الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
المناسبة:
مناسبة الآية لما قبلها ظاهرة، وذلك أن من يعبد الله تعالى بالصيام، فحبس نفسه عمّا تعوّده من الأكل والشرب والمباشرة للمرأة في النهار، ثم حبس نفسه عن الممنوعات في الصيام، جدير به ألا يكون مطعمه ومشربه إلا من الحلال الخالص الذي ينور القلب، ويزيده بصيرة، ويفضي به إلى الاجتهاد في العبادة، فنهي عن أكل الحرام المؤدي إلى عدم قبول صيامه.
التفسير والبيان:
أبان الله تعالى في آيات الصيام حلّ أكل الإنسان من ماله، وناسب هنا أن يذكر حكم أكل مال الغير.
نهانا الله تعالى أن يأكل بعضنا أموال بعض بغير وجه مشروع، وأضاف كلمة {أَمْوالِ} إلى الجماعة إشعارا بأن المال في الحقيقة مال الأمة أو الجماعة، فهي أمة واحدة متكافلة، وتنبيها إلى أن احترام وحفظ مال غيرك احترام وحفظ لمالك.
فيكون التعدي على مال الآخرين جناية على الأمة التي هو فرد منها وعضو فيها. وأضيفت الأموال إلى ضمير المنهي، لأن كل واحد منهي ومنهي عنه.
والأكل بالباطل: يشمل كل ما أخذ بغير وجه الحق، كالرّبا والقمار، لأنه أخذ بدون مقابل، والرشوة والدفاع بالباطل، لأنهما إعانة على الظلم، والصدقة على القادر على الكسب، لأنها إذلال له، ولا تحل للآخذ إذا كان غير مضطر إليه، والسرقة والغصب، لأنهما اعتداء على مال الغير، سواء أكان غصب مال عيني أم غصب المنافع، أم التعدي على منفعة الآخرين، كالتسخير بدون مقابل أو الإنقاص من الأجر، وأكل مال اليتيم ظلما، وأجور الرقص والغناء، ومهور البغايا، ومقابل التمائم والعزائم وختمات القرآن، والمأخوذ غشا واحتيالا وزورا
وبهتانا، ونحو ذلك من أموال السحت والحرام، التي تؤدي إلى النار، لأن كل جسم نبت من حرام فالنار أولى به.
وقد جاء النهي عن أكل الأموال بالباطل في آيات أخرى، منها:{يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ إِلاّ أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ} [النساء 29/ 4]، ومنها:{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً..} . [النساء 10/ 4].
ومعنى {وَتُدْلُوا بِها إِلَى الْحُكّامِ} : ألا تلقوا بالأموال إلى الحكام رشوة لهم، لأخذ شيء من أموال الناس بالإثم كاليمين الكاذبة الفاجرة أو شهادة الزور، أو نحو ذلك من وسائط الوصول إلى الحرام. وتشمل هذه الآية وجهين:
الأول-تقديم الأموال رشوة للحكام، ليقضوا لهم بالباطل وأخذ حق الغير.
الثاني-رفع القضايا للمحاكم، اعتمادا على الحجة الباطلة، وتزييف الحقائق، وشهادة الزور، واليمين الغموس. وهذا ما حذر منه النّبي صلى الله عليه وسلم في
حديث أم سلمة الذي رواه مالك وأحمد وأصحاب الكتب الستة، قالت:«كنت عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاء رجلان يختصمان في مواريث وأشياء أخرى» ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:«إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له بنحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار» ، فبكى الخصمان، وقال كل واحد منهما: أنا حلّ لصاحبي، فقال صلى الله عليه وسلم:«اذهبا فتوخّيا، ثم استهما، ثم ليحلل كل واحد منكما صاحبه»
(1)
.
(1)
ألحن: أفطن وأعرف وأقدر عليها من صاحبه. والتوخي: قصد الحق، والاستهام: الاقتراع، أي اقصدا الحق في القسمة، وليأخذ كل منكما ما تخرجه القرعة من النصيب أو السهم.