الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فكان الحي إذا كان فيهم عدة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم، قالوا:
لا نقتل به إلا حرا، اعتزازا بأنفسهم على غيرهم. وإن قتلت لهم امرأة قالوا:
لا نقتل بها إلا رجلا، فأنزل الله هذه الآية، يخبرهم أن العبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي.
ثم أنزل الله تعالى في سورة المائدة بعد ذلك: {وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ، وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ، وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ، وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ} [المائدة 45/ 5].
وروي عن السّدّي أنه قال في هذه الآية: اقتتل أهل ملتين من العرب، أحدهما مسلم والآخر معاهد، في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النّبي صلى الله عليه وسلم-وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء-على أن يؤدي الحر دية الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصهم بعضهم من بعض.
فنزلت الآية لتأييد حكمه.
التفسير والبيان:
كانت عقوبة القاتل قبل الإسلام متعددة الأنواع، فعند اليهود القصاص، وعند النصارى الدية، وعند عرب الجاهلية تشيع عادة الأخذ بالثأر، فيقتل غير القاتل، وقد يقتلون رئيس القبيلة، أو أكثر من واحد من قبيلة القاتل، وربما طلبوا بالواحد عشرة، وبالأنثى ذكرا وبالعبد حرا.
ثم قرر الإسلام أخذا بالعدل والمساواة عقوبة القصاص، لأنها تزجر الناس عن ارتكاب جريمة القتل، وما تزال هذه العقوبة هي الزاجرة في عصرنا الحاضر، إذ أن السجن لا يزجر كثيرا من المجرمين سفاحي الدماء. وتشريع الله هو الأعدل والأحكام والأسدّ، لأن الله أعلم بما يصلح الناس، وبما يربي الأمم والشعوب. وأباح الشرع أخذ الدية بدلا عن القصاص.
ومعنى الآية: يا أيها الذين آمنوا فرض عليكم القصاص بسبب القتلى، فتقتصوا من القاتل بمثل ما فعل في القتيل، ولا يبغين بعضكم على بعض، فيقتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، مثلا بمثل، ودعوا الظلم الذي كان بينكم، فلا تقتلوا بالحر أكثر من واحد، ولا بالعبد حرا، ولا بالأنثى رجلا.
وبينت السنة أن الذكر يقتل بالأنثى، والحر بالعبد إذا لم يكن سيده.
فالعدل مطلوب في القصاص، والمساواة شرط فيه، فلا يقتل الكثير بالقليل، ولا السيد بالمسود، وإنما ينحصر بالقاتل، لا يتجاوزه إلى أحد أفراد قبيلته، أو أقاربه، أو عشيرته.
فمن عفي له عن جنايته من جهة أخيه ولي الدم، حتى ولو كان واحدا من أولياء الدم أو القتيل: وهم عصبته الذين يعتزون بوجوده، ويألمون لفقده، بأن كان العفو من القصاص إلى الدية، فيجب على العافي وغيره أن يحسن في الطلب من غير إرهاق ولا تعنيف، وعلى المؤدي الأداء من غير مطل ولا تسويف. كما يجوز العفو عن الدية أيضا، لقوله تعالى:{وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلى أَهْلِهِ إِلاّ أَنْ يَصَّدَّقُوا} [النساء 92/ 4].
ذلك الحكم الذي شرعناه من العفو عن القاتل إلى الدية أو بدون دية:
تخفيف وتسهيل ورخصة من ربكم، ورحمة لكم، وأي رحمة أفضل من الإبقاء على الحياة وعدم سفك الدماء. ولم يكن أخذ الدية مشروعا عند اليهود، وليس لأولياء المقتول إلا القصاص. فمن اعتدى بعد أخذ الدية وقتل القاتل، أو تجاوز ما شرعناه وعاد إلى عادة الجاهلية، فله عذاب شديد الألم يوم القيامة. فالتخفيف بالعفو بنوعيه قائم، لأن أهل التوراة لهم القصاص، وأهل الإنجيل لهم العفو بلا دية.
وحكمة القصاص: أنه يساعد على توفير الحياة الهانئة المستقرة للجماعة،
ويزجر القاتل وأمثاله، ويقمع العدوان، ويخفف من ارتكاب جريمة القتل، إذ من علم أنه إذا قتل غيره قتل به، امتنع عن القتل، فحافظ على الحياتين: حياة القاتل والمقتول، كما أن القصاص يمنع انتشار الفوضى والتجاوز والظلم في القتل، ويحصر الجريمة في أضيق نطاق ممكن، ويشفي غليل ولي القتيل، ويطفئ نار غيظه، ويستأصل من نفسه نار الشر والحقد والتفكير بالثأر. قال ابن كثير:
معنى قوله: وفي شرع القصاص لكم وهو قتل القاتل حكمة عظيمة: وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل، انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس.
والذي يقدر حق الحياة المقدسة، ويفقه سر التشريع بالقصاص وما يحققه من مصلحة عامة وخاصة، هم العقلاء، فعليهم إدراك الحكمة وفهم دقائق الأحكام الشرعية. فإذا فهم العقلاء أن القصاص سبب للحفاظ على الحياة
(1)
، وحذروا الناس من جريمة القتل، اتقوا القتل وسلموا من القصاص، فالمراد هنا من «تتقون» اتقاء القتل، فتسلمون من القصاص، إذ العاقل يحرص على الحياة، ويحترس من تطبيق القصاص.
وقد اتفق علماء البلاغة إلا من شذ للوثة في عقله وهوى في نفسه، على أن عبارة:{وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ} أبلغ وأحكم وأفصح وأوجز، وأوفى بالمقصود من كلام فصحاء العرب:«القتل أنفى للقتل» ، لأن كل قصاص فيه صون الحياة، أما القتل فقد يكون ظلما، فيصبح أدعى للقتل، وسببا في زيادته، ولا ينفي القتل إلا إذا كان عدلا، وأما القصاص عقوبة فهو عدل دائما، لأنه لا يصدر عن القاضي الحكم به إلا بعد توافر الإثباتات اللازمة على جريمة القاتل،
(1)
قال أبو حيان في (البحر المحيط 15/ 2) المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة أو نوع من الحياة، وهو الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل، لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل.