الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لَيْسَ كَذَلِكَ فِي كِلْتَا الْمَسْأَلَتَيْنِ فَإِنَّ مُوجِبَ الْعُصُوبَةِ مِنْ حَيْثُ هِيَ إذَا انْفَرَدَتْ اسْتِحْقَاقُ جَمِيعِ الْمَالِ وَمُوجِبُ الزَّوْجِيَّةِ إذَا انْفَرَدَتْ اسْتِحْقَاقُ النِّصْفِ لَا غَيْرُ وَمُوجِبُ الْأُخُوَّةِ لِأُمٍّ بِالْإِيجَابِ الْأَوَّلِ إذَا انْفَرَدَتْ اسْتِحْقَاقُ السُّدُسِ لَا غَيْرُ وَقَدْ أُعْطِيَ كُلٌّ مِنْ هَاتَيْنِ مُقْتَضَاهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُنْفَرِدَةً فَلْيُتَأَمَّلْ، وَأَمَّا وَجْهُ انْدِفَاعِ مَا وَجَّهَ بِهِ قَوْلَ ابْنَ مَسْعُودٍ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ أَنَّهُمَا اسْتَوَيَا فِي قَرَابَةِ الْأَبِ وَقَدْ تَرَجَّحَتْ قَرَابَةُ الْأَخِ لِأُمٍّ بِانْضِمَامِ قَرَابَةِ الْأُمِّ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ تَتَرَجَّحُ بِالزِّيَادَةِ مِنْ جِنْسِهَا إذَا كَانَتْ غَيْرَ مُسْتَقِلَّةٍ وَالْأُخُوَّةُ لِأُمٍّ كَذَلِكَ لِكَوْنِهَا مِنْ جِنْسِ الْعُمُومَةِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهَا قَرَابَةً مِثْلَهَا لَكِنَّهَا لَا تَسْتَبِدُّ بِالتَّعْصِيبِ فَيَكُونُ مِثْلَ الْأَخِ لِأَبٍ وَأُمٍّ مَعَ الْأَخِ لِأَبٍ بِخِلَافِ الزَّوْجِيَّةِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِ الْقَرَابَةِ فَلَا تَصْلُحُ لِلتَّرْجِيحِ فَهُوَ مَنَعَ أَنَّ الْإِخْوَةَ لِأُمٍّ مِنْ جِنْسِ الْعُمُومَةِ بَلْ هِيَ أَقْرَبُ وَلِذَا يَكُونُ اسْتِحْقَاقُ ابْنِ الْعَمِّ بِالْعُصُوبَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الْأَخِ فَلَا يَكُونُ تَبَعًا لَهَا فَلَا يَكُونُ مُرَجِّحًا بِخِلَافِ الْأُخُوَّةِ فَإِنَّهَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ تَتَأَكَّدُ بِانْضِمَامِ الْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ إلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ وَصْفٍ تَابِعٍ لَهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ اجْتَمَعَ الْإِخْوَةُ لِأَبٍ وَالْإِخْوَةُ لِأُمٍّ لَمْ تَصْلُحْ أُخْوَةُ الْأُمِّ سَبَبًا لِلِاسْتِحْقَاقِ بِالْفَرْضِيَّةِ فَظَهَرَ أَنَّ الْأَصْلَ فِي اسْتِحْقَاقِ الْعُصُوبَةِ قَرَابَةُ الْأَبِ وَأَنَّ قَرَابَةَ الْأُمِّ وَصْفٌ لِقَرَابَةِ الْأَبِ تَابِعٌ لَهَا تَرَجَّحَتْ بِهِ قَرَابَةُ الْأَبِ فِي الْأَخِ لِأَبَوَيْنِ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ لِلِاسْتِوَاءِ فِي الْمَنْزِلَةِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
[فَصْلٌ يَلْحَقُ السَّمْعِيَّيْنِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ]
(فَصْلٌ يَلْحَقُ السَّمْعِيَّيْنِ) الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ (الْبَيَانُ الْإِظْهَارُ لُغَةً) كَقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ} [القيامة: 19] أَيْ إظْهَارَ مَعَانِيهِ وَشَرَائِعِهِ (وَاصْطِلَاحًا إظْهَارُ الْمُرَادِ) مِنْ لَفْظٍ مَتْلُوٍّ وَمُرَادِفٍ لَهُ (بِسَمْعِيٍّ) مَتْلُوٍّ أَوْ مَرْوِيٍّ (غَيْرِ مَا) أَيْ اللَّفْظِ الَّذِي (بِهِ) كَانَ أَدَاءُ الْمَعْنَى الْمُرَادِ وَهُوَ اللَّفْظُ السَّابِقُ عَلَيْهِ الَّذِي لَهُ تَعَلُّقٌ بِهِ فِي