الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المحتويات
الافتتاحية
منزلة الزكاة في الإسلام وبعض أحكامها لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ 7
الفتاوى
من فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ 27
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز 41
من فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ 65
من فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء 93
البحوث
واجبات الطواف للدكتور / عبد الله بن إبراهيم الزاحم 119
تاريخ الدعوة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه للدكتور / عبد الرحمن بن سليمان الخليفي 225
العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي ومعالم منهجه الأصولي للدكتور / عبد الرحمن بن عبد العزيز السديس 289
الإحسان: أهميته، أقسامه، ثمراته .. للدكتور / مسفر بن سعيد الغامدي 349
من قرارات هيئة كبار العلماء 379
بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء
عن نشرة مكذوبة حول عقوبة تارك الصلاة 381
صفحة فارغة
منزلة الزكاة في الإسلام وبعض أحكامها
لسماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وأشرف المرسلين، نبينا محمد بن عبد الله، وعلى آله وأصحابه وأتباعه إلى يوم الدين. أما بعد:
فإن الزكاة لها منزلة عظيمة ومكانة كبيرة في الإسلام، إذ هي الركن الثالث من أركان الإسلام بعد الشهادتين والصلاة، ولا أدل على أهميتها من أن الله قرنها في كتابه العزيز بالصلاة غالبا، وكذلك جمع النبي صلى الله عليه وسلم بينهما في أحاديث كثيرة. ومن رحمة الله بخلقه أن شرعها الله تزكية للمال وطهرة للمزكي ومراعاة لحاجة الفقراء ومصالح العباد. وقد اقتضت حكمة الله سبحانه أن ينعم على بعض عباده بالمال تفضلا ونعمة، فيشكر المؤمن هذه النعمة ويؤدي حقها بأداء الزكاة الواجبة عليه، فينال بذلك الثواب العظيم والدرجات العلى من الجنة. كما اقتضت حكمته سبحانه أن يبتلي بعض عباده بالفقر والحاجة والمصائب، فيصبر على بلائه ويرضى بقدره؛ فيلجأ إلى الله ويتضرع إليه وينيب إليه؛ فينال بذلك ثواب الصابرين ويجزيه على ذلك الأجر العظيم. ورحمة الله واسعة في السراء والضراء، قال الله تعالى {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ} (1)
(1) سورة الشورى الآية 27
وقد دلت الآيات والأحاديث الكثيرة على وجوبها وركنيتها، ومن ذلك قول الله تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ} (1)، وقوله تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ} (2) الآية، وقال تعالى:{وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (3).
ومن السنة ما ورد عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت (4)» متفق عليه، وما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما «أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن فقال:. . . ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض
(1) سورة البقرة الآية 43
(2)
سورة البينة الآية 5
(3)
سورة النور الآية 56
(4)
رواه البخاري في (الإيمان) باب بني الإسلام على خمس برقم 8، ومسلم في (الإيمان) باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام برقم 16.
عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم (1)» رواه البخاري. والآيات والأحاديث في وجوبها كثيرة.
ومن وجبت عليه الزكاة فامتنع عن أدائها عالما بوجوبها جاحدا لفرضيتها فهو مرتد كافر مخلد في النار والعياذ بالله، ويدل لذلك قول الله تعالى:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ} (2)، وقال تعالى:{وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} (3){الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ} (4)، وقال تعالى:{وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} (5){يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ} (6).
ومن السنة قوله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله (7)» متفق عليه.
(1) رواه البخاري في (الزكاة) باب أخذ الصدقة من الأغنياء وترد على الفقراء برقم 1496، ومسلم في (الإيمان) باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام برقم 19.
(2)
سورة التوبة الآية 11
(3)
سورة فصلت الآية 6
(4)
سورة فصلت الآية 7
(5)
سورة التوبة الآية 34
(6)
سورة التوبة الآية 35
(7)
رواه البخاري في (الإيمان) باب فإن تابوا وأقاموا الصلاة برقم 25، ومسلم (الإيمان) باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله برقم 22.
وما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم؛ فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله، إما إلى الجنة وإما إلى النار (1)» الحديث. ثم ذكر صاحب الإبل وصاحب البقر والغنم، وذكر أنه يعذب بها يوم القيامة، وهذا تهديد شديد، ووعيد عظيم يدل على أن مانع الزكاة على خطر عظيم، وأن ماله يكون شرا ووبالا عليه في الدنيا والآخرة.
وما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أيضا قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من آتاه الله مالا فلم يؤد زكاته مثل له ماله يوم القيامة شجاعا أقرع له زبيبتان يطوقه يوم القيامة ثم يأخذ بلهزمتيه - يعني بشدقيه - ثم يقول: أنا مالك، أنا كنزك، ثم تلا: (3)» . فكل مال لا تؤدى زكاته فهو كنز يعذب به صاحبه.
وقد حدث في عهد أبي بكر الصديق الخليفة الراشد الأول أن كفر بعض قبائل العرب، فامتنعوا عن أداء الزكاة، فعزم أبو بكر على
(1) رواه مسلم في (الزكاة) باب إثم مانع الزكاة برقم 987.
(2)
رواه البخاري في (الزكاة) باب إثم مانع الزكاة برقم (1403).
(3)
سورة آل عمران الآية 180 (2){وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْرًا لَهُمْ بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}
قتالهم، فقال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قالها فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله (1)» ، فقال أبو بكر رضي الله عنه:" والله، لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله، لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر رضي الله عنه: فوالله، ما هو إلا أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق " رواه الجماعة إلا ابن ماجه.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: رحم الله أبا بكر ما كان أفقهه.
أما من امتنع عن أداء الزكاة بخلا بها وتهاونا ولم يجحد وجوبها فإنه آثم، وقد ارتكب كبيرة من كبائر الذنوب، وعرض نفسه لعذاب الله وعقابه وسخطه، وتؤخذ منه الزكاة قهرا، كدين الآدمي، بل هي أولى منه؛ لأنها حق لله تعالى لا تبرأ الذمة إلا بأدائها ولو بعد الموت، فتخرج من تركته بالنية عن صاحبها، إذ الزكاة تشترط فيها النية عند دفعها. ويجب أن تكون نية الإنسان عند دفع زكاته خالصة لله وحده، لا لقصد الرياء أو السمعة، ولا ليحمي ماله بالزكاة، أو يجلب بها نفعا، ولا يحابي بها أحدا لأغراض دنيوية. كما يجب على المزكي أن يخرج زكاة ماله طيبة بها نفسه، من غير تضجر بها أو منة بها على الفقير، قال الله تعالى:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (2) الآية.
(1) رواه البخاري في (الزكاة) باب وجوب الزكاة برقم 1400.
(2)
سورة البقرة الآية 264
وعلى المزكي أن لا يخرج الرديء والخبيث في زكاته؛ قال الله تعالى: {وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَلَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلَّا أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ} (1)، وقال تعالى:{لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ} (2) الآية، وقال تعالى:{وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ} (3) الآية.
ومن توفر عنده مال تجب فيه الزكاة وعليه دين فلا يمنع الدين من وجوب الزكاة على الصحيح من قولي العلماء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرسل عماله لخرص الحبوب والثمار وجبايتها، ولم يقل: انظروا هل على أصحابها دين أم لا؟
ويشترط لوجوب الزكاة خمسة شروط:
الأول: الإسلام، فلا تجب على الكافر.
الثاني: الحرية، فلا تجب الزكاة على العبد؛ لأن ماله مال سيده، والسيد يزكي ما في يد عبده.
الثالث: ملك النصاب، وقد حددت السنة المطهرة مقدار نصاب كل مال من الأموال التي تجب فيها الزكاة، فلا زكاة فيما دون النصاب.
الرابع: الملك التام، بمعنى استقرار الملك، فلا تجب الزكاة في
(1) سورة البقرة الآية 267
(2)
سورة آل عمران الآية 92
(3)
سورة البقرة الآية 272
المال المسروق والمغصوب حتى يرجع إليه، ولا زكاة في المال الذي اشتراه ولم يتمكن من قبضه من البائع، ولا زكاة على السيد في مال المكاتبة؛ لأن المكاتب يملك تعجيز نفسه.
الخامس: مضي الحول، إلا في الخارج من الأرض؛ لحديث ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:«لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول (1)» أخرجه الترمذي وابن ماجه. أما الخارج من الأرض كالحبوب والثمار فتزكى وقت حصادها ولا يشترط لها مضي الحول؛ لقول الله تعالى: {وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (2).
والأموال التي تجب فيها الزكاة أربعة أصناف، هي:
الصنف الأول: سائمة بهيمة الأنعام، وهي الإبل والبقر والغنم، وهي التي ترعى الحول أو أكثره واتخذت للدر والنسل؛ فتجب فيها الزكاة إذا حال عليها الحول وبلغت نصابا، وقد بينت السنة المطهرة نصاب كل منها.
الصنف الثاني: الخارج من الأرض، وهي الحبوب والثمار، وتخرج منها الزكاة إذا تم حصادها وعلم كيلها؛ لقوله تعالى:{وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} (3) وقوله تعالى: {أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} (4) وتجب فيها الزكاة إذا
(1) رواه الإمام مالك في موطئه في (الزكاة) باب الزكاة في العين من الذهب والورق برقم 580.
(2)
سورة الأنعام الآية 141
(3)
سورة الأنعام الآية 141
(4)
سورة البقرة الآية 267
بلغت نصابا، ومقدار نصابها خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا، أي ثلاثمائة صاع بصاع النبي صلى الله عليه وسلم، ومقدار الصاع أربعة أمداد، كل مد ملء كفي الرجل المعتدل.
ويجب فيها العشر إذا سقيت بلا مؤونة ولا كلفة كالأمطار والأنهار والعيون الجارية ونحو ذلك، ونصف العشر إذا سقيت بمؤونة وكلفة كالسواني والمكائن الرافعة للماء، وإن كانت تسقى بهما جميعا ففيها ثلاثة أرباع العشر، وإن تفاوت السقي فبأكثرها نفعا ونموا، ومع الجهل بذلك يخرج منها العشر احتياطا.
والحبوب هي: البر والقمح والشعير والأرز والدخن والعدس والحمص، وسائر الحبوب ولو لم تكن قوتا. وأما الثمار فمثل: التمر والزبيب واللوز والفستق والبندق، وكل ثمر يكال ويدخر. فأما سائر الثمار التي لا تكال ولا تدخر، كالفواكه والخضروات والبقول، فلا تجب الزكاة فيها.
الصنف الثالث: النقدان، وهما الذهب والفضة. ونصاب الذهب عشرون مثقالا، ومقداره بالجنيهات السعودية أحد عشر جنيها وثلاثة أسباع الجنيه، أي اثنان وتسعون غراما. ونصاب الفضة مائة وأربعون مثقالا، وتقدر بالدراهم العربية السعودية بستة وخمسين ريالا عربيا (أي فضيا). فمن ملك منهما أو من أحدهما نصابا وحال عليه الحول وجبت فيه الزكاة ربع العشر.
والعملة الورقية التي يتعامل بها الناس اليوم كالريال السعودي والدينار والدرهم والدولار فهي في حكم الذهب والفضة، وإذا بلغت قيمتها نصاب الذهب أو الفضة وحال عليها الحول وجب فيها
الزكاة ربع العشر.
وأما حلي النساء المعتاد لبسه المعد للاستعمال والعارية فلا زكاة فيه على الصحيح من قولي العلماء؛ لأنه مرصد للاستعمال المباح، وليس للنماء والتجارة، والزكاة إنما شرعت في الأموال النامية. قال الإمام أحمد: خمسة من الصحابة رضي الله عنهم لا يرون في الحلي زكاة وهم: عبد الله بن عمر وعائشة وأسماء ابنتا أبي بكر الصديق وجابر بن عبد الله وأنس بن مالك رضي الله عنهم وغيرهم من جمهور العلماء. أما إن أعد للتجارة أو الإيجار فتجب فيه الزكاة إذا بلغ نصابا - كما سبق - وحال عليه الحول.
الصنف الرابع: عروض التجارة، وهي كل ما أعد للبيع والشراء من العقارات والسيارات والسلع، فإذا حال عليها الحول من نيتها للتجارة وبلغت قيمتها نصابا؛ فإن الزكاة تجب فيها، فتقوم عند تمام الحول، ويخرج ربع عشر قيمتها، ويدل لذلك ما رواه سمرة بن جندب رضي الله عنه قال:«إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا أن نخرج الصدقة مما نعده للبيع (1)» أخرجه أبو داود.
أما السيارات والعمارات المعدة للإيجار فلا زكاة في أصولها، وإنما يزكى ما تحصل من أجرتها إذا بلغت نصابا وحال عليها الحول من حين عقد الإيجار.
فيجب على كل مسلم ومسلمة أن يحرص على إحصاء أمواله إحصاء تبرأ به الذمة، وأن يحتاط في ذلك ويصرفها في مصارفها التي شرعها الله وذكرها في كتابه العزيز، فهو العليم بمصالح عباده وما يصلحهم، وهو العليم بمن يستحق الصدقة. وعلى الإنسان أن يتحرى
(1) سنن أبو داود الزكاة (1562).
وأن يتأكد ممن يبذل له زكاة ماله فيتفقد أحوال المحتاجين والضعفاء ويتحسس آلامهم وحاجاتهم فيبذل لهم زكاته حتى تقع زكاته في محلها وأهلها الذين ذكرهم الله في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ} (1).
فالله سبحانه العليم الحكيم الذي يضع الأشياء في مواضعها اللائقة بها حدد مصارف الزكاة في ثمانية أصناف لا يجوز صرفها لغيرهم، وهم:
الأول: الفقير، وهو من يجد أقل من نصف كفايته وهو أشد حاجة من المسكين؛ لأن الله بدأ به.
الثاني: المسكين، وهو من يجد نصف كفايته أو أكثرها ولا يجد كفايته كاملة.
الثالث: العاملون عليها، وهم الذين يوكلهم ولي الأمر لجباية الزكاة، ويدخل فيهم الكتاب والخراص والحفاظ، فإذا لم يعطوا من بيت المال، فإنهم يعطون أجرتهم من الزكاة.
الرابع: المؤلفة قلوبهم، وهم السادة والكبراء والرؤساء الذين يطاعون في أقوامهم ممن يرجى بعطيته إسلامه أو كف شره أو قوة إيمانه، أو يرجى بعطيتهم إسلام نظرائهم أو الدفاع عن المسلمين.
الخامس: وفي الرقاب، وهم العبيد المكاتبون الذي يشرون أنفسهم من سادتهم، ولا يجدون وفاء لفك رقابهم من الرق،
(1) سورة التوبة الآية 60
فيعطون ما يفك رقابهم. ويجوز أن يشرى من الزكاة أرقاء فيعتقون، ويدخل في ذلك فداء الأسير المسلم على الصحيح من أقوال العلماء؛ لما في ذلك من فك رقبته من الأسر.
السادس: الغارم، وهو من يتحمل دينا لإصلاح ذات البين من خصومة أو شحناء أو فتنة، أو يستدين دينا لحاجته وحاجة من يعول؛ فيعطى من الزكاة ما يفي دينه.
السابع: المجاهدون في سبيل الله الذين لا يصرف لهم شيء من بيت المال فيعطون ما يكفيهم من سلاح ومركب ونفقة لكف أذى أعداء الله عن المسلمين.
الثامن: ابن السبيل، وهو المسافر الغريب المنقطع في غير بلده إذا نفدت نفقته، أو فقدت بسرقة أو تلف، ويشق عليه أن يتزود من ماله الذي ببلده؛ فيعطى من الزكاة ما يسد حاجته إلى أن يصل بلده ولو كان غنيا في بلده.
ولا يجوز دفع الزكاة للكافر غير المؤلف؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، (1)» ولا يجوز دفعها لمن تلزم دافع الزكاة نفقتهم كالزوجة والأبوين وإن علوا والأولاد وإن سفلوا؛ لأن دفع الزكاة إذا دفعها إليهم أغناهم ذلك عن نفقته الواجبة عليه، فعاد نفع زكاته إليه، وذلك لا يجوز.
وأما الزوج فيجوز للزوجة أن تدفع زكاتها له على الصحيح من قولي العلماء؛ لأنها لا تلزمها نفقته؛ فجاز إعطاؤه من زكاتها. ويسن لدافع الزكاة أن يعطي أقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم ولا يعولهم من زكاته، بل هم أولى من غيرهم إذا كانوا من أهل الزكاة، فإن
(1) صحيح البخاري المغازي (4347)، صحيح مسلم الإيمان (19)، سنن الترمذي الزكاة (625)، سنن النسائي الزكاة (2435)، سنن أبو داود الزكاة (1584)، سنن ابن ماجه الزكاة (1783)، مسند أحمد بن حنبل (1/ 233)، سنن الدارمي الزكاة (1614).
الصدقة عليهم صدقة وصلة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «الصدقة على المسكين صدقة، وهي على ذي الرحم اثنتان: صدقة وصلة (1)» أخرجه الترمذي والنسائي وابن ماجه. وقوله صلى الله عليه وسلم: «إن أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح (2)» أخرجه الإمام أحمد في مسنده.
وبذلك يتبين أن الزكاة فيها خير عظيم ومصالح كثيرة للعباد. فمن آثارها الطيبة على آخذ الزكاة وعلى المجتمع: أنها تسد حاجة الفقراء والمحتاجين والضعفاء، وتعينهم على ما أوجب الله عليهم، وتخفف من همومهم، وتفرج كربتهم، وتدخل السرور عليهم وعلى من يعولون من أطفال وعجائز وشيوخ كبار ومرضى وأيتام، فيعيشون في سعادة وهدوء بال، وتصان كرامتهم، وتزول الفوارق الطبقية بينهم وبين الأغنياء أو تقل، وتقوى أواصر المحبة بينهم، فإن النفوس مجبولة على حب من أحسن إليها.
كما أن الزكاة تطهرهم من الحسد والبغضاء تجاه أصحاب الأموال، وبالتالي تقل جرائم السرقات والتخريب والقتل من أجل الاستيلاء على الأموال والحصول على لقمة العيش، وبذلك تصلح أحوال المجتمع الإسلامي، وتصلح حياة الناس الاجتماعية والاقتصادية؛
(1) رواه النسائي في (الزكاة) باب الصدقة على الأقارب برقم 2582، وابن ماجه في (الزكاة) باب فضل الصدقة برقم 1844.
(2)
رواه الإمام أحمد في (مسند الأنصار)، حديث أبي أيوب الأنصاري برقم 23019، والدارمي في (الزكاة) باب الصدقة على القرابة برقم 1679.
فيعيش جميع أفراد المجتمع حياة مستقرة تسود بين أفراده المحبة والأخوة الإسلامية والتعاون، ويتماسك المجتمع بتماسك أفراده ويصمد أمام أعدائه وأمام مشاكل الحياة.
ونصيحتي لكل مسلم ومسلمة يأخذ الزكاة: أن لا يأخذ منها أكثر من حاجته، وأن لا يتخذ المسألة وسيلة للاستكثار من الأموال، فيأخذ من الزكاة وهو ليس من أهلها. فقد ورد الوعيد الشديد والترهيب فيمن سأل الناس من دون حاجة، ومن ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس تكثرا، فإنما يسأل جمرا؛ فليستقل أو ليستكثر (1)» رواه مسلم وابن ماجه، وقال صلى الله عليه وسلم:«إن المسألة لا تحل لغني ولا لذي مرة سوي، إلا لذي فقر مدقع، أو غرم مفظع. ومن سأل الناس ليثري به ماله كان خموشا في وجهه يوم القيامة، ورضفا يأكله من جهنم، فمن شاء فليقلل ومن شاء فليكثر (2)» أخرجه الترمذي.
كما ينبغي لآخذ الزكاة أن يشكر الله على أن فرض له من الزكاة ما يكفيه هم الحاجة والفقر، ثم يشكر المعطي له من الزكاة ويدعو له ويثني عليه. فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يشكر
(1) رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة)، مسند أبي هريرة برقم 7123، ومسلم في (الزكاة) باب كراهه المسألة للناس برقم 1041.
(2)
رواه الترمذي في (الزكاة) باب ما جاء من لا تحل له الصدقة برقم 653.
الله من لا يشكر الناس (1)» أخرجه الإمام أحمد بهذا اللفظ، وأخرجه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن. ومن تمام الشكر لله تعالى أن لا يحتقر ما يعطى وإن قل، ولا يدعوه ذلك إلى ذم الناس أو سبهم؛ فالله سبحانه يقول:{مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ} (2). وعلى دافع الزكاة إذا ثبتت له حاجة الفقير والمسكين أن يعطيه ما يسد حاجته؛ فإنها حق فرضه الله لهم.
ونصيحتي لك يا أخي المسلم ويا أختي المسلمة، يا من أنعم الله عليه بالمال والغنى: أن تبرئ ذمتك مما وجب عليك، وأن تنقذ نفسك من النار؛ فتبادر بأداء الزكاة في وقتها دون تأخير، فتقي نفسك شر مالك ما دمت صحيحا، والمال في يدك، وأنت قادر على البذل والعطاء، وهي يسيرة على من يسرها الله عليه، فنسبة الزكاة بالنسبة للمال قليلة، بل هي سبب لنماء المال وبركته وتزكيته وتطهيره من الآفات وحمايته من الهلاك بإذن الله. قال الله تعالى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (3)، وقال تعالى:{وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ} (4)، وقال
(1) رواه الإمام أحمد في (مسند المكثرين من الصحابة) مسند أبي هريرة برقم 7879. وأبو داود في (الأدب) باب في شكر المعروف برقم 4811.
(2)
سورة التوبة الآية 91
(3)
سورة التوبة الآية 103
(4)
سورة سبأ الآية 39
تعالى: {فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى} (1){وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى} (2){فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى} (3){وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى} (4){وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى} (5){فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى} (6){وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى} (7)، وقال صلى الله عليه وسلم:«ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزا، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله عز وجل (8)» رواه الإمام مسلم والترمذي. كما أنها سبب لتوفيق الله ورضائه عن عبده وحبه له، فإن بذل الزكاة ابتغاء وجه الله دليل على إيمان دافعها وعلى حبه لله حيث آثر حب الله وامتثال أمره على حب المال والدنيا الفانية؛ فإن النفوس مجبولة على حب المال، كما أن أداءها سبب لنزول المطر وحلول البركات، ومنعها سبب للقحط ومنع المطر، وسبب لهلاك المال ومحق بركته وفساده، ويدل لذلك ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:. . . «ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا (9)» . . . الحديث، أخرجه ابن ماجه والبزار والبيهقي وغيرهم. والحديث له شواهد تقويه، كما أن أداء الزكاة سبب للقضاء على الربا أو تقليله، حيث إن منع الزكاة أو بخس بعضها تجعل المحتاج والفقير يضطر إلى الارتماء
(1) سورة الليل الآية 5
(2)
سورة الليل الآية 6
(3)
سورة الليل الآية 7
(4)
سورة الليل الآية 8
(5)
سورة الليل الآية 9
(6)
سورة الليل الآية 10
(7)
سورة الليل الآية 11
(8)
رواه مسلم في (البر والصلة والآداب) باب استحباب العفو والتواضع برقم 2588.
(9)
رواه ابن ماجه في (الفتن)، باب العقوبات برقم 4019.
في أحضان المرابين.
فيحسن بك أخي المسلم أن تكون معول بناء وإصلاح في مجتمعك لا معول هدم وإفساد في الأرض، وحري بك أن تطهر نفسك من البخل والشح، وأن تدرب نفسك على خلق البذل والسخاء والكرم والعطف على المساكين والرحمة بهم؛ فتؤدي حق الله في ماله الذي وهبه لك ورزقك إياه، فالمال في الحقيقة مال الله جعله وديعة عندك واستخلفك فيه اختبارا وامتحانا منه، وعليك أن تتحرى الأيام الفاضلة كشهر رمضان؛ فتؤدي زكاتك فيها، فإن الأعمال الصالحة تضاعف فيه، وذلك بشرط أن لا يترتب على ذلك تأخير دفع الزكاة عن وقت وجوبها، ولا مانع من تقديم الزكاة مسارعة لامتثال أمر الله واغتناما لمواسم الخيرات، وحري بك أخي المسلم، أن تحمد الله وتشكره على أن جعلك صاحب يد عليا تنفق وتعطي وتجود على عباده وتحسن إليهم، ولم يجعلك في موقف المحتاج الذليل الآخذ للزكاة. ومن شكره سبحانه أداء ما وجب عليك من الزكاة وغيرها، وترك ما نهاك عنه. قال صلى الله عليه وسلم:«اليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله (1)» متفق عليه.
(1) رواه البخاري في (الزكاة) باب لا صدقة إلا عن ظهر غنى برقم 1428، ومسلم في (الزكاة) باب اليد العليا خير من اليد السفلى برقم 1034.
وعليك أخي المسلم أن تقابل إحسان الله عليك وجوده وكرمه بالجود والإحسان على الفقراء والمساكين والمحتاجين، ولا يقف إحسانك على بذل الزكاة الواجبة، بل تسابق إلى نوافل الطاعات، فتتصدق من مالك صدقة التطوع؛ فإنها سبب للنجاة والفلاح في الدنيا والآخرة، كما أنها تقي مصارع السوء وتدفع ميتة السوء، وتطفئ غضب الرب سبحانه، ويظل الله صاحبها في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وسببا لمضاعفة الحسنات، قال الله تعالى:{مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} (1).
وقال صلى الله عليه وسلم:. . . «الصوم جنة، والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار (2)» أخرجه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. وقال صلى الله عليه وسلم: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر (3)» رواه الطبراني في الكبير بإسناد حسن. وعن أبي ذر رضي الله عنه قال: «انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة، فلما رآني قال: هم الأخسرون ورب الكعبة فقلت: فداك أبي وأمي، من هم؟ قال: هم الأكثرون أموالا إلا من قال هكذا وهكذا من بين يديه ومن
(1) سورة البقرة الآية 245
(2)
رواه الترمذي في (الجمعة) باب ما ذكر في فضل الصلاة برقم 614.
(3)
رواه الطبراني في (الفتح الكبير) حرف الصاد باب صنائع المعروف تقي مصارع السوء برقم 7266.
خلفه، وعن يمينه وشماله وقليل ما هم (1)» متفق عليه.
وختاما أسأل الله سبحانه أن يوفقني وسائر المسلمين للعمل بما يرضيه، وأن يرزقنا التنافس في الأعمال الصالحة، وأن يجعل ما من الله علينا به من نعمة المال وسيلة إلى عز الإسلام والمسلمين وبلاغا إلى رضا الله وجنته، كما أسأله أن يثبتنا على الحق وأن يتقبل منا صالح أعمالنا، كما أسأله سبحانه أن يصلح ولاة أمور المسلمين جميعا، وأن يصلح لهم البطانة، وأن يوفقهم للعمل بكتابه وتطبيق سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يمتع خادم الحرمين الشريفين بالصحة والعافية ويطيل في عمره ويحسن عمله. إنه سميع قريب مجيب.
(1) رواه البخاري في (الأيمان والنذور) باب كيف كانت يمين النبي صلى الله عليه وسلم برقم 6638، ومسلم في (الزكاة) باب تغليظ عقوبة من لا يؤدي الزكاة برقم 990.