم للانتفاع به، فلعل ذلك كان لنَزارته وأنه لا يوازي الشغل به، وأوكل المعرفة في حكم الكثير إلى الدليل2

3-

وأما قياس الأدهان المتنجسة على الأدهان نجسة العين، من جهة، وقياسها على الخمر من جهة أخرى فقد أجيب عن ذلك، بأن الخمر وشحم الميتة نجس العين والأدهان المتنجسة إنما نجست بالمجاوره فقياسها على الثوب النجس أولى من قياسها على شحم الميتة والخمر3.

والذي يترجح لدي: هو القول بجواز بيع هذه الأدهان والانتفاع بها، بناء على ما فيها من بعض المنافع التي تقوم بالمال، بشرط أن يعلم البائع المشتري بتنجيسه حتى يكون على بينه منه، وأن أدلة الفريقين تدور كلها حول حديث أبي هريرة في الفأرة تقع في السمن، وان أدلة المانعين القائلين بتحريم ثمن الشيء المحرم فإنه لا يستلزم حرمة الانتفاع به وإن كان يستلزم حرمة البيع، والله تعالى أعلم.

جاء في الإنصاف: "تنبيه": قوله: "ويتخرج على ذلك أي على جواز الاستصباح بالأدهان النجسة جواز بيعها، أن المصنف وغيره خرجوا جواز البيع من رواية جواز الاستصباح بها"4.

1 بدائع الصنائع 1/66.

2 عارضة الأحوذي 7/302 – 303.

3 المبسوط 1/95.

4 المرداوي 4/271.

ص: 245