الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الذي يملأ الكف بالاغتراف، وكان المسموح به هو غرفة واحدة لا زيادة عليها. {وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ} وهم أصحاب الغرفة الذين اقتصروا عليها، وكانوا ثلثمائة وبضعة عشر رجلا {لا طاقَةَ} قوة {بِجالُوتَ وَجُنُودِهِ} أي لا طاقة بقتالهم وقد جبنوا ولم يجاوزه الذين شربوا من النهر، وجالوت:
أشهر أبطال الفلسطينيين أعدائهم. {كَمْ مِنْ فِئَةٍ} كم: خبرية بمعنى كثير، والفئة: الجماعة من الناس، سواء كانوا قليلين أو كثيرين {وَلَمّا بَرَزُوا} ظهروا لقتالهم وتصافوا {أَفْرِغْ} أصبب {وَثَبِّتْ أَقْدامَنا} قونا على الجهاد ولا تزلزلنا عند المقاومة.
{فَهَزَمُوهُمْ} كسروهم {بِإِذْنِ اللهِ} بإرادته {وَقَتَلَ داوُدُ} وكان في عسكر طالوت، وهو داود بن يسّى، وكان راعي غنم، وله سبعة إخوة هو أصغرهم.
{وَآتاهُ} أي داود {الْمُلْكَ} في بني إسرائيل {وَالْحِكْمَةَ} النبوة بعد موت شموئيل (صموئيل) وطالوت، ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبل داود، وعليه نزل الزبور، كما قال تعالى:
{وَآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً} [النساء 163/ 4]. {وَعَلَّمَهُ مِمّا يَشاءُ} [البقرة 251/ 2] كصنعة الدروع، كما قال تعالى:{وَعَلَّمْناهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ، لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ} [الأنبياء 80/ 21] ومعرفة منطق الطير، كما قال تعالى:{عُلِّمْنا مَنْطِقَ الطَّيْرِ} [النمل 16/ 27] وفصل الخصومات، لقوله تعالى:{وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ} [ص 20/ 38].
{لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ} بغلبة المشركين، وقتل المسلمين، وتخريب المساجد.
{وَلكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ} فدفع بعضهم ببعض {تِلْكَ} هذه الآيات {نَتْلُوها} نقصها {عَلَيْكَ} يا محمد {بِالْحَقِّ} بالصدق {وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} أكد الكلام بإن واللام ردا لقول الكفار: لست مرسلا.
التفسير والبيان:
كان لبني إسرائيل مواقف تشدد وغلو ومطالب مادية مع أنبيائهم، ومنها هذا الموقف، إذ لم يقبلوا باختيار طالوت ملكا عليهم واشتدوا في عنادهم، فقال لهم نبيهم: هناك دليل مادي على صحة اختياره ملكا وقائدا لكم، وعلامة ذلك عودة التابوت (وكان له شأن ديني عندهم) إليكم عن طريقه ووصوله إلى بيته، وفيه تحقيق الطمأنينة لقلوبكم وارتياح ضمائركم، وبخاصة عند ما تقدمونه رمزا وشعارا وحاميا في قتالكم، وفيه أيضا بقية مما ترك آل موسى وآل هارون، وتلك
البقية: هي قطع الألواح وعصا موسى وثيابه وعمامة هارون وشيء من التوراة وأشياء توارثها العلماء من أتباع موسى وهارون.
وقول النبي لهم: {إِنَّ اللهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ} لا يكون إلا بوحي، لأنهم سألوه تعيين ملك لهم يقاتل في سبيل الله، فأخبرهم النبي أن الله قد بعثه لكم.
وستحمل الملائكة التابوت إلى طالوت تشريفا وتكريما له، وإن في مجيئه أو عودته دليلا على عناية الله بكم، واختيار طالوت قائدا لكم، لينهض بشؤونكم، وينتصر على عدوكم، فعليكم مؤازرته والرضا بملكه إن كنتم صادقي الإيمان بالله تعالى.
فالتفّ الناس حول قيادته واختار من شبابهم سبعين أو ثمانين ألفا، وكان الوقت حرا، فأراد أن يختبرهم بشيء ليعلم صدقهم في القتال، فلما خرج طالوت من البلد مع هؤلاء الجند، بدأ بالاختبار، كما يفعل كل قائد حكيم.
فقال لهم: إن الله مختبركم-وهو الأعلم بكم-بنهر يصادفنا في أثناء الطريق إلى الأعداء، فمن شرب منه فليس من أتباعي وأنصاري، ومن لم يتذوقه فإنه من حزبي وأعواني، وكذا من اغترف بيده غرفة فقط يبل بها ريقه ويدفع بها شيئا من العطش، فالمرفوض هو النوع الأول، والمقبول: النوعان الآخران.
فكانت نتيجة الاختبار: أن شربوا منه جميعا، لاعتيادهم العصيان، وضعف الإيمان، إلا قليلا منهم وهم أهل الإيمان، وصدق الاتباع، والإخلاص في الدين. والخير في الواقع في هذه الفئة القليلة، التي تفعل بصدق إيمانها، وصلابة عزيمتها ما لا تفعله الفئة الكثيرة العدد، ولكنها غثاء كغثاء السيل.
فلما جاوز طالوت النهر مع هذه القلة من المؤمنين الصادقين الذين أطاعوه ولم يخالفوه فيما منعهم منه، ثم تبعهم الذين شربوا من النهر أخيرا، قال بعض
الجيش المؤمن لبعض، لما رأوا جالوت وكثرة جنوده، وتفوقهم عددا وعددا:
لا قدرة لنا على محاربة هؤلاء الأعداء، وهم جالوت وجنوده، فضلا عن الأمل في التغلب عليهم، فرد عليهم بقية المؤمنين الذين يوقنون بلقاء ربهم ومجازاته على أعمالهم في الآخرة، والذين ينتظرون إحدى الحسنيين: إما الشهادة في سبيل الله، وإما النصر على الأعداء: لا تغرنكم كثرة الأعداء، فكثيرا ما غلبت الفئة القليلة العدد بقوة إيمانها ومشيئة الله الفئة الكثيرة العدد، والله مع الصابرين بالتأييد والعون، فإن النصر مع الصبر.
ولما ظهر طالوت ومن معه من جماعة المؤمنين لأعدائه الفلسطينيين:
جالوت وجنوده، وشاهدوا ما هم عليه من كثرة العدد وقوة العدد، لجأوا إلى الله يدعونه، كما هي عادة المضطر الخائف الذي لا يجد ملاذا غير الله في وقت الشدة وعسر المحنة، فقالوا:{رَبَّنا أَفْرِغْ عَلَيْنا صَبْراً، وَثَبِّتْ أَقْدامَنا، وَانْصُرْنا عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ} . أي ألهمنا الصبر، وثبّت نفوسنا في القتال، وحقق النصر لنا على الكافرين: عبدة الأوثان، الذين يحبون الدنيا وتمتلئ قلوبهم بالأباطيل.
وهذا دعاء عظيم في مثل هذا الموقف الرهيب، وفيه حكمة وعقل، إذ الصبر سبب الثبات، والثبات سبب النصر، وأحق الناس بالنصر هم المؤمنون.
وهنا تجلت عظمة الله ونعمته عند صدق الإيمان وصدق اللجوء إليه، فأذن بنصر المؤمنين، واستجاب دعاءهم، وهزمت الفئة القليلة تلك الفئة الكثيرة بإذن الله وإرادته، وقتل داود الفتى القوي جالوت جبار الفلسطينيين في مبارزة، إذ رماه بمقلاعه، فأصاب الحجر رأسه فصرعه، ثم دنا منه، وأخذ سيفه، واحتزّ به رأسه، وجاء به فألقاه بين يدي طالوت، وانهزم جنوده وأتباعه.
فاشتهر داود بين الناس، وورث ملك بني إسرائيل، وآتاه الله النبوة، وأنزل عليه التوراة، وعلمه صنعة الدروع، وعرفه منطق الطير، وعلمه علوم
الدين وكيفية فصل الخصومات، كما قال الله تعالى:{وَشَدَدْنا مُلْكَهُ، وَآتَيْناهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطابِ} [ص 20/ 38] ولم يجتمع الملك والنبوة لأحد قبله، إذ كان لبني إسرائيل في الماضي نبي وملك، وكان النبي قبل داود هو شمويل (صموئيل)، والملك هو طالوت، فلما توفيا صار له الملك والنبوة.
ثم بيّن الله تعالى الحكمة من القتال، فإذا كانت الحرب ظاهرة اجتماعية منذ أن اقتتل أبناء آدم، فقتل قابيل هابيل، ولا تخلو من ضرر وخطر، فإنها لا تخلو أيضا من نفع وخير، فلولا دفع الله أهل البغي والشر بأهل العدل والإصلاح والخير، وتسليط جماعة على أخرى، لغلب أهل الفساد، وفسدت الأرض، وعمت الفوضى، وساد الظلم، وهدّمت أماكن العبادة لذكر الله، ولكن الله ذو فضل كبير على الناس جميعا، وذو رحمة بهم، حيث يسلط على الظالم من يهلكه، ويدحر أهل الباطل بجند الحق، فإذا ظهر ظالم آخر، أرسل الله له في الوقت المناسب من يخلص الناس منه، وهكذا ينصر الله رسله بالغيب، ويؤيد أعوانه في اللحظة الحاسمة التي يريدها.
تلك آيات الله نتلوها عليك يا محمد، وتلك القصص الغابرة نعرفك بها، فهي مطابقة للواقع والتاريخ، ولم تكن تعلمها، لأنك نبي أمي، لتكون دليلا على صدق نبوتك وصحة رسالتك، وليقتنع بها معاصروك وتصدّق بها الأجيال المتلاحقة على ممر الزمان، وهكذا تكون القصص عبرة وعظة يستفيد منها كل إنسان، كما قال الله تعالى:{لَقَدْ كانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبابِ، ما كانَ حَدِيثاً يُفْتَرى، وَلكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ، وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ، وَهُدىً، وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [يوسف 111/ 12].