المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفرع الثاني: نشر الدعوة في الشام - مجلة البحوث الإسلامية - جـ ٥٨

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المحتويات

- ‌الفتاوى

- ‌ فتاوى سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ

- ‌الشرك في الربوبية أعظم من الشرك في الإلهية

- ‌اعتقاد أن الرسول نور وليس بشرا

- ‌المسيح عليه السلام لم يقتل ولم يصلب

- ‌الثناء في القرآن على طائفة من النصارى

- ‌ فتاوى سماحة الشيخ / عبد العزيز بن عبد الله بن باز

- ‌ هل الدعاء والصدقة ترد القضاء والقدر

- ‌ طلب مني رجل مسيحي مصحفا هل أعطيه أو لا

- ‌ فتاوى سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن محمد آل الشيخ

- ‌وجوب الزكاة ليس مربوطا برمضان

- ‌منكر وجوب الزكاة كافر

- ‌ حكم دفع الزكاة للأقارب والخدم

- ‌حكم من صام وهو تارك للصلاة

- ‌إذا طهرت الحائض ثم صامتثم حاضت فصيامها صحيح

- ‌المريض الذي لا يرجى برؤه يطعم

- ‌من يتأخر في القضاء آثم ويلزمه القضاء والتوبة

- ‌السواك جائز في رمضان

- ‌أصل صلاة التراويح

- ‌حضور المرأة للتراويح جائز

- ‌صفة دعاء القنوت

- ‌صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته

- ‌حكم ترك الصلاة

- ‌أخطئ على زوجي ولا أعتذر

- ‌أذن المؤذن وأفطر الناس قبل الوقت

- ‌ السفر المبيح للفطر

- ‌ آداب الصيام

- ‌الحامل والمرضع عليهما القضاء والإطعام

- ‌يصلي في الحرم ويترك نساءه في السوق

- ‌المرأة وهي تطبخ في عبادة لله

- ‌صيام ثلاثة أيام من كل شهر متتابعة أو متفرقة

- ‌ الاختلاف المذموم

- ‌الدم الكثير يستوجب إعادة الوضوء

- ‌ صيام فاقد الذاكرة

- ‌المحرمات من النساء

- ‌فضل قراءة القرآن الكريم

- ‌عمل صالحا ويتبعه سيئا

- ‌القنوت مشروع في الوتر

- ‌مات قبل أن يكمل رمضان

- ‌أفطر بسبب تقبيل

- ‌الدعاء المستحب عند الفطر

- ‌ طهرت قبل الفجر ولم تغتسل إلا بعد طلوع الشمس

- ‌الفجر الصادق والفجر الكاذب

- ‌من أفطر بعذر عليه أن يمسك بقية يومه

- ‌ فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء

- ‌ البول يخرج سائل هل لا بد من الغسل

- ‌ وهل يجوز للطبيب أن يتخصص في طب النساء والتوليد

- ‌ رفض علاج مريض متخلف عقليا

- ‌ هل يجوز للصائم استخدام معجون الأسنان

- ‌واجبات الطواف

- ‌المقدمة:

- ‌المطلب الأول: جعل البيت عن يساره:

- ‌المطلب الثاني: الطهارة من الحدث:

- ‌المطلب الثالث: الطهارة من النجس:

- ‌المطلب الرابع: ستر العورة:

- ‌المطلب الخامس: الموالاة بين الأشواط:

- ‌الفرع الثاني: الأمور التي يجوز قطع الطواف لها:

- ‌المسألة الأولى: قطع الطواف للصلاة

- ‌الفرع الثالث: موضع البدء لمن أراد البناء:

- ‌المطلب السادس: المشي مع القدرة:

- ‌الفرع الأول: حكم المشي في الطواف:

- ‌الفرع الثاني: شرط طواف المحمول:

- ‌المطلب السابع: الصلاة عقيبه:

- ‌الفرع الأول: حكم ركعتي الطواف:

- ‌الفرع الثاني: مكان أداء ركعتي الطواف:

- ‌الفرع الثالث: وقت أداء ركعتي الطواف:

- ‌الخاتمة:

- ‌تاريخ الدعوة في عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنه

- ‌المقدمة:

- ‌المبحث الأول: اختيار الصديق رضي الله عنه ومبايعته إماما للمسلمين:

- ‌المطلب الأول: الأمة المصطفاة لوراثة كتاب الله والدعوة إليه:

- ‌المطلب الثاني: أهمية المبادرة في اختيار إمام للمسلمين:

- ‌المطلب الثالث: بيعة الصديق رضي الله عنه إماما للمسلمين:

- ‌الفرع الأول: اتفاق الصحابة الكرام على بيعة الصديق رضي الله عنه:

- ‌الفرع الثاني: أسباب قناعة الصحابة الكرام ببيعة الصديق رضي الله عنه:

- ‌الفرع الثالث: أثر الدعوة في اتفاق الآراء بين الصحابة رضي الله عنهم:

- ‌المطلب الأول: اهتمام الصديق رضي الله عنه بالدعوة حال توليه الخلافة:

- ‌المطلب الثاني: امتثال أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بتنفيذه جيش أسامة

- ‌المطلب الثالث: دعوة المرتدين ليرجعوا إلى الإسلام:

- ‌الفرع الأول: أسباب اتباع الناس لتلك الدعوات المضللة:

- ‌الفرع الثاني: موقف الصحابة الكرام رضي الله عنهم من هذه الفتنة:

- ‌الفرع الثالث: جهود الصديق رضي الله عنه في القضاء على الدعوات المضللة:

- ‌ثانيا: القضاء على دعوتي سجاح بنت الحارث ومسيلمة الكذاب

- ‌ثالثا: القضاء على ردة أهل البحرين تحت زعامة الحطم بن ضبيعة

- ‌المطلب الرابع: جمع مصدر الدعوة الأول (القرآن الكريم):

- ‌المطلب الخامس: نشر الدعوة عن طريق الجهاد:

- ‌الفرع الأول: نشر الدعوة في العراق

- ‌الفرع الثاني: نشر الدعوة في الشام

- ‌المبحث الثالث: اهتمام الصديق بالدعوة عند وفاته رضي الله عنه:

- ‌الخاتمة:

- ‌المطلب الأول: اسمه ونسبه:

- ‌المطلب الثاني: مولده ونشأته:

- ‌المطلب الثالث: طلبه للعلم وحياته العلمية:

- ‌المطلب الرابع: شيوخه وأقرانه:

- ‌المطلب الخامس: حياته العملية:

- ‌المطلب السادس: صفاته وأخلاقه:

- ‌المطلب السابع: تلاميذه:

- ‌المطلب الثامن: وفاته:

- ‌المطلب التاسع: آثاره العلمية ومؤلفاته:

- ‌الفصل الأول: (المنهج) تعريفه وأهميته وآثاره:

- ‌المبحث الأول: تعريف المنهج والمراد به في اللغة والاصطلاح

- ‌المبحث الثاني: أهمية المنهج ودواعي العناية به:

- ‌المبحث الثالث: الآثار الإيجابية والسلبية في قضية النهج:

- ‌المبحث الرابع: نظرة في مناهج الأصوليين:

- ‌الفصل الثاني: معالم منهج الشيخ عبد الرزاق الأصولي:

- ‌المطلب الأول: عنايته بتحرير محل النزاع

- ‌المطلب الثاني: تركيزه على التطبيق، وكثرة الأمثلة وتخريج الفروع على الأصول:

- ‌المطلب الثالث: اهتمامه بالتأصيل والتقعيد وبيان مقاصد الشريعة وحكمها وأسرارها:

- ‌المطلب الرابع: إيراده لثمرة الخلاف:

- ‌المبحث السابع: المعلم السابع: مجانبته التعصب والتقليد:

- ‌الإحسان: أهميته، أقسامه، ثمراته

- ‌هدف البحث وغايته:

- ‌التعريفات:

- ‌مقامات الإحسان ومنازله:

- ‌منزلة الإحسان في الدين

- ‌الأعمال تتفاضل بحسب فعلها بالإحسان:

