الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
*
الفَصْلُ الأَوَّلُ:
3960 -
[1] عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "عَجِبَ اللَّهُ مِنْ قَوْمٍ. . . . .
ــ
أسرى جمع أسير كسكارى جمع سكرى، وفي (الصراح) (1): الأسر: بستن بالان بدوال، إسار بالكسر: دوال، ومنه سمي الأسير لأنهم كانوا يشدونه بالقدّ، فسمي لذلك كل أخيذ أسيرًا وإن لم يشد به.
الفصل الأول
3960 -
[1](أبو هريرة) قوله: (عجب اللَّه من قوم) العجب صفة سمعية يلزم إثباتها مع نفي التشبيه وكمال التنزيه كما هو مذهب القوم في أمثالها، وقد أشار إلى ذلك مالك رضي الله عنه حيث قال في قوله تعالى:{الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]: الاستواء معلوم، والكيف غير معلوم، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وهذا هو المذهب عند الأوائل من السلف، وقيل: إطلاق أمثال هذه الصفات التي هي من قبيل الانفعالات كالرحمة والغضب ونحوهما باعتبار غاياتها، فغاية العجب بالشيء الرضا به واستعظام شأنه، فالمعنى عظّم اللَّه شان هؤلاء القوم ورضي بهم، وقيل: عجب هنا بكسر الجيم والتخفيف بمعنى عجب بالفتح والتشديد، فمعنى التعجب المنسوب إلى اللَّه تعالى فيه إظهار عجب هذا الأمر لخلقه لكونه بديم الشأن، وهو أن الجنة التي أخبر اللَّه سبحانه بما فيها من النعيم المقيم، والعيش الدائم، والخلود فيها من حكم من سمع به من ذوي العقول أن يسارع إليها، ويبذل مجهوده في الوصول إليها، ويحتمل المكاره والمشاق لينالها كما يدل عليه قوله تعالى:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ} الآية [البقرة: 214]، وهؤلاء يمتنعون من ذلك ويرغبون
(1)"الصراح"(ص: 159).
يُدْخَلُوْنَ الجنَّةَ فِي السَّلاسِل"، وفي روايةٍ: "يُقَادونَ إلى الجنَّةِ بالسَّلاسِل". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 3010].
3961 -
[2] وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم عَيْنٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَجَلَسَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ يَتَحَدَّثُ ثُمَّ انْفَتَلَ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"اطْلُبُوهُ وَاقْتُلُوهُ". فَقَتَلْتُهُ فَنَفَّلَنِي سَلَبَهُ. . . . .
ــ
عنها ويزهدون فيها حتى يقادون إليها بالسلاسل كما يقاد إلى المكروه الذي تنفر منه الطباع، وتألم منه الأبدان وتكرهه النفوس.
وقوله: (يدخلون) بلفظ المجهول، والمراد بالسلاسل ظاهرها، لما كانت حالهم كذلك، وقد يأول بما يرد عليهم من قتل الأنفس وسبي الأهل والأولاد وتخريب الديار وسائر ما يلجئهم إلى الدخول في الإسلام الذي هو سبب دخول الجنة.
وقال الشيخ ابن عطاء اللَّه الأسكندري الشاذلي في (كتاب الحكم): علم قلة نهوض العباد إلى معاملته فأوجب عليهم وجود طاعته، فساق إليها بسلاسل الإيجاب، عجب ربك بقوم يقادون إلى الجنة بالسلاسل.
وقال ابن زروق في (شرحه): إذا كان اللَّه غنيًا عنك فإيجابه عليك إيجاب لك في الحقيقة؛ لأنه إنما يطلبك بذلك لنفسك، وذلك كحال الصبي كيف يؤدب ويصرف عن استرساله على مقتضى طبعه وجبلته، ويلزم أمورًا شاقة عليها فيفعلها وهو كاره لذلك، والغرض إنما هو حصوله على منافعه التي هو جاهل منها، فإذا كبر وعقل عرف ذلك عيانًا.
3961 -
[2](أبو هريرة) قوله: (عين) أي: جاسوس.
وقوله: (ثم انفتل) أي: انصرف.
وقوله: (واقتلوه) فيه قتل الجاسوس من المشركين (فنفلني) أي: أعطاني،
مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 3051، 1754].
3962 -
[3] وَعَنْهُ قَالَ: غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَوَازِنَ، فَبَيْنَا نَحْنُ نَتَضَحَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذْ جَاءَ رَجُلٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ فَأَنَاخَهُ، وَجَعَلَ يَنْظُرُ، وَفِينَا ضَعْفَةٌ وَرِقَّةٌ مِنَ الظَّهْرِ، وَبَعْضُنَا مُشَاةٌ، إِذْ خَرَجَ يَشْتَدُّ فَأَتَى جَمَلَهُ، فَأَثَارَهُ فَاشْتَدَّ بِهِ الْجَمَلُ، فَخَرَجْتُ أَشْتَدُّ حَتَّى أَخَذْتُ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَأَنَخْتُهُ، ثُمَّ اخْتَرَطْتُ سَيْفِي فَضَرَبْتُ رَأْسَ الرَّجُلِ، ثُمَّ جِئْتُ بِالْجَمَلِ أَقَودُهُ وَعَلَيْهِ رَحْلُهُ وَسِلَاحُهُ،
ــ
والتنفيل أن يخص الأمير أحدًا من المقاتلين بما يزيد على سهمه. والمراد بالسلب محركًا: ثياب المقتول وسلاحه، سمي به لأنه يسلب عنه.
3962 -
[3](وعنه) قوله: (فبينا نحن نتضحى) أي: نأكل الطعام في وقت الضحى، في (القاموس) (1): ضحيته تضحية: أطعمته فيها، وقيل: معناه نصلي الضحى.
وقوله: (وفينا ضعفة) المشهور روايته بسكون العين على وزن جلسة بمعنى حالة ضعف، وروي بفتحها جمع ضعيف، ويروى بحذف التاء.
وقوله: (ورقة) بكسر الراء وتشديد القاف، أي: قلة، (من الظهر) أي: المراكب.
وقوله: (مشاة) بضم الميم جمع ماش.
وقوله: (يشتد) أي: يعدو (فأثاره) أي: أقامه، و (الخطام) بكسر الخاء المعجمة: الزمام، (ثم اخترطت سيفي) أي: سللته من غمده، (وعليه رحله) جملة حالية.
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1110).
فَاسْتَقْبَلَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالنَّاسُ فَقَالَ: "مَنْ قَتَلَ الرَّجُلَ؟ " قَالُوا: ابْنُ الأَكْوَعِ فَقَالَ: "لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 3043، 1769].
3963 -
[4] وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْم سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِليه، فَجَاءَ عَلَى حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ"، فَجَاءَ فَجَلَسَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ هَؤُلَاءَ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِكَ". قَالَ: فَإِنِّي أَحْكُمُ أَنْ تُقْتَلَ الْمُقَاتِلَةُ وَأَنْ تُسْبَى الذُّرِّيَّةُ. قَالَ: "لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بحُكْم المَلِكِ". وَفِي رِوَايَةٍ: "بِحُكْم اللَّهِ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ: 3804، م: 1769].
3964 -
[5] وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ. . . . .
ــ
3963 -
[4](أبو هريرة) قوله: (قوموا إلى سيدكم) وكان سعد بن معاذ سيد الأوس، وكان بنو قريظة حلفاءهم، وقد احتج به من قال بالقيام للداخل في المجلس، والتحقيق أنه لم يكن ذلك معتادًا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وقالوا: إنما كان هذا للإعانة على نزوله عن مركبه، فإنه رضي الله عنه كان مجروحًا في غزوة الخندق التي كانت هذه الوقعة بعدها، ويجوز أن يكون ذلك تمهيدًا وتوطئة لإطاعتهم له، وتنفيذ حكمه فيهم، وسيجيء الكلام في (باب القيام) من (كتاب الآداب)، والقصة مذكورة بطولها في كتب السير.
وقوله: (بحكم الملك) يروى بكسر اللام وفتحها، وعلى تقدير الفتح المراد جبرئيل أتى بحكم اللَّه، وفيه جواز التحكيم ولزوم حكمه.
3964 -
[5](أبو هريرة) قوله: (خيلًا) أي: جيشا، والضمير في (جاءت) للخيل، و (ثمامة) بضم المثلثة، و (أثال) بضم الهمزة وخفة مثلثة في آخره لام.
سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ:"مَاذَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ: عِنْدِي يَا مُحَمَّد خَيْرٌ إِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ، فَتَرَكَهُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَانَ الْغَدُ فَقَالَ لَهُ:"مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ المَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. . . . . .
ــ
وقوله: (فربطوه بسارية من سواري المسجد) فيه جواز ربط الأسير وحبسه في المسجد وإدخال الكافر فيه.
وقوله: (ماذا عندك؟ ) أي: كيف حالك أخبر أو ما ظنك عليّ؟
وقوله: (ذا دم) المشهور روايته بالدال المهملة، ومعناه تقتل رجلًا يستحق القتل، ففيه اعتذار واعتراف بجرمه، أو تقتل من لا يصير دمه هدرًا، ففيه ادعاء الرياسة وشرفه في قومه بأنه ليس ممن يبطل دمه بل يطلب ثأره، قال التُّورِبِشْتِي (1): وأرى الوجه الأول أوجه للمشاكلة التي بينه وبين قوله: (وإن تنعم تنعم على شاكر) وقد يروى في (سنن أبي داود) هذا الحرف (ذا ذمّ) بالذال المعجمة المكسورة، أي: ذا ذمام وحرمة في قومه ومن إذا عقد ذمة وفى بها.
وقوله: (وإن تنعم) من الإنعام.
وقوله: (عندي ما قلت لك: إن تنعم تنعم على شاكر) تقديمه ذكر الإنعام اليوم بناء على غلبة رجائه واستعطافه وإحساسه الرحمة من جانبه صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (حتى كان بعد الغد) اسم (كان) ضمير عائد إلى ما هو مذكور حكمًا،
(1)"كتاب الميسر"(3/ 906).
فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَانَ بَعْدَ الْغَدِ فَقَالَ لَهُ: "مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ؟ " فَقَالَ: عِنْدِي مَا قُلْتُ لَكَ؛ إِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ، وَإِنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ، وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْتَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ" فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَن مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، يَا مُحَمَّدُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضُ إِلَيَّ مِنْ وَجْهِكَ، فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُكَ أَحَبَّ الْوُجُوهِ كُلِّهَا إِلَيَّ، وَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ دِينٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ دِينِكَ فَأَصْبَحَ دِينُكَ أَحَبَّ الدِّينِ كُلِّهِ إِلَيَّ، وَوَاللَّهِ مَا كَانَ مِنْ بَلَدٍ أَبْغَضَ إِلَيَّ مِنْ بَلَدِكَ، فَأَصْبَحَ بَلَدُكَ أَحَبَّ الْبِلَادِ كُلِّهَا إِلَيَّ. وَإِنَّ خَيْلَكَ أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَمَاذَا تَرَى؟ فَبَشَّرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ، فَلَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ قَالَ لَهُ قَائِلٌ: أَصَبَوْتَ؟ . . . . .
ــ
أي: حتى كان ما هو عليه ثمامة كقولهم: إذا كان غدًا فأتني، أي: إذا كان ما نحن عليه غدًا، كذا قال الطيبي (1)، وذلك لأن بعد لازم الظرفية لا يصلح أن يكون فاعلًا لـ (كان) كالغد فيما سبق من قوله: حتى كان الغد، فافهم.
وقوله: (أطلقوا ثمامة) فيه جواز المنّ على الكافر وإطلاقه بغير مال.
وقوله: (أبغض) بالنصب على أنه خبر كان، وقد وجد في بعض النسخ بالرفع على أنه صفة وجه، وضعفه الطيبي (2) فتأمل.
وقوله: (أصبوت) مكتوب في النسخ بالواو وهو مهموز مذكور في
(1)"شرح الطيبي"(8/ 10).
(2)
"شرح الطيبي"(8/ 10).
فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَلَا وَاللَّهِ لَا يَأْتِيكُمْ مِنَ الْيَمَامَةِ حَبَّةُ حِنْطَةٍ حَتَّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاخْتَصَرَهُ البُخَارِيُّ. [خ: 4372، م: 1764].
3965 -
[6] وَعَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ: "لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا. . . . .
ــ
(القاموس)(1) في باب الهمزة، صبأ كمنع وكرم: صبئًا وصبوءًا: خرج من دين إلى دين آخر، وعليهم العدو: دلّهم، والظِّلف، والناب، والنجم: طلع، كأصبأ، والصابئون يزعمون أنهم على دين نوح عليه السلام، وقبلتهم من جهة الشمال عند منتصف النهار، انتهى. كان المشركون يسمون المسلمين صباة، قال في (مجمع البحار) (2): صباة كقضاة بجعل المهموز معتلًا، انتهى، وكان هذا وجه كتابة صبوت بالواو، واللَّه أعلم.
وقوله: (لا ولكني أسلمت) بناء على عدم الاعتداد بدين الكفار، وأنه ليس بدين حقيقة أو نهي عن هذا القول لكونه من أقوال الجاهلية أن الصبأ الخروج من دين حق إلى دين باطل، ولذلك كانوا يطلقون هذا اللفظ، فعلى هذا معنى قوله:(لا)، ظاهر.
وقوله: (مع رسول اللَّه) أشار به إلى مصاحبته معه صلى الله عليه وسلم ومداومته على دينه.
3965 -
[6](جبير بن مطعم) قوله: (وعن جبير بن مطعم) بن عدي بن نوفل ابن عبد مناف، سمع هذا الحديث من النبي صلى الله عليه وسلم وهو كافر، وحدث به وهو مسلم، والمطعم بن عدي كان له يد عند رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وذلك أنه أجاره مرجعه من الطائف
(1)"القاموس المحيط"(ص: 55).
(2)
"مجمع بحار الأنوار"(3/ 293).
ثُمَّ كَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ". رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 3139].
3966 -
[7] وَعَنْ أَنَسٍ: أَنَّ ثَمَانِينَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ هَبَطُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ جَبَلِ التَّنْعِيم مُتَسَلِّحِينَ، يُرِيدُونَ غِرَّةَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابِهِ، فَأخَذَهُمْ سَلْمًا. . . . .
ــ
وذب عنه، فأحب أن لو كان حيًّا لكافأه عليها لئلا يكون لمشرك عنده يد، ويحتمل أنه قال تأليفًا لأبيه على الإسلام.
و(النتنى) جمع نتن بكسر التاء كزمن وزمنى، وسماهم نتنى إما لكفرهم أو لأن المشار إليه أبدانهم، وفيه بيان حسن المكافأه، وعدم الاعتناء بهم وبقتلهم، وجواز إهانة المشركين بتوصيفهم بالنتن والنجاسة (1).
3966 -
[7](أنس) قوله: (هبطوا) وذلك عند قصد نزوله بالحديبية، و (التنعيم) مكان مشهور يحرم منه للعمر، يقول له العامة: العمرة.
وقوله: (يريدون غرة النبي صلى الله عليه وسلم) بكسر الغين وبتشديد الراء، أي: غفلته، من غره غرًا وغرورًا وغرة بالكسر: خدعه.
وقوله: (فأخذهم سلمًا) يروى بفتحتين وبفتح السين وكسرها مع سكون اللام، والأول يجيء بمعنى الاستسلام والأسر، والثاني بمعنى الصلح، ونقل الطيبي (2) عن ابن الأثير أنه قال: إن الأول أشبه بالقضية فإنهم لم يؤخذوا صلحًا، وإنما أخذوا قهرًا، وأسلموا أنفسهم عجزًا، وللمعنى الأخير وجه هو أنهم لما عجزوا ورضوا بالأسر فكأنهم صولحوا على ذلك.
(1) استدل بهذا الحديث على جواز المن كما هو مذهب الشافعي، وأجيب بأن للإمام أن يتركهم لمصلحة، كذا في "التقرير".
(2)
"شرح الطيبي"(8/ 12).
فَاسْتَحْيَاهُمْ -وَفِي رِوَايَةٍ: فَأَعْتَقَهُمْ- فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ} [الفتح: 24]. رَوَاهُ مُسْلِمٌ. [م: 1808].
3967 -
[8] وَعَنْ قَتَادَةَ قَالَ: ذَكَرَ لَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أَبِي طَلْحَةَ: أَنَّ نبيَّ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ يَوْمَ بَدْرٍ بِأَرْبَعَةٍ وَعِشْرِينَ رَجُلًا مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ، فَقُذِفُوا فِي طَوِيٍّ مِنْ أَطْوَاءِ بَدْرٍ. . . . .
ــ
وقوله: (فاستحياهم) أي: تركهم أحياء ولم يقتلهم كقوله تعالى: {وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ} [غافر: 25].
3967 -
[8](قتادة) قوله: (بأربعة وعشرين رجلًا) من السبعين الذين قتلوا من المشركين، وطرح باقي السبعين في موضع آخر.
وقوله: (من صناديد قريش) أي: عظمائهم ورؤسائهم من مشركي مكة لعنة اللَّه عليهم، والصناديد جمع صنديد، وهو والصندد كزبرج في الأصل بمعنى السيد الشجاع أو الحليم أو الجواد أو الشريف، والصنديد من الريح والبرد: الشديد، ومن الغيث: العظيم القطر أو الغالب.
وقوله: (فقذفوا) بلفظ المجهول من القذف، أي: طرحوا (في طوي) بفتح الطاء المهملة وكسر الواو وتشديد التحتانية فعيل بمعنى مفعول من الأسماء الغالبة، أي: ببئر مطوية مبنية بالحجارة، كذا في شروح البخاري، وقال التُّورِبِشْتِي (1): أو غيرها، قيل: إنما لم يدفنوا لأنه صلى الله عليه وسلم كره أن يشق على أصحابه لكثرة جيف الكفار أن يأمرهم بدفنهم، فكان جرهم إلى القليب أيسر عليهم، ويمكن أن يكون الحكمة فيه إهانة الكافرين وإذلالهم، وليكون عبرة للعالمين، ويكون ذلك بوحي من اللَّه، واللَّه أعلم.
(1)"كتاب الميسر"(3/ 908).
خَبِيثٍ مُخْبِثٍ، وَكَانَ إذَا ظهرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثَ لَيَالٍ، فَلَمَّا كَانَ بِبَدْرٍ الْيَوْمَ الثَّالِثَ، أَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ فَشُدَّ عَلَيْهَا رَحْلُهَا ثُمَّ مَشَى، وَاتَّبَعَهُ أَصْحَابُهُ حَتَّى قَامَ عَلَى شَفَةِ الرَّكِيِّ فَجَعَلَ يُنَادِيهِمْ بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ: . . . . .
ــ
وقوله: (خبيث مخبث) بكسر الباء، أي: فاسد مفسد، كذا قال الطيبي (1)، وقال القسطلاني (2): يقال: أخبث: إذا اتخذ أصحابًا خبثاء، وفي الحديث:(أعوذ بك من الخبيث المخبث) أي: الذي أعوانه خبثاء كما يقال: قوي مقو، أي: القوي في نفسه والمقوي الذي دابته قوية، كذا قال التُّورِبِشْتِي (3)، قال: ويحتمل أن يكون المخبث في حديث الدعاء: الذي يعلم الناس الخبث، وقيل: الذي ينسب الناس إلى الخبث، انتهى. وإنما وصف البئر بهذا لإلقاء تلك الجيف فيها، أو كانت موصوفة بها قبل ذلك يلقون فيها الجيف، واللَّه أعلم.
و(العرصة) بفتح العين وسكون الراء: كل موضع واسع لا بناء فيه، وأريد بها هناك المعترك لأنه يكون في غالب الأحوال صعيدًا أفيح.
وقوله: (واتبعه) بألف الوصل وتشديد الفوقية، وفي بعض النسخ: تبعه بكسر الباء بدون الألف.
وقوله: (حتى قام على شفة الركي) على وزن الطوي بمعنى البئر، وفي رواية أخرى للبخاري عن ابن عمر قال (4):(وقف النبي صلى الله عليه وسلم على قليب بدر الركي)، والقليب
(1)"شرح الطيبي"(8/ 13).
(2)
"إرشاد الساري"(6/ 253).
(3)
"كتاب الميسر"(3/ 908).
(4)
"صحيح البخاري"(3980).
"يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ! يَا فُلَانَ بْنَ فُلَانٍ! أَيَسُرُّكُمْ أَنَّكُمْ أَطَعْتُمُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ؟ فَإِنَّا قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا، فَهَلْ وَجَدتمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا؟ ". . . . .
ــ
بمعنى البئر مطلقًا، وقد يقال: القليب: البئر غير المبنية فيضاد الطوي، ووجه التوفيق أن اسم المقيد قد يطلق على المقيد كالمرسن والمشفر، فيراد بالطوي المذكور في أول الحديث البئر مطلقًا، فلا منافاة على أن عبارة (القاموس) (1): أو البئر العادية القديمة ليس نصًا في عدم البناء بل في القدم، وهو لا ينافي البناء، غايته أن يكون قديمًا منكسرًا، واللَّه أعلم، وقد يحتمل على أن الراوي لم يدر أن بينهما فرقًا، أو أن الصحابي حسب أن البئر كانت مطوية وكانت قليبًا، وهذا بعيد كما لا يخفى، وقيل: يحتمل أن بعضهم ألقوا في الطوي وبعضها في القليب، وهذا أيضًا لا يخلو عن بعد عن سياق الحديث.
وقوله: (يا فلان بن فلان، يا فلان بن فلان) بالتكرار اثنين، وفي بعض الروايات ثلاث، وفي بعض رواية:(يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة، ويا أمية بن خلف، ويا أبا جهل بن هشام)، وفي ذكر أمية بن خلف نظر؛ لأنه لم يكن في القليب لأنه كان ضخمًا فانتفخ في درعه، فألقوا عليه من الحجارة والتراب ما غيّبه، والظاهر أنه كان قريبًا من القليب، فنادى من نادى من رؤسائهم، كذا قال القسطلاني في (شرح صحيح البخاري)(2).
وقوله: (أيسركم أنكم أطعتم اللَّه ورسوله؟ . . . إلخ)، أي: هل تتمنون أن تكونوا مسلمين بعدما كشف عنكم الغطاء، ورأيتم من عذاب اللَّه تعالى ما رأيتم؟ وهو مضمون قوله:(فإنا وجدنا. . . إلخ)، وقيل: إطلاق المسرة هنا بطريق الاستهزاء كإطلاق البشارة في قوله تعالى: {فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [آل عمران: 21].
(1)"القاموس المحيط"(ص: 130).
(2)
"إرشاد الساري"(6/ 254).
فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا تُكَلِّمَ مِنْ أَجْسَادٍ لَا أَرْوَاحَ لَهَا؟ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ". وَفِي رِوَايَةٍ: "مَا أَنتُمْ بِأَسْمَعَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لَا يُجيبُونَ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. [خ. 1370].
وَزَادَ الْبُخَارِيُّ: قَالَ قتادَةُ: أَحْيَاهُمُ اللَّهُ حَتَّى أَسْمَعَهُمْ قَوْلَهُ تَوْبِيخًا وَتَصْغِيرًا وَنِقْمَةً وَحَسْرَةً وَنَدَمًا. [خ: 3976، م: 2875].
ــ
وقوله: (ما تكلم من أجساد لا أرواح لها) قيل: (ما) استفهامية، و (من) زائدة لما في الاستفهام الإنكاري من معنى النفي، وقيل: موصولة، و (من) بيانية والخبر محذوف، أي: وهو لا يسمعون كلامك، وقيل: الخبر قوله: (لا أرواح لها)، وقيل:(أو) زائدة على مذهب الأخفش، والخبر هو (أجساد)، والأول الأظهر، وقال ابن إسحاق: حدثني بعض أهل العلم أنه صلى الله عليه وسلم قال: (يا أهل القليب بئس العشيرة كنتم، كذبتموني وصدقني الناس، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول اللَّه كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ فقال: ما أنتم بأسمع منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا شيئًا).
وقوله: (ما أنتم بأسمع منهم) مدلول هذه العبارة بحسب العرف أنهم أسمع منكم، ولئن ننزل عن ذلك فلا أقل من المساواة.
وقوله: (قال قتادة) جوابًا عمن يستبعد وينكر سماع الموتى.
اعلم أن هذا الحديث المتفق على صحته صريح في ثبوت السماع للموتى، وحصول العلم لهم بما يخاطبون، وكذلك حديث مسلم (1):(إن الميت ليسمع قرع نعالهم إذا انصرفوا)، وما جاء في زيارته صلى الله عليه وسلم أهل البقيع والسلام عليهم، والخطاب معهم بقوله: (السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون، وإنا
(1)"صحيح مسلم"(2870).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إن شاء اللَّه بكم لاحقون)، فإن الخطاب مع من لا يسمع ولا يفهم مما لا يعقل وكاد يعد من العبث، وليس هذا مخصوصًا به صلى الله عليه وسلم بل هي سنة مستمرة لمن يزور القبور، وجاء في حديث الترمذي (1) أنه لما زارت عائشة قبر أخيها عبد الرحمن بن أبي بكر خاطبته وقالت: واللَّه لو حضرتك ما دفنت إلا حيث مت، ولو شهدتك ما زرتك، وقد ذكروا في توجيه قوله صلى الله عليه وسلم:(عليك السلام تحية الميت) أنه ليس المراد المنع من تحيته بالسلام عليك، بل المراد أنه لما لم يتوقع منه رد السلام استوى في حقه التقديم والتأخير، فيفهم منه أن السماع حاصل له لا الرد.
ونقل عن الشيخ ابن الهمام (2) في شرح (الهداية): أن أكثر المشايخ الحنفية على أن الميت لا يسمع، وقد صرحوا في (كتاب الأيمان): لو حلف لا يكلم فكلّم ميتًا لا يحنث، لأنها تنعقد على ما بحيث يفهم والميت ليس كذلك، وأجابوا عن حديث مسلم الناطق بسماع الميت قرع نعالهم بأنه مخصوص بأن الوضع في القبر مقدمة للسؤال وهو خلاف الظاهر، بل الظاهر أن هذه الحالة حاصلة له في القبر، ثم أجابوا عن هذا الحديث المذكور في الباب تارة بأن تلك خصوصية له صلى الله عليه وسلم معجزة وزيادة حسرة على الكافرين، ولا يخفى أن الحمل على ذلك مجرد احتمال وتأويل لا يذهب إليه حتى يقوم دليل على استحالة السماع، واللَّه تعالى قادر على ذلك، وسببية الحواس للإحساس والإدراك عادية كما تقرر في المذهب، وأخرى بأن ذلك من ضرب المثل، وليس المراد حقيقة الكلام، وهذا أبعد من الأول، ومبنى الأيمان على العرف لا الحقيقة، فافهم،
(1)"سنن الترمذي"(1055).
(2)
"فتح القدير"(2/ 104).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وأقوى وجوه تأويلهم أن هذا مردود من عائشة حيث قالت: كيف يقول ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم واللَّه تعالى يقول: {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]، كذا قال الشيخ ابن الهمام (1).
وفي (المواهب اللدنية)(2): تأولت عائشة وقالت: إنما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أنهم الآن ليعلمون أن الذي أقول لهم حق، ثم قرأت:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} [النمل: 80]، {وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ} [فاطر: 22]، ويعلم من (صحيح البخاري) أنها قالت: إنما قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (إنهم الآن ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق)، وشرحه القسطلاني بقوله: أي وهم ابن عمر فقال: (يسمعون) بدل (ليعلمون)، وبالجملة عائشة منكرة لسماع الموتى، ولرواية من روى ذلك مستدلًا بالآيتين، فإنهما تفيدان تحقيق عدم سماعهم، فإنه تعالى شبه الكفار بالموتى لإفادة بعد سماعهم، وهو فرع عدم سماع الموتى، ولكن العلماء أجابوا عن قول عائشة رضي الله عنها واستدلالها بالقرآن، ولم يتلقوا هذا القول منها بالقبول.
ونقل في (المواهب) عن الإسماعيلي أنه قال: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه أو استحالته، وكيف والجمع بين الذي أنكرته وأثبته غيرها ممكن لأن قوله تعالى:{إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} لا ينافي قوله صلى الله عليه وسلم: إنهم يسمعون، لأن الإسماع هو إبلاغ الصوت من المسمع في أذن السامع، فاللَّه تعالى هو الذي أبلغهم بأن أسمعهم صوت النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، انتهى.
(1)"فتح القدير"(2/ 104).
(2)
"المواهب اللدنية"(1/ 367 - 368).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد أجيب أيضًا بأن المراد بالموتى ومن في القبور هم الكفار مجازًا ومن غير نظر إلى حقيقة الكلام، والمراد بالسماع عدم إجابتهم للحق بدليل أن الآيتين نزلتا في دعاء الكفار إلى الإيمان وعدم إجابتهم لذلك، فافهم، وقد يقال: المراد بالموتى موتى القلوب، وبالقبور أجسادهم التي فيها تلك القلوب الميتة.
هذا وقد ذكر في (المواهب) أن من الغريب في (المغازي) لابن إسحاق رواية يونس بن بكر بإسناد جيد عن عائشة رضي الله عنها حديثًا مثل حديث أبي طلحة، وفيه: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، وأخرجه الإمام أحمد بإسناد حسن، فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن الإنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة لكونها لم تشهد القضية، وذكر في شرح (صحيح البخاري) مثل ذلك، انتهى.
وجاءت عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كنت أضع ثيابي في بيتي بعد وضع رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبي بكر فيه لأنه ما كان هناك إلا زوجي وأبي، فلما وضع عمر كنت أستر نفسي حياءً منه، أو كما قالت، وهل هذا إلا إثبات العلم والإدراك للميت.
وقد تمسك المثبتون للسماع بما ذكر من رواية البخاري من قوله: قال قتادة: أحياهم اللَّه تعالى حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة وندمًا، وحاصله يرجع إلى ما ثبت للموتى في القبور من الحياة، وذلك إما بإحيائهم وإعادة الروح إلى الجسد كله أو لبعضه بحيث يحصل به السماع والفهم كما تحصل اللذة والألم، ولا يذهب عليك أنه ليس في هذا القول تخصيصه بالنبي صلى الله عليه وسلم معجزة له ولا الاختصاص بهؤلاء، فاللَّه تعالى قادر على أن يخلق تلك الحالة في الأموات كلهم عند ندائهم من أيّ شخص كان، وفي أيّ زمان يكون، فتدبر، وباللَّه التوفيق.
ثم اعلم أنه قد ثبت من هذا سماع الموتى كلام الأحياء، ولئن نزلنا عن هذا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
فلا يلزم من نفي السماع نفي العلم؛ لأن السمع يكون بالحاسة التي في البدن، وقد خرب، أما العلم فيكون بالروح وهو باق، فبقي علمه الذي لا يكون بالقوى الجسمانية، فيكون علمه بالمسموعات والمبصرات لا على وجه الإبصار والسمع بخروج الشعاع وقرع الصوت كما أول بعض المتكلمين سمع اللَّه تعالى وبصره بالعلم بالمسموعات والمبصرات، وقد وردت الأخبار والآثار بعلم الموتى بأحوال الزائرين ومعرفتهم إياهم حتى ورد إن الزيارة يوم الجمعة أحب؛ لأنه يكون في هذا اليوم علم الميت أتم وأكمل، وأحوال الزائرين لهم أكشف وأظهر، وأيضًا لا شك في حصول العلم للموتى بأحوال الآخرة وحقيقة دين الإسلام، فيمكن أن يكون العلم بأحوال الدنيا وأهلها أيضًا ثابتًا، وبالدليل على زواله مع بقاء الروح.
وقد جاء في الحديث (1) أن الشهداء لما رأوا ما عند اللَّه لهم من النعمة والراحة قالوا له سبحانه: من يخبر إخواننا عن أحوالنا؟ فقال تعالى: أنا أخبرهم بذلك، فأنزل قوله:{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) فَرِحِينَ} الآية [آل عمران: 169 - 170]، وقد جاء أن القراء الذين قتلوا ببئر معونة قالوا: أخبروا إخواننا بأنا لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا، وكان هذا قرآنًا يقرأ ثم نسخ تلاوته.
وجاء في الحديث (2) أن الميت إذا فرغ من جواب الملكين بالخير فينوّر له في القبر، ويقال له: نم كنومة العروس، فيقول: أرجع إلى أهلي فأخبرهم، فعلم أن الموتى يثبت لهم العلم بالأهل والإخوان والأحباب، وقد ثبت بالقرآن تمني الكفار العود
(1) انظر: "سنن أبي داود"(2520).
(2)
انظر: "سنن الترمذي"(1071).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
إلى الدنيا والتحسر على إضلال أخلائهم إياهم كما قال: {لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا} [الفرقان: 28]، وإذا كان لهم علم بأصحابهم وأقرانهم يوم القيامة ففي البرزخ أولى وأقرب، وبالجملة الكتاب والسنة مملوءان بأخبار تدل على وجود العلم للموتى بالدنيا وأهلها، فلا مجال لإنكاره إلا لجاهلٍ بالأخبار أو منكرٍ للدين.
وأما الاستمداد بأهل القبور فقد أنكره بعض الفقهاء، فإن كان الإنكار من جهة أنه لا سماع لهم ولا علم ولا شعور بالزائر وأحواله فقد ثبت بطلانه، وإن كان بسبب أنه لا قدرة لهم ولا تصرف في ذلك الموطن حتى يمدوا بل هم محبوسون عن ذلك، ومشتغلون بما عرض لأنفسهم من المحنة ما شغلهم عمن عداهم فلا يرى ذلك كليًّا، خصوصًا في شأن المتقين الذين هم أولياء اللَّه تعالى، فيمكن أن يحصل لأرواحهم عند الرب تعالى من القرب في البرزخ والمنزلة والقدرة على الشفاعة والدعاء وطلب الحاجات لزائريهم المتوسلين بهم كما يحصل يوم القيامة، وما الدليل على نفي ذلك؟ وقد فسر البيضاوي (1) قوله تعالى:{وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا} إلى قوله: {فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا} [النازعات: 1 - 5] بصفات النفوس الفاضلة حال المفارقة فإنها تنزع عن الأبدان غرقًا أي: نزعًا شديدًا من إغراق النازع في القوس فتنشط إلى عالم الملكوت وتسبح فيه، فتسبق إلى حظاير القدس، فتصير لشرفها وقوتها من المدبرات، وما أدري ما المراد بالاستمداد والإمداد الذي ينفيه المنكر، والذي نفهمه نحن أن الداعي المحتاج الفقير إلى اللَّه يدعو اللَّه ويطلب حاجته من فضله تعالى، ويتوسل بروحانية هذا العبد المقرب المكرم عنده تعالى، ويقول: اللهم ببركة هذا العبد الذي رحمته وأكرمته وبما لك به من اللطف والكرم
(1)"تفسير البيضاوي"(2/ 564).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
اقض حاجتي وأعط سؤلي إنك أنت المعطي الكريم، أو ينادي هذا العبد المكرم المقرب عند اللَّه تعالى ويقول: يا عبد اللَّه ويا وليه اشفع لي وادع ربك وسله أن يعطيني سؤلي ويقضي حاجتي، فالمعطي والمسؤول عنه والمأمول به هو الرب تعالى وتقدس، وما العبد في البين إلا وسيلة، وليس القادر والفاعل والمتصرف إلا هو، وأولياء اللَّه هم الفانون الهالكون في فعله تعالى وقدرته وسطوته، لا فعل لهم ولا قدرة ولا تصرف لا الآن ولا حين كانوا أحياء في دار الدنيا، فإن صفتهم الفناء والاستهلاك ليس إلا، ولو كان هذا شركًا وتوجهًا إلى غير اللَّه كما يزعمه المنكر، فينبغي أن يمنع التوسل وطلب الدعاء من الصالحين من عباد اللَّه وأوليائه في حالة الحياة أيضًا، وليس ذلك مما يمنع فإنه مستحب مستحسن شائع في الدين، ولو زعم أنهم عزلوا وأخرجوا من الحالة والكرامة التي كانت لهم في الحياة فما الدليل عليه؟ أو شغلوا عن ذلك مما عرض لهم من الآفات بعد الممات فليس كليًّا، ولا دليل على دوامه واستمراره إلى يوم القيامة، غايته أنه لم تكن هذه المسألة كلية، وفائدة الاستمداد عامة، بل يمكن أن يكون بعض منهم منجذبًا إلى عالم القدس ومستهلكًا في حضرة الإله بحيث لا يكون له شعور وتوجه إلى عالم الدنيا وتصرف وتدبير فيه كما يوجد من اختلاف أحوال المجذوبين والمتمكنين من المشايخ في الدنيا.
وأما نفي ذلك مطلقًا وإنكاره كليًّا فكلا، ولا دليل على ذلك أصلًا، بل الدلائل قائمة على خلافه، نعم إن كان الزائرون يعتقدون أهل القبور متصرفين مستبدين قادرين من غير توجه إلى حضرة الحق والالتجاء إليها كما يعتقده العوام الجاهلون الغافلون، وكما يفعلون غير ذلك من تقبيل القبر، والسجود له، والصلاة إليه، مما وقع منه النهي والتحذير، وذلك مما يمنع ويحذر منه، وفعل العوام لا يعتبر قط، وهو خارج عن
3968 -
[9] وَعَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ: . . . . .
ــ
المبحث، وحاشا من العالم بالشريعة والعارف بأحكام الدين أن يعتقد ذلك ويفعل.
هذا وما ينقل عن المشايخ المكاشفين في الاستمداد من أرواح الكمل واستفادتهم منهم فخارج عن الحصر مذكور في كتبهم مشهور فيما بينهم لا حاجة إلى أن نذكرها، ولعل المنكر المتعصب لا تنفعه كلماتهم عافانا اللَّه من ذلك، نعم المروي في السنة في الزيارة السلام على الموتى والاستغفار لهم وقراءة القرآن، ولكن ليس فيها النهي عن الاستمداد، فتكون الزيارة للإمداد والاستمداد معًا على تفاوت حال الزائر والمزور.
ثم اعلم أن الخلاف إنما هو في غير الأنبياء فإنهم أحياء حقيقة بالحياة الدنياوية بالاتفاق صلوات اللَّه تعالى على نبينا وعليهم أجمعين، وإنما أطنبنا الكلام في هذا المقام رغمًا لأنف المنكرين، فإنه قد حدث في زماننا شرذمة ينكرون الاستمداد والاستعانة من الأولياء الذين نقلوا من هذه الدار الفانية إلى دار البقاء الذين هم أحياء عند ربهم، ولكنهم لا يشعرون، ويسمون المتوجهين إليهم مشركين باللَّه كعبدة الأصنام، ويقولون ما يقولون، وما لهم على ذلك من علم إن هم إلا يخرصون، وقديمًا كان يختلج في صدري أن أتكلم في هذا الشأن فتيسر لي ذلك الآن بفضل اللَّه وتوفيقه، والأمور مرهونة بأوقاتها كما قال: وسحاب الخير له مطر فإذا جاء الإبّان يجيء، ونسأل اللَّه العافية وهو أعلم وحكمه أحكم، اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه، واهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ولا الضَّالِّين، آمين.
3968 -
[9](مروان والمسور) قوله: (والمسور) بكسر الميم (ابن مخرمة) بفتح الميم وسكون الخاء المعجمة والراء.
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَامَ حِينَ جَاءَهُ وَفْدُ هَوَازِنَ مُسْلِمِينَ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يَرُدَّ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ، وَسَبْيَهُمْ فَقَالَ:"فَاخْتَارُوا إِحْدَى الطَّائِفتيْنِ: إِمَّا السَّبْيَ وَإِمَّا الْمَالَ" قَالُوا: فَإِنَّا نَخْتَارُ سَبْيَنَا. فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَثْنَى عَلَى اللَّهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ،
ــ
وقوله: (قام) أي: خطب، وفي رواية:(قال)، وعلى هذا يكون قوله فيما بعد:(فقال) بيانًا وتفصيلًا له كقوله: فقام على رواية قام.
وقوله: (حين جاءه) كذا في أكثر الأصول، وفي بعضها:(حين جاء) بدون الضمير.
وقوله: (وفد هوازن) اسم قبيلة، وغزوة هوازن تسمى غزوة حنين كانت بعد فتح مكة، وكانت الغنائم فيها من السبي والأموال أكثر من أن يحصى، وتفصيلها في كتب السير، والوفد: الرسول يجيء من قوم على عظيم وهو اسم جنس.
وقوله: (فاختاروا) الفاء فصيحة و (اختاروا) صيغة أمر.
وقوله: (إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال) قال في (القاموس)(1): الطائفة من الشيء: القطعة منه أو الواحد فصاعدًا أو إلى الألف أو أقلها رجلان أو رجل فيكون بمعنى النفس، انتهى.
قال (الطيبي)(2) الطائفة من الناس: جماعة منهم، ومن الشيء: قطعة منه، فجعل المال طائفة إما على المجاز أو على التغليب، انتهى، ولا شك أن الطائفة على ما ذكره اسم مشترك بين جماعة الناس وبين القطعة من الشيء من غير الناس فيكون معنى قوله:(إما على المجاز) الحمل على عموم المجاز، وأما التغليب فغير ظاهر لأنه إنما يكون
(1)"القاموس المحيط"(ص: 710).
(2)
"شرح الطيبي"(8/ 15).
ثُمَّ قَالَ: "أمَّا بعدُ! فإِنَّ إِخْوَانَكُمْ قَدْ جَاؤُوا تَائِبِينَ، وَإِنِّي قَدْ رَأَيْتُ أَنْ أَرُدَّ إِلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يُطَيِّبَ ذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ، وَمَن أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعطِيَه إِيَّاهُ منْ أوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ" فَقَالَ النَّاسُ: قد طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَن، فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إِلَيْنَا. . . . .
ــ
بإطلاق اسم أحد الصاحبين على الآخر الذي ليس هو اسمًا له، وهاهنا الطائفة اسم لكل من المعنيين، هذا ولو كان الطائفة -كما قيل- اسمًا للقطعة من الشيء أعم من أن يكون من الناس أو من غيرهم كما يقال: طائفة من الليل، وطائفة من النهار، وطائفة من النخل لم يحتج إلى ارتكاب المجاز والتغليب، فافهم، وأصله من الطوف بمعنى الحركة حول الشيء.
وقوله: (وإني قد رأيت) أتى بكلمة إن لتحقق رأيه وقطعه به حتى يختاروا ما اختاره صلى الله عليه وسلم.
وقوله: (أن يطيب) من التطييب، أي: يطيب على نفسه ذلك، أي: رد السبي وتسليمه إليهم.
وقوله: (فليفعل) أي: من غير أن يكون له عوض من ذلك.
وقوله: (على حظه) أي: نصيبه الذي أصابه من ذلك بأن يأخذ مني عوض ذلك بعد، وإنما استأذنهم صلى الله عليه وسلم ووعد عليه العوض، لأنه كان ملكًا للمجاهدين فلا بد من إذنهم.
وقوله: (حتى يرفع) صحح بالنصب كقوله: حتى نعطيه، فتكون (حتى) بمعنى كي أو بمعنى إلى، وقول الطيبي (1): الظاهر أن (حتى) هذه غير (حتى) السابقة لأن
(1)"شرح الطيبي"(8/ 16).
عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ". فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبوا وَأَذِنُوا. رَوَاهُ البُخَارِيُّ. [خ: 2307].
3969 -
[10] وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ: كَانَتْ ثَقِيفٌ حَلِيفًا لِبَنِي عُقَيْلٍ، فَأَسَرَتْ ثَقِيفٌ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم رَجُلًا مِنْ بَنِي عُقَيلٍ، فَأَوْثَقُوهُ فَطَرَحُوهُ فِي الْحَرَّةِ، فَمَرَّ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَاداهُ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فِيمَ أُخِذْتُ؟ قَالَ: "بِجَرِيرَةِ حُلَفَائِكُمْ ثَقِيفٍ" فتَرَكَهُ وَمَضَى، فَنَاداهُ: يَا مُحَمَّدُ! يَا مُحَمَّدُ! فَرَحِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَجَعَ فَقَالَ: "مَا شَأْنُكَ؟ ". . . . .
ــ
الأولى ما بعدها للمستقبل وهي بمعنى كي، وهذه ما بعدها في معنى الحال فيكون مرفوعًا، لا يخلو عن شيء؛ لأن الظاهر كون كليهما بمعنى، ومعنى الحال ليس بجيد كما لا يخفى، فافهم.
وقوله: (عرفاؤكم) فاعل يرفع و (أمركم) مفعوله.
3969 -
[10](عمران بن حصين) قوله: (ثقيف) كأمير قبيلة من هوازن، و (بنو عقيل) بضم العين أيضًا قبيلة.
وقوله: (فطرحوه في الحرة) وهي أرض خارج المدينة فيه حجارة سود، والمدينة بين الحرتين، ومنه وقعة الحرة وقعت في زمن يزيد بن معاوية، وذكرها كثير في الأحاديث.
وقوله: (فيم أخذت؟ ) بلفظ المجهول، و (الجريرة) الجريمة، وأخذهم بجريمة بني ثقيف لكونهم مشاركين لهم في العهد ونقضه، وقيل: فعل رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هذا الصنع على عادتهم وكان فيه مصلحة، وقيل: المعنى أخذت ليدفع بك جريرة حلفائك من ثقيف، ويدل عليه أنه فدى بعد بالرجلين اللذين أسرتهما ثقيف من المسلمين.