الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وهل القبلة للغائب عين الكعبة أو الجهة
؟
قال الشافعية: فرض الغائب إصابة عين الكعبة، لأن من لزمه فرض القبلة، لزمه إصابة العين، كالمكي، ولقوله تعالى:{وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أي أنه يجب عليه التوجه إلى الكعبة، فلزمه التوجه إلى عينها كالمعاين.
وقال الجمهور غير الشافعية: فرض الغائب إصابة جهة الكعبة،
لقوله صلى الله عليه وسلم فيما رواه الترمذي وابن ماجه: «ما بين المشرق والمغرب قبلة» وظاهره أن جميع ما بينهما قبلة، ولأنه لو كان الفرض إصابة عين الكعبة، لما صحّت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها. ويؤكده قول ابن عباس رضي الله عنهما: الكعبة قبلة من في المسجد، والمسجد قبلة من خارجه في مكة، ومكة قبلة سائر الأقطار. وهذا مأخوذ من حديث سيأتي.
قال القرطبي: استقبال الجهة هو الصحيح لثلاثة أوجه:
الأول-أنه الممكن الذي يرتبط به التكليف.
الثاني-أنه المأمور به في القرآن، لقوله تعالى:{فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ، وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} أي في أي مكان كنتم من الأرض في شرق أو غرب، فاتجهوا شطر المسجد الحرام.
الثالث-أن العلماء احتجوا بالصف الطويل الذي يعلم قطعا أنه أضعاف عرض البيت
(1)
. وهذا هو الراجح لدي، لعدم إمكان استقبال العين، وللتيسير على الناس،
روى ابن عباس رضي الله عنهما أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: «البيت قبلة
(1)
تفسير القرطبي: 160/ 2
لأهل المسجد، والمسجد قبلة لأهل الحرم، والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي».
وقد انبنى على هذا الخلاف خلاف آخر في حكم الصلاة فوق الكعبة:
أجاز الحنفية القائلون بأن القبلة الجهة-من قرار الأرض إلى عنان السماء- الصلاة فرضا أو نفلا فوقها، مع الكراهة، لما في الاستعلاء عليها من سوء الأدب، وترك التعظيم الواجب لها، ونهي النبي عنه.
وأجاز الشافعية الصلاة فرضا أو نفلا على سطح الكعبة إن استقبل من بنائها أو ترابها شاخصا (سترة) ثابتا، كعتبة، وباب مردود أو عصا مسمّرة أو مثبتة فيه، قدر ثلثي ذراع تقريبا فأكثر بذراع الآدمي، وإن بعد عن الشاخص ثلاثة أذرع.
وأباح الحنابلة أيضا صلاة النافلة على سطح الكعبة، ولكن لا تصح عندهم صلاة الفريضة، لقوله تعالى:{وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ} والمصلي على ظهرها غير مستقبل لجهتها، والنافلة مبناها على التخفيف والمسامحة، بدليل صلاتها قاعدا، أو إلى غير القبلة في السفر على الراحلة.
ومنع المالكية من صحة الصلاة فوق الكعبة، لأن المستعلي عليها لا يستقبلها، إنما يستقبل شيئا غيرها.
ودلّ قوله تعالى: {فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ} على أن المصلي ينظر أمامه، لا إلى موضع سجوده، وإلا كان متجها إلى غير شطر المسجد الحرام. وهذا مذهب مالك. وقال الجمهور: يستحب أن ينظر المصلي قائما إلى موضع سجوده. وأضاف الحنفية: وينظر المصلي حال الركوع إلى قدميه، وحال السجود إلى أرنبة أنفه، وحال الجلوس إلى حجره. وهذا الرأي هو الأصح،
لتحقق الاستقبال والتوجه شطر المسجد الحرام، وأما النظر إلى هذه المواضع فلمنع المصلي أن يتشاغل في الصلاة بغيرها إذا لم يحصر بصره في هذه الجهات التي عينوها للنظر. وبهذا الأمر:{فَوَلِّ وَجْهَكَ.} . نسخ التوجه إلى بيت المقدس.
وأرشدت الآية (145) إلى أن زحزحة أهل الكتاب عن دينهم أو قبلتهم أمر ميئوس منه، مهما حاول الإنسان إقناعهم، لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق، ولا تنفعهم الآيات، أي العلامات الدالة على صدق رسالة الإسلام ووجوب اتباعه، وأنه لو أقام النبي عليهم كلّ دليل على صحة ما جاءهم به، لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال الله تعالى:{إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ} [يونس 96/ 10 - 97].
وقوله تعالى: {وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ} لفظ خبر، ويتضمن الأمر، أي فلا تركن إلى شيء من ذلك.
ثم أخبر الله تعالى أن اليهود ليست متّبعة قبلة النصارى، ولا النصارى متّبعة قبلة اليهود، وهذا دليل على اختلافهم وتدابرهم وضلالهم.
والخطاب في قوله تعالى: {وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ.} . للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد بعض أمته، وهو من يجوز أن يتّبع هواه، فيصير باتباعه ظالما، وليس يجوز أن يفعل النّبي صلى الله عليه وسلم ما يكون به ظالما، فهو محمول على إرادة أمته، لعصمة النّبي صلى الله عليه وسلم، ويقيننا أن ذلك لا يكون منه، وخوطب النّبي صلى الله عليه وسلم تعظيما للأمر، ولأنه المنزل عليه القرآن. وكذلك قوله تعالى:{فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} أي الشاكّين، الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أمته.
ومما يوضح عناد أهل الكتاب واستكبارهم عن قبول الإسلام أو الحق: أنهم ولا سيما علماؤهم يعرفون نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وصدق رسالته، كما يعرفون أبناءهم،
وخصّ الأبناء في المعرفة بالذكر دون الأنفس، لأن الإنسان قد ينسى نفسه، ولا ينسى ابنه. روي أن عمر قال لعبد الله بن سلام: أتعرف محمدا صلى الله عليه وسلم كما تعرف ابنك؟ فقال: نعم وأكثر، بعث الله أمينه في سمائه، إلى أمينه في أرضه، فعرفته، وابني لا أدري ما كان من أمّه.
وأهل الكتاب يكتمون الحق يعني محمدا صلى الله عليه وسلم، ويعلمون نبوته، وهذا ظاهر في صحة الكفر عنادا، مثل قوله تعالى:{وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ} [النمل 14/ 27]، وقوله:{فَلَمّا جاءَهُمْ ما عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ} [البقرة 89/ 2].
والحق: وهو استقبال الكعبة وغيره، من الله، لا ما أخبر به اليهود من قبلتهم، ولا ما أخبر به النصارى، فالقول الفصل هو للوحي الإلهي، لا لأهواء الجاحدين.
والمراد بالخطاب في قوله: {فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ} في المعنى هو الأمة. والنهي عن كونه منهم أبلغ من النهي عن نفس الفعل، فقولك: لا تكن ظالما أبلغ من قولك: لا تظلم.
والخلاصة: أن جحدهم تحويل القبلة عناد ومكابرة، لأنهم يعلمون علم اليقين نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، ومتى ثبتت نبوته كان كل ما يفعله إنما هو عن وحي من ربه.