الْجُمْلَةِ فَخَرَجَتْ النُّصُوصُ الْوَارِدَةُ لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ ابْتِدَاءً وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْبَيَانَ عَلَى هَذَا فِعْلُ الْمُبَيِّنِ كَالسَّلَامِ وَالْكَلَامِ (وَيُقَالُ) الْبَيَانُ أَيْضًا (لِظُهُورِهِ) أَيْ الْمُرَادُ الَّذِي هُوَ أَثَرُ الدَّلِيلِ وَمُتَعَلِّقِهِ يُقَالُ بِأَنَّ الْأَمْرَ وَالْهِلَالَ إذَا ظَهَرَ وَانْكَشَفَ وَنَسَبَهُ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِنَا وَاخْتِيَارُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ تَعْرِيفُ الدَّقَّاقِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيِّ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَتَبَيَّنُ بِهِ الْمَعْلُومُ إلَّا أَنَّهُ مَخْدُوشٌ بِأَنَّ أَثَرَ الدَّلِيلِ قَدْ يَكُونُ ظَنِّيًّا لِكَوْنِ الدَّلِيلِ ظَنِّيًّا فَلَا يَكُونُ جَامِعًا (وَ) يُقَالُ أَيْضًا (لِلدَّالِ عَلَى الْمُرَادِ بِذَلِكَ) أَيْ بِمَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ الْبَيَانَ عَلَى هَذَا اسْمٌ لِلدَّلِيلِ الَّذِي يَحْصُلُ بِهِ إدْرَاكُ الْمُرَادِ بِمَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ فَعَلَى هَذَا كُلُّ مُفِيدٍ مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ وَفِعْلِهِ وَتَقْرِيرِهِ وَسُكُوتِهِ وَاسْتِبْشَارِهِ وَتَنْبِيهِهِ بِالْفَحْوَى عَلَى الْحُكْمِ بَيَانٌ لَا جَمِيعُ ذَلِكَ دَلِيلٌ، وَإِذَا كَانَ بَعْضُهَا يُفِيدُ الْعِلْمَ وَبَعْضُهَا غَلَبَةَ الظَّنِّ ظَهَرَ أَنَّ تَعْرِيفَهُ بِالدَّلِيلِ الْمُوَصِّلِ بِصَحِيحِ النَّظَرِ إلَى اكْتِسَابِ الْعِلْمِ بِمَا هُوَ دَلِيلٌ عَلَيْهِ غَيْرُ جَامِعٍ أَيْضًا كَتَعْرِيفِ الدَّقَّاقِ. ثُمَّ عَزَا صَاحِبُ الْكَشْفِ وَغَيْرُهُ هَذَا إلَى أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ
قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَ) يَجِبُ (عَلَى الْحَنَفِيَّةِ زِيَادَةُ أَوْ) إظْهَارُ (انْتِهَائِهِ) أَيْ الْمُرَادُ مِنْ لَفْظٍ سَابِقٍ مَتْلُوٍّ أَوْ مَرْوِيٍّ (أَوْ رَفْعُ احْتِمَالٍ) لِإِرَادَةِ غَيْرِهِ وَتَخْصِيصِهِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْمُرَادِ بِذَلِكَ اللَّفْظِ نَحْوَ بِجَنَاحَيْهِ فِي قَوْله تَعَالَى {وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام: 38] فَإِنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ التَّجَوُّزِ بِالطَّائِرِ عَنْ سَرِيعِ الْحَرَكَةِ فِي السَّيْرِ كَالْبَرِيدِ وَالتَّأْكِيدِ فِي قَوْله تَعَالَى {فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ} [الحجر: 30] فَإِنَّهُ يُفِيدُ نَفْيَ احْتِمَالِ الْمَلَائِكَةِ التَّخْصِيصَ (لِأَنَّهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةَ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقِيهِ إلَّا الْقَاضِي أَبَا زَيْدٍ (قَسَّمُوهُ) أَيْ الْبَيَانَ (إلَى خَمْسَةٍ) مِنْ الْأَقْسَامِ وَهُوَ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ (بَيَانُ تَبْدِيلٍ سَيَأْتِي) وَهُوَ النَّسْخُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِبَيَانِ الْمُرَادِ مِنْ اللَّفْظِ بَلْ بَيَانُ انْتِهَاءِ إرَادَةِ الْمُرَادِ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَسْقَطَهُ أَبُو زَيْدٍ وَوَافَقَهُ عَلَى إسْقَاطِهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ إلَّا أَنَّهُ وَافَقَهُمْ عَلَى أَنَّهَا خَمْسَةُ أَقْسَامٍ وَسَنَذْكُرُ مَا هُوَ الْخَامِسُ عِنْدَهُ (وَ) بَيَانُ (تَقْرِيرٍ وَهُوَ التَّأْكِيدُ) وَهُوَ إنَّمَا يُفِيدُ رَفْعَ احْتِمَالِ غَيْرِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُبَيَّنِ (وَقِسْمُ الشَّيْءِ مِنْ مَا صَدَقَاتِهِ وَتَحْصِيلُ الْحَاصِلِ مُنْتَفٍ) وَإِذَا كَانَ مُنْتَفِيًا وَلَزِمَ كَوْنُ الْقِسْمِ الْمُسَمَّى بِبَيَانِ التَّقْرِيرِ مِنْ أَقْسَامِهِ (فَلَزِمَ ذَلِكَ) أَيْ زِيَادَةٌ
أَوْ رَفْعُ احْتِمَالٍ عَنْهُ، وَهَذَا يَجُوزُ مَفْصُولًا وَمَوْصُولًا اتِّفَاقًا؛ لِأَنَّهُ مُقَرِّرٌ لِلظَّاهِرِ وَمُوَافِقٌ لَهُ فَلَا يَفْتَقِرُ إلَى التَّأْكِيدِ بِالِاتِّصَالِ
(وَ) بَيَانُ (تَغْيِيرٍ كَالشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ وَتَقَدَّمَا) فِي بَحْثِ التَّخْصِيصِ (إلَّا أَنَّ تَغْيِيرَ الشَّرْطِ مِنْ إيجَابِ الْمُعَلِّقِ فِي الْحَالِ) أَيْ وُقُوعِهِ فِيهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ بِتَأْخِيرِهِ نِسْبَتَهُ (إلَى) زَمَانِ (وُجُودِهِ) أَيْ الشَّرْطِ (وَ) تَغْيِيرُ (الِاسْتِثْنَاءِ) مِنْ إيجَابِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ لِلْمُسْتَثْنَى مِنْهُ (إلَى عَدَمِهِ) أَيْ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ لِلْمُسْتَثْنَى أَصْلًا وَهُوَ ظَاهِرٌ وَقَدْ عُرِفَ مِنْ هَذَا وَجْهُ تَسْمِيَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا بَيَانٌ وَتَغْيِيرٌ، وَمُلَخَّصُهُ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مِنْ حَيْثُ إنَّهُ بَيْنَ الْمُرَادِ مِنْ مَدْخُولِهِمَا بَيَانٌ، وَمِنْ حَيْثُ إنَّهُ غَيَّرَ مَا كَانَ مَفْهُومًا لِلسَّامِعِ مِنْ إطْلَاقِ مَدْخُولِهِمَا عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِهِمَا تَغْيِيرٌ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ يَكُونُ جَمِيعُ مُتَعَلِّقَاتِ الْفِعْلِ مِنْ قَبِيلِ بَيَانِ التَّغْيِيرِ لِتَأَتِّي هَذَا الِاعْتِبَارِ فِيهَا (وَبِهِ) أَيْ بِهَذَا الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا (فَرَّقُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (بَيْنَ تَعَلُّقِهِ) أَيْ الشَّرْطِ (بِمَضْمُونِ الْجُمَلِ لِمُتَعَقِّبِهَا وَعَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ تَعَلُّقِ الِاسْتِثْنَاءِ بِمَضْمُونِ الْجُمَلِ لِمُتَعَقِّبِهَا (فِي الِاسْتِثْنَاءِ) بَلْ بِالْأَخِيرَةِ فَقَطْ (تَقْلِيلًا لِلْإِبْطَالِ مَا أَمْكَنَ) ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُهُ وَفِي صَرْفِهِ إلَى الْأَخِيرَةِ قَضَاءٌ لِحَقِّهِ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِمَا سِوَاهَا أَيْضًا إلَّا لِمُوجِبٍ وَوَافَقَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ فَخْرَ الْإِسْلَامِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ بَيَانُ تَغْيِيرٍ وَجَعَلَ التَّعْلِيقَ بَيَانَ التَّبْدِيلِ كَأَبِي زَيْدٍ (وَيَمْتَنِعُ تَرَاخِيهِمَا) أَيْ الشَّرْطِ وَالِاسْتِثْنَاءِ.
(وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الِاسْتِثْنَاءِ) بِجَوَازِ تَرَاخِيهِ عَلَى خِلَافٍ فِي مِقْدَارِهِ، وَوَجَّهَهُ وَدَفَعَهُ (وَمِنْهُ) أَيْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ (تَخْصِيصُ الْعَامِّ وَتَقْيِيدُ الْمُطْلَقِ) ؛ لِأَنَّهُ مُبَيِّنٌ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا غَيْرُ جَارٍ عَلَى عُمُومِهِ وَإِطْلَاقِهِ وَلَزِمَ مِنْهُ تَغْيِيرُ كُلٍّ عَمَّا هُوَ الْمُتَبَادَرُ لِسَامِعِهِ مِنْ الشُّمُولِ لِسَائِرِ أَفْرَادِهِ (وَتَقَدَّمَا) فِي بَحْثِ الْعُمُومِ وَالتَّخْصِيصِ فَيُعْطَيَانِ حُكْمَ بَيَانِ التَّغْيِيرِ مِنْ امْتِنَاعِ التَّرَاخِي وَقَدْ سَلَف ثَمَّتْ بَيَانُهُ مُوَجَّهًا (وَيَجِبُ مِثْلُهُ) أَيْ امْتِنَاعِ التَّرَاخِي (فِي صَرْفِ كُلِّ ظَاهِرٍ) عَنْ ظَاهِرِهِ دَفْعًا لِلُّزُومِ اللَّازِمِ الْبَاطِلِ وَهُوَ طَلَبُ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ وَالْإِيقَاعِ فِي خِلَافِ الْوَاقِعِ بِذَلِكَ الظَّاهِرِ؛ لِأَنَّ أَدْنَى حَالِ الصَّارِفِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَصْرُوفِ عَنْهُ أَنْ يَكُونَ كَالْمُخَصَّصِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِّ (وَعَلَى الْجَوَازِ) لِتَأْخِيرِ بَيَانِ تَخْصِيصِ الْعَامِّ عَنْهُ كَمَا هُوَ قَوْلُ مَشَايِخِ سَمَرْقَنْدَ وَعَلَيْهِ يَتَفَرَّعُ جَوَازُ تَأْخِيرِ صَرْفِ كُلِّ ظَاهِرٍ عَنْ ظَاهِرِهِ أَنْ يُقَالَ:(تَأْخِيرُهُ عليه السلام تَبْلِيغُ الْحُكْمِ) الشَّرْعِيِّ الْمَأْمُورِ بِتَبْلِيغِهِ الْمُكَلَّفِينَ (إلَى) وَقْتِ (الْحَاجَةِ) إلَيْهِ وَهُوَ وَقْتُ تَنْجِيزِ التَّكْلِيفِ (أَجْوَزُ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِي تَأْخِيرِ تَبْلِيغِهِ شَيْءٌ مِنْ الْمَفَاسِدِ الَّتِي فِي تَأْخِيرِ بَيَانِ مُخَصِّصِ الْعَامِّ عَنْهُ إذْ لَا تَكْلِيفَ قَبْلَ التَّبْلِيغِ، وَإِذَا جَازَ التَّأْخِيرُ مَعَ وُجُودِ التَّكْلِيفِ فَمَعَ عَدَمِهِ أَوْلَى (وَعَلَى الْمَنْعِ) لِتَأْخِيرِ بَيَانِ مُخَصِّصِ الْعَامِّ عَنْهُ (وَهُوَ) أَيْ الْمَنْعُ لِتَأْخِيرِهِ (الْمُخْتَارُ لِلْحَنَفِيَّةِ) أَيْ لِمَشَايِخِ الْعِرَاقِ وَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ يُجَوِّزُ تَأْخِيرَهُ صلى الله عليه وسلم تَبْلِيغَ الْحُكْمِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ أَيْضًا (إذْ لَا يَلْزَمُ) فِيهِ (مَا تَقَدَّمَ) مِنْ الْمَانِعِ الْمَذْكُورِ فِي مَبَاحِثِ التَّخْصِيصِ وَهُوَ الْإِيقَاعُ فِي خِلَافِ الْوَاقِعِ وَمَطْلُوبِيَّةُ الْجَهْلِ الْمُرَكَّبِ بَلْ هُوَ مُنْتَفٍ فِيهِ.
