المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[المرصد الأول في تقسيم العلة] - التقرير والتحبير على كتاب التحرير - جـ ٣

[ابن أمير حاج]

فهرس الكتاب

- ‌[فَصْلٌ فِي التَّعَارُضِ]

- ‌[مَسْأَلَة جَرْيِ التَّعَارُضِ بَيْنَ قَوْلَيْنِ وَنَفْيِهِ]

- ‌[مَسْأَلَة لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ]

- ‌[فَصْلٌ يَلْحَقُ السَّمْعِيَّيْنِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ]

- ‌[مَسْأَلَة وَيَكُونُ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ كَالْقَوْلِ]

- ‌[مَسْأَلَة جَوَازِهِ أَيْ النَّسْخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جَوَازِ النَّسْخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ حُكْمِ فِعْلٍ لَا يَقْبَلُ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ السُّقُوطَ]

- ‌[مَسْأَلَةُ لَا يَجْرِي النَّسْخُ فِي الْأَخْبَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْحُكْمُ بِلَا بَدَلٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ التَّكْلِيفِ بِتَكْلِيفٍ أَخَفَّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ مَمْنُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْإِجْمَاعُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا رُجِّحَ قِيَاسٌ مُتَأَخِّرٌ لِتَأَخُّرِ شَرْعِيَّةِ حُكْمِ أَصْلِهِ عَنْ نَصٍّ عَلَى نَقِيضِ حُكْمِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فَحَوَى مَنْطُوقٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ النَّاسِخِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ بَعْدَ تَبْلِيغِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا زَادَ فِي مَشْرُوعٍ جُزْءًا أَوْ شَرْطًا لَهُ مُتَأَخِّرًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يُعْرَفُ النَّاسِخُ بِنَصِّهِ عليه السلام عَلَيْهِ وَضَبْطِ تَأَخُّرِهِ]

- ‌[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ انْقِرَاضُ الْمُجْمِعِينَ لَيْسَ شَرْطًا لِانْعِقَادِهِ وَلَا لِحُجَّتِهِ]

- ‌[لَا يَشْتَرِطُ لِحُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ انْتِفَاءَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ عَدَدُ التَّوَاتُرِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ مَعَ كَوْنِ الْمُجْمِعِينَ أَكْثَرَ مُجْتَهِدِي ذَلِكَ الْعَصْرِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ عَدَالَةُ الْمُجْتَهِدِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيَّةِ كَوْنُهُمْ أَيْ الْمُجْمِعِينَ الصَّحَابَةَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ بِالْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِالشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاع بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَفْتَى بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَوْ قَضَى بِهِ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَسَكَتُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ]

- ‌[تَنْبِيهٌ لَوْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ هَذَا مُبَاحٌ وَأَقْدَمَ الْبَاقِي عَلَى فِعْلِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا أُجْمِعَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْجُمْهُورُ إذَا أَجْمَعُوا أَيْ أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى دَلِيلٍ لِحُكْمٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا إجْمَاعَ إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا أَيْ مُجْتَهِدُو عَصْرٍ دَلِيلًا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُكَافِئِ لَهُ عَمِلُوا بِخِلَافِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ ارْتِدَادِ أُمَّةِ عَصْرٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ ظُنَّ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ دِيَةُ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ يَتَمَسَّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إنْكَارُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعِ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ حُجِّيَّتُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ]

- ‌[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْقِيَاسِ]

- ‌[أَرْكَانُ قِيَاسِ الْعِلَّةِ]

- ‌[فِي الشُّرُوطِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌[الْكَلَامُ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ وَشُرُوطِهَا وَطُرُقِ مَعْرِفَتِهَا]

- ‌[الْمَرْصَدُ الْأَوَّلُ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةُ]

- ‌[تَتِمَّةٌ تَقْسِيمَ لَفْظُ الْعِلَّةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَوْ الْمَجَازِ]

- ‌[الْمَرْصَدُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ]

- ‌[تَنْبِيهٌ قَسَّمَ الْمُصَحِّحُونَ لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ مَعَ الْمَانِعِ إلَى خَمْسَةٍ]

- ‌[لَا يُشْتَرَطُ فِي تَعْلِيلِ انْتِفَاءِ حُكْمٍ بِوُجُودِ مَانِعٍ]

- ‌[فَصْلٌ تَقْسِيم الْقِيَاسَ بِاعْتِبَارِ التَّفَاوُتِ فِي الْقُوَّةِ إلَى جَلِيٍّ وَخَفِيَ]

- ‌[مَسْأَلَةُ حُكْمِ الْقِيَاسِ الثُّبُوتُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِهِ أَيْ بِالْقِيَاسِ الْحُدُودُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَكْلِيفُ الْمُجْتَهِدِ بِطَلَبِ الْمَنَاطِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ النَّصِّ مِنْ الشَّارِعِ عَلَى الْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ يَكْفِي فِي إيجَابِ تَعَدِّيَةِ الْحُكْمِ بِهَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ]

- ‌[خَاتِمَةٌ لِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ]

- ‌[الْمَقَالَةُ الثَّالِثَةُ فِي الِاجْتِهَادِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ التَّقْلِيدِ وَالْإِفْتَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَنَّهُ عليه السلام مَأْمُورٌ فِي حَادِثَةٍ لَا وَحْيَ فِيهَا بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ طَائِفَةٌ لَا يَجُوزُ عَقْلًا اجْتِهَادُ غَيْرِ النَّبِيّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَقْلِيَّاتُ مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَمْعٍ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَيْ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي وَاقِعَةٍ أَدَّى اجْتِهَادُهُ فِيهَا إلَى حُكْمٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَاقِعَةٌ اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ لَهَا ثُمَّ تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَصِحُّ فِي مَسْأَلَةٍ لِمُجْتَهِدٍ بَلْ لِعَاقِلٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ التَّعْرِيضِ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ]

- ‌[مَسْأَلَة التَّقْلِيد الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ إحْدَى الْحُجَجِ الْأَرْبَعِ الشَّرْعِيَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَة غَيْر الْمُجْتَهِدِ المطلق يَلْزَمهُ التَّقْلِيد وَإِنَّ كَانَ مجتهدا فِي بَعْض مَسَائِل الْفِقْه]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى حِلِّ اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالِاجْتِهَادِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إفْتَاءُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَرْجِعُ الْمُقَلِّدُ فِيمَا قَلَّدَ الْمُجْتَهِدَ]

- ‌[إجْمَاعُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى مَنْعِ الْعَوَامّ مِنْ تَقْلِيدِ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ]

- ‌[خَاتِمَة]

الفصل: ‌[المرصد الأول في تقسيم العلة]

{فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ} [الأحزاب: 37] الْآيَة وَلِهَذَا كَانَ الْقِيَاسُ حُجَّةً إلَّا عِنْدَ شِرْذِمَةٍ لَا يُعْتَدُّ بِهِمْ.

وَأَمَّا تَعْمِيمُ ذَلِكَ بِأَنْ لَا يَخْلُوَ فِعْلٌ مِنْ أَفْعَالِهِ مِنْ غَرَضٍ فَمَحَلُّ بَحْثٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ (الْأَقْرَبُ) إلَى تَحْقِيقِ الْعُقَلَاءِ (أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْخِلَافَ (لَفْظِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى مَعْنَى الْغَرَضِ) فَمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ أَنَّهُ الْمَنْفَعَةُ الْعَائِدَةُ إلَى الْفَاعِلِ قَالَ لَا تُعَلَّلُ بِالْغَرَضِ وَمَرِيدُ هَذَا بِالْغَرَضِ لَا يُخَالِفُهُ عَلَى نَفْيِهِ عَنْ أَفْعَالِهِ تَعَالَى وَأَحْكَامِهِ التَّكْلِيفِيَّةِ أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَضْلًا عَنْ نَحَارِيرِ الْعُلَمَاءِ الْمُتَبَحِّرِينَ وَمَنْ سَبَقَ إلَيْهِ أَنَّهُ الْفَائِدَةُ الْعَائِدَةُ إلَى الْعِبَادِ قَالَ إنَّ أَفْعَالَهُ وَأَحْكَامَهُ تُعَلَّلُ بِهَا وَمُرِيدُ هَذَا أَنْ لَا يَظُنّ أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْعُقَلَاءِ لَا يُخَالِفُهُ فِي كَوْنِ الْوَاقِعِ كَذَلِكَ وَمَنْ خَالَفَهُ فَقَدْ نَاقَضَ نَفْسَهُ بِنَفْسِهِ حَيْثُ يَقُولُ الْمُنَاسَبَةُ مِنْ مَسَالِكِ الْعِلَّةِ (أَوْ) أَنَّهُ (غَلَطٌ مِنْ اشْتِبَاهِ الْحُكْمِ بِالْفِعْلِ فَاذْكُرْ مَا قَدَّمْنَاهُ) فِي فَصْلِ الْحَاكِمِ (مِنْ أَنَّهُ) عز وجل (غَيْرُ مُخْتَارٍ فِيهِ) أَيْ فِي الْحُكْمِ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ قَدِيمًا عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ كَيْفَ يَكُونُ اخْتِيَارِيًّا (بِخِلَافِ الْفِعْلِ) فَإِنَّهُ مُخْتَارٌ فِيهِ تَعَالَى فَمَنْ قَالَ إنَّ الْفِعْلَ لَا يُعَلَّلُ بِالْغَرَضِ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْفِعْلُ بِالْحُكْمِ وَمَنْ قَالَ الْحُكْمُ بِعِلَلٍ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ بِالْفِعْلِ (غَيْرَ أَنَّ اتِّصَافَهُ) أَيْ الْبَارِئِ تَعَالَى (بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ مِنْ الْكَمَالَاتِ مُوجِبٌ لِمُوَافَقَةِ حُكْمِهِ لِلْحِكْمَةِ بِمَعْنَى أَنْ لَا يَقَعَ إلَّا كَذَلِكَ) أَيْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُوَافِقِ لِلْحِكْمَةِ فَعَلَى هَذَا الْكُلُّ وَاقِعٌ لِلْحِكْمَةِ فَلَا أَثَرَ لِهَذَا الِاشْتِبَاهِ فَإِذَنْ الْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

(وَإِذْ لَزِمَ فِيهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (الْمُنَاسَبَةُ بَطَلَتْ الطَّرْدِيَّةُ) أَيْ كَوْنُهَا غَيْرَ وَصْفٍ مُنَاسِبٍ وَلَا شَبِيهٍ بِهِ بَلْ هِيَ مَحْضُ كَوْنِهَا مُعَرِّفَةً لِلْحُكْمِ (لِأَنَّ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ) لِلْحُكْمِ (حُكْمٌ) خَبَرِيٌّ (نَظَرِيٌّ يَتَعَلَّقُ حُكْمُهُ) تَعَالَى (عِنْدَهُ) أَيْ عِنْدَ ذَلِكَ الْوَصْفِ (وَهِيَ) أَيْ الطَّرْدِيَّةُ إنَاطَةُ الْحُكْمِ بِهَا قَوْلٌ (بِلَا دَلِيلٍ فَبَطَلَتْ وَمَا قِيلَ) وَقَائِلُهُ ابْنُ الْحَاجِبِ مِنْ أَنَّ بُطْلَانَ الْعِلَلِ الطَّرْدِيَّةِ (لِلدُّورِ لِأَنَّهَا) أَيْ الطَّرْدِيَّةَ (حِينَئِذٍ) أَيْ حِينَ كَوْنِهَا طَرْدِيَّةً (أَمَارَةٌ مُجَرَّدَةٌ لَا فَائِدَةَ لَهَا إلَّا تَعْرِيفُ الْحُكْمِ) لِلْأَصْلِ (فَتَوَقَّفَ) الْحُكْمُ عَلَيْهَا (وَكَوْنُهَا مُسْتَنْبَطَةً مِنْهُ) أَيْ الْحُكْمِ (يُوجِبُ تَوَقُّفَهَا عَلَيْهِ) أَيْ الْحُكْمِ (مَدْفُوعٌ بِأَنَّ الْمُعَرِّفَ لِحُكْمِ الْأَصْلِ النَّصُّ وَهِيَ) أَيْ الطَّرْدِيَّةُ مُعَرِّفَةً (أَفْرَادَ الْأَصْلِ فَيُعْرَفُ حُكْمُهَا) أَيْ أَفْرَادِ الْأَصْلِ (بِوَاسِطَةِ ذَلِكَ) أَيْ عِرْفَانِ أَفْرَادِ الْأَصْلِ (مَثَلًا مُعَرِّفُ حُرْمَةِ الْخَمْرِ النَّصُّ وَالْإِسْكَارُ) الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ حُرْمَتِهِ (يُعْرَفُ) الْجُزْئِيُّ (الْمُشَاهَدُ أَنَّهُ مِنْهَا) أَيْ مِنْ أَفْرَادِ الْأَصْلِ (فَيُعْرَفُ حُرْمَتُهُ) أَيْ الْأَصْلِ (فِيهِ) أَيْ فِي الْمُشَاهَدِ (فَلَا دَوْرَ ثُمَّ لَيْسَ) تَعْرِيفُهَا لِأَفْرَادِ الْأَصْلِ أَمْرًا (كُلِّيًّا بَلْ) إنَّمَا هُوَ (فِيمَا) أَيْ أَصْلٍ (لَهُ لَازِمٌ ظَاهِرٌ خَاصٌّ كَرَائِحَةِ الْمُشْتَدِّ أَنْ لَمْ يُشْرِكْهَا) أَيْ الْخَمْرَ (فِيهَا) أَيْ الرَّائِحَةِ (غَيْرُهَا) أَيْ غَيْرُ الْخَمْرِ (وَإِلَّا فَتَعْرِيفُ الْإِسْكَارِ بِنَفْسِهِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِشُرْبِ الْمُشَاهَدِ) لِأَنَّ هَذَا اللَّازِمَ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَالشُّرْبُ طَرِيقُ مَعْرِفَتِهِ فَتَتَوَقَّفُ حُرْمَتُهُ عَلَى شُرْبِهِ (وَهُوَ) أَيْ وَتَوَقُّفُهَا عَلَيْهِ (بَاطِلٌ) بِالْإِجْمَاعِ (وَكَوْنُهُ الْإِسْكَارَ طَرْدًا) إنَّمَا هُوَ (عَلَى) قَوْلِ (الْحَنَفِيَّةِ) لِأَنَّ حُرْمَةَ الْخَمْرِ عِنْدَهُمْ لِعَيْنِهَا (وَعَلَى) قَوْلِهِ (غَيْرُهُمْ هُوَ) أَيْ كَوْنُ الْإِسْكَارِ طَرْدًا (مِثَالٌ) لِذَلِكَ.

[الْكَلَامُ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ وَشُرُوطِهَا وَطُرُقِ مَعْرِفَتِهَا]

[الْمَرْصَدُ الْأَوَّلُ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةُ]

(وَالْكَلَامُ فِي تَقْسِيمِهَا) أَيْ الْعِلَّةِ (وَشُرُوطِهَا وَطُرُقِ مَعْرِفَتِهَا) أَيْ الطُّرُقِ الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّ الْوَصْفَ مُعْتَبَرٌ فِي نَظَرِ الشَّارِعِ عِلَّةٌ (فِي مَرَاصِدَ) ثَلَاثَةٍ (الْمَرْصَدُ الْأَوَّلُ) فِي تَقْسِيمِهَا (تَنْقَسِمُ) الْعِلَّةُ (بِحَسْبِ الْمَقَاصِدِ وَ) بِحَسْبِ (الْإِفْضَاءِ إلَيْهَا) أَيْ إلَى الْمَقَاصِدِ (وَ) بِحَسْبِ (اعْتِبَارِ الشَّارِعِ) لَهَا عِلَّةً (فَالْأَوَّلُ) أَيْ انْقِسَامُهَا بِحَسْبِ الْمَقَاصِدِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الِانْقِسَامُ (بِالذَّاتِ لِلْمَقَاصِدِ وَيَسْتَتْبِعُهُ) أَيْ هَذَا الِانْقِسَامَ لَهَا بِحَسْبِ الْمَقَاصِدِ انْقِسَامُهَا (وَهِيَ) أَيْ الْمَقَاصِدُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَصْفِ (ضَرُورِيَّةً) وَهِيَ مَا انْتَهَتْ الْحَاجَةُ فِيهَا إلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ ثُمَّ (لَمْ تُهْدَرْ فِي مِلَّةٍ) مِنْ الْمِلَلِ السَّالِفَةِ بَلْ رُوعِيَتْ فِيهَا لِكَوْنِهَا مِنْ الْمُهِمَّاتِ الَّتِي نِظَامُ الْعَالَمِ مُرْتَبِطٌ بِهَا وَلَا يَبْقَى النَّوْعُ مُسْتَقِيمَ الْأَحْوَالِ بِدُونِهَا وَهِيَ خَمْسَةٌ (حِفْظُ الدِّينِ بِوُجُوبِ الْجِهَادِ وَعُقُوبَةِ الدَّاعِي إلَى الْبِدَعِ) وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ {قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ} [التوبة: 29] الْآيَة

ص: 143

(وَقَدْ يُوَجَّهُ لِلْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُ) أَيْ وُجُوبَ الْجِهَادِ (لِكَوْنِهِمْ) أَيْ الْكُفَّارِ (حَرْبًا عَلَيْنَا لَا لِكُفْرِهِمْ وَلِذَا) أَيْ كَوْنِ الْعِلَّةِ كَوْنَهُمْ حَرْبًا عَلَيْنَا (لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ وَالرُّهْبَانُ) إذَا لَمْ يَزِيدُوا عَلَى الْكُفْرِ بِسَلْطَنَةٍ أَوْ قِتَالٍ أَوْ رَأْيٍ فِيهِ أَوْ حَثٍّ عَلَيْهِ بِمَالٍ أَوْ مُطْلَقًا لِانْتِفَاءِ الْحِرَابَةِ (وَقُبِلَتْ الْجِزْيَةُ) مِنْ بَاذِلِيهَا مِمَّنْ هُوَ أَهْلٌ لَهَا (وَلَزِمَتْ الْمُهَادَنَةُ) أَيْ الْمُصَالَحَةُ إذَا اُحْتِيجَ إلَيْهَا لِانْتِفَاءِ حِرَابِهِمْ مَعَ وُجُودِ كُفْرِهِمْ (وَلَا يُنَافِيه) أَيْ وُجُوبَ الْجِهَادِ لِكَوْنِهِمْ حَرْبًا عَلَيْنَا وُجُوبُهُ لِحِفْظِ الدِّينِ فَإِنَّ مِنْ الظَّاهِرِ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ حِفْظِ الدِّينِ لَا يَتِمُّ مَعَ حِرَابَتِهِمْ فَإِنَّهَا مُفْضِيَةٌ لِقَتْلِ الْمُسْلِمِ أَوْ لِفِتْنَتِهِ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ فَكَوْنُهُ وَاجِبًا لِحِفْظِ الدِّينِ هُوَ مَعْنَى وُجُوبِهِ لِحِرَابَتِهِمْ فَلَا خِلَافَ فِي الْمَعْنَى وَإِنَّمَا يُنَافِيه لَوْ كَانَ وُجُوبُهُ لِمُجَرَّدِ الْكُفْرِ فَإِنَّ عَلَيْهِ يَكُونُ مَا قَالَتْهُ الْحَنَفِيَّةُ أَخَصُّ ثُمَّ أَوْجَهُ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى عَدَمِ قَتْلِ الذِّمِّيِّ وَالْمُسْتَأْمَنِ وَمَنْ لَا يُحَارِبُ مِنْ صَبِيٍّ وَامْرَأَةٍ وَغَيْرِهِمَا (وَ) حِفْظُ (النَّفْسِ بِالْقِصَاصِ) كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْله تَعَالَى {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ} [البقرة: 179] وَتَضَافَرَ عَلَيْهِ مَعَ الْكِتَابِ السُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ.

(وَ) حِفْظُ (الْعَقْلِ بِكُلٍّ مِنْ حُرْمَةِ الْمُسْكِرِ) الثَّابِتَةِ بِالْكِتَابِ وَالْإِجْمَاعِ (وَحِّدْهُ) أَيْ الْمُسْكِرِ الثَّابِتِ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (وَ) حِفْظُ (النَّسَبِ بِكُلٍّ مِنْ حُرْمَةِ الزِّنَا) بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ (وَحْدَهُ) الَّذِي هُوَ الْجَلْدُ بِهَذِهِ أَيْضًا وَاَلَّذِي هُوَ الرَّجْمُ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ الْمُزَاحَمَةَ عَلَى الْأَبْضَاعِ تُفْضِي إلَى اخْتِلَاطِ الْأَنْسَابِ الْمُفْضِي إلَى انْقِطَاعِ التَّعَهُّدِ مِنْ الْآبَاءِ الْمُفْضِي إلَى انْقِطَاعِ النَّسْلِ وَارْتِفَاعِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ مِنْ الْوُجُودِ (وَ) حِفْظُ (الْمَالِ بِعُقُوبَةِ السَّارِقِ وَالْمُحَارِبِ) بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَتُسَمَّى هَذِهِ بِالْكُلِّيَّاتِ الْخَمْسِ وَكُلٌّ مِنْهَا دُونَ مَا قَبْلَهُ وَحَصْرُ الْمَقَاصِدِ فِي هَذِهِ ثَابِتٌ بِالنَّظَرِ إلَى الْوَاقِعِ وَعَادَاتِ الْمِلَلِ وَالشَّرَائِعِ بِالِاسْتِقْرَاءِ وَزَادَ الطُّوفِيُّ وَالسُّبْكِيُّ حِفْظَ الْعِرْضِ بِحَدِّ الْقَذْفِ (وَيَلْحَقُ بِهِ) أَيْ بِالضَّرُورِيِّ (مُكَمِّلُهُ مِنْ حُرْمَةِ قَلِيلِ الْخَمْرِ الْمُسْكِرِ وَحَدِّهِ) أَيْ حَدُّ قَلِيلِهَا إذْ قَلِيلُهَا لَا يُزِيلُ الْعَقْلَ وَحِفْظُ الْعَقْلِ حَاصِلٌ بِتَحْرِيمِ السُّكْرِ وَالْحَدِّ عَلَيْهِ لَكِنَّهُ حُرِّمَ لِلتَّتْمِيمِ وَالتَّكْمِيلِ (إذْ كَانَ) قَلِيلُهَا (يَدْعُو إلَى كَثِيرِهِ) أَيْ الْخَمْرِ بِمَا يُوَرِّثُ النَّفْسَ مِنْ الطَّرَبِ الْمَطْلُوبِ زِيَادَتُهُ بِزِيَادَةِ سَبَبِهِ وَذِكْرُهَا أَمَّا كَمَا هُوَ لُغَةٌ فِيهَا أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمُسْكِرِ (فَيُزِيلُ) كَثِيرُهَا (الْعَقْلَ فَتَحْرِيمُ كُلِّ دَاعِيَةٍ) إلَى مُحَرَّمٍ (مُقْتَضَى الدَّلِيلِ ثَبَتَ الشَّرْعُ عَلَى وَفْقِهِ) أَيْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ (فِي الِاعْتِكَافِ وَالْحَجِّ) فَحَرُمَتْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ فِيهِمَا كَمَا حَرُمَ نَفْسُ الْجِمَاعِ (وَعَلَى خِلَافِهِ) أَيْ وَثَبَتَ الشَّرْعُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ (فِي الصَّوْمِ) فَلَمْ تَحْرُمْ دَوَاعِي الْجِمَاعِ فِيهِ كَمَا حَرُمَ الْجِمَاعُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ إذَا لَمْ يَأْمَنْ عَلَى نَفْسِهِ (وَلَمْ يُثْبِتْ) الشَّرْعُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ (فِي الظِّهَارِ فَتَحْرِيمُ الْحَنَفِيَّةِ إيَّاهَا) أَيْ الدَّوَاعِي (فِيهِ) أَيْ فِي الظِّهَارِ (عَلَى وَفْقِهِ) أَيْ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ.

(وَهَذَا) الْمَقْصُودُ الضَّرُورِيُّ وَالْمُلْحَقُ بِهِ الْمُكَمِّلُ لَهُ هُوَ (الْمُنَاسِبُ الْحَقِيقِيُّ وَدُونَهَا) أَيْ الضَّرُورِيَّةِ مَقَاصِدُ (حَاجِيَةٌ) وَهِيَ الَّتِي لَمْ تَنْتَهِ الْحَاجَةُ إلَيْهَا إلَى حَدِّ الضَّرُورَةِ (شُرِعَ) الْحُكْمُ (لَهَا) أَيْ لِلْحَاجَةِ إلَيْهَا (نَحْوُ الْبَيْعِ) لِمِلْكِ الْعَيْنِ بِعِوَضِ مَالٍ (وَالْإِجَارَةِ) لِمِلْكِ الْمَنْفَعَةِ بِعِوَضِ مَالٍ (وَالْقِرَاضِ) لِلشَّرِكَةِ فِي الرِّبْحِ بِمَالٍ مِنْ وَاحِدٍ وَعَمَلٍ فِيهِ مِنْ آخَرَ (وَالْمُسَاقَاةِ) لِدَفْعِ الشَّجَرِ إلَى مَنْ يَعْمَلُ فِيهِ بِجُزْءٍ مِنْ ثَمَرِهِ (فَإِنَّهَا) أَيْ هَذِهِ الْمَشْرُوعَاتِ (لَوْ لَمْ تُشْرَعْ لَمْ يَلْزَمْ فَوَاتُ شَيْءٍ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ) الْخَمْسِ (إلَّا قَلِيلًا كَالِاسْتِئْجَارِ لِإِرْضَاعِ مَنْ لَا مُرْضِعَةَ لَهُ وَتَرْبِيَتِهِ وَشِرَاءِ الْمَطْعُومِ وَالْمَلْبُوسِ لِلْعَجْزِ عَنْ الِاسْتِقْلَالِ بِالتَّسَبُّبِ فِي وُجُودِهَا) أَيْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فَاحْتِيجَ (إلَى دَفْعِ حَاجَتِهِ) أَيْ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا (بِهَا) أَيْ بِهَذِهِ الْعُقُودِ فَهَذِهِ الْمُسْتَثْنَيَاتُ مِنْ قَبِيلِ الضَّرُورِيِّ لِحِفْظِ النَّفْسِ لِأَنَّ الْهَلَاكَ قَدْ يَحْصُلُ بِتَرْكِهَا فَلَا جَرَمَ أَنْ عَدَّهَا الْآمِدِيُّ مِنْهُ (فَالتَّسْمِيَةُ) أَيْ إطْلَاقُ الْحَاجِيِّ عَلَى هَذِهِ الْمَشْرُوعَاتِ (بِاعْتِبَارِ الْأَغْلَبِ) فَإِنَّ غَالِبَ الشِّرَاءَاتِ وَالْإِجَازَاتِ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ لَا ضَرُورِيٌّ فَدَعْوَى إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْبَيْعَ ضَرُورِيٌّ لَمْ يُوَافِقْ عَلَيْهَا (وَمُكَمِّلُهَا) أَيْ وَدُونَ الضَّرُورِيَّةِ أَيْضًا مَقْصُودٌ حَاجِيٌّ لَكِنْ لَا فِي نَفْسِهِ

ص: 144

بَلْ مُكَمِّلُ الْحَاجِيِّ فِي نَفْسِهِ (كَوُجُوبِ رِعَايَةِ الْكَفَّارَةِ وَمَهْرِ الْمِثْلِ عَلَى الْوَلِيِّ فِي) تَزْوِيجِ مُوَلِّيَتِهِ (الصَّغِيرَةِ) فَإِنَّ أَصْلَ الْمَقْصُودِ مِنْ شَرْعِ النِّكَاحِ.

وَإِنْ كَانَ حَاصِلًا بِدُونِهَا لَكِنَّهُمَا أَشَدُّ إفْضَاءً إلَى دَوَامِ النِّكَاحِ وَإِتْمَامِ الْأُلْفَةِ وَالِازْدِوَاجِ بَيْنَهُمَا وَدَوَامُهُ مِنْ مُكَمِّلَاتِ مَقْصُودِهِ فَوَجَبَ رِعَايَتُهُمَا (إلَّا لِدَلَالَةٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَحَدَّهُ عَلَى حُصُولِ الْمَقْصُودِ دُونَهَا) أَيْ رِعَايَتِهَا (كَتَزْوِيجِ أَبِيهَا) أَيْ الصَّغِيرَةِ أَوْ جَدِّهَا الصَّحِيحِ إيَّاهَا (مِنْ عَبْدٍ وَبِأَقَلَّ) مِنْ مَهْرِ مِثْلِهَا وَكُلٌّ مِنْهُمَا غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِسُوءِ الِاخْتِيَارِ وَلَا بِالْمَجَانَةِ وَالْفِسْقِ وَهَذِهِ الدَّلَالَةُ قُرْبُ الْقَرَابَةِ الْخَاصَّةِ وَهِيَ الدَّاعِيَةُ إلَى وُفُورِ الشُّفْعَةِ مَعَ كَمَالِ الرَّأْيِ ظَاهِرًا فَإِنَّ مَنْ قَامَ بِهِ هَذَا لَا يَتْرُكُ كُلًّا مِنْهُمَا ظَاهِرًا إلَّا لِمَصْلَحَةٍ تَرْبُو عَلَى كِلَيْهِمَا وَلَمَّا كَانَ النَّظَرُ لَهَا فِي ذَلِكَ بَاطِنًا وَهَذَا دَلِيلُهُ اُعْتُبِرَ دَلِيلُهُ وَعُلِّقَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمَا مِنْ الْعَصَبَاتِ وَمِنْ الْأُمِّ لِقُصُورِ الشَّفَقَةِ فِي الْعَصَبَاتِ وَنُقْصَانِ الرَّأْيِ فِي الْأُمِّ (وَهَذَا) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ الْمُشْتَمِلُ عَلَى الْحَاجِيِّ وَتُكْمِلُهُ (الْمُنَاسِبُ الْمَصْلَحِيُّ وَغَيْرُ الْحَاجِيِّ تَحْسِينِي) أَيْ مِنْ قَبِيلِ رِعَايَةِ أَحْسَنِ الْمَنَاهِجِ فِي مَحَاسِنِ الْعَادَاتِ (كَحُرْمَةِ الْقَاذُورَاتِ حَثًّا عَلَى مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالْتِزَامِ الْمُرُوءَةِ) وَنَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم مَوْصُوفٌ بِتَشْرِيعِ ذَلِكَ فَقَالَ تَعَالَى فِي وَصْفِهِ {وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ} [الأعراف: 157] وَقَالَ صلى الله عليه وسلم «بُعِثْت لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمِ (وَكَسَلَبِ الْعَبْدِ) وَإِنْ كَانَ ذَا دَيْنٍ يَغْلِبُ ظَنُّ صِدْقِهِ (أَهْلِيَّةَ الْوِلَايَةِ مِنْ الشَّهَادَةِ وَالْقَضَاءِ وَغَيْرِهِمَا) كَالْإِمَامَةِ الْكُبْرَى لِانْحِطَاطِ رُتْبَتِهِ عَنْ الْحُرِّ لِكَوْنِهِ مُسْتَسْخَرًا لِلْمَالِكِ مَشْغُولًا بِخِدْمَتِهِ فَلَا يَلِيقُ بِهِ الْمَنَاصِبُ الشَّرِيفَةُ وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ ضَرُورَةٌ وَلَا حَاجَةٌ وَلَا تَكْمِيلٌ لِإِحْدَاهُمَا بَلْ إجْرَاءٌ لِلنَّاسِ عَلَى مَا أَلِفُوهُ مِنْ الْعَادَاتِ الْمُسْتَحْسَنَةِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ السَّيِّدَ إذَا كَانَ لَهُ عَبْدٌ ذُو فَضَائِلَ وَآخَرُ دُونَهُ فِيهَا اُسْتُحْسِنَ عُرْفًا أَنْ يُفَوِّضَ الْعَمَلَ إلَيْهِمَا بِحَسْبِ فَضِيلَتِهِمَا فَيُجْعَلُ الْأَفْضَلُ لِلْأَفْضَلِ وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا يُمْكِنُهُ الْقِيَامُ بِمَا يَقُومُ بِهِ الْآخَرُ.

(الثَّانِي) انْقِسَامُهَا بِحَسْبِ الْإِفْضَاءِ وَأَقْسَامُهُ (خَمْسَةٌ لِأَنَّ حُصُولَ الْمَقْصُودِ) مِنْ شَرْعِ الشَّارِعِ الْحُكْمُ عِنْدَ الْوَصْفِ لِجَلْبِ مَصْلَحَةٍ لِلْعَبْدِ أَوْ دَفْعِ مَفْسَدَةٍ عَنْهُ أَوْ لِكِلَيْهِمَا تَحْصِيلًا لِأَصْلِ الْمَقْصُودِ أَوْ تَكْمِيلًا لَهُ فِي الدُّنْيَا أَوْ جَلْبًا لِلثَّوَابِ أَوْ دَفْعًا لِلْعِقَابِ فِي الْأُخْرَى (أَمَّا) أَنْ يَكُونَ (يَقِينًا كَالْبَيْعِ) الصَّحِيحِ (لِلْحِلِّ) أَيْ لِثُبُوتِ الْمِلْكِ فِي الْبَدَلَيْنِ حَلَالًا لِلْمَالِكِ فَإِنَّهُ يَحْصُلُ مِنْهُ يَقِينًا (أَوْ ظَنًّا كَالْقِصَاصِ لِلِانْزِجَارِ) عَنْ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ شَرْعِيَّتِهِ صِيَانَةُ النُّفُوسِ الْمَعْصُومَةِ عَنْ الْهَلَاكِ وَهَذَا يَحْصُلُ ظَنًّا مِنْهُ (لَا لِأَكْثَرِيَّةِ الْمُمْتَنِعِينَ عَنْهُ) أَيْ عَنْ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُقْدِمِينَ عَلَيْهِ (وَالِاتِّفَاقُ) ثَابِتٌ (عَلَيْهِمَا) أَيْ عَلَى هَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ (أَوْ شَكًّا أَوْ وَهْمًا) وَهَذَانِ فِيهِمَا خِلَافٌ (وَالْمُخْتَارُ فِيهِمَا الِاعْتِبَارُ) ثُمَّ مَا يُسَاوِي فِيهِ حُصُولُهُ وَنَفْيُهُ لَا مِثَالَ لَهُ فِي الشَّرْعِ عَلَى التَّحْقِيقِ بَلْ عَلَى التَّقْرِيبِ (كَحَدِّ الْخَمْرِ) فَإِنَّهُ شُرِعَ (لِلزَّجْرِ) عَنْ شُرْبِهَا لِحِفْظِ الْعَقْلِ (وَقَدْ ثَبَتَ) حَدُّهَا (مَعَ الشَّكِّ فِيهِ) أَيْ فِي الِانْزِجَارِ عَنْ شُرْبِهَا بِهِ لِأَنَّ اسْتِدْعَاءَ الطِّبَاعِ شُرْبَهَا يُقَاوِمُ خَوْفَ عِقَابِ الْحَدِّ وَعَدَمُ الْمُمْتَنِعِ وَالْمُقْدِمِ مُتَقَارِبَانِ وَلَا قَطْعَ عَادَةً لِغَلَبَةِ أَحَدِهِمَا وَاعْتَرَضَ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّسَامُحِ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ.

وَأَمَّا مَعَ إقَامَتِهَا فَلَا وَنَحْنُ إنَّمَا نَعْتَبِرُ كَوْنَهُ مُفْضِيًا إلَى الْمَقْصُودِ أَوَّلًا عَلَى تَقْدِيرِ رِعَايَةِ الْمَشْرُوعِ لَا بِمُجَرَّدِ التَّشْرِيعِ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّا لَوْ فَرَضْنَا رِعَايَةَ الْمَشْرُوعِ لَكَانَ اسْتِيفَاءُ حَدِّ الْخَمْرِ أَقَلَّ مَنْعًا لِلشَّارِبِينَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْقِصَاصِ لِلْقَاتِلِينَ إذْ لَا يَخْفَى أَنَّ الْخَوْفَ مِنْ إزْهَاقِ النَّفْسِ أَعْظَمُ مِنْ خَوْفِ ثَمَانِينَ جَلْدَةً (وَرُخْصَةُ السَّفَرِ) شُرِعَتْ (لِلْمَشَقَّةِ وَالنِّكَاحُ) شُرِعَ (لِلنَّسْلِ) كَمَا يُشِيرُ إلَيْهِ مَا أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ أَنَسٍ «كَانَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَأْمُرُ بِالْبَاءَةِ وَيَنْهَى عَنْ التَّبَتُّلِ نَهْيًا شَدِيدًا وَيَقُولُ تَزَوَّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنِّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ» وَقَدْ (جَازَا) أَيْ التَّرَخُّصُ الْمَذْكُورُ وَالنِّكَاحُ (مَعَ ظَنِّ الْعَدَمِ) لِكُلٍّ مِنْ الْمَشَقَّةِ وَالنَّسْلِ (فِي) سَفَرِ (مَلِكٍ مُرَفَّهٍ) يُسَارُ بِهِ عَلَى الْمِحَفَّةِ فِي الْيَوْمِ مِقْدَارًا لَا يُصِيبُهُ فِيهِ نَصَبٌ وَلَا ظَمَأٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ بَلْ يَتَنَعَّمُ فِيهِ أَكْثَرَ مِمَّا يَكُونُ فِي الْإِقَامَةِ.

(وَ) نِكَاحِ (آيِسَةٍ فَعُلِمَ

ص: 145

أَنَّ الْمُعْتَبَرَ) فِي كَوْنِ الْوَصْفِ عِلَّةً فِي إفْضَائِهِ لِلْحُكْمِ (الْحُصُولُ فِي جِنْسِ الْوَصْفِ لَا فِي كُلِّ جُزْئِيٍّ وَلَا) فِي (أَكْثَرِهَا) أَيْ الْجُزْئِيَّاتِ (أَوْ) يَكُونُ (يَقِينُ الْعَدَمِ كَإِلْحَاقِ وَلَدِ مَغْرِبِيَّةٍ بِمَشْرِقِيٍّ) تَزَوَّجَ بِهَا وَقَدْ (عُلِمَ عَدَمُ تَلَاقِيهِمَا جَعْلًا لِلْعَقْدِ مَظِنَّةَ حُصُولِ النُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ وَوُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ) الْمَجْعُولِ مَظِنَّةً لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْوَلَدِ (عَلَى مَنْ اشْتَرَاهَا) أَيْ الْأَمَةَ (فِي مَجْلِسِ بَيْعِهِ) إيَّاهَا الْآخَرَ مِنْهُ وَلَمْ يَغِيبَا عَنْهُ وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ أَيْضًا (وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهِ) أَيْ اعْتِبَارِ هَذَا الطَّرِيقِ (لِأَنَّهُ لَا عِبْرَةَ بِالْمَظِنَّةِ) أَيْ بِمَكَانِ ظَنِّ وُجُودِ الْحِكْمَةِ (مَعَ الْعِلْمِ بِانْتِفَاءِ الْمِئِنَّةِ) أَيْ نَفْسِ الْحِكْمَةِ (وَنُسِبَ) فِي بَعْضِ شُرُوحِ الْبَدِيعِ (إلَى الْحَنَفِيَّةِ اعْتِبَارُهُ) أَيْ هَذَا الطَّرِيقِ (وَلَا شَكَّ فِي الثَّانِي) أَيْ فِي أَنَّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِ الِاسْتِبْرَاءِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ بِنَاءً عَلَى هَذَا الطَّرِيقِ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (بِخِلَافِ الْأَوَّلِ) أَيْ وَلَدِ الْمَغْرِبِيَّةِ بِالْمَشْرِقِيِّ الْمَذْكُورِ (لِتَعَذُّرِ الْقَطْعِ بِعَدَمِ الْمُلَاقَاةِ) بَيْنَهُمَا بَلْ ثُبُوتُهَا جَائِزٌ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ كَرَامَةِ الطَّيْرِ أَوْ صَاحِبَ جِنِّيٍّ (وَمُجِيزُهُ) أَيْ هَذَا إنَّمَا هُوَ (أَبُو حَنِيفَةَ لَا هُمَا) أَيْ صَاحِبَاهُ وَإِنَّمَا أَجَازَهُ (نَظَرًا إلَى ظَاهِرِ الْعِلَّةِ) الَّتِي هِيَ الْعَقْدُ (لَا إلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ) الْعِلَّةُ (مِنْ الْحِكْمَةِ) الَّتِي هِيَ حُصُولُ النَّسْلِ كَمَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ (أَمَّا لَوْ لَمْ تَخْلُ مَصْلَحَةُ الْوَصْفِ) أَيْ لَمْ تَثْبُتْ الْمَصْلَحَةُ مِنْهُ بَلْ ثَابِتَةٌ فِيهِ (لَكِنْ اسْتَلْزَمَ شَرْعُ الْحُكْمِ لَهَا) أَيْ لِلْمَصْلَحَةِ (مُفْسِدَ تُسَاوِيهَا أَوْ تَرَجُّحِهَا فَقِيلَ لَا تَنْخَرِمُ الْمُنَاسَبَةُ الْمُوجِبَةُ لِلِاعْتِبَارِ) نَعَمْ يَنْتَفِي الْحُكْمُ لِوُجُودِ الْمَانِعِ.

وَهَذَا اخْتِبَارُ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ وَأَتْبَاعِهِ (وَمُخْتَارُ الْآمِدِيِّ وَأَتْبَاعِهِ الِانْخِرَامُ) فَيَنْتَفِي الْحُكْمُ لِانْتِفَاءِ الْمُقْتَضَى (لِأَنَّهُ لَا مَصْلَحَةَ مَعَ مُعَارَضَةٍ مَفْسَدَةِ مِثْلِهَا وَمَنْ قَالَ بِعْهُ بِرِبْحِ مِثْلِ مَا تَخْسَرُ) أَوْ أَقَلَّ مِنْهُ (عُدَّ) قَوْلُهُ هَذَا (خَارِجًا عَنْ تَصَرُّفِ الْعُقَلَاءِ قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِعَدَمِ الِانْخِرَامِ (لَا تُرَجِّحُ مَصْلَحَةٌ) صِحَّةَ (الصَّلَاةِ فِي) الْأَرْضِ (الْمَغْصُوبَةِ) عَلَى حُرْمَةِ مَفْسَدَتِهَا فِيهَا بَلْ هِيَ إمَّا مُسَاوِيَةٌ لِلْمَفْسَدَةِ أَوْ دُونَهَا وَقَدْ جَازَتْ فِيهَا فَظَهَرَ أَنَّ رُجْحَانَ الْمَصْلَحَةِ لَيْسَ شَرْطًا لِلصِّحَّةِ (وَإِلَّا) لَوْ رَجَحَتْ مَصْلَحَتُهَا عَلَى مَفْسَدَتِهَا (أُجْمِعَ عَلَى الْحِلِّ) لَهَا لِلِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَفْسَدَةِ الْمَرْجُوحَةِ مَعَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ وَاللَّازِمُ مُنْتَفٍ (أُجِيبُ لَمْ يَنْشَأْ) أَيْ الْمَصْلَحَةُ وَالْمَفْسَدَةُ (مِنْ) شَيْءٍ (وَاحِدٍ كَالصَّلَاةِ) فَلَمْ تَنْشَأْ الْمَفْسَدَةُ مِنْهَا بَلْ مِنْ الْغَصْبِ وَلِذَا لَوْ شَغَلَهَا بِغَيْرِ الصَّلَاةِ كَانَتْ الْحُرْمَةُ ثَابِتَةً وَالْمَصْلَحَةُ لَيْسَتْ مِنْ الْغَصْبِ بَلْ مِنْ الصَّلَاةِ وَلَوْ نَشَآ مَعًا مِنْ نَفْسِ الصَّلَاةِ وَجَبَ أَنْ لَا تَصِحَّ قَطْعًا (وَإِذَا لَزِمَ) فِي عَدَمِ انْخِرَامِ الْمُنَاسَبَةِ (رُجْحَانُهَا) أَيْ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ (فَلَهُ) أَيْ لِلْمُرَجِّحِ (فِي تَرْجِيحِ إحْدَاهُمَا) وَالْوَجْهُ فِي تَرْجِيحِهَا أَيْ الْمَصْلَحَةِ (عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا) أَيْ الْمَصْلَحَةِ وَالْمَفْسَدَةِ أَوْ مَا كَانَتْ النُّسْخَةُ عَلَيْهِ أَوَّلًا وَهُوَ فَلَهُ أَيْ لِلتَّرْجِيحِ فِي تَعَارُضِهِمَا (طُرُقٌ تَفْصِيلِيَّةٌ فِي خُصُوصِيَّاتِ الْمَسَائِلِ تَنْشَأُ) تِلْكَ الطُّرُقُ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ خُصُوصِيَّاتِ الْمَسَائِلِ (وَ) طَرِيقٌ (إجْمَالِيٌّ شَامِلٌ) لِجَمِيعِ الْمَسَائِلِ (يُسْتَعْمَلُ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ) وَهَذَا الطَّرِيقُ الْإِجْمَالِيُّ هُوَ (لَوْ لَمْ يُقَدَّرْ رُجْحَانُهَا) أَيْ الْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمَفْسَدَةِ (هُنَا) أَيْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ (لَزِمَ التَّعَبُّدُ الْبَاطِلُ) أَيْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لَا لِمَصْلَحَةٍ وَهَذَا (بِخِلَافِ مَا قَصُرَ) الْفَهْمُ (عَنْ دَرْكِهِ) مِنْ الْأَوْصَافِ الصَّالِحَةِ لِإِنَاطَةِ الْأَحْكَامِ بِهَا إذَا وُجِدَتْ تِلْكَ الْأَحْكَامُ فِي مَحَالِّهَا الْوَارِدَةِ فِيهِ فَإِنَّ ثُبُوتَهَا فِيهِ تَعَبُّدٌ صَحِيحٌ.

فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ وَقَعَ الِاتِّفَاقُ عَلَى اعْتِبَارِ الْوَصْفِ عِنْدَ رُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ وَلَمْ يَقَعْ عَلَى إلْغَاءِ الْوَصْفِ عِنْدَ رُجْحَانِ الْمَفْسَدَةِ (قِيلَ وَوُقُوعُ الِاتِّفَاقِ عَلَى الِاعْتِبَارِ عِنْدَ رُجْحَانِ الْمَصْلَحَةِ دُونَ الْإِلْغَاءِ لِرُجْحَانِ الْمَفْسَدَةِ) أَيْ وَلَمْ يَقَعْ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْوَصْفِ عِنْدَ رُجْحَانٍ لِمَفْسَدَةٍ (لِشِدَّةِ اهْتِمَامِ الشَّارِعِ بِرِعَايَةِ الْمَصَالِحِ وَابْتِنَاءِ الْأَحْكَامِ عَلَيْهَا فَلَمْ تُهْمَلْ) الْمَصْلَحَةُ (مَرْجُوحَةً عَلَى الِاتِّفَاقِ) أَيْ فَلَمْ يَقَعُ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ الْمَصْلَحَةِ إذْ كَانَتْ مَرْجُوحَةً بَلْ كَانَتْ عَلَى الْخِلَافِ.

(وَأَمَّا الثَّالِثُ) أَيْ انْقِسَامُهَا بِحَسْبِ اعْتِبَارِ الشَّارِعِ ذَلِكَ الْوَصْفَ عِلَّةً (فَإِذَا كَانَ الْقَصْدُ اصْطِلَاحَ الْمَذْهَبَيْنِ) لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (فَاخْتَلَفَ طُرُقُ الشَّافِعِيَّةِ مِنْ الْغَزَالِيِّ وَشَيْخِهِ) إمَامِ الْحَرَمَيْنِ (وَالرَّازِيِّ وَالْآمِدِيّ

ص: 146

اقْتَصَرْنَا عَلَى) الطُّرُقِ (الشَّهِيرَةِ الْمُثْبِتَةِ وَالْمُنَاسِبُ بِذَلِكَ الِاعْتِبَارِ) أَيْ اعْتِبَارِ الشَّارِعِ الْوَصْفَ عِلَّةً أَرْبَعَةٌ (مُؤَثِّرٌ وَمُلَائِمٌ وَغَرِيبٌ وَمُرْسَلٌ فَالْمُؤَثِّرُ مَا) أَيْ وَصْفٌ (اُعْتُبِرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ بِنَصٍّ) مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ (كَالْحَدَثِ بِالْمَسِّ) أَيْ بِمَسِّ الذَّكَرِ فَإِنَّ عَيْنَ الْمَسِّ مُعْتَبَرَةٌ فِي عَيْنِ الْحَدَثِ بِمَا تَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُ فِي مَسْأَلَةِ خَبَرِ الْوَاحِدِ فِيمَا عَمّ بِهِ الْبَلْوَى مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ فَلْيَتَوَضَّأْ» (وَعَلَى) قَوْلِ (الْحَنَفِيَّةِ سُقُوطُ نَجَاسَةِ الْهِرَّةِ بِالطَّوْفِ) فَإِنَّ عَيْنَ الطَّوْفِ مُعْتَبَرَةٌ فِي عَيْنِ سُقُوطِ نَجَاسَةِ الْهِرَّةِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «أَنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ إنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ» رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ.

وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ (فَتَعَدَّى) سُقُوطَ النَّجَاسَةِ (إلَى الْفَأْرَةِ) بِعَيْنِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ الطَّوْفُ (وَالْأَوْضَحُ) فِي التَّمْثِيلِ (السُّكْرُ فِي الْحُرْمَةِ) فَإِنَّ عَيْنَ السُّكْرِ مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ثُمَّ عَطَفَ عَلَى نَصٍّ (أَوْ إجْمَاعٍ كَوِلَايَةِ الْمَالِ بِالصِّغَرِ) فَإِنَّ عَيْنَ الصِّغَرِ مُعْتَبَرٌ فِي عَيْنِ الْوِلَايَةِ بِالْإِجْمَاعِ.

(وَقَدْ يُقَالُ) بَدَلُ مَا اُعْتُبِرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ مَا اُعْتُبِرَ (نَوْعُهُ) فِي نَوْعِ الْحُكْمِ كَمَا قَالَ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ (نَفْيًا لِتَوَهُّمِ اعْتِبَارِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (مُضَافًا لِمَحَلٍّ) كَالسُّكْرِ الْمَخْصُوصِ بِالْخَمْرِ وَالْحُرْمَةِ الْمَخْصُوصَةِ بِهَا فَيَكُونُ لِلْخُصُوصِيَّةِ مَدْخَلٌ فِي الْعِلِّيَّةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا سُمِّيَ هَذَا بِالْمُؤَثِّرِ لِظُهُورِ تَأْثِيرِهِ فِي الْحُكْمِ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ الْمُرَادُ بِثُبُوتِهِ ثُبُوتُهُ بِالِاتِّفَاقِ لِذِكْرِ الْمُرْسَلِ فِي مُقَابِلِهِ وَهُوَ مِنْ الدَّلَائِلِ الْمُخْتَلِفِ فِيهَا وَقَيَّدَ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ لِأَنَّ مَا ثَبَتَ بِهِ أَمْرٌ شُرِعَ مِنْ غَيْرِ اخْتِلَافٍ مُنْحَصِرٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ غَيْرَ أَنَّ الْقِيَاسَ لَمْ يُعْتَبَرْ هُنَا لِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي الْأَسْبَابِ (وَالْمُلَائِمُ مَا) أَيْ وَصْفٌ (ثَبَتَ) عَيْنُهُ (مَعَهُ) أَيْ مَعَ عَيْنِ الْحُكْمِ (فِي الْأَصْلِ) بِمُجَرَّدِ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ (مَعَ ثُبُوتِهِ اعْتِبَارِ عَيْنِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ (فِي جِنْسِ الْحُكْمِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قَلْبِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ مَعَ ثُبُوتِ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَسُمِّيَ مُلَائِمًا لِكَوْنِهِ مُوَافِقًا لِمَا اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ (أَوْ) الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ مَعَ ثُبُوتِ (جِنْسِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ.

(فَالْأَوَّلُ) أَيْ الْوَصْفُ الثَّابِتُ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ فِي الْأَصْلِ بِمُجَرَّدِ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ مَعَ ثُبُوتِ اعْتِبَارِ عَيْنِهِ فِي حُكْمِ الْجِنْسِ (كَالصِّغَرِ فِي حَمْلِ إنْكَاحِهَا عَلَى مَالَهَا فِي وِلَايَةِ الْأَبِ) أَيْ كَكَوْنِ الصِّغَرِ وَصْفًا مُلَائِمًا لِتَرْتِيبِ ثُبُوتِ وِلَايَةِ الْأَبِ لِإِنْكَاحِ الصَّغِيرَةِ عَلَيْهِ كَمَا يَتَرَتَّبُ ثُبُوتُ وِلَايَةِ الْأَبِ عَلَى مَا لَهَا عَلَيْهِ (فَإِنَّ عَيْنَ الصِّغَرِ مُعْتَبَرٌ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ بِالْإِجْمَاعِ لِاعْتِبَارِهِ) أَيْ الصِّغَرِ (فِي وِلَايَةِ الْمَالِ) لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ إجْمَاعٌ عَلَى اعْتِبَارِهِ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ بِخِلَافِ اعْتِبَارِهِ فِي غَيْرِ وِلَايَةِ النِّكَاحِ فَإِنَّهُ إنَّمَا ثَبَتَ بِمُجَرَّدِ تَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ حَيْثُ تَثْبُتُ الْوِلَايَةُ مَعَهُ فِي الْجُمْلَةِ بِأَنْ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي أَنَّهُ لِلصِّغَرِ أَوْ لِلْبَكَارَةِ أَوْ لَهُمَا جَمِيعًا ثُمَّ لَمَّا كَانَ فِي كَوْنِ هَذَا مِثَالًا لِلْمُلَائِمِ نُظِرَ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ أَوَّلًا عَيْنُ الْوَصْفِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ بِابْتِدَاءِ جَعْلِ عَيْنِ الْوَصْفِ مُؤَثِّرًا فِي جِنْسِ الْحُكْمِ فَسَقَطَ الْأَصْلُ مِنْهُ فَلَا يَتِمُّ كَوْنُهُ مِثَالًا لَهُ بَلْ هُوَ مِثَالٌ لِلْمُؤَثِّرِ قَالَ (وَصَوَابُ الْمِثَالِ لِلْحَنَفِيَّةِ الثَّيِّبُ الصَّغِيرَةُ عَلَى الْبِكْرِ الصَّغِيرَةِ فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ بِالصِّغَرِ) أَيْ ثُبُوتِ وِلَايَةِ إنْكَاحِ الْأَبِ الثَّيِّبَ الصَّغِيرَةَ قِيَاسًا عَلَى ثُبُوتِ وِلَايَةِ إنْكَاحِهِ الْبِكْرَ الصَّغِيرَةَ بِجَامِعِ الصِّغَرِ (وَعَيْنُهُ) أَيْ الصِّغَرِ اُعْتُبِرَ (فِي جِنْسِهَا) أَيْ الْوِلَايَةِ (لِاعْتِبَارِهِ) أَيْ الصِّغَرِ (إلَخْ) أَيْ فِي جِنْسِ الْوِلَايَةِ بِاعْتِبَارِهِ فِي وِلَايَةِ الْمَالِ لِثُبُوتِهَا لَهُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ (لِأَنَّ إثْبَاتَ اعْتِبَارِهِ) أَيْ الْوَصْفِ عِلَّةٌ (بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فِي الْجِنْسِ) إنَّمَا هُوَ (بِإِظْهَارِهِ) أَيْ اعْتِبَارٍ (فِي) مَحَلٍّ (آخَرَ لَا فِي عَيْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ لِأَنَّ ذَلِكَ) أَيْ اعْتِبَارَهُ فِي عَيْنِ حُكْمِ الْأَصْلِ هُوَ (الْمُؤَثِّرُ) لَا الْمُلَائِمُ وَحِينَئِذٍ فَلَا تَعَدُّدَ بَيْنَهُمَا وَالْوَاقِعُ خِلَافُهُ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ التَّقْسِيمُ فَإِنَّهُمَا قَسِيمَانِ وَالْقَسِيمُ مُخَالِفٌ لِلْقَسِيمِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ الصَّوَابُ فِي الْمِثَالِ فَإِنَّ فِيهِ ظَهَرَتْ ثَلَاثَةُ مَحَالِّ الْأَصْلِ وَهُوَ نِكَاحُ الْبِكْرُ وَالْفَرْعِ وَهُوَ نِكَاحُ الثَّيِّبِ وَمَحَلُّ الْجِنْسِ وَهُوَ الْمَالُ.

وَقَدْ ظَهَرَ مِنْ هَذَا أَيْضًا أَنْ لَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ الْجِنْسِ الْجِنْسَ الْمُجَرَّدَ مِنْ حَيْثُ هُوَ بَلْ مَا ظَهَرَ فِي جُزْئِيٍّ غَيْرِ الْجُزْئِيِّ الَّذِي

ص: 147

هُوَ الْأَصْلُ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَالثَّانِي) أَيْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ مَعَ ثُبُوتِ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ ثَابِتٌ (فِي حَمْلِ الْحَضَرِ حَالَةَ الْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي الْجَمْعِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ) أَيْ فِي قِيَاسِ الْحَضَرِ حَالَةَ الْمَطَرِ عَلَى السَّفَرِ فِي حُكْمٍ هُوَ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَكْتُوبَتَيْنِ بِوَصْفِ عُذْرِ الْمَطَرِ (وَجِنْسِهِ) أَيْ عُذْرِ الْمَطَرِ (الْحَرَجُ) أَيْ الضِّيقُ يُؤَثِّرُ (فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ) فِي الْحَضَرِ (بِالنَّصِّ عَلَى اعْتِبَارِهِ) أَيْ الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ الْحَرَجُ (فِي عَيْنِ الْجَمْعِ) فِي السَّفَرِ إذْ الْحَرَجُ جِنْسٌ يَجْمَعُ الْحَاصِلَ بِالسَّفَرِ وَهُوَ خَوْفُ الضَّلَالِ وَالِانْقِطَاعِ وَبِالْمَطَرِ وَهُوَ التَّأَذِّي بِهِ ثُمَّ كَانَ مُرَادُهُمْ بِالنَّصِّ عَلَى اعْتِبَارِ جِنْسِهِ مَا تُعْطِيه قُوَّةً سِيَاقُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ «أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَيُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ (أَمَّا حَرَجُ السَّفَرِ فَبِالثُّبُوتِ مَعَهُ فَقَطْ) أَيْ إنَّمَا اُعْتُبِرَ عَيْنُ حَرَجِ السَّفَرِ فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْجَمْعُ بِمُجَرَّدِ تَرَتُّبِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ إذْ لَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ عَلَى عِلَّةِ نَفْسِ حَرَجِ السَّفَرِ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ سَعْدُ الدِّينِ التَّفْتَازَانِيُّ وَغَيْرُهُ.

قُلْت وَيَطْرُقُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا فَلْيُتَأَمَّلْ هَذَا وَقَدْ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْحَقُّ أَنَّ الْمُضَافَ هُوَ مَحَلُّ النَّصِّ) أَيْ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ هُوَ الْمُضَافُ إلَى السَّفَرِ يَعْنِي حَرَجَ السَّفَرِ وَلِذَا نِيطَ بِعَيْنِ السَّفَرِ (فَلَا يَتَعَدَّى) حُكْمُ الْأَصْلِ إلَى غَيْرِهِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْمَحَلَّ جُزْءٌ مِنْ الْمُعْتَبَرِ فِي حُكْمِهِ (لَا) أَنَّ مَحَلَّ النَّصِّ هُوَ الْحَرَجُ (الْمُطْلَقُ) عَنْ الْإِضَافَةِ (وَإِلَّا تَعَدَّى) هَذَا الْحُكْمُ الَّذِي هُوَ جَوَازُ الْجَمْعِ (إلَى ذِي الصَّنْعَةِ الشَّاقَّةِ لِوُجُودِ الْحَرَجِ وَاللَّازِمُ بَاطِلٌ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى الْإِنَاطَةِ بِالسَّفَرِ) بَلْ كَانَ يُضَافُ إلَى الْجُرْحِ مُطْلَقًا (إذْ لَا خَفَاءَ فِي) الْجُرْحِ (الْمُطْلَقِ) وَلَا فِي انْضِبَاطِهِ أَعْنِي مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ حَرَجٌ (كَالْإِسْكَارِ فِي الْخَمْرِ) وَالْإِنَاطَةُ بِالسَّفَرِ لَيْسَ إلَّا لِعَدَمِ انْضِبَاطِ مَا هُوَ الْعِلَّةُ بِالْحَقِيقَةِ وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ حُكْمَ الْأَصْلِ إنَّمَا أُنِيطَ بِالْحَرَجِ الْمُضَافِ إلَى السَّفَرِ لَمْ يَتَعَدَّ إلَى الْحَضَرِ فِي الْمَطَرِ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ مِثَالًا لِلْمُلَائِمِ الَّذِي اُعْتُبِرَ صِحَّةُ جِنْسِ الْوَصْفِ فِيهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ (وَأَيْضًا فَذَلِكَ) أَيْ دَلَالَةُ ثُبُوتِ الْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ عَلَى صِحَّةِ اعْتِبَارِ الْعَيْنِ الْمَوْجُودَةِ إنَّمَا يَكُونُ (بَعْدَ ثُبُوتِ الْعَيْنِ فِي الْمَحَلَّيْنِ) الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ كَالصِّغَرِ فِي الْمِثَالِ السَّابِقِ (وَلَيْسَ الْمَطَرُ) الَّذِي هُوَ الْعَيْنُ هُنَا (فِي الْأَصْلِ) الَّذِي هُوَ السَّفَرُ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْفَرْعِ فَقَطْ وَهُوَ الْحَضَرُ فَلَا يُفِيدُ اعْتِبَارَ جِنْسِيَّةِ الْحَرَجِ فِي عَيْنِ رُخْصَةِ الْجَمْعِ عَلَيْهِ الْمَطَرُ لِجَوَازِ الْجَمْعِ.

قُلْت عَلَى أَنَّ هَذَا مِثَالٌ تَقْدِيرِيٌّ أَيْضًا عَلَى قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا بِلَا عُذْرٍ فِي الْحَضَرِ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُتَّخَذَ عَادَةً وَمِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ هَذَا ابْنُ سِيرِينَ وَرَبِيعَةُ وَأَشْهَبُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ خِلَافًا لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ تَمَسُّكًا بِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ «جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِ خَوْفٍ وَلَا مَطَرٍ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَقُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ لِمَ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ أَرَادَ أَنْ لَا تُحْرَجَ أُمَّتُهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَلِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) كَصَاحِبِ الْبَدِيعِ وَصَدْرِ الشَّرِيعَةِ فِي التَّمْثِيلِ الثَّانِي (كَاعْتِبَارِ جِنْسِ الْمَضْمَضَةِ الْمُومَأِ إلَيْهَا فِي عَدَمِ إفْسَادِهَا الصَّوْمَ) فِي حَدِيثِ «عُمَرَ رضي الله عنه حَيْثُ قَالَ هَشَشْتُ فَقَبَّلْت وَأَنَا صَائِمٌ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ صَنَعْتُ الْيَوْمَ أَمْرًا عَظِيمًا فَقَبَّلْتُ وَأَنَا صَائِمٌ ثُمَّ قَالَ أَرَأَيْت لَوْ مَضْمَضْت بِالْمَاءِ وَأَنْتَ صَائِمٌ قُلْتُ لَا بَأْسَ قَالَ فَمَهْ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالَ النَّوَوِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. .

وَقَالَ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحُ إلَّا عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ سَعِيدٍ وَقَدْ وَثَّقَهُ بَعْضُهُمْ وَتَوَقَّفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ وَأَشَارَ الْبَزَّارُ إلَى أَنَّهُ انْفَرَدَ بِهِ وَاسْتَنْكَرَهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ انْتَهَى وَبِالْجُمْلَةِ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ كَمَا وَصَفَهُ بِهِ شَيْخُنَا الْحَافِظِ

وَمَعْنَى فَمَهْ أَيْ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ الْمَضْمَضَةُ اُعْتُبِرَ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ عَدَمُ الْإِفْسَادِ وَهُوَ غَيْرُ مَنْصُوصٍ وَلَا مَجْمَعٌ عَلَيْهِ بَلْ اُعْتُبِرَ جِنْسُهُ (وَهُوَ) أَيْ جِنْسُهُ (عَدَمُ دُخُولِ شَيْءٍ إلَى الْجَوْفِ) فِي غَيْرِ ذَلِكَ الْحُكْمِ وَتَعَقَّبَهُ الْمُصَنِّفُ بِقَوْلِهِ (وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ وَهُوَ) أَيْ مَا نَحْنُ فِيهِ (الْعِلَّةُ بِمَعْنَى الْبَاعِثِ بَلْ الِانْتِفَاءُ) لِلْإِفْسَادِ (لِانْتِفَاءِ ضِدِّ الرُّكْنِ) لِلصَّوْمِ وَهُوَ أَعْنِي ضِدَّهُ دُخُولُ شَيْءِ إلَى الْجَوْفِ (مَعَ أَنَّهُ) أَيْ هَذَا (مِنْ الْعَيْنِ) أَيْ اعْتِبَارِ عَيْنِ الْوَصْفِ وَهُوَ عَدَمُ دُخُولِ شَيْءٍ إلَى

ص: 148

الْجَوْفِ (فِي الْعَيْنِ) أَيْ عَيْنِ الْحُكْمِ وَهُوَ عَدَمُ إفْسَادِ الصَّوْمِ فَهُوَ مِنْ مِثْلِ الْمُؤَثِّرِ (وَالثَّالِثُ) أَيْ الْوَصْفُ الْمَذْكُورُ مَعَ ثُبُوتِ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ (كَالْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ) أَيْ كَقِيَاسِهِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْقَتْلِ (بِالْمُحَدَّدِ) فِي الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ (بِالْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ) أَيْ بِهَذَا الْجَامِعِ كَمَا عَلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ (وَجِنْسِهِ) أَيْ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ (الْجِنَايَةُ عَلَى الْبِنْيَةِ) لِلْإِنْسَانِ وَقَدْ اُعْتُبِرَ (فِي جِنْسِ) أَيْ جِنْسِ هَذَا الْحُكْمِ أَيْ (الْقِصَاصِ) كَذَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَيْسَ) مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ (فَإِنَّهُ مِنْ الْمُؤَثِّرِ) لِأَنَّ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ الْعُدْوَانُ فِي حُكْمِ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ الْقَتْلُ بِهِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.

