الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تمهيد
من المقرر لدى العقلاء أن الإنسان ليس مالاً في الشرع، ولا في الطبع، ولا في العقل، فالشرع يأبى أن يعامل الإنسان الذي كرمه الله سبحانه معاملة الأموال، فالإنسان الحر ليس بمال، حيث عرف الحنفية المال بأنه اسم لغير الآدمي، خلق لصالح الآدمي، وأمكن إحرازه والتصرف فيه على وجه الاختيار1.
كما أن فقهاء المسلمين قد قرروا أن الإنسان الحي، وكذا الميت، لا يمكن أن يكون محلاً ممكناً ومشروعاً للمعاملات بحسب الأصل، فمحل العقود والحقوق عندهم هو الأموال، كما يشترط في المال أن يكون متقوماً.
والإسلام الحنيف قد اهتم بتكريم الإنسان، سواءً في حياته أو بعد مماته، حيث إن الآدمي محترم حياً أو ميتاً، ولهذا ثبتت حرمته في الحياة وبعد الممات، وفي هذا يقول الله سبحانه:{وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً} 2 وقال أيضاً: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ*الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ*فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ} 3.
وفي سبيل ذلك حرم الإسلام على الإنسان الخبائث من الأطعمة، حيث قال سبحانه:{إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} 4 وقال أيضاً: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ} 5.
فالاتفاق قائم على مبدأ حماية جسد الآدمي، وأن الشريعة الإسلامية الغراء هي
1 البحر الرائق لابن نجيم 5/277.
2 سورة الإسراء: الآية 70.
3 سورة الانفطار: الآية 6، 8.
4 سورة البقرة: الآية 173.
5 سورة ص: الآية 72.
السباقة بتقرير مبدأ تكريم الإنسان حياً أو ميتاً، فهي التي حرمت بيع الحر، وتدرجت في مسألة بيع الرقيق، حتى قضت عليها نهائياً.
ولم تكتف الشريعة الإسلامية بما قررته في هذا الشأن، من أن الإنسان هو المستخلف في الأرض، وله من مظاهر التكريم أوجه متعددة، ومنها: أنها حرمت بيعه إن كان حراً تحريماً مطلقاً، وذلك لأن جسده ليس من الأموال التي ترد عليها العقود، وأن أجزاءه المنفصلة عنه طاهرة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك، فقررت له الحماية الجسدية، وأحاطت النفس البشرية بسياج من الرعاية والحصانة، فقررت عصمة دمه وحرمته، ومنعت الاعتداء عليه، سواء كان مسلماً أو غير مسلم، فقال سبحانه:{وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} 1.
1 سورة الإسراء: الآية 33.