الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
على الإكثار من المسائل الفقهية، وعمدوا إلى الشرح والإيضاح، وتحرروا من التعصب والتقليد، فجاء منهجهم سليما مشوقا مفيدا، تألفه العقول المنصفة، وتستريح له الأفكار السليمة، لما يكسبها من وصول إلى غاية مقصودة، وخروج بثمرة منشودة، ويعتمد صاحبها على الأدلة النقلية الصحيحة، والحجج العقلية السليمة، التي تمنح الاستقلال في الحكم وتفتح الباب للقارئ اللبيب، للبحث والتنقيب، وتيسر تطبيق القواعد الأصولية على ما جد ويجد من قضايا الأمم في مختلف الأمكنة والأزمنة. وقد استفاد شيخنا الشيخ عبد الرزاق رحمه الله من هذا المنهج كثيرا.
على أن ذلك ليس غضا من مسيرة المنهجين الأولين وأصحابهما، اللذين أكسبا ويكسبان فهم هذا العلم على أصوله ويرسخان في ذهن القارئ الخطوط العريضة للمنهج السليم في هذا الفن، وحيث امتازت بالتقعيد والتأصيل الدقيق، والأسلوب الرصين، والتحرير الأوفق، ولا غرو فهم بفنهم أعرف، وبعلمهم أعمق، وقد ساروا في مناقشاتهم على قواعد الجدل، وأصول النقد، والمناظرة المعروفة.
ولم يكن شيخنا رحمه الله بمعزل عن التأثر بإيجابيات هذين المنهجين، غير أنه تميز بمنهج أسلم تتبين معالمه والنماذج عليه في الفصل القادم إن شاء الله.
الفصل الثاني: معالم منهج الشيخ عبد الرزاق الأصولي:
بعد أن عرفنا في المبحث السابق مناهج الأصوليين وطريقتهم في عرض مسائل الأصول والتأليف فيه، فإننا نأتي الآن إلى معرفة
منهج شيخنا الشيخ عبد الرازق لنتمكن من الربط ومعرفة الفرق بين منهج الأصوليين ومنهج الشيخ رحمه الله. ومع استفادة الشيخ رحمه الله من مناهج من سبقه إلا أنه تميز بعدد من المعالم التي تميز منهجه رحمه الله.
وقبل أن أذكر هذه المعالم تفصيلا أذكر منهجه إجمالا كما ذكره هو رحمه الله في مقدمة تعليقه على كتاب الأحكام، فقد تحدث في مقدمته عن علم الأصول وأهميته ومناهج العلماء فيه، وأثنى على كتب المحققين منهم، ودعا إلى الاستفادة من طريقهم لسلامة عقيدتهم، وحرصهم على النصوص، وسلوكهم مسلك الإيضاح والبيان والاختصار، وبعدهم عن الجدل وعلم الكلام، وعنايتهم باللغة العربية وكثرة الأمثلة والتفريع. . . إلى آخر ما ذكره رحمه الله عن منهجهم الذي سار عليه، ثم بين عمله في الكتاب بعد أن أثنى على كتاب الآمدي وعلو أسلوبه ووضوح عبارته، فقال:" لذا اقتصرت على نقد دليل، أو التنبيه على خطأ في رأي، أو تأويل نص، أو بيان ضعف حديث، أو تصحيح لتحريف في الأصول التي طبع عليها قدر الطاقة مع الإيجاز ولم أستقص في ذلك. . . ".
ومما يرسم منهجه إجمالا قوله أيضا بعدما ذكر مناهج
الأصوليين: " وأسعدهم بالحق من كان نزعته إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ووسعه ما وسع السلف مع رعاية ما ثبت من مقاصد الشريعة باستقراء نصوصها، فكلما كان العالم أرعى لذلك وألزم له كان أقوم طريقا وأهدى سبيلا. . . "(1).
ومن قرأ مقدمته رحمه الله يجد ملامح ومعالم منهجه مجملة، لذلك فسأفصل القول فيما أجمله عن طريق وضع معالم رئيسة مدعمة بالنماذج الحية على ما رسمه رحمه الله.
(1) ح من المقدمة وترجمته للمؤلف
المبحث الأول: المعلم الأول: اهتمامه رحمه الله بإبراز عقيدة السلف ونقده ما يخالفها: وهذا هو المعلم المهم والرئيس في منهج الشيخ رحمه الله، فمن المعلوم أن مناهج الأصوليين قد تأثرت بعلم الكلام، واستقت من بعض المناهج العقدية المخالفة لمنهج السلف في العقيدة لا سيما المعتزلة والأشاعرة.
لذا كان الشيخ رحمه الله مهتما بإبراز عقيدة السلف في المسائل الأصولية علاقة بالعقيدة، ولما كان سيف الدين الآمدي رحمه الله علما في مذهب الأشاعرة تعقبه الشيخ رحمه الله في مواضع كثيرة، أذكر منها نماذج تثبت أهمية هذا المعلم في منهج الشيخ رحمه الله.
النموذج الأول:
عند كلام الآمدي عن العلم وانقسامه إلى قديم وحادث، وجعله علم الله تعالى من القديم (1)، عقب الشيخ رحمه الله بقوله:" وصف علم الله أو غيره من صفاته بالقدم لم يرد في نصوص الشرع، وهو يوهم نقصا "(2).
ويزيد الشيخ رحمه الله هذه القضية جلاء في تعليق له على إطلاق الآمدي اسم القديم على الله سبحانه، فيقول الشيخ رحمه الله ما نصه: " أسماء الله وصفاته توقيفية ولم يرد في كتابه سبحانه ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم تسميته بالقديم ولا إضافة القدم إليه أو إلى صفة من
(1) 1/ 12 من الإحكام.
(2)
تعليق رقم 1، 2 من 1/ 12.
صفاته سبحانه، فيجب ألا يسمى سبحانه بذلك وألا يضاف إليه، وخاصة أن القدم يطلق على ما يذم كالبلى وطول الزمن وامتداده في الماضي، وإن كان لمن اتصف به ابتداء في الوجود " اهـ.
النموذج الثاني:
وفي مبحث آخر في الأسماء واشتقاقها من الصفات رد الآمدي على المعتزلة الذين جوزوا اشتقاق اسم المتكلم لله تعالى من كلام مخلوق له غير قائم بذاته، وأحال القارئ إلى بعض كتب الأشاعرة في التماس ذلك (1)، فعلق الشيخ رحمه الله بقوله:" يلتمس الصحيح بالرجوع إلى كتب السلف صيانة للعقيدة مما ذهب إليه الأشعرية من إثبات كلام نفسي قديم لله، ليس بحرف ولا صوت ولا. . . " وكذا في مبحث الأمر، علق الشيخ رحمه الله على مذهب الأشاعرة في كلام الله تعالى (2) وأثبت مذهب السلف في حقيقة كلام الله تعالى، وكذا في تعريف القرآن لما أثبت الآمدي الكلام
(1) 1/ 54 من الإحكام.
(2)
تعليق رقم 4 من 2/ 170 منه.
النفسي (1)، رد وعلق رحمه الله بقوله:" والصواب أن كلام الله اسم لمجموع اللفظ والمعنى، وأنه بصوت وحرف، وأنه تكلم مع من أراد من رسله وملائكته وسمعوا كلامه حقيقة، ولا يزال يتكلم بقضائه وتسمعه ملائكته، وسيتكلم مع أهل الجنة ومع أهل النار كل بما يناسبه "(2).
النموذج الثالث:
وفي مسألة التحسين والتقبيح استدل السلف في مذهب الأشاعرة في منع التحسين والتقبيح العقليين بقوله: " السابعة: أن أفعال العبد غير مختارة له "(3)، ثم رد عليه بكلام عقلي لا يفيد الرد على الجبرية، فعلق الشيخ رحمه الله بقوله:" وأيضا هو مبني على أن العبد مجبور على ما يصدر عنه من الأفعال، وهو باطل "(4).
