الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تبع لهم - بأن يأخذوا عنه مناسكه، وأن يترسموا أفعاله في هذه العبادة، فدل ذلك على وجوب الترتيب في هذه العبادة، وأنه شرط لصحة الطواف، كما أن الترتيب شرط لصحة الصلاة. والله أعلم.
المطلب الثاني: الطهارة من الحدث:
المراد بالطهارة من الحدث: طهارة الطائف من الحدث
الأصغر، الموجب للوضوء والحدث الأكبر الموجب للغسل، وطهارة المرأة من الحيض والنفاس.
ولن أخوض غمار هذه الأحداث مبينا نواقض الوضوء أو موجبات الغسل أو علامات الحيض والنفاس، ومدتهما. إلى غير ذلك من التفصيلات المتعلقة بالطهارة من الحدث، فإن ذلك يطول ويخرجنا عما نحن بصدد بحثه (1).
والذي يخصنا من ذلك ونود التعرف عليه في هذا المطلب هو: آراء العلماء في اشتراط الطهارة من الحدث لصحة الطواف.
وقد اختلف العلماء في ذلك على قولين:
القول الأول: أن الطهارة من الحدث شرط لصحة الطواف، فمن طاف محدثا، لم يصح طوافه، ولا يعتد به.
وإلى هذا القول ذهب: مالك.
والشافعي، وأحمد في
(1) لأن بحث تلك المسائل، والخوض في تفصيلاتها متعلق بكتاب الطهارة.
المشهور عنه، وجمهور العلماء.
القول الثاني: أن الطهارة من الحدث في الطواف واجبة، وليست شرطا لصحته، فمتى طاف للزيارة غير متطهر من الحدث، أعاد ما دام في مكة، فإن تعذرت عليه الإعادة، لبعده عنها جبره بدم.
وإلى هذا ذهب أبو حنيفة، وأحمد في رواية (1)، والمغيرة من أصحاب مالك (2).
الأدلة:
1 -
استدل أصحاب القول الأول، القائلون باشتراط الطهارة بما يلي:
الأول: بحديث عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أول شيء بدأ به حين قدم مكة أن توضأ ثم طاف بالبيت (3)» متفق
(1) انظر: المغني 5/ 223، الفروع3/ 501، المبدع3/ 221، الإنصاف4/ 16، 19، شرح الزركشي 3/ 196.
(2)
انظر: منسك خليل ص63، مواهب الجليل3/ 68.
(3)
أخرجه البخاري في الحج، باب من طاف بالبيت إذا قدم مكة. (63) 2/ 163، وباب الطواف على وضوء (78) 2/ 168، ومسلم في الحج، باب بيان أن المحرم بعمرة لا يتحلل بالطواف 8/ 219.
عليه.
وقد قال صلى الله عليه وسلم: «لتأخذوا عني مناسككم (1)» .
وجه الاستدلال منه من وجهين:
أ - أن فعل النبي صلى الله عليه وسلم في الطواف بيان لمجمل القرآن؛ لأن الله جل وعلا أمر بالطواف في كتابه العزيز ولم يبين كيفيته، فجاء البيان بفعله صلى الله عليه وسلم إذ توضأ قبل طوافه، والفعل إن جاء بيانا لأمر واجب دل على وجوبه، فدل ذلك على وجوب الطهارة من الحدث قبل الطواف.
ب - أن أمر النبي صلى الله عليه وسلم صحابته رضي الله عنهم بأخذ مناسكه، والاقتداء به في ذلك دليل على وجوب جميع ما صدر منه في بيان أفعال المناسك - إلا ما دل الدليل على استثنائه - ومن ذلك الطهارة من الحدث قبل الطواف.
الثاني: وبحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطواف بالبيت صلاة، إلا أن الله أباح فيه المنطق، فمن نطق فيه فلا ينطق إلا بخير (2)» .
وجه الاستدلال منه من وجهين:
أ - أن النبي صلى الله عليه وسلم شبه الطواف بالصلاة، وليس المراد التشبيه في الأفعال
(1) صحيح مسلم الحج (1297)، سنن النسائي مناسك الحج (3062)، سنن أبو داود المناسك (1970)، مسند أحمد بن حنبل (3/ 337).
(2)
تقدم تخريجه في بحث شروط الطواف، وأنه حديث صحيح.
والهيئة لتباينهما، وإنما المراد التشبيه بها في الحكم. فدل ذلك على أن للطواف جميع الأحكام المتعلقة بالصلاة - إلا ما استثناه الدليل - ومن ذلك اشتراط الطهارة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم:«لا يقبل الله صلاة بغير طهور (1)» .
ب - من قوله: «إلا أن الله أباح فيه المنطق (2)» فاستثناؤه صلى الله عليه وسلم إباحة المنطق في الطواف، دليل على اشتراط ما عداه، كما يشترط في الصلاة، ومن ذلك اشتراط الطهارة من الحدث.
الثالث: وبقوله صلى الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها حين حاضت وهي محرمة: «افعلي ما يفعل الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري (3)» . متفق عليه. وفي رواية لمسلم «حتى تغتسلي (4)» .
وجه الاستدلال منه:
أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص لعائشة أن تفعل وهي حائض جميع ما يفعله الحاج، ولم يمنعها إلا من الطواف، وجعل ذلك مقيدا باغتسالها وتطهرها، فدل ذلك على ترتيب منع الطواف على انتفاء الطهارة، وعلى أن الطهارة شرط لصحة الطواف، وعلى عدم صحته
(1) أخرجه مسلم في الطهارة، باب وجوب الطهارة للصلاة 3/ 102.
(2)
سنن الترمذي الحج (960)، سنن الدارمي كتاب المناسك (1847).
(3)
أخرجه البخاري في الحيض، باب الأمر للنساء إذا نفسن (1) 1/ 77، وباب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف (7) 1/ 79، وفي الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف. (81) 2/ 171، ومسلم في الحج، باب بيان وجوه الإحرام 8/ 146، 147.
(4)
أخرجه البخاري في الحيض، باب الأمر للنساء إذا نفسن (1) 1/ 77، وباب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف (7) 1/ 79، وفي الحج، باب تقضي الحائض المناسك كلها إلا الطواف. (81) 2/ 171، ومسلم في الحج، باب بيان وجوه الإحرام 8/ 146، 147.
بدونها؛ لأن النهي في العبادات يقتضي الفساد (1).
الرابع: وبقوله صلى الله عليه وسلم «لما أخبر بأن صفية حاضت: أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت. قال: فلا إذا (2)» .
وجه الاستدلال منه:
- إخباره بانحباسه - وانحباس من كان معه لانحباسه - لحيض صفية، لو لم تكن قد أفاضت، مع ما في ذلك من المشقة العامة، دليل ظاهر - إن لم يكن نصا صريحا - على اشتراط الطهارة لصحة الطواف.
الخامس: وقالوا: إنها عبادة متعلقة بالبيت، فكانت الطهارة شرطا لها كالصلاة (3).
2 -
واستدل أصحاب القول الثاني، القائلون بعدم اشتراط الطهارة بما يلي:
الأول: بقوله تعالى: {وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ} (4).
(1) انظر: المجموع 8/ 18، شرح فتح القدير 3/ 50.
(2)
متفق عليه من حديث عائشة رضي الله عنها أخرجه البخاري في الحج، باب إذا حاضت المرأة بعدما أفاضت (145) 2/ 195 واللفظ له، ومسلم في الحج، باب وجوب طواف الوداع 9/ 82 بلفظ:" لما أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن ينفر، إذا صفية على باب خبائها كئيبة حزينة، فقال: " عقرى حلقى، إنك لحابستنا " - ثم قال لها -:" أكنت أفضت يوم النحر "؟ قالت: نعم، قال:" فانفري ".
(3)
انظر: المغني 5/ 223، المنتقى 2/ 290.
(4)
سورة الحج الآية 29
وجه الاستدلال منها:
أن الله أمر بالطواف مطلقا عن شرط الطهارة، ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب بخبر الواحد (1).
الثاني: وبالأحاديث التي استدل بها أصحاب القول الأول.
وجه استدلالهم منها:
أن مقتضاها وجوب الطهارة من الحدث في الطواف، وذلك لا يستلزم اشتراطها؛ لأن الدليل عليها أخبار آحاد وهي توجب العمل، فيثبت بها الوجوب دون الفرضية، وأما القول باشتراطها فإنه يفضي إلى تقييد مطلق الكتاب بأخبار الآحاد، وهو ممنوع (2).
الثالث: وبما رواه سعيد بن منصور بسنده عن عطاء قال: «حاضت امرأة وهي تطوف مع عائشة رضي الله عنها فأتمت بها عائشة سنة طوافها (3)» .
قالوا: دل هذا الأثر على أن عائشة رضي الله عنها لم تر أن الحيض مانع من صحة الطواف؛ ولذا أتمت بها الطواف، والناس إنما تلقوا خبر منع الحائض من الطواف منها، فدل ذلك على أن منعها من الطواف لم يكن لعدم صحة الطواف منها.
الرابع: وبما رواه أحمد عن حماد بن أبي سليمان ومنصور بن المعتمر
(1) انظر: بدائع الصنائع 2/ 129.
(2)
انظر: شرح العناية على الهداية 3/ 50.
(3)
أورده في القرى ص265، وهداية السالك 2/ 763. شرح فتح القدير على الهداية 3/ 51.