وَقِيلَ: لَا يَجُوزُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} [المائدة: 67] ؛ لِأَنَّ وُجُوبَ التَّبْلِيغِ مَعْلُومٌ بِالْعَقْلِ ضَرُورَةً فَلَا فَائِدَةَ لِلْأَمْرِ بِهِ إلَّا الْفَوْرُ قُلْنَا: لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم بَلَّغَ مَا أُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ مِمَّا أُنْزِلَ إلَيْهِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ الْمُرَادُ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم كَتَمَ شَيْئًا مِمَّا أُنْزِلَ إلَيْهِ فَقَدْ كَذَبَ وَلَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى الْفَوْرِ (وَكَوْنُ أَمْرِ التَّبْلِيغِ) أَمْرًا إيجَابِيًّا (فَوْرِيًّا مَمْنُوعٌ) لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ فَائِدَتُهُ تَقْوِيَةَ الْعَقْلِ بِالنَّقْلِ (وَلَعَلَّهُ) أَيْ التَّبْلِيغُ (وَجَبَ لِمَصْلَحَةٍ) لَمْ تَفُتْ بِتَأْخِيرِهِ إذَا لَمْ يَأْتِ وَقْتُهَا وَعُلِمَ ذَلِكَ وَحْيًا أَوْ اجْتِهَادًا (وَأَيْضًا) لَوْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ لِلْوُجُوبِ وَالْفَوْرِ فَنَقُولُ (ظَاهِرُهُ) أَيْ مَا أُنْزِلَ إلَيْكَ (لِلْقُرْآنِ) ؛ لِأَنَّهُ السَّابِقُ لِلْفَهْمِ مِنْ لَفْظِ الْمُنَزَّلِ وَهَذَا يُفِيدُ الْمَنْعَ فِي الْقُرْآنِ كَمَا إلَيْهِ مَيْلُ كَلَامِ الْإِمَامِ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيِّ وَقَدْ يُقَالُ: أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ تَبْلِيغِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ؟
وَيُجَابُ التَّعَبُّدُ بِتِلَاوَتِهِ وَلَكِنْ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ: الْقُرْآنُ يَشْتَمِلُ عَلَى آيَاتٍ تَتَضَمَّنُ الْأَحْكَامَ فَإِذَا وَجَبَ تَبْلِيغُهُ
عَلَى الْفَوْرِ وَجَبَ تَبْلِيغُ أَحْكَامِهَا وَإِذَا وَجَبَ ذَلِكَ وَجَبَ تَبْلِيغُ الْأَحْكَامِ مُطْلَقًا إذْ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ وَإِلَّا شَبَّهَ كَمَا قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ وَظَاهِرُ الْآيَةِ يُوجِبُ تَبْلِيغَ كُلِّ مَا أُنْزِلَ وَلَعَلَّ الْمُرَادَ تَبْلِيغُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مَصَالِحُ الْعِبَادِ وَقَصَدَ بِإِنْزَالِهِ اطِّلَاعَهُمْ عَلَيْهِ فَإِنَّ مِنْ الْأَسْرَارِ الْإِلَهِيَّةِ مَا يَحْرُمُ إفْشَاؤُهُ، ثُمَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ وَقَعَتْ فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ تَفْرِيعًا عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ عَنْهُ وَمَا سَلَكَهُ الْمُصَنِّفُ مِنْ تَفْرِيعِهَا عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُخَصَّصِ عَنْهُ الَّذِي هُوَ مِنْ بَيَانِ التَّغْيِيرِ أَوْجَهُ؛ لِأَنَّ عَلَى التَّقْدِيرِ الْأَوَّلِ لَا يَكُونُ جَوَازُ تَأْخِيرِ التَّبْلِيغِ أَجْوَزَ مِنْ جَوَازِ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ عَنْهُ لِتَسَاوِيهِمَا فِي عَدَمِ الْمَانِعِ، وَالْفَرْضُ دَعْوَى الْأَجْوَزِيَّةِ بِخِلَافِهِ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي فَلْيُتَأَمَّلْ
(مَسْأَلَةٌ وَالْأَكْثَرُ) وَمِنْهُمْ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَابْنُ الْحَاجِبِ (يَجِبُ زِيَادَةُ قُوَّةِ الْمُبَيِّنِ لِلظَّاهِرِ) عَلَيْهِ (وَالْحَنَفِيَّةُ تُجَوِّزُ الْمُسَاوَاةَ) بَيْنَهُمَا فِي الْقُوَّةِ (وَدُفِعَ بِعَدَمِ أَوْلَوِيَّةِ الْمُبَيِّنِ مِنْهُمَا بِخِلَافِ الرَّاجِحِ) مَعَ الْمَرْجُوحِ (لِتَقَدُّمِهِ) أَيْ الرَّاجِحِ عَلَى الْمَرْجُوحِ (فِي الْمُعَارَضَةِ وَيُدْفَعُ) هَذَا الدَّفْعُ (بِأَنَّ مُرَادَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ الْمُسَاوَاةُ (فِي الثُّبُوتِ لَا الدَّلَالَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْأَوَّلَ مُبَيِّنٌ) وَعَدَمُ الْأَوْلَوِيَّةِ فِي الْمَعْنَى إنَّمَا هُوَ عَلَى تَقْدِيرِ الْمُسَاوَاةِ فِي الدَّلَالَةِ وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ وَيَجُوزُ بِالْأَدْنَى أَيْضًا فَبَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إلْغَاءُ الرَّاجِحِ بِالْمَرْجُوحِ (وَ) بَيَانُ (تَفْسِيرٍ وَهُوَ بَيَانُ الْمُجْمَلِ) بِالْمَعْنَى الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَا فِيهِ خَفَاءٌ فَيَعُمُّ بِاصْطِلَاحِ الْحَنَفِيَّةِ الْخَفِيَّ وَالْمُشْتَرَكَ وَالْمُشْكِلَ وَالْمُجْمَلَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْكَشْفِ وَغَيْرُهُ (وَيَجُوزُ) بَيَانُ التَّفْسِيرِ (بِأَضْعَفِ) دَلَالَةٍ (إذْ لَا تَعَارُضَ) بَيْنَ الْمُجْمَلِ وَالْبَيَانِ (لِيَتَرَجَّحَ) الْبَيَانُ عَلَيْهِ فَيَلْزَمُ إلْغَاءُ الْأَقْوَى بِالْأَضْعَفِ (وَ) يَجُوزُ (تَرَاخِيهِ) أَيْ بَيَانِ الْمُجْمَلِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِهِ (إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ إلَى الْفِعْلِ وَهُوَ وَقْتُ تَعْلِيقِ التَّكْلِيفِ) بِالْفِعْلِ (مُضَيَّقًا) عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ أَصْحَابُنَا وَالْمَالِكِيَّةُ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَابْنُ الْحَاجِبِ فِي غَالِبِ الْمُتَأَخِّرِينَ.
