الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(24) كتاب الرؤيا
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
24 -
كتاب الرؤيا
الرؤيا في الأصل مصدر بمعنى الرؤية، سمي به ما يرى في المنام من الصور، في (القاموس) (1): الرؤيا: ما رأيته في منامك، وهو مقصور مهموز، وقد تبدل الهمزة بالواو، وقد اختلف العقلاء في تحقيق الرؤيا لإشكال يرد هنا، وهو أن النوم ضد الإدراك، فالذي يرى فيه ما هو، فذهب جمهور المتكلمين من الأشاعرة والمعتزلة إلى أنه خيال باطل.
أما عند المعتزلة فلفقد شرائط الإدراك حالة النوم من المقابلة، وانبثاث الشعاع، وتوسط الهواء الشفاف إلى غير ذلك، فما يراه النائم ليس من الإدراكات في شيء، بل هي من قبيل الخيالات الفاسدة والأوهام الباطلة.
وأما عند الأشاعرة إذ لم يشترطوا شيئًا من ذلك، فلأن الإدراك حالة النوم خلاف العادة، إذ لم يجر عادته تعالى بخلق الإدراك في الشخص وهو نائم، ولأن النوم ضد الإدراك فلا يجامعه، فلا تكون الرؤيا إدراكًا حقيقة، بل هي من قبيل الخيال الباطل، كذا في (المواقف) وشرحه.
(1)"القاموس المحيط"(ص: 1182).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
أقول: لعل مرادهم بكونه خيالًا فاسدًا أنه ليس بإدراك حقيقة، بل شيء مشابه به لا عدم الصحة والاعتبار بالتعبير أو بدونه؛ لأن صحة الرؤيا الصالحة وحقيقتها مجمع عليه عند أهل الحق، وقد نطق به الكتاب والسنة فكأنهم قالوا: إن الرؤيا ليس بإدراك حقيقة، بل هو خيال محض، ومع ذلك له تعبير واعتبار، وحينئذٍ كان الأصوب أن يقال: خيال محض أو نحوه مكان الفاسد أو الباطل.
وقال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني من الأشاعرة: إن رؤيا المنام إدراك حق بلا شبهة، إذ لا فرق بين ما يجده النائم من نفسه في نومه من أبصاره وسمعه وذوقه وغيرها من الإدراكات، وبين ما يجده اليقظان في يقظته من إدراكاته، فلو جاز التشكيك فيما يجده النائم لجاز التشكيك فيما يجده اليقظان، ولزم السفسطة والقدح في الأمور المعلومة بديهة، وقالوا: لم يخالف الأستاذ في كون النوم ضدًا للإدراك، لكنه زعم أن الإدراك يقوم بجزء من أجزاء الإنسان غير ما يقوم به النوم من أجزائه، فلا يلزم اجتماع الضدين في محل واحد، ولعل الأستاذ قال هذا بطريق المنع، ولهذا لم يعين الأجزاء التي يقوم بها النوم والتي يقوم بها الإدراك، والاحتمال كاف في ذلك.
وقال الطيبي (1): المذهب الحق أن حقيقة الرؤيا خلق اللَّه تعالى في قلب النائم علومًا وإدراكات كما في اليقظان، وهو تعالى قادر عليه، لا اليقظة موجب له، ولا النوم مانع عن ذلك الخلق، وخلق هذه الإدراكات في النائم علامة ودليل على أمور أخر تعرضه في ثاني الحال وهي تعبيرها كالسحاب دليل على وجود المطر، انتهى.
فعلى هذا الرؤيا إدراك حقيقة، وليس بين النوم والإدراك تضاد، وللحكماء تحقيق
(1)"شرح الطيبي"(8/ 339).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
للرؤيا موقوف على بيان الحواس الباطنة وحقائقها، وليس هذا الكتاب محل ذلك، والذي يمكن أن يقال مجملًا: إن في الإنسان قوة متصرفة من شأنها التركيب والتفصيل بين الصور والمعاني بعضها مع بعض، فإن استعملها العقل يسمى متفكرًا، وإن استعمل الوهم يسمى مخيلة، وهي في عملها دائمًا من غير انقطاع يقظة ومنامًا، وللنفس الناطقة الإنسانية اتصال معنوي روحاني بعالم الملكوت وصور جميع الكائنات أزلًا وأبدًا.
حاصله في الجواهر المجردة التي تسمى المبادئ العالية عندهم، وإذا حصل للنفس فراغ من الاشتغال بتدبير البدن وبما يتعلق بالعالم ارتسم فيها مما في المبادئ العالية من الصور مما يليق بها من أحوالها، وأحوال ما يقرب منها، ثم قد تليه القوة المتخيلة لما من شأنها المحاكاة والانتقال والتفصيل والتركيب صورًا قريبة أو بعيدة، تارة بالانتقال من النظير بعلاقة المماثلة، وتارة من ضد إلى ضد بعلاقة التضاد فيحتاج إلى التعبير، وقد لا يتصرف فيه المتخيلة فيؤديه كما هو بعينه، فيقع بلا حاجة إلى التعبير، وقد يرد على الحس المشترك صور من الخيال الذي هو خزانة صور المحسوسات مما ارتسم فيه في اليقظة، ولذلك من دام فكره في شيء يراه في منامه، وقد تحدث الصور من بعض الأمراض، فإن الدموي يرى في حلمه الأشياء الحمر، والصفراوي النيران، والأشقر والسوداوي الجبال والأدخنة، والبلغمي يرى المياه والألوان البيض، وهذان القسمان من قبيل أصغاث الأحلام لا يقعان ولا تعبير لهما، هذا تحقيق الفلاسفة للرؤيا، ولبعض الصوفية ممن يقول بعالم المثال تحقيق آخر مذكور في محله، وقد عمل في ذلك الولد الأعز نور الحق في هذه المسألة رسالة مفيدة جدًا، وأتى بما يوضح الحق، واللَّه أعلم.