الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ولا تنفع، ولا تبصر ولا تسمع، ومعنى ذلك أن مجرد ذكر الأصنام كفيل بأن ينفر الناس ممن يدعو إليها.
إن الدعوة الأولى قد أحدثت في الناس يقظة عقلية وصحوة ذهنية وجهت كل نواحي الحياة إلى الوجهة الصحيحة.
الفرع الثاني: موقف الصحابة الكرام رضي الله عنهم من هذه الفتنة:
لقد رأى بعض الصحابة الكرام رضي الله عنهم قبول الصلاة من مانعي الزكاة والسكوت عن منعهم إياها؛ لأنهم سيؤدونها عندما يتقوى الإيمان في قلوبهم مرة أخرى، فقالوا لأبي بكر رضي الله عنه: اتركهم وما هم عليه من منع الزكاة، واقبل منهم الصلاة وتألفهم حتى يتمكن الإيمان في قلوبهم، وبعد ذلك سيدفعون الزكاة (1).
وقد كانت حجة مانعي الزكاة قولهم: إن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بقوله: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} (2) فقالوا: إنما ندفع الزكاة لمن صلاته سكن لنا (3).
(1) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، ج5، مصدر سابق، ص 279.
(2)
سورة التوبة الآية 103
(3)
انظر: البداية والنهاية، ابن كثير ج6، مصدر سابق، ص 311.
هكذا كان رأي جمع من الصحابة الكرام، فما رأي الخليفة الراشد الصديق رضي الله عنه؟
لقد وقف الصديق رضي الله عنه أمام تلك الفتنة موقفا عظيما، كان له أثر في حماية الدعوة من أن ينالها ضرر أو نقص، فقال كلمة تنم عن روح عالية تريد نصرة هذه الدعوة، فقال:(أوينقص الدين وأنا حي؟! والله لو منعوني عناقا- أو عقالا- كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعه. إن الزكاة حق المال. والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلنهم وحدي ما استمسك السيف بيدي).
فجاء عمر إلى الصديق رضي الله عنهما ليحاوره ففال: علام نقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها؟.
فقال الصديق: حتى أنت يا عمر، أجبار في الجاهلية خوار في الإسلام؟ فقال له مثلما تقدم.
قال عمر: فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق (1)».
(1) رواه الإمام البخاري، انظر: الفتح، ابن حجر، ج 12، ط [مصر: المكتبة السلفية]، ص 275
لقد كان الصواب مع أبي بكر، ولهذا شرح الله صدر عمر وباقي الصحابة الكرام للحق الذي مع أبي بكر فوافقوه على قتال مانعي الزكاة ولو لم يكونوا من المرتدين بالكلية؛ لأن الله تعالى يقول:{فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ} (1)، وقال الرسول صلى الله عليه وسلم:«بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحج البيت، وصوم رمضان (2)» .
بعد ذلك كتب الصديق رضي الله عنه رسالة إلى عامة المسلمين قال فيها:
(بسم الله الرحمن الرحيم. من أبي بكر خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى من بلغه كتابي هذا، من عامة وخاصة، أقام على إسلامه أو رجع عنه. سلام على من اتبع الهدى ولم يرجع بعد الهدى إلى الضلالة والهوى، فإني أحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، نقر بما جاء به، ونكفر من أبى ذلك ونجاهده، أما بعد:
فإن الله أرسل بالحق من عنده إلى خلقه بشيرا ونذيرا، وداعيا إلى الله وسراجا منيرا؛ لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، فهدى الله بالحق من أجاب إليه، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم من أدبر عنه، حتى صار إلى الإسلام طوعا أو كرها، ثم توفى الله
(1) سورة التوبة الآية 5
(2)
صحيح البخاري الإيمان (8)، صحيح مسلم الإيمان (16)، سنن الترمذي الإيمان (2609)، سنن النسائي الإيمان وشرائعه (5001)، مسند أحمد بن حنبل (2/ 93).
رسوله، وقد نفذ لأمر الله، ونصح لأمته، وقضى الذي عليه، وكان الله قد بين له ذلك ولأهل الإسلام في الكتاب الذي أنزل، فقال:{إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ} (1)، وقال:{وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ} (2)، وقال للمؤمنين:{وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ} (3)، فمن كان إنما يعبد محمدا فإن محمدا قد مات، ومن كان إنما يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ولا تأخذه سنة ولا نوم، حافظ لأمره، منتقم من عدوه، وإني أوصيكم بتقوى الله وحظكم ونصيبكم ما جاءكم به نبيكم صلى الله عليه وسلم وأن تهتدوا بهداه وأن تعتصموا بدين الله، فإن كل من لم يهده الله ضال، وكل من لم يعنه الله مخذول، ومن هداه غير الله كان ضالا، قال الله تعالى:{مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} (4)، ولن يقبل منه في الدنيا عمل حتى يقر به، ولم يقبل له في الآخرة صرف ولا عدل.
وقد بلغني رجوع من رجع منكم عن دينه بعد أن أقر بالإسلام وعمل به، اغترارا بالله، وجهلا بأمره بالإسلام، وإجابة للشيطان، قال الله تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا} (5)،
(1) سورة الزمر الآية 30
(2)
سورة الأنبياء الآية 34
(3)
سورة آل عمران الآية 144
(4)
سورة الكهف الآية 17
(5)
سورة الكهف الآية 50