الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وكذلك موقف الفاروق رضي الله عنه الذي بادر إلى قطع الخصومة وسكن ثائرة الفتنة وسد ذريعتها بترشيح الصديق رضي الله عنه قائلا: " أيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ".
إن الفتن إذا دخلت المجتمع المسلم فإن لها خطورة عظيمة وآثارا شنيعة على العامة والخاصة، ولكنها على العامة أكبر، كما سنرى في فتنة الردة وكيف أن أهل الجزيرة قد ارتدوا ولم يبق إلا أهل المسجدين ومن جاورهما، بل حمل الناس السلاح على ولي الأمر والخليفة الصديق رضي الله عنه.
ولكن الصديق رضي الله عنه استطاع بفضل الله تعالى أن يقضي على هذه الفتنة في الجزيرة كلها بسنة واحدة فقط، فيجدر بالدعاة اليوم أن يتحسسوا مواطن الفتن ويوصدوا الأبواب أمامها؛ لئلا تدخل المجتمع المسلم فتفسده وتذهب ريحه.
المبحث الثاني: الأعمال التي قام بها الصديق رضي الله عنه لحفظ الدعوة ونشرها زمن خلافته:
المطلب الأول: اهتمام الصديق رضي الله عنه بالدعوة حال توليه الخلافة:
إن الغاية الأساسية للدعوة هي أن يتحول الناس من الظلمات إلى النور، ومن العمى إلى الهدى، وذلك بدلالتهم إلى الإيمان الكامل بالله وحده لا شريك له وعبادته العبادة الصحيحة.
أو هي انقياد الخلق للحق، ودخولهم في الدين الحق، وذلك
بمعرفة ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم والوقوف التام على حقائق الدين.
قال الله تعالى: {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} (1)، وقال جل وعلا:{هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ} (2).
ولقد أدرك أبو بكر الصديق رضي الله عنه هذه الغاية إدراكا كاملا، فانطلق بدعوته من منطلق هذه الغاية العظيمة، إذ كان أول ما بدأ به الصديق رضي الله عنه خلافته خطبة عظيمة، عرض فيها الأمور المهمة التي يريد أن يتمها في عهده، فقال: (أما بعد: أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني. الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف منكم قوي عندي حتى أزيح علته وآخذ الحق له إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم بالذل، ولا يشيع قوم الفاحشة فيهم إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله
(1) سورة إبراهيم الآية 1
(2)
سورة الحديد الآية 9
ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله فلا طاعة لي عليكم).
إن هذه الخطبة تبين ما كان عليه الصديق رضي الله عنه من كريم خلق وبعد نظر، فهو يوضح لرعيته أن هذا الاختيار الذي تمت على ضوئه البيعة لم يغير في نفسه شيئا؛ لأنه ينظر إليها بعد البيعة كما ينظر إليها قبل البيعة، وذلك هو المبدأ الأول الذي من خلاله يتعامل مع الناس.
ثم عرض لهم المبدأ الآخر وهو المسؤولية المنوطة به تجاه الدعوة ونصرتها ويطلب من سائر المسلمين- بلا استثناء- إعانته على تحمل هذه المسؤولية الجسيمة أو تقويمه عند خطأ يرتكبه؛ لأن أثر الخطأ في هذا ليس عليه وحده، بل على الأمة والدعوة.
ثم عرض بعد ذلك موقفه من الجهاد في سبيل نشر الدعوة إلى الإسلام، وأن الأمة إذا خذلت الدعوة فتركت الجهاد فإنها ستكون أهلا للخذلان من الله تعالى، وأن يضربها الله بالذل والهوان، فتصير أمة ذليلة حقيرة، ولذا فإنه سيحافظ على كرامة هذه الأمة بأن لا يقف الجهاد، وألا يتخاذل عنه المسلمون مهما تكن الأسباب.
ثم حذر مجتمعه الذي تولى شؤونه من ارتكاب الفواحش؛ ليسلم ذلك المجتمع من البلاء الذي ينزله الله تعالى عليهم ببعض ما كسبوا.
وأخيرا ختم خطبته بالتأكيد مرة ثانية على مناصرته في تحمل مسؤوليات الدعوة، طالبا من أفراد المجتمع طاعته ما دام أنه في سبيل الله مطيعا لله ورسوله، فإن أخل بهذه الشروط- وحاشا الصديق أن يتعمد ذلك- فإن لمجتمعه أن يرفضوا طاعته فيما أخل به، وإلا فالبيعة باقية لا تخلع ما دامت المعصية ليست كفرا بواحا.
(لقد اختار الله للمسلمين الخير، عندما ألهمهم انتخاب أبي بكر الصديق رضي الله عنه خليفة لهم.
وقد كان أمام أبي بكر واجب كبير، ومهمة عظيمة في تثبيت أركان دولة الخلافة، وحل المشكلات الطارئة الخطيرة التي نتجت عن وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد وفق الله أبا بكر للرأي الصواب في كل ما واجهه من الأمور والأحداث والمشكلات، ولقد ووجه بمساومات وإغراءات وعروض عجيبة من قبل المخالفين والمرتدين والخارجين؛ ليكفوا عنه وعن المسلمين، ومال بعض الصحابة حوله إلى قبول تلك العروض والمساومات ريثما يتقوى المسلمون.
ولكن الله ألهم أبا بكر رضي الله عنه رفض تلك العروض والمساومات، وعدم القيام بتنازلات، والثبات الوثيق على الكتاب