الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الأتقياء بحق، الذين اتقوا غضب الله بالبعد عن المعاصي، الفائزون برضوان الله وثوابه في الدار الآخرة. والحق أن من عمل بهذه الآية فقد كمل إيمانه.
فقه الحياة أو الأحكام:
البر الجامع للخير: هو الذي اتصف صاحبه بالأوصاف المذكورة في هذه الآية، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما هاجر إلى المدينة، وفرضت الفرائض، وحوّلت القبلة إلى الكعبة، وحدّت الحدود، أنزل الله هذه الآية، فقال تعالى: ليس البر كله أن تصلّوا ولا تعملوا غير ذلك، ولكن البر أي ذا البر: من آمن بالله، إلى آخرها.
قال العلماء: هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام، لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة: الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته، والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار، والملائكة، والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله، والنبيين، وإنفاق المال في الأحوال الواجبة والمندوبة، وإيصال القرابة وترك قطعهم، وتفقد اليتيم، وعدم إهماله، والمساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل (المنقطع به، وقيل: الضيف)، والسائلين، وفك الرقاب، والمحافظة على الصلاة، وإيتاء الزكاة، والوفاء بالعهود، والصبر في الشدائد.
وللعلماء قولان في إعطاء اليتيم: قيل: لا يعطى حتى يكون فقيرا، وقيل: يعطى بمجرد اليتم على وجه الصلة وإن كان غنيا.
وقوله تعالى: {وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ.} . يحتمل أن يراد به الصدقة الواجبة (الزكاة) وأن يراد به التطوع، قال الجصاص: وليس في الآية دلالة على أنها الواجبة، وإنما فيها حث على الصدقة ووعد بالثواب عليها، لأن أكثر ما فيها أنها من البر، وهذا لفظ ينطوي على الفرض والنفل، إلا أن في سياق الآية ما يدل على أنه لم يرد به الزكاة، لقوله تعالى {وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ} فلما عطف
الزكاة عليها، دل على أنه لم يرد الزكاة بالصدقة المذكورة قبلها
(1)
.
وكذلك ابن العربي قال: ليس في المال حق سوى الزكاة، وقد كان الشعبي فيما يؤثر عنه يقول: في المال حق سوى الزكاة، ويحتج
بحديث يرويه الدارقطني عن فاطمة بنت قيس أن النّبي صلى الله عليه وسلم قال: «في المال حق سوى الزكاة» وهذا ضعيف لا يثبت عن الشعبي، ولا عن النّبي صلى الله عليه وسلم
(2)
، وليس في المال حق سوى الزكاة، وإذا وقع أداء الزكاة، ونزلت بعد ذلك حاجة، فإنه يجب صرف المال إليها باتفاق العلماء. أي أن المراد بقوله:{وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ} إيتاء المال تطوعا، والمراد بقوله {وَآتَى الزَّكاةَ} إيتاء الزكاة المفروضة.
وقد قال مالك: يجب على كافة المسلمين فداء أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالهم، وكذا إذا منع الوالي الزكاة، فهل يجب على الأغنياء إغناء الفقراء؟ مسألة نظر، أصحها عندي وجوب ذلك عليهم
(3)
.
وقال القرطبي: استدل بالآية: {وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ} من قال: إن في المال حقا سوى الزكاة، وبها كمال البر، وقيل: المراد الزكاة المفروضة، والأول أصح،
للحديث المتقدم: «إن في المال حقا سوى الزكاة» . والحديث وإن كان فيه مقال، فقد دل على صحته معنى ما في الآية نفسها من قوله تعالى:{وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ} فذكر الزكاة مع الصلاة، وهو دليل على أن المراد بقوله:
{وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ} ليس الزكاة المفروضة، فإن ذلك كان يكون تكرارا، والله أعلم
(4)
.
(1)
أحكام القرآن: 131/ 1
(2)
وأخرجه أيضا ابن ماجه في سننه، والترمذي وقال: «هذا حديث ليس إسناده بذاك وأبو حمزة ميمون الأعور يضعّف.
(3)
أحكام القرآن لابن العربي: 59/ 1 - 60.
(4)
تفسير القرطبي: 241/ 2 - 242
وعلى كل فإن إيتاء المال فضلا عن الزكاة، مع حب المال أمر مرغب فيه شرعا بلا شك عملا بهذه الآية،
وبحديث أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النّبي صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ فقال: أن تصدّق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقير، وتأمل الغنى، ولا تمهل، حتى إذا بلغت الحلقوم، قلت:
لفلان كذا، ولفلان كذا، وقد كان لفلان». وعن ابن مسعود في قوله تعالى:
{وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ} قال: أن تؤتيه وأنت صحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر.
ويؤيد الاتجاه الأول القائل بأن إيتاء المال على حبه هو تطوع حديث:
«نسخت الزكاة كل صدقة» يعني وجوبها.
ويكون لإنفاق المال صورتان: صورة الزكاة المفروضة: وهي إعطاء المال على كيفية مخصوصة، وبقدر معين. وصورة الزكاة المطلقة: وهي إعطاء المال من غير تقييد بمقدار معين ولا تحديد بامتلاك نصاب، بل ترك تقييده وتحديده لحال الأمة وأفرادها. فإذا ما أعطي المال بصورتيه، أمكننا القضاء على ظاهرة الفقر، وحققنا المقصود من التكافل الاجتماعي في الإسلام، وحينئذ نستغني عن استيراد المبادئ الاشتراكية الغربية أو الشرقية التي ظهرت لعلاج عيوب الرأسمالية الطاغية، وأمكننا الوصول إلى الحل الوسط المعقول الذي لا يقوم على الإجبار والإكراه أو نزع الملكية جبرا عن الملاك ودون تعويض، وإنما يتوخى الإبقاء على علاقات الود والحب والتعاطف بين الأغنياء والفقراء، ويعتمد على المنهج الأمثل الذي لا إفراط فيه ولا تفريط، قال الله تعالى:{وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِما آتاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ هُوَ خَيْراً لَهُمْ، بَلْ هُوَ شَرٌّ لَهُمْ، سَيُطَوَّقُونَ ما بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيامَةِ، وَلِلّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَاللهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [آل عمران 180/ 3] أي لا تحسبن البخل خيرا لهم، بل هو شر لهم.