(وَعَنْ الْحَنَابِلَةِ وَالصَّيْرَفِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ وَالْجُبَّائِيِّ وَابْنِهِ) وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كَأَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَالْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ (مَنْعُهُ) أَيْ مَنْعُ تَرَاخِيهِ عَنْ وَقْتِ الْخِطَابِ بِهِ إلَّا أَنَّ الْإسْفَرايِينِيّ ذَكَرَ أَنَّ الْأَشْعَرِيَّ نَزَلَ ضَيْفًا عَلَى الصَّيْرَفِيِّ فَنَاظَرَهُ فِي هَذَا فَرَجَعَ إلَى الْجَوَازِ (لَنَا لَا مَانِعَ عَقْلًا) مِنْ جَوَازِهِ (وَوَقَعَ شَرْعًا كَآيَتَيْ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ) أَيْ {وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [البقرة: 43](، ثُمَّ بَيَّنَ) النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (الْأَفْعَالَ) لِلصَّلَاةِ كَمَا فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا (وَالْمَقَادِيرَ) لِلزَّكَاةِ كَمَا فِي كُتُبَ الصَّدَقَاتِ كَكِتَابِ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَكِتَابِ عُمَرَ رضي الله عنه فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَكِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ وَغَيْرِهَا (أَمَّا) تَرَاخِي بَيَانِ الْمُجْمَلِ (عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ فَيَجُوزُ) عَقْلًا (عِنْدَ مَنْ يُجَوِّزُ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ) وَهُمْ الْأَشَاعِرَةُ (لَكِنَّهُ) أَيْ تَرَاخِيهِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ (غَيْرُ وَاقِعٍ) شَرْعًا وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُجَوِّزْ تَكْلِيفَ مَا لَا يُطَاقُ فَلَا يَجُوزُ هَذَا عِنْدَهُ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَفْرَادِهِ.
ثُمَّ قَالَ تَعْلِيلًا لِقَوْلِهِ لَا مَانِعَ عَقْلًا (لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُجْمَلَ (قَبْلَ الْبَيَانِ لَا يُوجِبُ شَيْئًا) عَلَى الْمُكَلَّفِ مِمَّا لَعَلَّهُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا مِنْهُ بَلْ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ اعْتِقَادُ حَقِيقَةِ الْمُرَادِ مِنْهُ لَا غَيْرُ حَتَّى يَلْحَقَهُ الْبَيَانُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ مَا أَظْهَرَ الْبَيَانُ أَنَّهُ الْمُرَادُ مِنْهُ (فَلَمْ يَحْكُمْ) الشَّارِعُ عَلَيْهِ (بِوُجُوبٍ مَا لَمْ يَعْلَمْ) الْمُكَلَّفُ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ (بِحَيْثُ) إذَا لَمْ يَفْعَلْ الْمُكَلَّفُ ذَلِكَ (يُعَاقَبُ بِعَدَمِ الْفِعْلِ) فَانْتَفَى وَجْهُ الْمَانِعِينَ لَهُ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْخِطَابِ إيجَابُ الْعَمَلِ وَهُوَ يَتَوَقَّفُ عَلَى الْفَهْمِ وَالْفَهْمُ لَا يَحْصُلُ بِدُونِ الْبَيَانِ فَلَوْ جَازَ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ أَدَّى إلَى تَكْلِيفِ مَا لَيْسَ فِي الْوُسْعِ (وَبِهِ) أَيْ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ لَا يُوجِبُ شَيْئًا قَبْلَ الْبَيَانِ (انْدَفَعَ قَوْلُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ لَهُ تَأْخِيرَ بَيَانِ الْمُجْمَلِ (يُؤَدِّي إلَى الْجَهْلِ الْمُخِلِّ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ) فَإِنَّهُ يُوجِبُ الْجَهْلَ بِصِفَةِ الْعِبَادَةِ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ صِفَتَهَا إنَّمَا تُعْلَمُ بِالْبَيَانِ وَلَا بَيَانَ وَالْجَهْلُ بِصِفَةِ الشَّيْءِ يُخِلُّ بِفِعْلِهِ فِي وَقْتِهِ.
وَوَجْهُ انْدِفَاعِهِ أَنَّ وَقْتَ الْعِبَادَةِ وَقْتُ بَيَانِ صِفَتِهَا فَلَا يَخِلُّ بِفِعْلِ الْوَاجِبِ فِي وَقْتِهِ لِانْتِفَاءِ التَّكْلِيفِ بِإِيقَاعِهِ قَبْلَ بَيَانِهِ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ لَهُ أَيْضًا: لَوْ جَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ لَكَانَ الْخِطَابُ بِالْمُجْمَلِ