الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْأَبِ، وَالْجَدِّ يَعْنِي الصَّحِيحَ كَمَا هُوَ الْمُرَادُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ؛ لِأَنَّهُ لَا خِيَارَ لَهَا بِبُلُوغٍ فِي تَزْوِيجِ أَحَدِهِمَا إيَّاهَا لِكَمَالِ رَأْيِهِمَا وَوُفُورِ شَفَقَتِهِمَا بِخِلَافِ مَنْ سِوَاهُمَا، وَقَدْ شَمِلَ قَوْلُهُ الْمَذْكُورُ الْأُمَّ، وَالْقَاضِيَ حَيْثُ كَانَتْ لَهَا وِلَايَةُ تَزْوِيجِهَا عَلَى مَا هُوَ الصَّحِيحُ فِيهِ لِعَدَمِ كَمَالِ الرَّأْيِ فِي الْأُمِّ وَعَدَمِ وُفُورِ الشَّفَقَةِ فِي الْقَاضِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
[مَسْأَلَةُ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي وَاقِعَةٍ أَدَّى اجْتِهَادُهُ فِيهَا إلَى حُكْمٍ]
(مَسْأَلَةُ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي) وَاقِعَةٍ أَدَّى اجْتِهَادُهُ فِيهَا إلَى (حُكْمٍ مَمْنُوعٍ مِنْ التَّقْلِيدِ) لِغَيْرِهِ مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ (فِيهِ) أَيْ فِي حُكْمِ الْوَاقِعَةِ (اتِّفَاقًا) لِوُجُوبِ اتِّبَاعِ اجْتِهَادِهِ (وَالْخِلَافُ) إنَّمَا هُوَ فِي تَقْلِيدِهِ لِغَيْرِهِ مِنْهُمْ (قَبْلَهُ) أَيْ اجْتِهَادِهِ فِي تِلْكَ الْوَاقِعَةِ (وَالْأَكْثَرُ) مِنْ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ (مَمْنُوعٌ) مِنْ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ فِيهَا مُطْلَقًا مِنْهُمْ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَلَى مَا ذَكَرَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ وَأَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَمَالِكٌ عَلَى مَا فِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ وَذَكَرَ الْبَاجِيُّ أَنَّهُ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ، وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ وَذَكَرَ الرُّويَانِيُّ أَنَّهُ مَذْهَبُ عَامَّةِ الشَّافِعِيَّةِ وَظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَيُشْكِلُ عَلَى مَا عَنْ أَبِي يُوسُفَ مَا فِي الْقُنْيَةِ أَنَّ أَبَا يُوسُفَ صَلَّى بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ وَتَفَرَّقُوا ثُمَّ أُخْبِرَ بِوُجُودِ فَأْرَةٍ مَيِّتَةٍ فِي بِئْرِ حَمَّامٍ اغْتَسَلَ مِنْهُ فَقَالَ: نَأْخُذُ بِقَوْلِ أَصْحَابِنَا مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ خَبَثًا انْتَهَى (وَمَا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ) مَمْنُوعٌ مِنْ التَّقْلِيدِ (إلَّا إنْ تَعَذَّرَ عَلَيْهِ) الِاجْتِهَادُ فِي الْوَاقِعَةِ فَلَا يَكُونُ مَمْنُوعًا بَلْ يَتَعَيَّنُ (وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْتَلِفَ فِيهِ) إذْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَفْرُوضَةٌ فِيمَا إذَا كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ هَذَا قَوْلًا آخَرَ كَمَا عَدُّوهُ ثُمَّ الَّذِي حَكَاهُ الْآمِدِيُّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْأَعْلَمِ إذَا تَعَذَّرَ عَلَيْهِ وَجْهُ الِاجْتِهَادِ هَذَا وَيَظْهَرُ أَنَّ خَوْفَ فَوْتِ وَقْتِ الْعَمَلِ بِالْحَادِثَةِ مِنْ أَسْبَابِ تَعَذُّرِ الِاجْتِهَادِ ثُمَّ رَأَيْت عَنْ صَاحِبِ الْمُعْتَمَدِ نَقْلَهُ بِخُصُوصِهِ عَنْهُ وَيُؤَيِّدُهُ جَزْمُ السُّبْكِيّ بِمَنْعِهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ فِي هَذَا عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَبِطَرِيقٍ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ خَوْفُ فَوْتِ الْعَمَلِ بِالْحَادِثَةِ أَصْلًا مِنْ أَسْبَابِ تَعَذُّرِ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَدَّ كُلٌّ مِنْهُمَا قَوْلًا آخَرَ وَيَسْتَسْمِعَ خِلَافَ الْأَوَّلِ أَيْضًا.
(وَقِيلَ لَا) يُمْنَعُ مِنْ التَّقْلِيدِ مُطْلَقًا وَعَلَيْهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى مَا ذَكَرَ الْكَرْخِيُّ وَالرَّازِيُّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ، وَهُوَ الَّذِي ظَهَرَ مِنْ تَمَسُّكَاتِ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَعَزَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ إلَى أَحْمَدَ قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: وَلَا يُعْرَفُ (وَقِيلَ) يُمْنَعُ مِنْ التَّقْلِيدِ (فِيمَا يُفْتِي بِهِ) غَيْرُهُ (لَا فِيمَا يَخُصُّهُ) أَيْ يَكُونُ الْغَرَضُ مِنْ الِاجْتِهَادِ تَحْصِيلَ رَأْيٍ فِيمَا يَسْتَقِلُّ بِعِلْمِهِ لَا فِيمَا يُفْتِي بِهِ لِغَيْرِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ اخْتِصَاصَ الْحُكْمِ بِالْمُجْتَهِدِ بِحَيْثُ لَا يَعُمُّ غَيْرَهُ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ، وَهَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَاصِّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ (وَقِيلَ) يُمْنَعُ مِنْ التَّقْلِيدِ (فِيهِ) أَيْ فِيمَا يَخُصُّهُ (أَيْضًا إلَّا إنْ خَشِيَ الْفَوْتَ كَأَنْ ضَاقَ وَقْتُ صَلَاةٍ، وَالِاجْتِهَادُ فِيهَا) أَيْ فِي صَلَاتِهِ (يُفَوِّتُهَا) ، فَإِنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُقَلِّدَ مُجْتَهِدًا آخَرَ وَيَعْمَلَ بِقَوْلِهِ لِئَلَّا تَفُوتَ بِفَوَاتِ وَقْتِهَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالِاجْتِهَادِ فِيهَا، وَهُوَ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَهَذَا مَا تَقَدَّمَ الْوَعْدُ بِهِ.
(وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَتَانِ) إحْدَاهُمَا الْجَوَازُ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالْأُخْرَى الْمَنْعُ (وَعَنْ مُحَمَّدٍ يُقَلِّدُ) مُجْتَهِدًا (أَعْلَمَ مِنْهُ) لَا أَدْوَنَ مِنْهُ وَلَا مُسَاوِيَ لَهُ نَقَلَهُ عَنْهُ الْقَاضِي وَالرُّويَانِيُّ وَإِلْكِيَا قَالَ: وَرُبَّمَا قَالَ: إنَّهُمَا سَوَاءٌ وَنَقَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ عَنْ الْكَرْخِيِّ وَقَالَ: إنَّهُ ضَرْبٌ مِنْ الِاجْتِهَادِ (وَالشَّافِعِيُّ) فِي الْقَدِيمِ (وَالْجُبَّائِيُّ) وَابْنُهُ أَيْضًا قَالُوا (يَجُوزُ) تَقْلِيدُ غَيْرِهِ (إنْ) كَانَ الْغَيْرُ (صَحَابِيًّا رَاجِحًا) فِي نَظَرِهِ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ خَالَفَ مِنْ الصَّحَابَةِ (فَإِنْ اسْتَوَوْا) أَيْ الصَّحَابَةُ فِي الدَّرَجَةِ فِي نَظَرِهِ وَاخْتَلَفَتْ فَتْوَاهُمْ (تَخَيَّرَ) فَيُقَلِّدُ أَيَّهُمْ شَاءَ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ مَنْ عَدَاهُمْ ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ قَالَ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ: وَقَضِيَّتُهُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِلصَّحَابَةِ تَقْلِيدُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا (وَهَذَا) مِنْ الشَّافِعِيِّ (رِوَايَةٌ عَنْهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (فِي تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ) وَهَذَا هُوَ الْمَذْكُورُ فِي رِسَالَتِهِ الْقَدِيمَةِ قَالَ الْأَبْهَرِيُّ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِهِ عَدَمُ جَوَازِ تَقْلِيدِهِ لِلْغَيْرِ مُطْلَقًا.
وَقِيلَ: يَجُوزُ تَقْلِيدُ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما لَا غَيْرِهِمَا مُطْلَقًا وَنَقَلَ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَغْدَادِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الصَّحَابَةِ وَلَا يُقَلِّدُ أَحَدًا بَعْدَهُمْ غَيْرَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَاسْتَغْرَبَهُ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ (وَقِيلَ) يَجُوزُ تَقْلِيدُهُ لِلْغَيْرِ صَحَابِيًّا
(وَتَابِعِيًّا) دُونَ غَيْرِهِمَا وَعَزَا هَذَا فِي جَامِعِ الْأَسْرَارِ إلَى الْحَنَفِيَّةِ لَكِنْ بِلَفْظِ، أَوْ خِيَارِ التَّابِعِينَ وَقِيلَ: يَجُوزُ لِلْقَاضِي لَا غَيْرِهِ لِحَاجَتِهِ فِي فَصْلِ الْخُصُومَاتِ إلَى إنْجَازِهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ (لِلْأَكْثَرِ الْجَوَازُ) لِلتَّقْلِيدِ (حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَيَفْتَقِرُ إلَى دَلِيلٍ) ؛ لِأَنَّ الْقَوْلَ فِي الدِّينِ بِلَا دَلِيلٍ بَاطِلٌ (وَلَمْ يَثْبُتْ) الدَّلِيلُ، وَالْأَصْلُ عَدَمُهُ (فَلَا يَثْبُتُ) الْجَوَازُ (وَدَفْعُ) هَذَا مِنْ قِبَلِ الْمُجَوِّزِينَ (بِأَنَّهُ) أَيْ الْجَوَازَ (الْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ) وَهِيَ لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ (بِخِلَافِ تَحْرِيمِكُمْ) التَّقْلِيدَ، فَإِنَّهُ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ (فَهُوَ الْمُفْتَقِرُ) إلَى الدَّلِيلِ، وَلَمْ يَثْبُتْ فَلَا يَثْبُتُ غَيْرَ أَنَّ هَذَا لَا يَتِمُّ عَلَى بَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْإِبَاحَةَ الْأَصْلِيَّةَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُمْ فِي النَّسْخِ.
(وَأَمَّا) الدَّفْعُ مِنْ الْأَكْثَرِ (بِأَنَّ الِاجْتِهَادَ أَصْلٌ، وَالتَّقْلِيدَ بَدَلٌ) عَنْهُ (فَيَتَوَقَّفُ) التَّقْلِيدُ (عَلَى عَدَمِهِ) أَيْ الِاجْتِهَادُ إذْ لَا يَجُوزُ الْأَخْذُ بِالْبَدَلِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْمُبْدَلِ كَالْوُضُوءِ، وَالتَّيَمُّمِ (فَمُنِعَ بَلْ كُلٌّ) مِنْهُمَا (أَصْلٌ) بِمَعْنَى أَنَّ الْمُجْتَهِدَ مُخَيَّرٌ فِيهِمَا كَمَا فِي مَسْحِ الْخُفِّ وَغَسْلِ الرِّجْلِ (فَإِنْ تَمَّ إثْبَاتُ الْبَدَلِيَّةِ) لِلتَّقْلِيدِ عَنْ الِاجْتِهَادِ (بِعُمُومِ) قَوْله تَعَالَى {فَاعْتَبِرُوا} [الحشر: 2] {يَا أُولِي الأَبْصَارِ} [الحشر: 2] ؛ لِأَنَّهُ يُفِيدُ الْأَمْرَ بِالِاجْتِهَادِ، وَهُوَ شَامِلٌ لِلْعَامِّيِّ، وَالْمُجْتَهِدِ إلَّا أَنَّ تَرْكَ الْعَمَلِ بِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِّيِّ لِعَجْزِهِ عَنْهُ فَيَبْقَى مَعْمُولًا بِهِ فِي حَقِّ الْمُجْتَهِدِ (تَمَّ) الدَّفْعُ الْمَذْكُورُ (وَإِلَّا) إذَا لَمْ يَتِمَّ إثْبَاتُ الْبَدَلِيَّةِ بِهَذَا (لَا) يَتِمُّ الدَّفْعُ الْمَذْكُورُ لِتَوَقُّفِهِ عَلَى ثُبُوتِ الْبَدَلِيَّةِ وَلَمْ يَثْبُتْ بِهَذَا، وَالْأَصْلُ عَدَمُ الثُّبُوتِ (وَاسْتُدِلَّ) لِلْأَكْثَرِ (لَا يَجُوزُ) التَّقْلِيدُ (بَعْدَهُ) أَيْ الِاجْتِهَادِ (فَكَذَا) لَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ (قَبْلَهُ) أَيْ الِاجْتِهَادِ (لِوُجُودِ الْجَامِعِ) فِي الْمَنْعِ بَيْنَهُمَا (وَهُوَ) أَيْ الْجَامِعُ (كَوْنُهُ) أَيْ الْمُقَلِّدِ (مُجْتَهِدًا أُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ الْمُوجِبَ (فِي الْأَصْلِ) أَيْ الْعِلَّةِ بِالِاجْتِهَادِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ (إعْمَالُ الْأَرْجَحِ، وَهُوَ ظَنُّ نَفْسِهِ) بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، فَإِنَّهُ أَقْوَى مِنْ ظَنِّهِ بِفَتْوَى غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ الْغَيْرَ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَكُونَ صَادِقًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ اجْتِهَادِهِ، وَالْمُجْتَهِدُ لَا يُكَابِرُ نَفْسَهُ فِيمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ وَهَذَا مَقْصُودٌ فِي الْفَرْعِ، وَهُوَ الْعَمَلُ بِالِاجْتِهَادِ قَبْلَ الِاجْتِهَادِ لَا كَوْنُهُ مُجْتَهِدًا فَلَمْ يُوجَدْ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا.
وَاحْتَجَّ (الشَّافِعِيُّ) بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» ، فَإِنَّهُ يُعْلَمُ مِنْهُ أَنَّ اقْتِدَاءَ الْمُجْتَهِدِ بِهِمْ لَا يَكُونُ مَمْنُوعًا إذْ لَا يُمْنَعُ الشَّخْصُ مِنْ الِاهْتِدَاءِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَيَبْعُدُ) الِاحْتِجَاجُ بِهِ (مِنْهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (لِأَنَّهُ) أَيْ هَذَا (لَمْ يَثْبُتْ) عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي الْإِجْمَاعِ (وَلَوْ ثَبَتَ تَقَدَّمَ جَوَابُهُ) فِي ذَيْلِ مَسْأَلَةِ الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ حَيْثُ قَالَ أُجِيبَ بِأَنَّهُ هَدْيٌ مِنْ وَجْهٍ فَتَنَاوَلَهُ (قُلْت) : لَكِنْ لَا خَفَاءَ فِي أَنَّ هَذَا لَا يُفِيدُ مَنْعَ الْمُجْتَهِدِ الْغَيْرِ الصَّحَابِيِّ مِنْ تَقْلِيدِ الصَّحَابِيِّ بَلْ هَذَا الْجَوَابُ يُقَرِّرُ جَوَازَ تَقْلِيدِ غَيْرِ الصَّحَابِيِّ مُطْلَقًا أَعْنِي سَوَاءً كَانَ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ، أَوْ مُجْتَهِدًا قَبْلَ اجْتِهَادِهِ، أَوْ بَعْدَهُ لِلصَّحَابِيِّ مُطْلَقًا أَعْنِي سَوَاءٌ كَانَ مُجْتَهِدًا، أَوْ لَا كَمَا هُوَ ظَاهِرُ عُمُومِ «بِأَيِّهِمْ اقْتَدَيْتُمْ اهْتَدَيْتُمْ» لَكِنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ الِاجْتِهَادِ إذْ لَا تَقْلِيدَ لَهُ بَعْدَهُ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ إذْ لَا تَقْلِيدَ إلَّا لِمُجْتَهِدٍ فَيَبْقَى عَلَى عُمُومِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا عَدَا هَذَيْنِ ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَرِّضٍ لِمَنْعِ تَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ غَيْرِ صَحَابِيٍّ لِمُجْتَهِدٍ غَيْرِ صَحَابِيٍّ، وَهُوَ مِنْ الْمَطْلُوبِ فَالْحَقُّ أَنَّهُ لَوْ ثَبَتَ لَكَانَ مُثْبِتًا لِجُزْءِ الْمَطْلُوبِ، وَهُوَ جَوَازُ تَقْلِيدِ مُجْتَهِدٍ غَيْرِ صَحَابِيٍّ قَبْلَ اجْتِهَادِهِ لِمُجْتَهِدٍ صَحَابِيٍّ إذْ الْمَطْلُوبُ جَوَازُ تَقْلِيدِ الْمُجْتَهِدِ قَبْلَ اجْتِهَادِهِ لِمُجْتَهِدٍ آخَرَ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (الْمُجَوِّزُ) لِلتَّقْلِيدِ مُطْلَقًا قَالَ هُوَ وَمُوَافِقُوهُ أَوَّلًا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِسُؤَالِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا لَا يَعْلَمُ فَقَالَ تَعَالَى {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ} [النحل: 43] أَيْ الْعِلْمِ بِدَلِيلِ {إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ} [النحل: 43] فَيُفِيدُ وُجُوبَ سُؤَالِ الْمُجْتَهِدِينَ؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا لَا يَعْلَمُ وَأَدْنَى دَرَجَاتِهِ جَوَازُ اتِّبَاعِ الْمَسْئُولِ فِيمَا أَجَابَ وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلسُّؤَالِ فَائِدَةٌ وَلَا مَعْنَى لِجَوَازِ تَقْلِيدِهِ إلَّا الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِالسَّائِلِ مَنْ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا أَصْلًا بَلْ مَنْ لَا يَعْلَمُ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ.
(وَقِيلَ الِاجْتِهَادُ لَا يَعْلَمُ) الْمُجْتَهِدُ الْمُجْتَهَدَ فِيهِ فَشَمِلَهُ طَلَبُ سُؤَالِ أَهْلِ الذِّكْرِ فَشَمِلَهُ أَيْضًا مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ عَلَيْهِ سُؤَالُ غَيْرِهِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْعِلْمِ بِحُكْمِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ اجْتِهَادِهِ أَيْضًا فَكَانَ مَعَ مُجْتَهِدٍ غَيْرِهِ كَمُجْتَهِدَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْعَامِّيِّ