الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فَكَانَ أَوَّلَ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الإِسْلَامِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 3909، م: 2146].
*
الْفَصْلُ الثَّانِي:
4152 -
[4] عَنْ أُمِّ كُرْزٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا" قَالَتْ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: . . . . . .
ــ
حِضْنُ الإنسان، وفي (الصراح) (1): حجر: كنار مردم. و (التفل): نفخ معه أدنى بزاق، والنفث أدنى منه.
وقوله: (فكان أول مولود ولد في الإسلام) أي: في المدينة بعد الهجرة من المهاجرين.
الفصل الثاني
4152 -
[4](أم كرز) قوله: (عن أم كرز) بضم الكاف وسكون الراء وآخره زاي.
وقوله: (أقروا الطير على مكناتها) ذكروا لهذا الكلام وجوهًا فقيل: مكنات بفتح الميم وكسر الكاف وقد تفتح: جمع مكنة، وهي في الأصل بيضة الضب، كذا في (النهاية)(2)، وفي (القاموس) (3): مكن بفتح الميم وسكون الكاف وككتف: بيض الضبَّة والجرادة ونحوهما، وفي الحديث:(وأقروا الطير على مكناتها) بكسر الكاف وضمها، أي: بيضها، انتهى كلامه، يعني استعمل في مطلق بيض الطير استعمالًا للمقيد في المطلق، أو الخاص في العام كالمرسن والمشفر.
(1)"الصراح"(ص: 169).
(2)
"النهاية"(2/ 672).
(3)
"القاموس المحيط"(ص: 1138).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقيل: هي بمعنى الأمكنة، يقال: الناس على مكناتهم وسكناتهم، أي: أمكنتهم ومساكنهم، وقيل نقلًا عن الزمخشري: روي: (مكناتها) بضم أوله جمع مكن، جمع مكان نحو حمر وحمرات. وقيل: هي جمع مكنة من التمكن، يقال: له مكنة عند السلطان، أي: تمكن ومنزلة عنده، وجاء بمعنى التؤدة أيضًا وهو قريب من معنى السكنة، والمراد إما المنع عن زجر الطيور وترهيبها وتشويشها وإزعاجها عن أماكنها وأوكارها وبيوضها. وقيل: معناه كراهة صيد الطير بالليل، وإما النهي عن التطير فإن أحدهم كان إذا أراد حاجته أتى طيرًا فنفره وأطاره، فإن أخذ ذات اليمين مضى لها، وإن أخذ ذات الشمال رجع، فنهوا عنه، فيكون المعنى: لا تنفروها عن مكانها لأخذ الطيرة، أو يكون المعنى: أقروها على مواضعها ومراتبها التي وضعها اللَّه بها وجعلها لها من أنها لا تنفع ولا تضر، وهذا فرع الحمل على معنى التطير، ووجه الربط بينه وبين ذكر العقيقة أنهم كانوا يتطيرون في كل الأحوال فنهوا عن التطير في شأن المولود، وحثوا على الصدقة وهي العقيقة، وهذا على تقدير حمل الحديث على معنى النهي عن التطير، وأما على تقدير حمله على معنى النهي عن إيذائها وإزعاجها أو كراهة صيدها بالليل فلا مناسبة.
فقيل: هذا حديثان مستقلان جمعهما الراوي لغرض، وفي (الترمذي) و (النسائي) تصريح باستقلال كل من الحديثين، وكذا في قول أم كرز:(وسمعته يقول)، وهذا أظهر دلالة على ذلك؛ لأن الترمذي والنسائي يحتمل أَنْ رَوَيَا جزءًا من الحديث مستقلًا، فتدبر، وقال بعضهم: ولا يعرف للتطير مكنات إنما هو وكنات جمع وكنة، وهو موضع عش الطائر، واللَّه أعلم.
"عَنِ الْغُلَامِ شَاتَانِ، وَعَنِ الْجَارِيَةِ شَاةٌ، وَلَا يَضُرُّكُمْ ذُكْرَانًا كُنَّ أَوْ إِنَاثًا". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ مِنْ قَوْلِهِ: يَقُولُ: "عَنِ الْغُلَامِ" إلى آخِرِهِ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ. [د: 2835، ت: 1516، ن: 4218].
4153 -
[5] وَعَنِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْغُلَامُ مُرْتَهَنٌ يِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ. . . . . .
ــ
وقوله: (عن الغلام شاتان) وفي رواية: (شاتان مكافئتان)، وفي أخرى:(شاتان مثلان).
وقوله: (ولا يضركم ذكرانًا كن) أي: الشاء (أو إناثًا)، وفي الحواشي ممن يوثق عليه بعلامة السماع: أي: الأولاد، ولا يخلو عن تكرار وخفاء في المعنى، وتوجيهه أن الناس قد لا تطيب نفوسهم في العقيقة عن الإناث ويعدونه ضررًا في المال، فقال: لا ضرر في ذلك، بل فيه نفع وهو الثواب وحصول الخير والبركة والسلامة.
4153 -
[5](الحسن) قوله: (الغلام مرتهن بعقيقته) تكلموا في لفظ: (مرتهن)، فإنه اسم من يأخذ الرهن، والشيء رهن ومرهون ورهين ورهينة كما جاء في رواية أبي داود والنسائي، والتاء فيه للمبالغة كما يقال: فلان كريمة قومه، أو بتأويل النفس، فقيل: هو بفتح الهاء بمعنى مرهون، ورد لأنه لم يوجد فيما يعتمد عليه من كلامهم بناء المفعول من الارتهان، فلعل الراوي أتى به من طريق القياس، وأجيب بأنه من باب المجاز.
وقال الزمخشري في (الأساس)(1) في قسم المجاز: فلان رهن ورهينة ومرتهن
(1)"أساس البلاغة"(1/ 401).
يَوْمَ السَّابعِ وَيُسَمَّى وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ". رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، لَكِنْ فِي رِوَايَتِهِمَا "رَهِينهٌ" بَدْلَ "مُرْتَهَنٌ". . . . . .
ــ
به: مأخوذ به، كذا نقل الطيبي (1)، يريد أن الرهن هنا ليس محمولًا على الحقيقة التي هي حبس الشيء وجعله محبوسًا بدين يمكن استيفاؤه منه بل محمول على المجاز، وقد جاء مرتهن بالشيء بمعنى مأخوذ به بتصريح صاحب (الكشاف).
ثم تكلموا في كون الغلام مأخوذًا ومحبوسًا بعقيقته. فقال بعضهم: معناه أنه إذا مات طفلًا ولم يعق عنه لم يشفع في والديه، وهذا منقول عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة اللَّه عليه، وروي مثل ذلك عن قتادة، وهو كقوله تعالى:{كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ} [المدثر: 38] أي: محبوسة عند اللَّه بوبال ما كسبت، لا يترك أن يدخل الجنة إلا مع أصحاب اليمين، والرهن في اللغة: الحبس والمنع، وهذا -أي: حرمانه عن شفاعتهم- ليس جزاء لوبال الطفل لعدم كونه مكلفًا، بل راجع إلى أبويه في تقصيرهم بإتيان هذه السنة، فيحرمون عن شفاعة الطفل المتحتم قبولها، وقيل: المعنى أنه كالشيء المرهون لا يتم الانتفاع والاستمتاع به دون فكه، والنعمة إنما تتم على المنعم عليه بقيامه بالشكر، ووظيفة الشكر في هذه النعمة ما سنه نبي اللَّه صلى الله عليه وسلم، وقيل: إنه أراد بذلك أن سلامة المولود ونشوءه على الحالة المحمودة رهينة بالعقيقة، والتعويل على ما قاله ذلك الإمام الأجل، والظاهر أنه تلقاها من قبل من سلفه من الصحابة والتابعين، كذا قال التُّورِبِشْتِي (2).
وقوله: (في يوم السابع) من إضافة الموصوف إلى الصفة.
(1)"شرح الطيبي"(8/ 131).
(2)
"كتاب الميسر"(3/ 949).
وَفِي رِوَايَة لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: "وَيُدَمَّى" مَكَانَ: "وَيُسَمَّى" وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ: "وَيُسَمَّى" أَصَحُّ. [حم: 5/ 12، ت: 1522، د: 2838، ن: 4220].
4154 -
[6] وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ عَليِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: عَقَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْحَسَنِ بِشَاةٍ وَقَالَ: "يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ وَتَصَدَّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضَّةً" فَوَزَنَّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ. رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وإِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ؛ لأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ. [ت: 1519].
ــ
وقوله: (وفي رواية لأحمد وأبي داود: ويدمى) بلفظ المجهول من التدمية بمعنى لطخ الرأس بالدم، وروي عن قتادة في تفسير التدمية أنه إذا ذبحت الشاة تؤخذ صوفة منها، وتترك في مقابلة أوداجها حتى تتلطخ بالدم الذي ينفصل منها، ثم توضع على يافوخ الصبي حتى يسيل منها شبه الخط على فرقه، ثم يغسل ويحلق، وأورد أبو داود هذه الرواية ثم قال: هذا وهم من همام، وما جاء عن قتادة في تفسيره منسوخ، والأصح رواية (يسمى)، وهكذا روى سلام بن مطيع عن قتادة وإياس بن دغفل عن الحسن، وكذا روى الأشعث عن الحسن، وأيضًا عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم عن الحسن والحسين ولم يرو فيه التدمية، وهذا الفعل أشبه بعوائد أهل الجاهلية ورسومهم كما يأتي في (الفصل الثالث). وقال الخطابي: وأيضًا قد سن إماطة الأذى فكيف يؤمر بزيادته، وقيل: المراد بالتدمية هو الختان وهو أقرب، واللَّه أعلم.
4154 -
[6](محمد بن علي) قوله: (بشاة) هكذا جاء في حديث علي وابن عباس، وجاء أيضًا عن ابن عباس:(بكبشين)، وجاء في بعض الروايات مطلقًا. وقال
4155 -
[7] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَقَّ عَنِ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كبْشًا كبْشًا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ:"كبْشَيْنِ كَبْشَيْنِ". [د: 2841، ن: 4219].
ــ
صاحب (سفر السعادة)(1): رواية شاة واحدة صحيحة، لكن حديث:(عن الغلام شاتان) أقوى وأصح؛ لأنه رواه جماعة من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ووجه آخر أن القول أقوى وأتم؛ لأن الفعل يحتمل الاختصاص به صلى الله عليه وسلم، وأيضًا الفعل يدل على الجواز، والقول على الاستحباب، ووجه آخر أن قصة عقيقة الحسنين رضي الله عنهما مقدم على حديث أم كرز؛ لأنه كان في عام أحد الذي فيه ولد الحسن رضي الله عنه، وعام آخر بعده الذي فيه ولادة الحسين رضي الله عنه، وحديث أم كرز في عام الحديبية في سنة ست فيكون ناسخًا لما تقدم، ووجه آخر مقبول أن اللَّه تعالى فضل الذكر على الأنثى في الميراث، وفي أمور أخر مثل الشهادة والإمامة الصغرى والكبرى، وهذا يقتضي الفرق، كذا ذكره في (سفر السعادة) واللَّه أعلم.
وقال الترمذي (2): وفي الباب عن علي وعائشة وأم كرز وبريدة وسمرة وأبي هريرة وعبد اللَّه بن عمر وأنس وسليمان بن عامر وابن عباس، وحديث أم كرز حسن صحيح، وعليه العمل عند أهل العلم، وروي عن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(عن الغلامان شاتان وعن الجارية شاة)، وروي أنه صلى الله عليه وسلم عق عن الحسن بشاة، وإليه ذهب بعض أهل العلم، انتهى كلامه.
4155 -
[7](ابن عباس) قوله: (كبشًا كبشًا) أي: لكلٍّ كبشًا، وعند النسائي:
(1) انظر: "سفر السعادة"(ص: 194 - 195).
(2)
"سنن الترمذي"(1519).
4156 -
[8] وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ: "لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْعُقُوقَ" كَأَنَّهُ كَرِهَ الِاسْمَ وَقَالَ: "مَنْ وُلِدَ لَهُ وَلَدٌ. . . . . .
ــ
(كبشين كبشين)، قد مرّ الكلام فيه.
4156 -
[8](عمرو بن شعيب) قوله: (كأنه كره الاسم) لأن العقوق من الكبائر، والمقصود أن هذا الاسم مكروه وإن كان العقوق من جانب الولد، وهنا ليس كذلك، وقيل: أصله في الولد، ثم استعير لامتناع الوالد عن أداء حق المولود، هذا ما ذكروا، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم كره اسم العقيقة لأنه يذكر عن العقوق وهو من أشد الكبائر، وليس أنه من جانب الولد أو الوالد، فافهم.
وقال التُّورِبِشْتِي (1): هذا الكلام غير سديد أدرج في الحديث من قول بعض الرواة، ولا يُدرى من القائل منهم، وعلى الجملة فإنه قول صدر عن ظن، والظن يخطئ ويصيب، والظاهر أنه وقع هنا في القسم الأول؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر العقيقة في عدة أحاديث، ولو كان يكره الاسم لعدل عنه إلى غيره، ومن سنته تغيير الاسم إذا كرهه كقوله:(لا تقولوا للعنب الكرم)(2) ونحوه، انتهى.
وأقول: يحتمل أن يكون إطلاق العقيقة منه صلى الله عليه وسلم قبل هذه الكراهة باستشعار حصل منه صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى أو بوحي من اللَّه، ثم ذكر التُّورِبِشْتِي في بيان معنى هذا القول وجوهًا بعيدة ارتكب فيها تكلفات، أقربها أنه يحتمل أن يكون السائل ظنّ أن اشتراك العقيقة مع العقوق في الاشتقاق مما يوهن أمرها، فأعلم أن الأمر بخلاف ذلك،
(1)"كتاب الميسر"(3/ 950).
(2)
أخرجه مسلم في "صحيحه"(2247).