- ‌ التقوى والإحسان:

- ‌ الإحسان والإنفاق في سبيل الله:

- ‌ الإحسان والعفو والصفح:

- ‌ الإحسان والتقوى والنسك والذكر:

- ‌ الإحسان والهدى والرحمة:

- ‌ الإحسان والصدق والتقوى:

- ‌ الإحسان وإرادة الله ورسوله، والدار الآخرة:

- ‌ الإحسان والجهاد:

- ‌ الإحسان والتقوى والاستجابة لله ولرسوله:

- ‌ الإحسان والإنفاق وكظم الغيظ والعفو عن الناس:

- ‌ الإحسان وإسلام الوجه لله:

- ‌ الإحسان، والعدل وإيتاء ذي القربى والنهي عن المنكر والبغي:

- ‌ الإحسان والصبر:

- ‌ الإحسان وسلام الله:

- ‌ الإحسان، والإيمان، والعمل الصالح:

- ‌ الإحسان، والتقوى، والصبر:

- ‌ الإحسان، والتقوى، وما أنزل الله:

- ‌ثمرات الإحسان:

- ‌ الخلود في جنات النعيم:

- ‌ حب الله لهم، وتفضله عليهم بثواب الدنيا وحسن ثواب الآخرة:

- ‌ ما يهبه الله من ذرية صالحة، وتفضيل، وهداية، وعلم، وحكمة، ونبوة:

- ‌ حصول رضى الله لهم:

- ‌ ومن ثمرات الإحسان الإحسان:

- ‌ حصول رحمة الله:

- ‌ كل ما يعمله العبد في سبيل الله يكتب له به عمل صالح

- ‌ رفع الحرج:

- ‌ الحكم، والعلم، وتأويل الأحاديث، والتمكين في الأرض، والملك:

- ‌ الظلال، والعيون، والفواكه، والأكل، والشرب الهنيء:

- ‌ الحسنى وزيادة:

- ‌ صرف المكاره والشدائد في الدنيا:

- ‌بيان من اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء عن نشرة مكذوبة حول عقوبة تارك الصلاة

الفصل: ‌الفرع الثاني: نشر الدعوة في الشام

والفراض، فكان إذا افتتح بلدا أقام فيها أميرا من قبله (1).

وبعد أن تم لخالد ذلك توجه إلى مكة حاجا في سنة ثنتي عشر للهجرة، فعلم أبو بكر فيما بعد فعتب عليه لمفارقته جيشه، ثم أمره بالتحرك إلى الشام فتولى مكانه المثنى بن حارثة (2). (ت: 14 هـ)

ولما علم الفرس بغيبة خالد فرحوا فبعثوا إلى نائبه المثنى جيشا كثيفا نحوا من عشرة آلاف، فالتقى الجيشان واقتتلوا قتالا شديدا، فانتصر المسلمون وغنموا مالا عظيما وفرت الفرس.

ثم إن المثنى استبطأ أخبار الصديق فسار إلى المدينة، ولما وصلها وجد الصديق في آخر مرض الموت، فلما رأى الصديق المثنى قال لعمر: إذا أنا مت فلا تمسين حتى تندب الناس لحرب أهل العراق مع المثنى (3).

(1) انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، جـ 6، مصدر سابق، ص 344 - 352.

(2)

انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، جـ 6، ص 352.

(3)

انظر: البداية والنهاية، ابن كثير، جـ 7، مصدر سابق، ص 17.

ص: 268

‌الفرع الثاني: نشر الدعوة في الشام

(13هـ):

بدأت الدعوة الإسلامية بإرسال الكتب إلى الملوك والأمراء سنة سبع للهجرة، فقام شرحبيل بن عمرو الغساني بقتل رسول النبي

ص: 268

صلى الله عليه وسلم، فبعث النبي صلى الله عليه وسلم حملة زيد بن حارثة. (ت: 8 هـ) إلى مؤتة. ثم تبوك سنة تسع للهجرة، ثم حملة أسامة سنة 11 هـ التي نفذت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم.

