الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
النسل، إرضاء لنزعات نفسه الأمّارة بالسوء، وانقيادا لأهوائه وشهواته، وإيثارا لمقاصده الدنيوية الحقيرة، والله سبحانه لا يرضى بالفساد ولا يحبه، ولا يحب المفسدين، ولا ينظر إلى الصور والأقوال، وإنما ينظر إلى القلوب والأعمال.
وإذا نصحه إنسان، فقال له: اتّق الله، حملته الحمية الجاهلية، والعزّة الشيطانية على ارتكاب الإثم والحرام، لأنه ينفر من الصلاح والمصلحين، فيكفيه عذاب جهنم، فهي مأواه ومهاده، ولبئس المهاد مهاده، بسبب سوء عمله في الدنيا، وسوء خداعه وحاله ولحنه في كلامه، قال الله تعالى:{وَلَوْ نَشاءُ لَأَرَيْناكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيماهُمْ، وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ، وَاللهُ يَعْلَمُ أَعْمالَكُمْ} [محمد 30/ 47].
وأما الصنف الثاني: فهو فريق يبيع نفسه ابتغاء مرضاة الله، فتراه يجاهد في سبيل الله لإقرار الحق والعدل، ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويتحرى صالح الأعمال وقول الحق، مع الصدق والإخلاص فيهما، وليس له لسانان أو وجهان، ولا يؤثر عرض الدنيا على ما عند ربه من حسن الجزاء، والله رءوف بالناس، فيجزيهم بالنعيم الدائم على العمل القليل، ولا يكلفهم فوق الطاقة، وينشر عليهم واسع رحمته وإحسانه وكرمه، ولولا ذلك لغلب شرّ أولئك المفسدين في الأرض، حتى لا يبقى فيها صلاح:{وَلَوْلا دَفْعُ اللهِ النّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} [البقرة 251/ 2].
فقه الحياة أو الأحكام:
قال علماء المالكية: في هذه الآية دليل وتنبيه على الاحتياط في أمور الدين والدنيا، واستبراء أحوال الشهود والقضاة، وأن الحاكم لا يعمل على ظاهر أحوال الناس وما يبدو من إيمانهم وصلاحهم، حتى يبحث عن باطنهم، لأن الله تعالى بيّن أحوال الناس، وأن منهم من يظهر قولا جميلا، وهو ينوي قبيحا.
وأما
قوله عليه الصلاة والسلام فيما رواه الجماعة عن أم سلمة: «فأقضي له على نحو ما أسمع» فكان هذا في صدر الإسلام حيث يكتفي بالظاهر لسلامة أحوال الناس، أما بعد أن عمّ الفساد، فلا بدّ من التزكية والتعرّف على البواطن
(1)
.
والصحيح كما قال القرطبي: أن الظاهر يعمل به حتى يتبيّن خلافه، لقول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صحيح البخاري:«أيها الناس، إن الوحي قد انقطع، وإنما نأخذكم الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا خيرا أمّناه وقرّبناه، وليس لنا من سريرته شيء، الله يحاسبه في سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نؤمنه ولم نصدقه، وإن قال: إن سريرته حسنة»
(2)
.
وأرشدت الآية إلى أن فريق المنافقين شأنه الإفساد والتدمير والتخريب من الباطن، وهو لا يتّقي الله، ولا يخشاه، فحقّ له العذاب في جهنم، فهي مأواه ومصيره، وبئس المصير.
كما أرشدت الآية إلى أن المخلص في عمله لله، والذي جاهد في سبيل الله، يستحق رضوان الله ورحمته، ويظفر بجنان الخلد، كما قال الله تعالى:{إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ.} . إلى قوله: {فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ، وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة 111/ 9].
والفريق الأول يوجد في كل أمة، فقد يخدع الشخص فردا واحدا أو أفرادا معدودين، وقد يخدع الأمة بأجمعها، فيوقعها في مهاوي الشرّ والعذاب. وقد يعتمد هذا الصنف على الأيمان الكاذبة، فيحلف بالله أن ما في قلبه موافق لما يقول
(1)
أحكام القرآن لابن العربي: 143/ 1
(2)
تفسير القرطبي: 16/ 3
ويدّعي، وفي معنى الحلف: أن يقول الإنسان: الله يعلم أو يشهد بأنني أحب كذا، وأريد كذا، قال العلماء: إن هذا آكد من اليمين، ورأى بعض الفقهاء:
أن من قاله كاذبا يكون مرتدا، لأنه نسب الجهل إلى الله تعالى، وعلى كل حال:
إن أقل ما يدل عليه هذا هو عدم المبالاة بالدين، ولو لم يقصد صاحبه نسبة الجهل إلى الله عز وجل، فهو قول لا يصدر إلا عن المنافقين الذين {يُخادِعُونَ اللهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا.} . [البقرة 9/ 2]
(1)
.
ودلّ التعبير القرآني الموجز: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللهِ} على حقيقة ثابتة وهي أن وجود فئة المخلصين بين الناس رحمة عامة للعباد، لا خاصة بهم، فكثيرا ما ينتفع الناس بعمل المصلحين من دونهم، إذ تظهر ثمرات إصلاحهم من بعدهم، وعلى من يبذل نفسه ابتغاء مرضاة الله تعالى في نفع عباده ألا يتهور ويلقي بنفسه في التهلكة، بل عليه أن يكون حكيما يقدّر الأمور بقدرها، إذ ليس المقصود بهذا الشراء:{إِنَّ اللهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ.} . [التوبة 111/ 9] إهانة النفس ولا إذلالها، وإنما المراد دفع الشرّ، وفعل الخير العام، رأفة بالعباد، وإيثارا للمصلحة العامة
(2)
وكون آية: {وَمِنَ النّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا.} . نزلت في الأخنس، فلا يخصصها، وإنما هي عامة في كل من يتصف بصفته، لأن العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص السبب، قال سعيد المقبري: إن في بعض الكتب: إن عبادا ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر
(3)
، لبسوا للناس مسوك
(4)
الضأن من اللين، يشترون الدنيا بالدين، قال الله تعالى: عليّ تجترئون
(1)
تفسير المنار: 196/ 2
(2)
المرجع السابق: 204/ 2
(3)
جاء في الترمذي حديث: «إن في بعض كتب الله أن من عباد الله قوما ألسنتهم أحلى من العسل، وقلوبهم أمرّ من الصبر..» الحديث.
(4)
المسوك: الجلود، جمع مسك.