الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مخصوصة أيضا بغير الآيسة والصغيرة، لأن عدتهما ثلاثة أشهر، وكذلك غير الحوامل لأن عدة الحوامل بوضع الحمل، كما في قوله تعالى:{وَاللاّئِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ، وَاللاّئِي لَمْ يَحِضْنَ، وَأُولاتُ الْأَحْمالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ.} . [الطلاق 4/ 65]. وعدة الإماء: قرءان، بالسّنة.
{ما خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحامِهِنَّ} من الولد أو الحيض. {وَبُعُولَتُهُنَّ} أزواجهن، مفرده بعل أي زوج، والمراد هنا الزوج الذي طلق. {إِنْ أَرادُوا إِصْلاحاً} بينهما، لا إضرار المرأة، وهو تحريض على قصده، لا شرط لجواز الرجعة، وهذا في الطلاق الرجعي. {وَلَهُنَّ} للنساء على الأزواج. {مِثْلُ الَّذِي} لهم {عَلَيْهِنَّ} من الحقوق. {بِالْمَعْرُوفِ} شرعا، من حسن العشرة وترك الإضرار ونحو ذلك. {وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ} أي فضيلة في الحق، من وجوب طاعتهن لهم، لما ساقوه من المهر والإنفاق. {وَاللهُ عَزِيزٌ} في ملكه. {حَكِيمٌ} فيما دبّره لخلقه.
سبب النزول:
أخرج أبو داود وابن أبي حاتم عن أسماء بنت يزيد بن السّكن الأنصارية، قالت: طلّقت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن للمطلقة عدّة، فأنزل الله العدة للطلاق:{وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ} .
التفسير والبيان:
لتتربص ثلاث حيضات أو أطهار بعد الطلاق حرائر النساء اللاتي يطلقن، وهن من ذوات الحيض، للتعرف على براءة الرحم من الولد، فيؤمن من اختلاط الأنساب، وقد أخرج من حكم الآية كما بيّنا ثلاثة أصناف من النساء:
وهنّ المطلقات قبل الدخول، فلا عدّة عليهن، والصغيرات قبل سنّ الحيض واليائسات من المحيض لكبر السّن، فعدتهن ثلاثة أشهر، والحوامل فعدتهن وضع الحمل، فصارت الآية هنا خاصة بعدّة النساء الممكنات الحيض، غير المدخول بهنّ، وغير الحوامل.
والتعبير بقوله: {يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ} يشير إلى أن على النساء أن يحملن
أنفسهن على الصبر والانتظار لإتمام تلك المدة، حتى تنقضي العدّة، فلا يسايرن أهواءهن وشهواتهن، إذ قد تكون أنفسهن تواقة إلى سرعة انقضاء العدّة، والتزوّج بزوج آخر. وفي هذا التعبير لفت نظر لطيف، فيه تعظيم وتبجيل، إذ لم يؤمرن بذلك أمرا صريحا.
وحكمة هذا التربّص: هو التعرّف على براءة الرحم، فلا تختلط الأنساب، لذا لا يحلّ للنساء أن يكتمن شيئا مما في أرحامهن من حمل أو حيض، وإن طالت العدة للتزوج بزوج آخر، ولا يحلّ لهنّ الكذب بكتمان الحيض أيضا لأجل استدامة النفقة ما دمن في العدّة، وقد جرت المحاكم الآن على أن أقصى العدّة سنة قمرية، كما هو مذهب مالك رحمه الله تعالى.
وذلك إذا كنّ مؤمنات إيمانا صادقا بالله وباليوم الآخر، فلا يخفى على الله شيء، ويحاسب كل إنسان على قوله وفعله يوم القيامة، مما يقتضي أن تكون المرأة أمينة على ما في رحمها، فإن لم تكن أمينة لعدم إيمانها الكامل أضلّت نفسها وغيرها. وفي هذا تهديد شديد ووعيد لهن على خلاف الحق، مما يدل على أن المرجع في هذا إليهن، لأنه أمر لا يعلم إلا من جهتهن، ويتعذر إقامة البيّنة غالبا عليه، فردّ الأمر إليهن وتوعدن فيه لئلا يخبرن بغير الحق، إما استعجالا منها لانقضاء العدّة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في الحالين من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في شأنها من غير زيادة ولا نقصان.
وأزواجهن في حال الطلاق الرجعي أحقّ برجعتهن إلى بيت الزوجية، في مدة العدّة، حرصا من الشرع على إبقاء الرابطة الزوجية السابقة، فليس هناك من الحلال أبغض عند الله من الطلاق، وعلى المرأة الاستجابة إلى طلب الزوج الرجعة، بشرط أن يكون المقصود بالرجعة: الإصلاح والخير للزوجين. أما إذا كان القصد هو الانتقام والإضرار ومنعها من الزواج بآخر، حتى تكون كالمعلّقة،
لا هي زوجة له بالمعنى الكريم، ولا يمكّنها من التزوّج بغيره، فهو آثم عند الله، بإلحاق الضرر بها، والحيلولة بينها وبين الزواج برجل آخر.
وهذا يدل على أن الرجعة مشروطة ديانة بإرادة الإصلاح، ونية المعاشرة بالمعروف. وبمناسبة الرجعة ذكّر الله الزوجين بما لهما من الحقوق وما عليهما من الواجبات، فللرجل حقوق، وعليه واجبات للمرأة، وللمرأة مثل ذلك.
وهما متساويان في الحقوق والواجبات، لأن لكل منهما كرامة إنسانية وأهلية تامة من عقل وتفكير ورغبات ومشاعر وإحساسات، وحقّا في العيش الحرّ الكريم، إلا في درجة القوامة: أي تسيير شؤون الأسرة المشتركة والقيام على مصالحها بقيادة الرجل، لما فضله الله على المرأة بسعة العقل والخبرة، والحكمة والاتّزان دون التأثر السريع بالعواطف العابرة، ولأنه الذي ينفق ماله وكسبه من بداية تكوين الزواج بدفع المهر، إلى نهايته بالنفقة الدائمة على شؤون الحياة بتوفير المسكن والملبس والطعام، كما قال الله تعالى:{الرِّجالُ قَوّامُونَ عَلَى النِّساءِ، بِما فَضَّلَ اللهُ بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ، وَبِما أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوالِهِمْ} [النساء 34/ 4].
وسبب القوامة أن كل شركة أو حياة اجتماعية تتطلب وجود رئيس مسئول عنها، يتحمل الأعباء، ويستعد لتحمل المغارم والخسارات، ويدير أمر هذه المؤسسة بما يوصلها إلى شاطئ الأمن والسعادة والاستقرار، في داخل المنزل وخارجه، تعليما وتعلّما، وتمكينا من ممارسة الخبرات والمهارات التي تفيد الزوجة والفتاة في حاضر الزمان ومستقبله.
وإذا كان اضطلاع الرجل غالبا بالمهام الملقاة على عاتقه خارج المنزل، لتوفير المورد والكسب المطلوب لحياة الأسرة، فإن المرأة تضطلع غالبا بمسؤوليات جسام تكمل مهمة الرجل، في رحاب البيت، فهي الملكة التي تربي الأولاد على الأخلاق والفضائل، وهي التي تعين الرجل على توفير متطلبات الحياة
الضرورية، وهذا هو حكم النّبي صلى الله عليه وسلم بين علي وفاطمة رضي الله عنهما، إذ جعل فاطمة في البيت تديره وترعاه، وعليّا كرّم الله وجهه خارج البيت يكافح ويبحث عن الرزق، ويجاهد في سبيل الله والحق، وفي سبيل أسرته.
ولا مانع من عمل المرأة خارج المنزل عند الحاجة بشرط التزام ما يقتضيه الدّين والخلق وعدم الخلوة، والسّتر المطلوب شرعا، فكل المرأة عورة ما عدا الوجه والكفين، لكنهما مما يجب غضّ البصر عنهما كباقي جسد المرأة
(1)
، كما يشترط أن تكون المرأة في العمل حرّة أبية لا تلين في الكلام، لقوله تعالى:
{فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ، فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ، وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً* وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى.} . [الأحزاب 32/ 33 - 33].
وأما عدم التقيد بالقيود الشرعية لعمل المرأة فيؤدي إلى كثير من المفاسد والفتن، ولتكن المرأة متيقظة دائما، فإنه لا يراد بمحادثتها غالبا إلا السوء، وجعلها أداة تسلية ومتعة.
وما أروع ما ختمت به الآية من التذكير بعزة الله وقدرته التي لا تغلب، وبحكمته بوضع الشيء في موضعه المناسب له، فهو حكيم الصنع والأمر والبيان، فمن عزته وحكمته: إنصاف المرأة بجعلها في الحقوق والواجبات كالرجل، بعد أن كانت كالمتاع لا تتمتع بالحقوق الكريمة، وإعطاء الرجل حق القوامة (الرياسة)، فلا يغترن بهذه الدرجة، فإذا دعته قدرته إلى ظلم المرأة أو غيرها، فليذكر قدرة الله عليه، وليكن الرجل حكيم القيادة، متحملا لمهام المسؤولية الملقاة على عاتقه، بكل ثقة وأمانة وجرأة وعدالة فلا يتساهل في حكم شرعي، لأنه راع، وكل راع مسئول عن رعيته، ولا يفرط في واجب عند القدرة، ولا يغمط أحدا في الأسرة حقه، لأن الله سائله عما يعمل. وفي هذا من الوعيد لمن خالف أحكام الله تعالى.
(1)
إلا في حدود ما تتطلبه المعاملة، أو تقتضيه الضرورة كالعلاج والتعلّم والشهادة أمام القضاء.