الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أَنْ يَقُولُوا: آمَنّا، وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا، وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ} [العنكبوت 1/ 29 - 3]. وقال سبحانه:{أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ، وَلَمّا يَعْلَمِ اللهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ، وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ} [آل عمران 142/ 3].
بل ولم يصل المسلمون في الماضي أو الحاضر إلى ما تعرض له الرسل السابقون، فقد قتل بعضهم، ونشر بعضهم بالمنشار وهو حيّ
(1)
، وأحرق بعض المؤمنين بالنار، كما فعل بأصحاب الأخدود باليمن بإخبار الله:{قُتِلَ أَصْحابُ الْأُخْدُودِ. النّارِ ذاتِ الْوَقُودِ. إِذْ هُمْ عَلَيْها قُعُودٌ. وَهُمْ عَلى ما يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ. وَما نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [البروج 4/ 85 - 8].
فقه الحياة أو الأحكام:
إن الحاجة إلى الرسل والأنبياء والكتب السماوية قائمة ومؤكدة في كل زمان ومكان، لأنهم يرشدون الناس إلى الدين الحق، والاعتقاد الصحيح، ويبينون للناس طريق الحياة الصحيحة، ومنهج السعادة في الدنيا والآخرة، ويضعون الحدود الواضحة بين الحق والباطل، ويفصلون بالعدل في منازعات الناس.
ولا تصلح الفطرة أو الطبيعة بمجردها سبيلا للهداية والرشد، لأنها مجهولة وغائمة وغير منضبطة، كما لا تصلح العقول البشرية لتسيير شؤون الحياة، فهي متفاوتة، مضطربة أحيانا، عاجزة وقاصرة عن إدراك الحقائق، وإذا أدركت
(1)
روى البخاري عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: «شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال: قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل، فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمنّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله، والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» .
بعض عقول الحكماء سبيل الحق ونطقت بالحكمة، فذلك محصور في فئة قليلة من الناس، ولا يستقيم القول أو يظهر صدق النظرية التي يقررها العالم إلا بعد أن تمرّ بتجارب طويلة، وحلقات متواصلة من البحث والدراسة والتأمل والفكر، فيتضرر الناس الذين ينتظرون نتائج مصداقية القول أو الحكمة إلى زمن قد يطول وقد يقصر، وربما تأثر الإنسان بالأهواء والشهوات، أو بالمنافع والمصالح الخاصة، فلا يكتب لرأيه القبول أو النجاح.
فكان من حكمة الله تعالى وفضله ورحمته إرسال الرسل والأنبياء ليقودوا الفطرة والعقل البشري إلى ما هو خير للدنيا والآخرة، قبل فوات الأوان، والوقوع في العثرات، وانتظار ما تسفر عنه التجارب والنظريات، ولإقرار الحق والعدل، دون التأثر برعاية مصلحة خاصة.
وقد صحح الله أخطاء الأفهام وبيّن وجه الخطأ في ظن الصواب، من بعد ما جاءهم العلم، وسطعت البينات (الدلائل على عصمة الكتاب من وصمة إثارة الخلاف) وهو ما استدركته الآية:{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ.} . ومفاد الاستدراك:
أن غرائز البشر وحدها ليست كافية في توجيه أعمالهم إلى ما فيه صلاحهم، فلا بدّ لهم من هداية أخرى تعليمية تتفق مع القوة المميزة لنوعهم، وهي قوة الفكر والنظر، تلك الهداية التعليمية هي هداية الرسل منهم، والكتب التي ينزلها الله عليهم، مع الأدلة القائمة على عصمة الرسل من الكذب، وعصمة الكتب من الخطأ، فعلى الناس أن يستعملوا عقولهم في فهم الأدلة على الرسالة والعصمة أولا، وإذا فهموها استعدوا حتما للتصديق بدعوة الرسل. وإذا آمنوا بتلك الدعوة، وعقلوا ما جاءت به الرسل، وجب عليهم أن يلازموه ولا يعدلوا عنه
(1)
.
وأرشدت آية {أَمْ حَسِبْتُمْ.} . إلى أن للإيمان حقوقا وواجبات تؤدي إلى
(1)
تفسير المنار: 228/ 1 وما بعدها.