وكلام الشيخ كما ترى يبين مذهب السلف في باب القدر، وأن للعبد مشيئة واختيارا خلافا للجبرية القائلين بعدم مشيئة العباد
(1) 1/ 159.
(2)
انظر: تعليق رقم 2 من 1/ 153، وانظر مذهب السلف في المسألة 6/ 290 وما بعدها، 21/ 37 وما بعدها.
(3)
1/ 82 من الإحكام.
(4)
تعليق رقم 1 من 1/ 84.
وأنهم مجبورون على ما يصدر منهم من أفعال.
كما بين الشيخ رحمه الله في مبحث التكليف بما لا يطاق مذهب السلف في القدر، ومخالفتهم للمعتزلة والجبرية.
وفصل مذهب السلف في القدرة من العباد على الأفعال في كلام نفيس لولا خشية الإطالة لنقلته بنصه.
النموذج الرابع:
ونموذج رابع في حرص الشيخ رحمه الله على إبراز عقيدة السلف والرد على المخالفين لها يظهر في مبحث المتشابه، حيث عد الآمدي جملة من آيات الصفات من المتشابه بإطلاق، وادعى أنها مجازات تحتاج إلى تأويل، كمثل قوله تعالى:{وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ} (1)، {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا} (2)، {اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ} (3)، {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ} (4)، {وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} (5) ثم
(1) سورة الرحمن الآية 27
(2)
سورة يس الآية 71
(3)
سورة البقرة الآية 15
(4)
سورة آل عمران الآية 54
(5)
سورة الزمر الآية 67
قال بعدها: " ونحوه من الكنايات والاستعارات المئولة بتأويلات مناسبة لإفهام العرب "(1).
وقد علق الشيخ رحمه الله على ذلك بقوله: (لله سبحانه وجه ويمين حقيقة على ما يليق بجلاله، فإسنادهما إليه في الآيات والأحاديث لا تجوز فيه، ويطوي سبحانه السماوات بيمينه، ويجيء هو نفسه يوم القيامة حقيقة على ما يليق بكماله، وجاء إسناد البقاء إلى الوجه في الآية على معهود العرب في كلامهم وتعبيرهم بمثل ذلك عن بقاء الشيء وصفاته جميعا، واستهزاء الله ومكره بمن استهزأ بأوليائه وسخر منهم ومكر بهم حق على وجه يليق به مع كمال علم بما دبر، وإحكام له وعدل فيه، وقدرة على الانتقام بدونه بخلاف عباده، فقد يكون في مكرهم وتدبيرهم قصور وضعف في التنفيذ، وجور في الخصوم وعجز عن الانتقام بدونه، إلا بعناية من الله وتسديد لعبده، فمن خطر بفكره عند تلاوة نصوص الأسماء والصفات استلزامها أو إيهام ظاهرها ما لا يليق بالله من تشبيهه بخلقه، فذلك من سقم فكره ووقوفه عند معهود حسه وقياسه ربه على خلقه، لا من كلام الله ولا من حديث رسوله صلى الله عليه وسلم، فشبه أولا، وظن السوء بالله وبرسوله ونصوص الشريعة ثانيا، فاعتقد أن ظاهر ما ثبت عنهما يدل على التشبيه، واجتهد في تحريفها عن مواضعها وتأويلها على غير وجهها ثالثا، دون بينة من الله تهديه الطريق، فانتهى به التعسف في التعطيل ونفي ما رضيه الله تعالى لنفسه ورضيه له رسوله صلى الله عليه وسلم من الأسماء والصفات، تعالى الله عن
(1) 1/ 166 من الإحكام.
ذلك علوا كبيرا ".
وهكذا أبان الشيخ رحمه الله في هذا الأنموذج عقيدة السلف في صفات الله عز وجل، وأنها حق تثبت على حقيقتها من غير تأويل ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل على حد قوله سبحانه:{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (1).
خلافا لما عليه المعتزلة المعطلة والأشاعرة المئولة، فأبدع رحمه الله وانتصر لعقيدة السلف بالدليل النقلي لا بالعقل المجرد.
النموذج الخامس:
ونموذج خامس في حكم إثبات الجهة لله تعالى، فحين ذكر الآمدي في مبحث الإجماع، مثل قضايا الاعتقاد ونفي الشريك لله تعالى ذكر منها:" رؤية الرب لا في جهة "(2).
عقب الشيخ رحمه الله بقوله: " رؤية في النصوص نسبة الجهة إلى الله نفيا ولا إثباتا، ثم هي كلمة مجملة تحتمل حقا وباطلا
(1) سورة الشورى الآية 11
(2)
1/ 283 من الإحكام.
فإن إثباتها لله يحتمل أن يراد به أنه تعالى فوق عباده مستو على عرشه وهذا حق، ويحتمل أن يراد به أنه يحيط به شيء من خلقه وهذا باطل، ونفيها عن الله تعالى يحتمل نفي علوه على خلقه، واستوائه على عرشه، وهذا باطل، ويحتمل تنزيهه عن أن يحيط به شيء من خلقه وهذا حق، وإذن لا يصح نسبة الجهة إلى الله نفيا ولا إثباتا؛ لعدم ورودها، ولاحتمالها الحق والباطل " (1).
هذه مجموعة من النماذج على المعلم الأول والرئيس في منهج الشيخ رحمه الله وهو عنايته بإبراز عقيدة السلف، والرد على المخالفين لها، وقد تبين فيها إبراز عقيدة السلف في الصفات والقرآن، وعلم الله سبحانه وكلامه والرؤية والقدر وإثبات الجهة وغيرها.
وهناك نماذج أخرى سواها تركتها إيثارا للاختصار، وسأحيل إلى موضعها إن شاء الله.
(1) تعليق رقم 1، 1/ 283 من الإحكام، وانظر تعليقا آخر للشيخ حول الجهة في تعليق رقم 1، 4/ 106 منه.
المبحث الثاني: المعلم الثاني: عنايته بالنصوص وصحة الأحاديث والآثار:
وهذا من المعالم المهمة في منهج الشيخ رحمه الله بل من المرتكزات والأسس التي بنى عليها رحمه الله منهجه الأصولي، وإذا كان كثير من الأصوليين يبنون منهجهم على مدارس كلامية عقلية أو مذهبية فقهية فالشيخ رحمه الله يرفع لواء تعظيم النصوص والأدلة النقلية والتركيز على الاستدلال بها، والاستنباط منها، وطرح كل ما يخالفها، ومن النماذج على ذلك تعقبه الآمدي رحمه الله عند مقابلته الدليل العقلي بالشرعي حينما ذكر بعض الأمور المجمع عليها عقلا وشرعا ومثل لذلك برؤية الرب سبحانه لا في جهة (1).
قال الشيخ رحمه الله ما نصه: ". . . ثم مقابلة العقلي بالشرعي تشعر بأن رؤية الله وتنزيهه عن الشريك ونحوهما إنما ثبت بالدليل العقلي لا بدليل الشرع، وهذه طريقة كثير من المتكلمين، فإنهم يرون أن أدلة النصوص خطابية لا برهانية لا تكفي لإثبات القضايا العقلية والمسائل الأصولية. . . وهذا غير صحيح، فإن نصوص الشرع كما جاءت بالخبر الصادق في القضايا العقلية وغرها جاءت بتقرير الحق في ذلك بأوضح حجة وأقوى برهان، لكنها لم تجئ على أسلوب الصناعة المنطقية المتكلفة، بل على أسلوب من نزل القرآن بلغتهم بأفصح عبارة وأعلى بيان وأقرب طريق إلى الفهم وأيسره لأخذ الأحكام. . . إلى قوله: فاللهم أغننا بكتابك وسنة نبيك عن
(1) 1/ 283 من الإحكام.
موارد الوهم ومزالق الضلال " (1).
وفي نموذج آخر لما أجاب الآمدي إجابة عقلية محضة على اعتراض ورد في الاحتجاج بالتواتر (2)، علق الشيخ رحمه الله بقوله:" هذا الجواب لا يصلح ضابطا ولا مقنع فيه للخصم، بل يفتح باب الفوضى والتطاول على النصوص وردها بدعوى عدم العلم بها "(3) وفي موضع آخر عند الاحتجاج بخبر الواحد واعتراض الآمدي على من قال بحجيته (4)، علق الشيخ رحمه الله بقوله:" والنصوص تشهد لمن قال بأن خبر الواحد حجة في إثبات أصول الشريعة وفروعها "(5).
وفي المبحث نفسه رد الآمدي قبول أخبار الآحاد، وأجاب عن أدلة المحتجين به بأن المكلفين إنما يقبلون ما يخبرهم به الآحاد من جهة عقولهم (6)، علق الشيخ رحمه الله بقوله:" هذا غير صحيح. . فالحجة إنما قامت بالأدلة النقلية، وإلا كانوا مكلفين بذلك قبل ورود الشرع أو بلوغه لمجرد الأدلة العقلية "(7).
(1) تعليق رقم 1، 1/ 283، 284 من الأحكام. (2) 2/ 28 منه.
(2)
2/ 28 منه.
(3)
تعليق رقم 3، 2/ 28 منه.
(4)
2/ 63 منه.
(5)
تعليق رقم 3، 2/ 63 منه.
(6)
2/ 64 من الإحكام.
(7)
تعليق رقم 1، 2/ 64 منه.
وإذا كان هذا كله في مجال التأصيل فالشيخ رحمه الله يحرص على النصوص حتى في مجال التأصيل، ومن النماذج على ذلك أن الآمدي رحمه الله لما مثل في باب الأمر المعلق على الشرط، كقوله:" إذا زالت الشمس فصلوا "(1)، علق الشيخ رحمه الله بقوله:" لو مثل بأمثلة من النصوص، كقوله تعالى {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} (2) الآية، وقوله: {وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا} (3) الآية لكان أولى "(4).
وإذا كان ما سبق ذكره في هذا المعلم في شقه الأول وهو عناية الشيخ بالنصوص، فإن الشق الثاني وهو اهتمامه بصحة الأحاديث والآثار لا يقل شأوا عنه.
وذلك يتجلى في تعقب ما استشهد به الأصوليون عامة والآمدي خاصة من الأحاديث والآثار الضعيفة، بل والموضوعة أحيانا، فقد أمسك الشيخ رحمه الله بقلم الناقد البصير والمخرج القدير، غيرة على سنة النبي صلى الله عليه وسلم واجتهادا في أن تبنى مسائل الأصول على ما صح فيه الخبر عن سيد البشر عليه الصلاة والسلام، والنماذج في هذا أكثر من أن تحصر، بل إن الشيخ رحمه الله يتوسع أحيانا في التخريج والحكم على الحديث، فيأخذ الصفحتين وأكثر، استطرادا في
(1) 2/ 161 من الإحكام.
(2)
سورة المائدة الآية 6
(3)
سورة النور الآية 59
(4)
تعليق رقم 1، 2/ 161 منه.
الروايات، ونقدا للرواة، ونقلا عن علماء هذا الفن وحكمهم على الحديث سندا ومتنا.
ومن باب الاختصار فسأكتفي بذكر أرقام الصفحات على أنها نماذج قوية وشواهد جلية لمن أراد التوسع في ذلك.
وبعد: هذا هو المنهج الصحيح الذي ينبغي أن يحتذى؛ ليكون علم الأصول مؤسسا على صحيح المنقول مع صريح المعقول، والله المستعان.
المبحث الثالث: المعلم الثالث: تركه الإغراق في الجدل والمنطق والفرضيات والعقليات:
وهذا من المعالم البارزة جدا في منهج الشيخ رحمه الله، بل يكاد يكون فيصلا بين منهجه ومنهج عامة الأصوليين الذين تأثروا بعلم الكلام وأولعوا بالجدل والمنطق، واسترسلوا في المسائل الفرضية والمباحث العقلية.
ولقد كان الشيخ رحمه الله قوي المأخذ شديد الإنكار على صرف لب علم الأصول إلى مباحث كلامية ومسائل عقلية.
ولأضرب بعض النماذج على ذلك.
أولا: في تعريف الكتاب وبيان حقيقة القرآن لما أطال الآمدي النفس في ذكر تعريفات الأصوليين له (1) علق الشيخ رحمه الله بقوله: " كتاب الله أو القران من الكلمات الواضحة التي يفهم المراد منها الأميون وصبيان الكتاتيب، فتعريفه بمثل ما ذكر من التكلف الذي لا يليق بعلماء الشريعة، مع ما فيه من غموض احتاجوا معه إلى سؤال وجواب، وإخراج ما يجب إخراجه بما فيه من قيود، فما كان أغناهم عن ذلك، لكنها الصناعة المنطقية المتكلفة تغلغلت في نفوس الكثير من العلماء "(2).
ثانيا: في إنكاره رحمه الله الافتراضات الخاطئة علق على اعتراض أورده الآمدي هو: " فإن قيل: فلو بعث رسول وظهرت المعجزة القاطعة الدالة على صدقه. . . إلخ "(3).
علق رحمه الله بقوله: (هذا من الفروض الممقوتة التي لا ينبغي الاسترسال فيها، ولا ترتيب حكم عليها، ولا الإجابة عنها، فإن البحث فيها بحث في غير واقع ودخول فيما لا يعني " (4).
كما أنكر رحمه الله الأمثلة الافتراضية مثل ما أورده الآمدي بقوله: فلو قال: " نهيتك عن ذبح شاة الغير بغير إذنه لعينه، ولكن إن
(1) انظر: 1/ 159، 160 من الإحكام.
(2)
تعليق رقم 1، 1/ 160 من الإحكام.
(3)
2/ 49 منه.
(4)
تعليق 1، 2/ 49 منه.
فعلت حلت الذبيحة، ونهيتك عن استيلاد جارية الابن لعينه " (1) علق رحمه الله بقوله:" هذه أمثلة فرضية لم يأت بمثلها الشرع "(2).
ثالثا: وفي مبحث قوادح القياس أورد الشيخ رحمه الله تعليقا على ما له صلة وثيقة منها بالأصول، ثم قال رحمه الله:" وما لم يندرج تحت ما ذكرناه فهو نظر جدلي، يتبع شريعة الجدل التي وصفها الجدليون باصطلاحهم، فإن لم يتعلق بها فائدة دينية فينبغي أن نشح على الأوقات أن نضيعها بها وبتفصيلها، وإن تعلق بها فائدة فهي ليست من جنس أصول الفقه، بل هي من علم الجدل، فينبغي أن تفرد بالنظر ولا تمزج بالأصول التي يقصد بها تذليل طرف الاجتهاد للمجتهدين "(3).
رابعا: وفي الاحتجاج بشرع من قبلنا لما ذكر الآمدي تكافؤ الأدلة، قال:" كيف وإن هذه الآيات متعارضة والعمل بجميعها ممتنع "(4).
وقد علق الشيخ رحمه الله على ذلك بقوله: " هذا مسلك سيئ وجدل ممقوت؛ لما فيه من ضرب آيات الله بعضها ببعض، وبمثل ذلك استولت الحيرة والشكوك على كثير ممن أولع بالجدل حتى تركوا النصوص الصحيحة إلى ما يزعمونه أدلة عقلية قاطعة،
(1) 2/ 188، 189 منه.
(2)
تعليق 1، 2/ 189 منه.
(3)
تعليق رقم 1، 4/ 69 من الإحكام.
(4)
1/ 147 منه.