وفي عهد الصديق رضي الله عنه، وبعد أن رجع من الحج سنة 13هـ وجه خالد بن سعيد بن العاص إلى تيماء لتكون معسكرا للمسلمين، ولكن خالدا التقى بالروم فانهزم وانسحب الجيش الإسلامي من أمام الروم بقيادة عكرمة بن أبي جهل رضي الله عنه.

وفي صفر من سنة 13 هـ تجمع المجاهدون بالجرف، فبعث أبو بكر أربعة ألوية: الأول: نحو دمشق بقيادة يزيد بن أبي سفيان

ص: 269

(ت: 18 هـ)، والثاني: نحو الأردن بقيادة شرحبيل بن حسنة، والثالث: نحو حمص بقيادة أبي عبيدة بن الجراح (ت: 18 هـ)، والرابع: نحو فلسطين بقيادة عمرو بن العاص.

ولما سمع هرقل بهذه الألوية أعد مئات الألوف للقاء الجيش الإسلامي قدرت بمائتين وأربعين ألفا، في حين كان عدد الجيش الإسلامي أربعة وعشرين ألفا.

وأمام هذا العدد الضخم وتفرق جيش المسلمين اقترح عمرو رضي الله عنه تجمع جيش المسلمين، فاجتمع الجيش في اليرموك. وفي الوقت نفسه وجه أبو بكر خالد بن الوليد مع نصف جيش العراق لمساعدة المجاهدين في الشام، فتوجه خالد ووصل إلى اليرموك في خمسة أيام.، واجتمعت الجيوش تحت قيادته، والجيش يضم ألف من الصحابة الكرام منهم مائة بدري (1).

الدعوة إلى الله تعالى في اليرموك (13 هـ):

لما اجتمعت الجيوش في اليرموك بعث الروم إلى المسلمين يريدون رجلا من خيار المسلمين وعظمائهم، فأرسل إليهم أبو عبيدة خالد بن الوليد رضي الله عنهما وقال: القهم وادعهم إلى الإسلام،

(1) تاريخ دمشق، ابن عساكر، جـ1 ط 1 [مصورة عن مخطوطة الظاهرية] ص 529.

ص: 270

واعرض عليهم الخصلتين إن أبوا ذلك.

فذهب خالد إليهم، وجلس مع قائدهم ماهان، وأخذ ماهان يثني على خالد بحكمته ودهائه، ثم قال: أتحتاج إلى مشورة هذا الرجل معك وأنت على هذه الحكمة والدهاء؟

فقال خالد: إن في عسكرنا لأكثر من ألفي رجل، كلهم لا يستغنى عن رأيه، وعن مشورته. فقال ماهان: إني أريد أن ألقي الحشمة فيما بيننا، فإن شئت بدأناك بالكلام، وإن شئت أنت فتكلم.

فقال خالد: ما أبالي أي ذلك كان، أما أنا فلا أخالك إلا وقد علمت، وبلغك ما أسأل وما أطلب، وأدعو إليه، وقد جاءك بذلك أصحابك.

فقال ماهان: الحمد لله الذي جعل نبينا أفضل الأنبياء، وملكنا أفضل الملوك، وأمتنا خير الأمم.

فقطع عليه خالد الكلام، وقال: الحمد لله الذي جعلنا نؤمن بنبينا ونبيكم وجميع الأنبياء، وجعل الأمير الذي وليناه أمورنا رجلا كبعضنا، فلو زعم أنه ملك علينا لعزلناه عنا، ولسنا نرى أن له على رجل من المسلمين فضلا، إلا أن يكون أتقى منه عند الله وأبر.

والحمد لله الذي جعل أمتنا تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وتقر بالذنب، وتستغفر الله منه، وتعبد الله وحده، لا تشرك به شيئا، قل الآن ما بدا. فاصفر وجه ماهان.

فتكلم ماهان مرة ثانية، وقال: الحمد لله الذي أبلانا فأحسن البلاء عندنا، وأغنانا ونصرنا، فقد كانت لنا منكم يا معشر العرب جيران كنا نحسن إليهم، فلم يرعنا إلا وقد فاجأتمونا بالخيل والرجال،

ص: 271

وقد طلب هذا منا قبلكم من هو أكثر منكم عددا، وأعظم مكيدة، ثم رددناهم فلم يرجعوا إلا وهم بين قتيل وأسير، ولم تكن أمة من الأمم عندنا بأرق منكم شأنا، ولا أصغر أخطارا، إنما جلكم رعاء الشاء والإبل، وأهل البؤس والشقاء، وقد ظننا أنه لم يأت بكم إلا جهد نزل بكم، فأخذتم الذهب والفضة منا فهو لكم، فإن أبت أنفسكم إلا أن تحرصوا وتشرهوا، وأردتم أن نزيدكم من بيوت أموالنا ما يقوى به الضعيف منكم فعلنا، ونأمر للأمير منكم بعشرة آلاف دينار، ونأمر لك بمثلها، ونأمر لرؤساكم بألف دينار، ولجميع أصحابكم بمائة دينار، على أن توثقوا لنا بالأيمان المغلظة ألا تعودوا إلى بلادنا.

فقال خالد: الحمد لله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما بعد:

فإن كل ما ذكرت من العز والتمكين في البلاد، وما ذكرت من إنعامك على جيرانك منا فقد عرفناه، وذلك لأمر تريدونه، ألا ترون أن ثلثيهم أو شطرهم دخلوا معكم في دينكم فهم يقاتلوننا معكم؟

وإني سأقص عليكم قصتنا، وأدعوك إلى حظك إن قبلت.

ألا إنا كنا أمة أنزلنا الله- له الحمد- منزلا ليست به أنهار جارية، ولا يكون به الزرع إلا القليل، نقطع أرحامنا، ونقتل أولادنا خشية الإملاق، ويأكل قوينا ضعيفنا، نعبد من دون الله أربابا ننحتها بأيدينا.

فبينما نحن كذلك على شفا حفرة من النار، إذ بعث الله فينا رسولا، دعانا إلى الله وحده، وقال لنا: لا تتخذوا من دون الله ربكم إلها ولا وليا ولا نصيرا، ولا تجعلوا معه صاحبة ولا ولدا.

ص: 272

وقال لنا: قاتلوا من اتخذ مع الله آلهة أخرى، وكل من زعم أن لله ولدا، وأنه ثاني اثنين، أو ثالث ثلاثة، حتى يقولوا: لا إله إلا الله، ويدخلوا في الإسلام، فإن فعلوا حرمت عليكم دماؤهم وأموالهم وأعراضهم إلا بحقها، وهم إخوانكم، لهم ما لكم، وعليهم ما عليكم، فإن هم أبوا فاعرضوا عليهم الجزية، فإن فعلوا فاقبلوا، وكفوا عنهم، وإن أبوا فقاتلوهم، فإنه من قتل منكم كان شهيدا، وأدخله الله الجنة، ومن قتل من عدوكم قتل كافرا، وصار إلى النار مخلدا فيها أبدا.

ثم قال خالد: وهذا- والله الذي لا إله إلا هو- ما أمر به نبيه صلى الله عليه وسلم فعلمنا، وأمرنا به أن ندعو الناس إليه، فندعوهم إلى الإسلام، فإن فعلتم فأنتم إخواننا، فإن أبيتم فالجزية، وإن أبيتم فقد- والله- جاءكم قوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة، فاخرجوا على اسم الله حتى نحاكمكم إلى الله، فقد قال الله سبحانه حكاية عن موسى:{قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} (1).

فقال ماهان: إن هذه الأرض كانت لقوم قبلنا فأخذناها منهم، فابرزوا على اسم الله، فإنا خارجون إليكم. فخرجوا فكانت العاقبة لدعوة الفاتحين، والأمر لله من قبل ومن بعد.

(1) سورة الأعراف الآية 128

ص: 273

وفي معركة اليرموك كذلك تقدم جرجه حتى كان بين الصفين، ونادى: ليخرج إلي خالد. فخرج إليه خالد رضي الله عنه وأقام أبا عبيدة مكانه، فوافقه بين الصفين حتى اختلفت عنقا دابتيهما، وقد أمن كل منهما صاحبه.

فقال جرجه: يا خالد، اصدقني ولا تكذبني، فإن الحر لا يكذب، ولا تخادعني، فإن الكريم لا يخادع، هل أنزل الله على نبيكم سيفا من السماء فأعطاكه، فلا تسله على قوم إلا هزمتهم؟

فقال خالد: لا.

- فبم سميت سيف الله؟

- إن الله عز وجل بعث فينا نبيه صلى الله عليه وسلم فدعانا فنفرنا عنه، ثم إن بعضنا صدقه وتابعه، وبعضنا باعده وكذبه، فكنت فيمن باعده وكذبه وقاتله، ثم إن الله أخذ بقلوبنا فهدانا به، فتابعناه، فقال:«أنت سيف من سيوف الله سله على المشركين (1)» ، ودعا لي بالنصر، فسميت بذلك.

- يا خالد، أخبرني إلام تدعوني؟

- إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، والإقرار بما جاء به من عند الله.

- فمن لم يجبكم؟

- فالجزية، ونمنعهم.

- فإن لم يعطها.

- نؤذنه بحرب، ثم نقاتله.

-فما منزلة الذي يدخل فيكم ويجيبكم إلى هذا الأمر اليوم؟

(1) مسند أحمد بن حنبل (1/ 8).

ص: 274

- منزلتنا واحدة فيما افترض الله علينا، شريفنا ووضيعنا، وأولنا وآخرنا.

ثم أعاد جرجه: هل لمن دخل فيكم اليوم يا خالد مثل ما لكم من الأجر والذخر؟

- نعم وأفضل.

- وكيف يساويكم وقد سبقتموه؟

- إنا دخلنا في هذا الأمر وبايعنا لأننا رأينا خبر السماء ينزل، والحجج تتابع، وأنتم لم تروا شيئا، ولم تسمعوا من الحجج والعجائب ما سمعنا، فمن دخل في هذا الأمر منكم بحقيقة ونية كان أفضل منا.

- بالله لقد صدقتني، ولم تخادعني، ولم تألفني؟

- بالله لقد صدقتك، وما بي إليك ولا إلى أحد منكم وحشة.

- علمني الإسلام.

- فمال إليه خالد رضي الله عنه إلى فسطاطه، فشن عليه قربة من ماء، ثم صلى ركعتين.

فظن الروم أن دخول قائدهم في صفوف المسلمين إيذانا لهم بالهجوم فهجموا، ولكنهم صدموا لما رأوا قائدهم يقاتلهم مع المسلمين، وما علموا أن الله قد شرح صدره للإسلام، وأن مجادلة

ص: 275

خالد ومناقشته اللينة معه كان لها أعظم الأثر على قائد عظيم جاء ينشد الحق، فتزعزع صف الروم، وهزموا بإذن الله، ولله عاقبة الأمور.

وقبل وقعة اليرموك أرسل ماهان رجلا إلى أبي عبيدة رضي الله عنه، فلما وصل وحضرت الصلاة جعل ينظر إليهم، وبعدها سأل أبا عبيدة رضي الله عنه، فقال: أيها الرجل، متى دخلتم في هذا الدين؟ ومتى دعوتم الناس إليه؟

قال أبو عبيدة: دعينا إليه منذ بضع وعشرين سنة، فمنا من أسلم حين أتاه الرسول، ومنا من أسلم بعد ذلك.

- هل أخبركم رسولكم أنه يأتي بعده رسول؟

- لا، ولكنه أخبرنا أنه لا نبي بعده، وأخبرنا أن عيسى ابن مريم قد بشر به قومه.

- أنا على ذلك من الشاهدين، إن عيسى ابن مريم قد بشرنا براكب الجمل، وما أظنه إلا صاحبكم. ثم قال: أخبروني عن قول صاحبكم في عيسى ابن مريم ما كان؟ وما قولكم أنتم فيه؟

- قول صاحبنا قول الله تعالى، وهو أصدق القول وأبره، قال في عيسى:{إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} (1)، وقال:{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ} (2) إلى قوله: {لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ} (3).

(1) سورة آل عمران الآية 59

(2)

سورة النساء الآية 171

(3)

سورة النساء الآية 172

ص: 276

أشهد أن هذه صفة عيسى نفسه، وأشهد أن نبيكم صادق، وأنه الذي بشرنا به عيسى، وأنكم قوم صدق، ثم قال: ادع لي رجلين من أول أصحابكم إسلاما، وهما فيما ترى أفضل من معك. فدعا له معاذ بن جبل (ت: 18)، وسعيد بن زيد (ت: 50 هـ) رضي الله عنهما، فقال: أتضمنون لي الجنة إن أنا أسلمت وجاهدت معكم؟ قالوا: نعم، إن أنت أسلمت ولم تغير حتى تموت وأنت على ذلك فإنك من أهل الجنة. قال: فإني أشهدكم أني من المسلمين. ففرح المسلمون بإسلامه.

لقد خرج جيش الدعوة وهو مدرك لغايتها؛ لأن الخليفة لما يرسل الجيش يبين لهم الغاية التي خرجوا من أجلها حتى لا ينظر أحد الجند خارج إطار هذه الغاية السامية فيكون خذلانا للدعوة وجندها في سيرتهم ومسيرتهم.

وعند التقاء الجيشين يبدأ الخطباء من القادة والعلماء بتذكير

ص: 277

الجند غاية خروجهم قبل دخول المعارك، كما يبينون لأهل البلاد المراد فتحها- كما مر معنا- فليسوا راغبين بالأموال والأراضي؛ لأنهم جعلوا السيف آخر الحلول لديهم.

ومن هنا عرف الغاية جميع الأطراف، فعرفها القائد الأول، كما عرفها الجندي المسلم، وكما عرفها أيضا أهل البلاد المجاورة؛ ليعلم هؤلاء الدافع الذي جاء بهذا الجيش إلى بلادهم.

شبهة وردها:

إن استخدام السيف الذي حاول بعض أعداء الدعوة تشويه صورة الإسلام والمسلمين لاستخدامهم إياه لم يكن إلا مرحلة أخيرة بعد عرض الدعوة، ولم يلجأ إليه الدعاة إلا للوقوف بقوة في وجه شرذمة من الناس، كانوا يحملون غيرهم من الضعفاء على أن يكونوا مستعبدين لهم، تلك الشرذمة التي طغت ولم تعترف إلا بمنطق القوة، فكان استعمال السيف فيهم هو الدواء الناجح لحملهم على الإذعان أو لاستئصال شأفتهم وإراحة الدعوة منهم حتى تأخذ الدعوة طريقها الصحيح إلى قلوب المستضعفين من شعوبهم. وهذا ما شهد به بعض أتباع أهل هذه الشبهة إذ يقول: أذن الإسلام لرسوله

ص: 278

بالجهاد لرفع الظلم ولإزالة العقبات التي تقف في وجه الدعوة للإسلام، تلك الدعوة التي لا تكره أحدا على الدخول في هذا الدين، وإنما تدعو الناس إليه وتترك لهم الحرية الكاملة للاختيار (1).

إنها جهاد قام على الإنصاف، امتثل فيه الدعاة قول الله جل وعلا:{وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا} (2).

فهو ليس حرب عدوان وظلم، ولا حرب تسلط واستعمار، ولا حرب سلب ونهب، ولكنه جهاد رحمة، له قواعده وآدابه، جمعها الصديق رضي الله عنه في وصيته لجيش أسامة وغيره، إذ قال: قفوا أوصكم بعشر، فاحفظوها عني: لا تخونوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا طفلا صغيرا، ولا شيخا كبيرا، ولا امرأة، ولا تعقروا نخلا، ولا تحرقوه، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تذبحوا شاة، ولا بقرة، ولا بعيرا إلا لمأكله (3).

إننا نحن المسلمين مقتنعون أتم القناعة بهذه الحقائق عن الإسلام وعن جند الدعوة، إلا أنه مما يلحظ أن هذه القناعة والتأثير امتدا إلى غير المسلمين أصلا الذين يحاولون أن يقللوا من هذا التأثير، ولكن الله تعالى أنطق أقواما منهم بهذه الحقائق وأجراها على

(1) انظر: قالوا عن الإسلام، خليل، مرجع سابق، ص288

(2)

سورة المائدة الآية 8

(3)

انظر: تاريخ الأمم والملوك، الطبري، جـ 3، مرجع سابق، ص 226، 227.

ص: 279

ألسنتهم، وإليكم جزءا منها:

أقوال غير المسلمين عن الدعوة وجندها:

أولا: يقول د. نظمي لوقا Dr. Luka: ( ما أرى شريعة أدعى للإنصاف، ولا أنفى للإجحاف والعصبية من شريعة تقول: ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا. فأي إنسان يكرم نفسه وهو يدينها بمبدأ دون هذا المبدأ، أو يأخذ بدين أقل منه تساميا واستقامة)(1).

ويقول مارسيل بوزار M. poizar: (. . . منذ بدء الفتح

(1) انظر: قالوا عن الإسلام، خليل، ص 236.

ص: 280

العربي الإسلامي، كان المحاربون المسلمون قد فرضوا على أنفسهم روحا من التسامح مع غير المسلمين ومع الشعوب المغلوبة. وفي زمن لم يكن فيه العنف يعرف شرعا ولا عاطفة، أصدر أبو بكر رضي الله عنه أول خليفة للنبي صلى الله عليه وسلم إلى جنوده التعليمات المشهورة المرنة كثيرا التي تختصر الروح الخلقي للقانون الإسلامي. . .) (1). .

ويقول بيجي رودريك peggy Raderik (2) : (. . . ما أن كان الإسلام يدخل بلدا من البلدان المفتوحة حتى يقبل أهلها جميعا على اعتناقه ويعاملون معاملة الفاتحين سواء بسواء، ومن احتفظ منهم بدينه لقي أكرم معاملة)(3).

كما يقول أيضا: (قوانين الحرب في الإسلام تعتبر أكثر القوانين إنسانية ورأفة، فهي تضمن السلامة التامة للنساء والولدان والشيوخ وجميع غير المحاربين. فليس هناك في نظر الإسلام أبشع من جريمة قصف المستشفيات والمدارس وأماكن العبادة ومساكن المدنيين في المنطقة المعادية، وإنما يجعل الإسلام لهذه المرافق الإنسانية قدسيتها ويحذر من المساس بها، فهذه هي الوصية التي كان يوصي بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قادة المسلمين، وكذلك كان موقف الخلفاء الراشدين من بعده- رضي الله عنهم بل لقد ظلت هذه سمة بارزة في جميع الحروب

(1) انظر: قالوا عن الإسلام، خليل، ص 274.

(2)

تقدمت ترجمته في هامش رقم 2 ص 55

(3)

انظر: قالوا عن الإسلام، خليل، مرجع سابق، ص 287.

ص: 281

الإسلامية على مر العصور. .) (1).

ويقول روم لاندو R. Landau: ( في عصر كان السلب والنهب هو القاعدة التي يتبعها كل جيش منتصر لدى دخوله مدينة ما، يبدو العهد الذي أعطاه خالد بن الوليد رضي الله عنه لأهل دمشق إنسانيا إلى أبعد الحدود ومعتدلا إلى أبعد الحدود. ويبدو جليا في الواقع أن الكتائب العربية اعتبرت نفسها محررة للشعب المضطهد وحاملة رسالة الإسلام إليه في أن معا. وقد اتخذ من شروط الاستسلام هذه نموذج احتذي فيما بعد عند فتح المدن السورية والفلسطينية الأخرى)(2).

ويقول ول ديورانت W. Durant: (. . . إن الخلفاء من

(1) انظر: قالوا عن الإسلام، خليل، ص 288.

(2)

انظر: قالوا عن الإسلام، خليل، ص 311.

ص: 282