الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
والتغيير إما بإنكار الوصية أو بالنقص فيها بعد أن علمها.
والله سميع لقول المبدلين والموصين، عليم بنياتهم وبكل فعل، وهذا وعيد شديد لهم، فاحذروا العقاب.
ثم استثنى من إثم التبديل حالة الإصلاح والنصح، وهي إذا خرج الموصي في وصيته عن منهج الشرع والعدل خطأ أو عمدا، فلمن علم بذلك أن يصلح بين الموصي والموصى له، أو بين الورثة والموصى لهم، بأن يرد الوصية إلى العدل والمقدار المحدد لها شرعا، ولا إثم على هذا التبديل، لأنه بحق، ولا ذنب عليه في ذلك، والله غفور لمن بدل للإصلاح، رحيم به.
المراد بكلمة {خَيْراً} : اختلف العلماء في المال الذي تفرض فيه الوصية، فقيل: إنه المال الكثير، كما فسرته السيدة عائشة رضي الله عنها. وقيل: أي مال قليلا كان أو كثيرا. ثم اختلفوا في ضابط التمييز بين الكثير والقليل: فقال ابن عباس: إذا ترك سبعمائة درهم فلا يوصي، فإن بلغ ثمانمائة درهم أوصى. وقال قتادة. ألف درهم. وعن عائشة أن رجلا قال لها: إني أريد أن أوصي، قالت:
كم مالك؟ قال: ثلاثة آلاف درهم، قالت: كم عيالك؟ قال: أربعة، قالت:
قال الله: {إِنْ تَرَكَ خَيْراً} وإن هذا الشيء يسير فاتركه لعيالك، فهو أفضل.
والظاهر-كما قال ابن عباس وجماعة من التابعين-: أن المراد المال مطلقا، قليلا كان أو كثيرا، لأن اسم الخير يقع على قليل المال وكثيره. والقضية راجعة إلى العرف، وتقدير الموصي وعدد أفراد الورثة، وظروف المعيشة وأوضاع الغلاء والرخص.
فقه الحياة أو الأحكام:
هذه الآية في رأي جمهور العلماء وأكثر المفسرين منسوخة بآية المواريث،
وبقوله صلى الله عليه وسلم-فيما يرويه أصحاب السنن وغيرهم عن عمرو بن خارجة-: «إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث» فصار وجوب الوصية للوالدين والأقربين الوارثين منسوخا، قال ابن كثير: بالإجماع، بل منهي عنه للحديث المتقدم عن عمرو بن خارجة.
أما الأقارب غير الوارثين: فيستحب أن يوصى لهم من الثلث، استئناسا بهذه الآية،
ولقوله صلى الله عليه وسلم-فيما رواه الصحيحان-عن ابن عمر: «ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده» قال ابن عمر:
«ما مرت علي ليلة منذ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك، إلا وعندي وصيتي» . والآيات والأحاديث بالأمر ببر الأقارب والإحسان إليهم كثيرة جدا.
وهناك أقوال في نسخ هذه الآية وهي:
1 -
ذهب ابن عباس والحسن البصري وطاوس ومسروق وآخرون: إلى أن الوصية للوالدين والأقربين الوارثين نسخت، وبقيت واجبة للقرابة غير الوارثين، لأن الوصية كانت واجبة بالآية لمن يرث ومن لا يرث من الأقربين، فنسخت منها الوصية للوارثين، وبقيت للأقربين غير الوارثين على الوجوب.
واختار ابن جرير الطبري في تفسيره هذا المذهب. ولكن على قول هؤلاء لا يسمى هذا نسخا في اصطلاح المتأخرين، وإنما هو تخصيص.
2 -
وذهب ابن عمر وأبو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وآخرون: إلى أن هذه الآية كلها منسوخة بآية المواريث، في حق من يرث وحق من لا يرث، بدليل ما
رواه الشافعي عن عمران بن حصين رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم «حكم في ستة مملوكين كانوا لرجل لا مال له غيرهم، فأعتقهم عند الموت، فجزأهم النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أجزاء، فأعتق اثنين، وأرقّ أربعة»
(1)
فلو كانت الوصية واجبة
(1)
رواه الدارقطني عن عمران بن حصين رضي الله عنه (تفسير القرطبي: 271/ 2 - 272).