الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الفَصْلُ الأَوَّلُ:
4419 -
[1] عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُرَجِّلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَنَا حَائِضٌ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5925، م: 297].
4420 -
[2] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الْفِطْرَةُ خَمْسٌ: الْخِتَانُ، وَالِاسْتِحْدَادُ، وَقَصُّ الشَّارِبِ، وَتَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، وَنَتْفُ الإِبِطِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5891، م: 257].
ــ
الفصل الأول
4419 -
[1](عائشة) قوله: (وأنا حائض) مقصودها بيان مباشرة الحائض دون الجماع.
4420 -
[2](أبو هريرة) قوله: (الفطرة خمس) اعلم أن الفطرة في الأصل بمعنى الشق والابتداع والاختراع، ويجيء بمعنى الجبلة ودين الإسلام، كما في حديث:(كل مولود يولد على الفطرة)(1)، وقد مرّ الكلام فيه في أول الكتاب، وفسروها في هذا الحديث بالسنة القديمة التي اختارها الأنبياء، واتفقت عليها الشرائع، وأمرنا باقتدائهم، كانه أمر جبلي فطر الناس وجبلوا عليها، وقد مرّ هذا الحديث في (كتاب الطهارة) في (باب السواك)، وذكرت هناك عشرة من الفطرة، وبين هنا خمسة، وليس المقصد الحصر في شيء مما ذكر في هذين الحديثين، بل المراد هناك بيان عشرة منها وهنا بين خمسة منها، وذكر هنا (الاستحداد) الذي لم يذكر فيما سبق، والمراد منه استعمال الحديدة في حلق العانة، ويظهر منه أن السنة في العانة الحلق، وفي الإبط النتف، ويحصل بالحلق فيه أيضًا الغرض خصوصًا لمن لا يعتاد النتف، وقد شرح
(1) أخرجه البخاري في "صحيحه"(1385)، ومسلم في "صحيحه"(2658).
4421 -
[3] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "خَالِفُوا الْمُشْرِكِينَ: أَوْفِرُوا اللُّحَى وَأَحْفُوا الشَّوَارِبَ". وَفِي رِوَايَةٍ: "أَنْهِكُوا الشَّوَارِبَ وَأَعْفُوا اللُّحَى". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5892، م: 259].
4422 -
[4] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الأَظْفَارِ وَنَتْفِ الإِبِطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 258].
4423 -
[5] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَا يَصْبَغُونَ فَخَالِفُوهُمْ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5899، م: 2103].
ــ
المقام وبينت هذه الأحكام فيما سبق.
4421 -
[3](ابن عمر) قوله: (أوفروا اللحى) بيان للمخالفة، وأصل (الإحفاء) الاستقصاء، والمراد هنا القص، و (الإنهاك): المبالغة في الشيء، والمراد هنا المبالغة في قص الشارب والإحفاء، و (اللحى) بضم اللام، وقيل: الكسر أفصح من الضم، جمع لحية بكسرها، وهي اسم لما ينبت من الشعر على الخدين والذقن، كذا في (القاموس)(1).
4422 -
[4](أنس) قوله: (وقت لنا) بلفظ المجهول، من التوقيت.
وقوله: (أكثر من أربعين ليلة)، ويكره التأخير إلى هذه المدة وتكره الصلاة، وقيل: كان صلى الله عليه وسلم يقص شاربه ويقلم الأظفار في كل جمعة، وكان يحلق العانة في عشرين يومًا، وينتف الإبط في كل أربعين يومًا، واللَّه أعلم.
4423 -
[5](أبو هريرة) قوله: (إن اليهود والنصارى لا يصبغون) بفتح الموحدة
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1221).
4424 -
[6] وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: أُتِيَ بِأَبِي قُحَافَةَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثُّغَامَةِ بَيَاضًا، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"غَيِّرُوا هَذَا بِشيْءٍ وَاجْتَنِبُوا السَّوَادَ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2102].
ــ
وضمها، اعلم أنه قد وردت الأحاديث بشرعية الخضاب، والمراد غير السواد، وكانت الصحابة يختضبون بالحناء، وقد يصفرون، وقد وردت في الخضاب بالحناء أحاديث، ووردت في فضلها وثوابها، وأكثرها مطعون وضعيف عند المحدثين، وورد أن الخضاب بالحناء من سيماء المؤمنين، وجوازها متفق عليه بين العلماء، وقد استحبه بعض الفقهاء للرجال والنساء، وقال في (مجمع البحار) (1): إن الأمر بالخضاب إنما هو لمن له بياض صرف كما جاء في الحديث من حال أبي قحافة لا لمن شَمِط، وقال أيضًا: إن السلف اختلفوا في فعل الخضاب بحسب اختلاف الأحوال، فقال بعضهم: هذا على عادة البلاد، فالخروج من عادة أهل البلد شهرة ومكروه، وأيضًا من كانت شيبته نقية أحسن منها مصبوغة فالترك أحسن، ومن كان تستشنع شيبته فالصبغ أولى، وقد مرّ الكلام في خضابه صلى الله عليه وسلم، وسيجيء بعد إن شاء اللَّه تعالى.
4424 -
[6](جابر) قوله: (بأبي قحافة) بضم القاف والد أمير المؤمنين أبي بكر الصديق رضي الله عنهما، أسلم يوم الفتح، ومات سنة أربع عشرة بعد وفاة أبي بكر رضي الله عنه بستة أشهر وأيام -وله سبع وتسعون سنة- في خلافة عمر رضي الله عنه، و (الثغامة) بمثلثة مفتوحة فغين معجمة، يقال له بالفارسية: درمنه سفيد، في (القاموس) (2): والثغام، كسحاب: نبت، فارسيته دِرَمْنَهْ، أثغم الرأس صار كالثُّغامة بياضًا.
وقوله: (واجتنبوا السواد) فيه أن الخضاب بالسواد حرام ومكروه، وسيجيء
(1)"مجمع بحار الأنوار"(3/ 292).
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 1001).
4425 -
[7] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يُحِبُّ مُوَافَقَةَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِيمَا لَمْ يُؤْمَرْ فِيهِ، وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ يَسْدُلُونَ أَشْعَارَهُمْ، وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَفْرِقُونَ رُؤُوسَهُمْ، فَسَدَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم ناصِيَتَهُ ثُمَّ فَرَقَ بَعْدُ. . . . .
ــ
فيه أحاديث أخر، قال في (مطالب المؤمنين): قال بعض العلماء: إن الخضاب بالسواد جائز للغزاة ليكون أهيب في عين العدو، ومن فعل ذلك ليزين نفسه وليحبب نفسه إلى النساء، فذلك مكروه عند عامة المشايخ.
وبعضهم جوز ذلك من غير نكير وكراهة، كذا في (المحيط)(1) عن حسان بن إبراهيم، وعن ابن عباس أنه قال: كما يعجبني أن تتزين إليّ امرأتي يعجبها أن أتزين لها، وعن أبي يوسف في هذا الباب روايتان، إحداهما: إن خضب حالة القتال لا بأس به، والثاني: إن كان له امرأة يتزين لها لا بأس به، كذا في (شرح أدب القاضي)، وأما وضع الرجل الحناء على يده ورجله لأجل العذر فلا بأس به، كذا في (اليتيمة)، انتهى.
وأما استدلال المجوزين باختضاب أبي بكر رضي الله عنه بالحناء والكتم فغير تام؛ لأنه ليس بسواد بل حمرة شديدة مائلة إلى السواد، كذا قالوا، وما روي عن بعض الصحابة مثل الحسن والحسين وسعد بن أبي وقاص وجماعة من التابعين رضي الله عنهم أجمعين، فعلى تقدير صحته محمول على نحو ذلك، وبالجملة الاختضاب بالحمرة جائز بالاتفاق، والمختار في السواد الكراهة والحرمة، واللَّه أعلم.
4425 -
[7](ابن عباس) قوله: (فيما لم يؤمر فيه) أي: لم يخاطب بشيء ولم ينزل عليه شيء.
وقوله: (يسدلون) سدل من باب نصر وضرب وكذا (فرق)، والسدل: إرسال
(1)"المحيط البرهاني"(5/ 377).
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5917، م: 2336].
ــ
الشعر حول الرأس من غير أن يقسمه نصفين، وفي (القاموس) (1): سدل الشعر وأسدله: أرخاه وأرسله، وشَعْرٌ مُنْسَدِل: مسترسل، ولا يختص مفهومه بإرساله على الجبين، ولكنه لما كان امتيازه عن الفرق إنما يظهر في الناصية خصوه بذلك، قال الطيبي (2): أراد بالسدل هنا إرسال الشعر على الجبين مشعرًا بأن أصل مفهومه مطلق قيد في هذا المقام، والفرق: تقسيم الشعر نصفين، جمع أحدهما في جانب يمينه والآخر في يساره بحيث يحصل بينهما خط كالطريق.
ثم اعلم أنهم اختلفوا فمنهم من قال: إنه صلى الله عليه وسلم كان مأمورًا باتباع شرائعهم فيما لم يؤمر به وكان محبة موافقتهم لذلك، وقد استدل بعض الأصوليين من أصحابنا بهذا الحديث على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد شرعنا بخلافه، وذلك فيما علم أنهم لم يبدلوا ولم يحرفوا، فترك السدل واتخاذ الفرق بعد ذلك يكون بالوحي، فيكون ناسخًا، فيكون الفرق واجبًا إن أمر بوجوبه وإلا فسنة، وقال البعض: موافقته لهم كانت باجتهاد منه صلى الله عليه وسلم استئلافًا لقلوبهم، فلما أغناه اللَّه عنهم صرح بمخالفتهم، وذلك أيضًا باجتهاد منه، فيكون كلا الأمرين جائزًا، ولذلك اختلف السلف ففرق بعض، وسدل آخرون، وقد جاء في الحديث:(إن انفرقت عقيقته فرق وإلا فلا)(3)، وبعضهم قالوا: بأن الفرق أفضل، قال مالك: الفرق أحب إليّ، هذا كلام القاضي عياض، فتدبر.
(1)"القاموس المحيط"(ص: 933).
(2)
"شرح الطيبي"(8/ 249).
(3)
أخرجه البغوي في "شرح السنة"(13/ 270).
4426 -
[8] وَعَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ (1) صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنِ الْقَزَعِ. قِيلَ لِنَافِعٍ: مَا الْقَزَعُ؟ قَالَ: يُحْلَقُ بَعْضُ رَأْسِ الصِّبِيِّ وَيُتْرُكُ البَعْضُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَأَلْحَقَ بَعْضُهُمْ التَّفْسِيرَ بِالْحَدِيثِ. [خ: 5925، م: 2120].
ــ
4426 -
[8](نافع) قوله: (ينهى عن القزع) في (القاموس)(2): القزع محركة: قطع من السحاب، والواحدة بهاء، وأن يحلق رأس الصبي ويترك مواضع منه متفرقة غير محلوقة، تشبيهًا بقزع السحاب، انتهى. وفي حديث الاستسقاء:(ما في السماء قزعة)(3) أي: قطعة من الغيم، وفي حديث آخر:(فيجتمعون إليه كما يجتمع قزع الخريف)(4) أي: قطع السحاب المتفرقة، وخص الخريف؛ لأنه أول الشتاء، والسحاب فيه يكون متفرقًا غير متراكم ولا مطبق، ثم يجتمع، كذا في (النهاية)(5)، ثم الظاهر أن التقييد برأس الصبي وقع اتفاقًا؛ لأن العادة جرت بذلك وإلا فالظاهر الكراهة ولو للرجال، ولهذا وقع في بعض الروايات الفقهية مطلقًا، وقالوا: هو حلق الرأس من مواضع متعددة، ومع ذلك النهي راجع إلى فعل أولياء الصبي، كما ورد في الحديث الثاني، وذلك ظاهر.
وأما التقييد بمواضع متعددة فهو الموافق لأصل معناه، وهو قطع السحاب، والموافق لما في كتب اللغة والواقع في الروايات الفقهية، ولكن عبارة التفسير الواقع
(1) في نسخة: "رسول اللَّه".
(2)
"القاموس المحيط"(ص: 693).
(3)
أخرجه البخاري في "صحيحه"(933).
(4)
أخرجه أحمد في "فضائل الصحابة"(2/ 660).
(5)
"النهاية"(4/ 59).
4427 -
[9] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَأَى صَبِيًّا قَدْ حُلِقَ بَعْضُ رَأْسِهِ وَتُرِكَ بَعْضُهُ، فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ، وَقَالَ:"احْلِقُوا كُلَّهُ أَوِ اتْرُكُوا كُلَّهُ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 2120].
4428 -
[10] وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَعَنَ النَّبِيُّ الْمُخَنَّثِينَ مِنَ الرِّجَالِ، وَالْمُتَرَجِّلَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَقَالَ:"أخْرِجُوهُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 5886].
ــ
في الحديث إما واقعًا من الراوي أو ملحقًا بأصل الحديث فهي مطلقة، لكن الشراح قيدوها به جميعًا، واللَّه أعلم. وعلة الكراهة أنه من عادة الكفار ولقباحة صورة، فتدبر.
4427 -
[9](ابن عمر) قوله: (فنهاهم عن ذلك وقال: احلقوا كله أو اتركوا كله) يوافق التفسير المذكور ويؤيد إلحاق التفسير بالحديث في الحديث السابق.
4428 -
[10](ابن عباس) قوله: (المخنثين من الرجال) الخنث في اللغة بمعنى اللين والانكسار والعطف واللي، ومنه:(نهى عن اختناث الأسقية)، وهو ثنية فمها إلى خارج والشرب منها كما أن القبع ثنية إلى داخل، والمخنث بفتح النون وهو المشهور، وقد يكسر وهو القياس، والمراد منه من يتكلف التشبه بالنساء في الحركات والسكنات وفي اللباس وأمثاله.
وقوله: (أخرجوهم) الظاهر أن الضمير للمخنثين، ولو جعل للمجموع المذكور من المخنثين والمترجلات تغليبًا أو لكونهن في حكم الرجال لم يبعد، واللَّه أعلم.
4429 -
[11] وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "لَعَنَ اللَّه الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ، وَالْمُتَشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 5885].
4430 -
[12] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَعَنَ اللَّه الْوَاصِلَةَ وَالْمُسْتَوْصِلَةَ وَالْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5937، م: 2124].
ــ
4429 -
[11](وعنه) قوله: (لعن اللَّه المتشبهين من الرجال بالنساء) وهم المخنثون، (والمتشبهات من النساء بالرجال) يعني في زيهم وهيآتهم وأفعالهم.
4430 -
[12](ابن عمر) قوله: (لعن اللَّه الواصلة والمستوصلة) قالوا: الواصلة: التي تصل شعرها بشعر آخر، والمستوصلة: التي تأمر من يفعل بها، أقول: الظاهر أن تفسير الواصلة بالتي تصل الشعر بشعرآخر سواء تصل شعرها أو شعر غيرها، فللوصل صورتان، ولطلب الوصل صورة واحدة، نعم طلب الوصل يستلزم الوصل، لكن لا من التي تطلب، والوصل لا يستلزم طلبه بأن تصل شعر نفسها، وكذلك (الواشمة والمستوشمة) بل الظاهر أن الوصل والوشم يختصان لغيرها كما يظهر من عبارة (القاموس) في بيان معنى النمص حيث قال (1): النمص: نتف الشعر، ولُعِنَتِ النامصة وهي مزينة النساء بالنمص، والمتنمصة هي المُزَيَّنة به، ووصل شعر نفسه يدخل في المستوصلة دلالة، فافهم.
ثم في الوصل بالشعر أو غيره من خرقة أو صوف وبشعر الآدمي أو غيره وبإذن الزوج أو السيد وبغير إذنهما خلاف بين العلماء، وعند بعضهم بالصوف والخرقة وبشعر غير الآدمي بإذن الزوج والسيد جائز، أما بشعر الآدمي فمكروه اتفاقًا، وأما ربط خيوط
(1)"القاموس المحيط"(ص: 584).
4431 -
[13] وَعَنْ عَبْدِ اللَّه بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ، وَالْمُسْتَوْشِمَاتِ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ،
ــ
الحرير الملونة ونحوها مما لا يشبه بالشعر فلا ينهى عنه، كذا في (مجمع البحار)(1).
وتحمير الوجه والخضاب لغير ذات الزوج أو بدون إذنه حرام، وأما لذات الزوج بإذنه فلا، وروي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: ليست الواصلة التي تعنون، ولا بأس بأن تصل قرنًا من قرونها بصوف أسود، وإنما الواصلة من كانت بغيًّا في شبيبتها، فإذا أسنت وصلتها بالقيادة، ونقل عن أحمد أنه قال: ما سمعت بأعجب منها، كذا في (مجمع البحار)(2).
وقوله: (والواشمة والمستوشمة) والوشم: غرز الإبرة في البدن وذر الكحل عليه، والكلام فيه كالكلام في الواصلة والمستوصلة.
4431 -
[13](عبد اللَّه بن مسعود) قوله: (والمتنمصات) ولم يذكر في هذه الرواية النامصات وقد جاءت في رواية أخرى اكتفاء ودلالة، والنمص: نتف الشعر من الوجه تزيينًا وهو حرام، وأباحوا نتف اللحية والشوارب إذا نبتت للنساء.
وقوله: (والمتفلجات للحسن) أي: نساء يفعلن الفلج بأسنانهن للتحسين، والمتفلجة من يرى (3) ما بين أسنانها، وتفعله العجوز لأنه محبوب إلى العرب، وفيه إظهار الصغر؛ لأن هذه الفرجة تكون للصغائر، والفلج بالتحريك: تباعد ما بين الأسنان، وهو أفلج الأسنان، كذا في (القاموس)(4)، وقال الطيبي (5): هو فرجة ما بين الثنايا
(1)"مجمع بحار الأنوار"(5/ 69).
(2)
"مجمع بحار الأنوار"(5/ 69).
(3)
كذا في الأصل، والظاهر:"من تَبْرُدُ".
(4)
"القاموس المحيط"(ص: 197).
(5)
"شرح الطيبي"(8/ 251).
الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ، فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّكَ لَعَنْتَ كَيْتَ وَكَيْتَ، فَقَالَ: مَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَتْ: لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ، فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ. قَالَ: لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ، أَمَا قَرَأْتِ:{وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا} [الحشر: 7]. قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 4886، م: 2125].
4432 -
[14] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "الْعَيْنُ حَقٌّ". . . . .
ــ
والرباعيات، فظهر من هذا أن قوله:(للحسن) متعلق بالمتفلجات خاصة، ويحتمل أن يتعلق بالأفعال المذكورة كلها يكون لإظهار الحسن، وهذا المعنى أقرب وأوجه نظرًا إلى المعنى وإن كان الأول أظهر نظرًا إلى اللفظ، والتقييد بقوله:(للحسن) يشير إلى أنه لو فعله لعلاج أو عيب في السن لا بأس به، والظاهر أنه قيد اتفاقي؛ لأن الغالب إنما يكون للتزيين والتحسين.
وقوله: (المغيرات خلق اللَّه) إشارة إلى علة النهي والكراهة، ولا يلزم من ذلك أن يكون كل تغيير حرامًا؛ لأنها ليست علة مستقلة لأن علة الحرمة نهي الشارع، والحكمة في النهي هذا، فيؤول الأمر إلى أن الشارع أباح بعض التغييرات وحرم بعضها لما فيها من زيادة التكلف والشناعة.
وقوله: (ومن هو في كتاب اللَّه) أي: ملعون فيه.
وقوله: (ما بين اللوحين) أي: الدفتين.
وقوله: (لئن كنت قرأتيه) أي: بالتدبر والتأمل كما هو حقه.
4432 -
[14](أبو هريرة) قوله: (العين حق) اعلم أن جمهور العلماء من أهل
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الحق على أن الإصابة بالعين وتأثيرها أمر ثابت محقق في النفوس والأموال، بل في سائر الأشياء المستحسنة، وإن أنكرها بعض المبتدعة من أهل الاعتزال ومن يحذو حذوهم، بمعنى أن اللَّه تعالى أودع فيها هذه الخاصية وجعلها سببًا لها بطريق جري العادة على ما هو شأن الأسباب العادية، لا أن لها تأثيرًا ذاتيًا باللزوم العقلي كما في العلل العقلية التي تقول بها الفلاسفة، وحديث:(العين حق) حجة لهم، ثم تكلموا في كيفية تأثيرها وإضرارها بالمعين، وقد نقل عن بعض من كان فيه هذه الصفة أنه كان يقول: إذا نظرت إلى شيء على وجه الاستحسان أحسست حرارة تخرج من العين.
وقال بعضهم: إنه ينبعث من عين العائن قوة سمة تتصل بالمعين تصير سببًا للهلاك والفساد كالسم الواصل من الأفاعي والعقارب إلى اللديغ، وقد يؤثر السم من بعض الأفاعي بمجرد النظر ويهلك، وبالجملة يتوجه من جانب العائن إلى المعين مثل سهم يخرج من القوس إلى الهدف، فإن لم يكن في البين مانع يصير حفظًا ووقايةً هو الترس يصل وينفذ ويؤثر، وإن كان في البين ما يقيه ويحفظه وهو الحرز والعوذة والدعاء لم يصل، وإن وصل لم ينفذ، وإن كان الترس محكمًا شديدًا ربما يعود إلى الرامي على مثال السهم المحسوس، وكما أن اللَّه تعالى أودع في نفوس بعض الآدميين قوة وخاصية العين جعل للنفوس الكاملة قوة وتصرفًا يدفعها بها، ثم قالوا: يجب التحرز والتجنب ممن فيه هذه الصفة، وللإمام منع من عرف به عن مداخلة الناس فإن كان فقيرًا رزقه ما يكفيه، فضرره أشد من ضرر الشؤم والجذام، وقد منع أهلها عن المداخلة، فصاحب العين أولى به، وسيجيء هذا المبحث في (كتاب الطب والرقى).
وَنَهَى عَنِ الْوَشْمِ. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 5740].
4433 -
[15] وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مُلَبِّدًا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 5914].
ــ
وقوله: (ونهى عن الوشم) لا مناسبة في الظاهر بين الكلامين، ولعله جرى الكلام فيهما، فبيّنهما الراوي، ومثل هذا كثير في الأحاديث، والشراح يتكلفون في بيان المناسبة، ولا حاجة إلى ذلك لما ذكرنا، وقال الطيبي (1): ولعل اقتران النهي عن الوشم بإصابة العين رد لزعم الواشم أنه يرد العين.
4433 -
[15](ابْن عُمَرَ) قوله: (لقد رأيت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم ملبدًا) بكسر الباء، قال الطيبي (2): التلبيد: أن يجعل برأسه لزوقًا صمغًا أو عسلًا ليتلبد فلا يقمل، انتهى.
وأصل ذلك في المحرم يفعل ذلك لحفظ رأسه عن التشعث والقمل لطول المكث في الإحرام، ولهذا أخذ في بعض الشروح وجود الإحرام في مفهومه، وقال: هو أن يجعل في الشعر شيء من نحو صمغ عند الإحرام لئلا يشعث ويقمل، وقال في (القاموس) (3): الإلباد: أن يجعل المحرم في رأسه شيئًا من صمغ لِيَتَلَبَّدَ شعره، ولا شك أنه يباح ذلك في غير المحرم أيضًا لمثل ما ذكر من الأغراض، ورواية ابن عمر: النبي صلى الله عليه وسلم بهذه الهيئة كان في الإحرام، ويحتمل أن يكون في غيره، واللَّه أعلم. وفي بعض الحواشي: أن إيراد صاحب (المصابيح) هذا الحديث في هذا الباب يدل على جواز
(1)"شرح الطيبي"(8/ 252).
(2)
"شرح الطيبي"(8/ 252).
(3)
"القاموس المحيط"(ص: 300).
4434 -
[16] وَعَنْ أَنَسٍ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ (1) صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5846، م: 2101].
4435 -
[17] وَعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كُنْتُ أُطَيِّبُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بِأَطْيَبِ مَا نَجِدُ، حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتَهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 5923، م: 1189].
ــ
التلبيد في غير الإحرام.
4434 -
[16](أنس) قوله: (أن يتزعفر الرجل) أي: يصبغ به الثوب ويخلطه بالبدن، وقد جاء إباحته للمتزوج، وما ورد من بعض الصحابة من استعمال الخلوف وهو الطيب المشهور المشتمل على الزعفران فمحمول على أنه كان قبل ورود النهي، واللَّه أعلم.
4435 -
[17](عائشة) قوله: (حتى أجد وبيص الطيب) يعني بريقه وبياضه (في رأسه ولحيته)، وورود هذا الحديث في الإحرام، ولعله كان في غير حال الإحرام أيضًا، وقد يستشكل هذا بقوله صلى الله عليه وسلم:(طيب الرجال ما خفي لونه)(2) إذ لا شك أن وجدان الوبيص يستلزم ظهور اللون، وتعقب هذا بأن المراد ما له لون يظهر زينة وجمالا كالحمرة والصفرة، وما لم يكن كذلك كالمسك والعنبر فهو جائز، كذا قال الطيبي (3)، والظاهر أن مثل الصندل أيضًا من هذا القبيل، وأما الجودة التي يتعارف في ديارنا وهو أسود إن ثبت فيها الزينة والجمال لم يجز أيضًا، وهو محل نظر.
(1) في نسخة: "رسول اللَّه".
(2)
أخرجه الترمذي في "السنن"(2787)، والنسائي في "السنن"(5118)، وأبو داود (2174).
(3)
"شرح الطيبي"(8/ 253).
4436 -
[18] وَعَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا اسْتَجْمَرَ، اسْتَجْمَرَ بِأَلُوَّةٍ غَيْرِ مُطَرَّاةٍ. . . . .
ــ
4436 -
[18](نافع) قوله: (إذا استجمر) معنى الاستجمار: طلب الجمر واستعماله، والجمر: هو النار المتقدة يوضع عليه العود ويتبخر به، يقال: أجمرت الثوب وجمرته: إذا بخرته بالطيب، ومن تولاه فهو مُجْمِر ومُجَمِّر بلفظ اسم الفاعل من الإجمار والتجمير، ومنه: نعم المجمر كان يلي إجمار مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، والمجمر كمنبر الذي يوضع فيه الجمر بالدخنة، ويؤنث كالمجمرة، والعود نفسه كالمجمر بالضم فيهما، كذا في (القاموس)(1)، وقد يجيء المجمر الذي يوضع فيه الجمر بفتح الميم كأنه يعتبر آلة وظرفًا، فهو مثلثة الميم، وأما العود نفسه فهو بالضم، وقد يكسر، ومنه:(مجامرهم الألوة) أي: ما يتبخرون به.
وقد يجيء الاستجمار بمعنى التمسح بالأحجار في الاستنجاء، وحديث:(الاستجمار تَوٌّ) أي: فرد يحتمل المعنيين، ففي الاستنجاء بيان عدد الكرات أو الأحجار، وكذا في البخور بأن يأخذ منه ثلاث قطع أو ثلاث مرات، كما في حديث:(إذا استجمرتم الميت فجمروه ثلاثا)(2).
وقوله: (الألوة) المشهور فيه ضم الهمزة واللام وفتح الواو المشددة وقد يفتح الهمزة.
وقوله: (غير مطراة) بضم الميم وفتح الطاء والراء المشددة، أي: غير مخلوط أو غير مُرَبَّاة بشيء آخر من جنس الطيب، ومنه: عسل مطرى بالأفاويه.
(1)"القاموس المحيط"(ص: 344).
(2)
أخرجه ابن حبان في "صحيحه"(7/ 301).