وَأَمَّا وَجْهُ التَّفْتَازَانِيِّ كَوْنُهُ مِنْ الْمُلَائِمِ دُونَ الْمُؤَثِّرِ بِتَوْجِيهٍ غَيْرِ وَجِيهٍ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ أَوَّلًا بِقَوْلِهِ (فَقِيلَ لَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ عَلَى أَنَّ الْعِلَّةَ) فِي الْأَصْلِ (الْقَتْلُ وَحْدَهُ أَوْ) الْقَتْلُ (مَعَ قَيْدِ كَوْنِهِ بِالْمُحَدَّدِ) وَإِلَى دَفْعِهِ ثَانِيًا بِقَوْلِهِ (وَلَوْ صَحَّ) هَذَا الْكَلَامُ (لَزِمَ انْتِفَاءُ الْمُؤَثِّرِ لِتَأَتِّيهِ) أَيْ مِثْلِ هَذَا (فِي كُلِّ وَصْفٍ مَنْصُوصٍ بِالنِّسْبَةِ إلَى قَيْدٍ بِفَرْضٍ) وَهُوَ أَنَّ الْوَصْفَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ هُوَ الْمَنَاطُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ ذَلِكَ الْقَيْدِ الَّذِي يُفْرَضُ (فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا قُلْنَا) ذَلِكَ أَيْ أَنَّ الْوَصْفَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَنَاطُ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الْقَيْدِ الَّذِي يُبْدِيه النَّاظِرُ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ الْوَصْفُ مُعْتَبَرًا بِالنَّصِّ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ (إذَا قَالَ بِالْقَيْدِ) الَّذِي يُفْرَضُ (مُجْتَهِدٌ وَلَيْسَ) هَذَا بِمُتَأَتٍّ (فِي الْكُلِّ) أَيْ فِي كُلِّ أَمْثِلَةِ الْمُؤَثِّرِ (قُلْنَا إنْ سَلَّمَ) أَنَّ إبْدَاءَ قَيْدٍ يُفْرَضُ إنَّمَا يَمْنَعُ كَوْنَ الْوَصْفِ لَا مَعَ ذَلِكَ الْقَيْدِ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَنَاطُ إيَّاهُ مَعَ ذَلِكَ الْقَيْدِ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَالَ بِذَلِكَ الْقَيْدِ مُجْتَهِدٌ (فَمُنْتَفٍ) أَيْ فَهَذَا الشَّرْطُ مُنْتَفٍ (فِي الْمِثَالِ) الْمَذْكُورِ (فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَمْ يَعْتَبِرْ فِي الْعِلَّةِ) أَيْ فِي كَوْنِ الْقَتْلِ عِلَّةً لِلْقِصَاصِ (سِوَاهُ) أَيْ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ (غَيْرَ أَنَّهُ) أَيْ أَبَا حَنِيفَةَ (يَقُولُ انْتَفَتْ الْعِلَّةُ) فِي الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ (بِانْتِفَاءِ دَلِيلِ الْعَمْدِيَّةِ) وَهُوَ الْقَتْلُ بِمَا لَا يَلْبَثُ مِمَّا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ لِأَنَّ الْعَمْدِيَّةَ أَمْرٌ بَاطِنٌ وَاسْتِعْمَالُ الْآلَةِ الْمُفَرِّقَةِ لِلْأَجْزَاءِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى ذَلِكَ الْقَصْدِ فَأُقِيمَ مَقَامَ الْوُقُوفِ عَلَى حَقِيقَةِ الْقَصْدِ بِخِلَافِ اسْتِعْمَالِ غَيْرِهَا مِمَّا لَا يُفَرِّقُ الْأَجْزَاءَ بَلْ يُرْضِهَا فَالْإِجْمَاعُ حِينَئِذٍ عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ الْعَمْدَ الْعُدْوَانَ عِلَّةٌ لِلْقِصَاصِ أَيْضًا كَالنَّصِّ وَإِنَّمَا وَقَعَ الْخِلَافُ فِيمَا يَدُلُّ عَلَى الْعَمْدِيَّةِ فَلْيُتَأَمَّلْ (وَلِبَعْضِ الْحَنَفِيَّةِ) أَيْ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ فِي التَّمْثِيلِ لِلثَّالِثِ (الطَّوْفُ فِي طَهَارَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ) اُعْتُبِرَ جِنْسُهُ (وَجِنْسِهِ) أَيْ الطَّوْفِ (لِضَرُورَةٍ أَيْ الْحَرَجِ فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ الطَّهَارَةُ أَيْ (التَّخْفِيفِ) .

قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا إنَّمَا يَتِمُّ (عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى عَيْنِ الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ الطَّوْفُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَهُوَ (كَاَلَّذِي قَبْلَهُ) مِنْ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْمُؤَثِّرِ كَمَا ذَكَرَ أَوَّلًا (وَالْغَرِيبُ مَا) أَيْ وَصْفٌ (لَمْ يَثْبُتْ) فِيهِ (سِوَى الْعَيْنُ) أَيْ سِوَى اعْتِبَارِ الشَّارِعِ عَيْنَهُ (مَعَ الْعَيْنِ) أَيْ عَيْنِ الْحُكْمِ بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَقَطْ (فِي الْمَحَلِّ كَالْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ فِي حِرْمَانِ الْقَاتِلِ) الْإِرْثَ مِنْ مَقْتُولِهِ فَإِنَّ هَذَا الْوَصْفَ أَعْنِي الْفِعْلَ الْمُحَرَّمَ (ثَبَتَ) الْحُكْمُ وَهُوَ حِرْمَانُ الْقَاتِلِ (مَعَهُ) أَيْ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ (فِي الْأَصْلِ) أَيْ قَتْلِ الْوَارِثِ مُورِثَهُ (وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ عَلَى اعْتِبَارِ عَيْنِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (أَوْ) عَلَى اعْتِبَارِ (جِنْسِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ (فِي أَحَدِهِمَا) أَيْ عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ (لِيَلْحَقَ بِهِ) أَيْ بِالْفِعْلِ فِعْلًا مُحَرَّمًا لِغَرَضٍ فَاسِدٍ (الْفَارُّ) مِنْ تَوْرِيثِ زَوْجَتِهِ مِنْهُ بِطَلَاقِهَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إذَا مَاتَ وَهِيَ فِي الْعِدَّةِ فَيُعَامَلُ بِنَقِيضِ مَطْلُوبِهِ كَمَا هُنَاكَ ثُمَّ قَدْ كَانَ فِي النُّسْخَةِ مَكَانٌ ثَبَتَ مَعَهُ فِي الْأَصْلِ ثَبَتَ مَعَهُ فِي الْجُمْلَةِ فَقَالَ هُنَا بِنَاءً عَلَى ذَلِكَ (وَقَوْلُنَا فِي الْجُمْلَةِ لِأَنَّهُ) أَيْ الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ الْفِعْلُ الْمَحْرُومُ (قَدْ ثَبَتَ مَعَ عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْحِرْمَانُ (فِيمَا لَمْ يَقْصِدْ الْمَالَ) أَيْ أَخْذِهِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ وَهُوَ مَا إذَا كَانَ الْقَاتِلُ أَجْنَبِيًّا وَلَيْسَ بِزَوْجٍ وَلَا زَوْجَةٍ فَإِنَّ حِرْمَانَ الْإِرْثِ فَرْعُ مَا إذَا كَانَ بِحَيْثُ يَرِثُ مِنْهُ (وَبِالثُّبُوتِ) أَيْ ثُبُوتِ الْوَصْفِ مَعَ عَدَمِ الْحُكْمِ (بَعْدَ مَا قِيلَ) أَيْ مَا قَالَهُ غَيْرُ

ص: 149

وَاحِدٍ أَنَّ هَذَا (إنَّمَا هُوَ مِثَالُ غَرِيبِ الْمُرْسَلِ) الَّذِي لَمْ يَظْهَرْ إلْغَاؤُهُ وَلَا اعْتِبَارُهُ كَمَا سَيَتَّضِحُ قَرِيبًا وَحَيْثُ كَانَ ذَاكِرًا وَجْهَ التَّقْيِيدِ بِهِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فَإِذَنْ لَا بُدَّ مِنْ إثْبَاتِهِ

(وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ فِي الْأَصْلِ اعْتِبَارَانِ الْقَتْلُ) فِي الْوَصْفِ (وَالْحِرْمَانُ) فِي الْحُكْمِ (فَيَكُونُ) الْوَصْفُ مُنَاسِبًا (مُؤَثِّرًا) فِي الْحُكْمِ.

فَإِنْ عَيَّنَ الْوَصْفَ اُعْتُبِرَ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ بِنَصٍّ وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم «لَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا» رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مُرْسَلًا (أَوْ الْمُحَرَّمُ) فِي الْوَصْفِ (وَنَقِيضُ قَصْدِهِ) أَيْ الْفَاعِلِ فِي الْحُكْمِ (وَيَتَعَيَّنُ) هَذَا الِاعْتِبَارُ الثَّانِي (فِي الْمِثَالِ وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ (اخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِيهِمَا) أَيْ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (إذْ هُوَ) أَيْ الْحُكْمُ (فِي الْأَصْلِ عَدَمُ الْمِيرَاثِ وَالْفَرْعِ الْمِيرَاثُ) فَلَا يَكُونُ مِنْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ (فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ) الْوَصْفُ مَعَ الْحُكْمِ (أَصْلًا فَالْمُرْسَلُ وَيَنْقَسِمُ) الْمُرْسَلُ (إلَى مَا عُلِمَ إلْغَاؤُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْوَصْفِ (كَصَوْمِ الْمَلِكِ عَنْ كَفَّارَتِهِ لِمَشَقَّتِهِ) أَيْ الصَّوْمِ عَلَيْهِ (بِخِلَافِ إعْتَاقِهِ) فَإِنَّهُ سَهْلٌ عَلَيْهِ فَإِنَّ إيجَابَ الصِّيَامِ عَلَيْهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى الْإِعْتَاقِ مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ فَهَذَا الْقِسْمُ الْمُرْسَلُ الْمَعْلُومُ الْإِلْغَاءِ (وَمَا لَمْ يُعْلَمْ) إلْغَاؤُهُ (وَلَمْ يُعْلَمْ اعْتِبَارُ جِنْسِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (أَوْ) لَمْ يُعْلَمْ اعْتِبَارُ (عَيْنِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (أَوْ) لَمْ يُعْلَمْ اعْتِبَارُ (قَلْبِهِ) أَيْ جِنْسِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ الثَّانِي (الْغَرِيبُ الْمُرْسَلُ وَهُمَا) أَيْ هَذَانِ الْقِسْمَانِ (مَرْدُودَانِ اتِّفَاقًا وَأُنْكِرَ عَلَى يَحْيَى بْنِ يَحْيَى) تِلْمِيذِ الْإِمَامِ مَالِكٍ (إفْتَاؤُهُ) بَعْضَ مُلُوكِ الْمَغْرِبِ فِي كَفَّارَةٍ (بِالْأَوَّلِ) أَيْ بِحُكْمِ مَا عُلِمَ إلْغَاؤُهُ وَهُوَ الصَّوْمُ (بِخِلَافِ الْحَنَفِيِّ) أَيْ إفْتَاءِ مَنْ أَفْتَى مِنْ الْحَنَفِيَّةِ عِيسَى بْنِ مَاهَانَ وَلِي خُرَاسَانَ فِي كَفَّارَةِ يَمِينٍ بِالصَّوْمِ (مُعَلِّلًا) تَعَيُّنَ الصَّوْمِ عَلَيْهِ (بِفَقْرِهِ لِتَبِعَاتِهِ) أَيْ لِأَنَّ مَا عَلَيْهِ مِنْ التَّبِعَاتِ فَوْقَ مَا لَهُ مِنْ الْأَمْوَالِ فَكَفَّارَتُهُ كَفَّارَةُ يَمِينِ مَنْ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا (وَهُوَ) أَيْ هَذَا التَّعْلِيلُ (ثَانِي تَعْلِيلَيْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى حَكَاهُمَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ) الْمُتَأَخِّرِينَ وَهُوَ ابْنُ عَرَفَةَ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى فَإِنَّهُ تَعْلِيلٌ مُتَّجَهٌ لَيْسَ مِنْ قَبِيلِ الْمُنَاسِبِ الْمَعْلُومِ الْإِلْغَاءِ فَلْيَكُنْ الْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ عِلَاوَةٌ فَلَا يَضُرُّ بُطْلَانُهُ (وَمَا عُلِمَ اعْتِبَارُ أَحَدِهَا) أَيْ جِنْسِهِ فِي جِنْسِهِ أَوْ عَيْنِهِ فِي جِنْسِهِ أَوْ جِنْسِهِ فِي عَيْنِهِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ الثَّالِثُ (الْمُرْسَلُ الْمُلَائِمُ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ قَبُولُهُ) أَيْ هَذَا الْقِسْمِ وَذَكَرَ الْأَبْهَرِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ عَنْهُمَا وَالسُّبْكِيُّ أَنَّ الَّذِي صَحَّ عَنْ مَالِكٍ اعْتِبَارُ جِنْسِ الْمَصَالِحِ مُطْلَقًا.

وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَهِي إلَى مَقَالَةِ مَالِكٍ وَلَا يَسْتَجِيزُ التَّنَائِيَ وَالْإِفْرَاطَ فِي الْبُعْدِ وَإِنَّمَا يُسَوِّغُ تَعْلِيقَ الْأَحْكَامِ بِمَصَالِحَ يَرَاهَا شَبِيهَةً بِالْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ وِفَاقًا وَبِالْمَصَالِحِ الْمُسْتَنَدَةِ إلَى أَحْكَامٍ ثَابِتَةِ الْأُصُولِ تَارَةً فِي الشَّرِيعَةِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ يَخْتَارُ نَحْوَ ذَلِكَ (وَشَرَطَ الْغَزَالِيُّ) فِي قَبُولِهِ ثَلَاثَةَ شُرُوطٍ (كَوْنَ مَصْلَحَتِهِ) أَيْ هَذَا الْقِسْمِ (ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً أَيْ ظَنًّا يَقْرُبُ مِنْهُ) وَإِنَّمَا فَسَّرَهُ بِهِ مَعَ أَنَّ فِي الْمُسْتَصْفَى وَغَيْرِهِ الظَّنُّ الْقَرِيبُ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ الْقَطْعِ لِأَنَّ الْقَطْعَ بِهَا فِي الْمِثَالِ الْآتِي مَمْنُوعٌ كَمَا يُعْلَمُ (كُلِّيَّةً) كَمَا لَوْ تَتَرَّسَ الْكُفَّارُ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ فِي حَرْبِهِمْ وَعَلِمْنَا أَنَّا إنْ لَمْ نَرْمِ التُّرْسَ اسْتَأْصَلُوا الْمُسْلِمِينَ الْمُتَتَرَّسِ بِهِمْ وَغَيْرِهِمْ بِالْقَتْلِ وَإِنْ رَمَيْنَا التُّرْسَ سَلِمَ أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ رَمْيُهُمْ وَإِنْ كَانَ فِيهِمْ قَتْلُ مُسْلِمٍ بِلَا ذَنْبٍ لِحِفْظِ بَاقِي الْأُمَّةِ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى مَقْصُودِ الشَّرْعِ لِأَنَّا نَقْطَعُ أَنَّ الشَّرْعَ يَقْصِدُ تَقْلِيلَ الْقَتْلِ كَمَا يَقْصِدُ حَسْمَ سَبِيلِهِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَنَحْنُ إنْ لَمْ نَقْدِرْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ عَلَى الْحَسْمِ فَقَدْ قَدَرْنَا عَلَى التَّقْلِيلِ فَكَانَ هَذَا الْتِفَاتًا إلَى مَصْلَحَةٍ عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ كَوْنُهَا مَقْصُودَةً بِالشَّرْعِ لَا بِدَلِيلٍ وَاحِدٍ بَلْ بِأَدِلَّةٍ كَثِيرَةٍ وَلَكِنْ يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ بِهَذَا الطَّرِيقِ وَهُوَ قَتْلُ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ لَمْ يَشْهَدْ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ فَيَنْقَدِحُ اعْتِبَارُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ بِاعْتِبَارِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ كَوْنُهَا ضَرُورِيَّةً لِتَعَلُّقِهَا بِحِفْظِ الدِّينِ وَالنَّفْسِ قَطْعِيَّةً أَيْ ظَنِّيَّةً ظَنًّا قَرِيبًا مِنْ الْقَطْعِ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ لِجَوَازِ دَفْعِهِمْ عَنْ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ رَمْيِهِمْ كُلِّيَّةً لِتَعَلُّقِهَا بِبَيْضَةِ الْإِسْلَامِ لَا أَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِبَعْضٍ مِنْهُ وَإِنَّمَا وَجَبَ قَبُولُهُ عِنْدَ وُجُودِ هَذِهِ الشَّرَائِطِ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْبَلْ يَلْزَمُ الْإِخْلَالُ بِمَا هُوَ مَقْصُودٌ

ص: 150

ضَرُورِيٌّ فِي الشَّرْعِ وَهُوَ حِفْظُ الدِّينِ وَالنَّفْسِ عُمُومًا.

وَمِنْ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنَّ الشَّرْعَ يُؤْثِرُ الْكُلِّيَّ عَلَى الْجُزْئِيِّ وَأَنَّ حِفْظَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَهَمُّ مِنْ حِفْظِ دَمِ مُسْلِمٍ وَاحِدٍ وَالدَّلِيلُ أَنَّ التُّرْسَ الْمَذْكُورَ مِنْ الْمُلَائِمِ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ اعْتِبَارُ الشَّارِعِ الْجِنْسَ الْقَرِيبَ لِهَذَا الْوَصْفِ فِي الْجِنْسِ الْقَرِيبِ لِهَذَا الْحُكْمِ إذْ لَمْ يُعْلَمْ فِي الشَّرْعِ إبَاحَةُ قَتْلِ الْمُسْلِمِ بِغَيْرِ حَقٍّ بِعِلَّةٍ مِنْ الْعِلَلِ لَكِنَّهُ اعْتَبَرَ جِنْسَهُ الْبَعِيدَ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ وُجِدَ اعْتِبَارُ الضَّرُورَةِ فِي الرُّخْصَةِ فِي اسْتِبَاحَةِ الْمُحَرَّمَاتِ وَاعْتُرِضَ بِأَنَّ هَذَا اعْتِبَارٌ لِلْجِنْسِ الْأَبْعَدِ مِنْ الْوَصْفِ أَعْنِي الْأَعَمَّ مِنْ ضَرُورَةِ حِفْظِ النَّفْسِ وَهُوَ مُطْلَقُ الضَّرُورَةِ وَالْأَبْعَدُ غَيْرُ كَافٍ فِي الْمُلَاءَمَةِ بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْبَعِيدُ هُنَا الْوَصْفَ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ ضَرُورَةِ حِفْظِ النَّفْسِ فَضْلًا عَنْ مُطْلَقِ الضَّرُورَةِ وَأُجِيبُ بِمَنْعِ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ هُنَا الْوَصْفُ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنْ ضَرُورَةِ حِفْظِ النَّفْسِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ هُنَا الْأَخَصُّ مِنْهَا وَهُوَ غَيْرُ ظَاهِرٍ وَفِي التَّلْوِيحِ فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ اعْتَبَرَ الشَّرْعُ حُصُولَ الْمَنْعِ الْكَثِيرِ فِي تَحَمُّلِ الضَّرَرِ الْيَسِيرِ وَجَمِيعُ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى ذَلِكَ هَذَا وَتَحْقِيقُ هَذِهِ الشُّرُوطِ فِي غَايَةِ النُّدْرَةِ بَلْ يَمْتَنِعُ لِأَنَّ الِاطِّلَاعَ عَلَيْهَا إنَّمَا يَكُونُ بِغَالِبِ الرَّأْيِ لِأَنَّهُ أَمْرٌ مَغِيبٌ عَنَّا لَا بِالْيَقِينِ فَلَا يَجُوزُ بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْحُكْمَ إنَّمَا يُدَارُ عَلَى وَصْفٍ ظَاهِرٍ مُنْضَبِطٍ (فَلَا يُرْمَى الْمُتَتَرِّسُونَ بِالْمُسْلِمِينَ لِفَتْحِ حِصْنٍ) لِأَنَّ فَتْحَهُ لَيْسَ ضَرُورِيًّا (وَلَا) يُرْمَى الْمُتَتَرِّسُونَ بِالْمُسْلِمِينَ (لِظَنِّ اسْتِئْصَالِ الْمُسْلِمِينَ) ظَنًّا بَعِيدًا مِنْ الْقَطْعِ لِانْتِفَاءِ الْقَطْعِ وَمَا يَقْرُبُ مِنْهُ (وَلَا يُرْمَى بَعْضُ أَهْلِ السَّفِينَةِ لِنَجَاةِ بَعْضٍ) لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا كُلُّ الْأُمَّةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّرْجِيحِ بِلَا مُرَجِّحٍ وَاحْتِمَالُ كَوْنِ الْمَصْلَحَةِ فِي بَقَاءِ مَنْ أَبْقَى (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ (الْمُسَمَّى

بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ

) لِإِرْسَالِهَا أَيْ إطْلَاقِهَا عَمَّا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهَا أَوْ إلْغَائِهَا شَرْعًا (وَالْمُخْتَارُ) عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ (رَدُّهُ) مُطْلَقًا (إذْ لَا دَلِيلَ عَلَى الِاعْتِبَارِ) أَيْ اعْتِبَارِ الشَّارِعِ إيَّاهُ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْقِسْمُ إذَا قِيلَ بِهِ (دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ فَوَجَبَ رَدُّهُ) فَانْتَفَى تَخْصِيصُ رَدِّهِ بِكَوْنِهِ فِي الْعِبَادَاتِ لِأَنَّهُ لَا نَظَرَ فِيهَا لِلْمَصْلَحَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا كَالْبَيْعِ وَالْحَدِّ (قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِهِ (فَتَخْلُو وَقَائِعُ) مِنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ عَلَى تَقْدِيرِ رَدِّهَا وَخُلُوُّهَا مِنْهُ بَاطِلٌ.

(قُلْنَا نَمْنَعُ الْمُلَازَمَةَ لِأَنَّ الْعُمُومَاتِ وَالْأَقْيِسَةَ شَامِلَةٌ) لِتِلْكَ الْوَقَائِعِ (وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ شُمُولِهَا لَهَا (فَنَفْيُ كُلِّ مُدْرَكٍ خَاصٍّ) لِلدَّلِيلِ الْخَاصِّ (حُكْمُهُ) أَيْ ذَلِكَ النَّفْيِ (الْإِبَاحَةُ الْأَصْلِيَّةُ فَلَمْ تَخْلُ) تِلْكَ الْوَقَائِعُ (عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ وَهُوَ) أَيْ وَخُلُوُّهَا هُوَ (الْمُبْطِلُ فَظَهَرَ) مِمَّا تَقَدَّمَ (اشْتِرَاطُ لَفْظِ الْغَرِيبِ وَالْمُلَائِمِ بَيْنَ مَا ذُكِرَ مِنْ الْأَقْسَامِ الْأُوَلِ لِلْمُنَاسِبِ وَالثَّوَانِي لِلْمُرْسَلِ وَسَنَذْكُرُ أَنَّهُ يَجِبُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ قَبُولُ الْقِسْمِ الْأَخِيرِ) أَيْ الْمُلَائِمِ (مِنْ الْمُرْسَلِ فَاتِّفَاقُهُمْ) أَيْ الْعُلَمَاءِ الْمَحْكِيِّ عَنْهُمْ نَفْيَ الْمُرْسَلِ إنَّمَا هُوَ (فِي نَفْيِ الْأَوَّلِينَ) مَا عُلِمَ إلْغَاؤُهُ وَالْغَرِيبُ الْمُرْسَلُ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيه سَوْقُ الْكَلَامِ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَشَارِحِيهِ وَاَلَّذِي فِي تَنْقِيحِ الْمَحْصُولِ لِلْقَرَافِيِّ أَنَّ مَا جُهِلَ حَالُهُ مِنْ الْإِلْغَاءِ وَالِاعْتِبَارِ هُوَ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ الَّتِي تَقُولُ بِهَا الْمَالِكِيَّةُ وَيُوَافِقُهُ تَفْسِيرُ الْإِسْنَوِيِّ بِالْمُنَاسِبِ الْمُرْسَلِ الَّذِي اعْتَبَرَهُ مَالِكٌ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْضَاوِيُّ بِهَذَا وَمَشَى عَلَيْهِ السُّبْكِيُّ فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ ثُمَّ قَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ مُطْلَقًا قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَقَالَ الْآمِدِيُّ إنَّهُ الْحَقُّ الَّذِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ وَالثَّانِي أَنَّهُ حُجَّةٌ مُطْلَقًا وَهُوَ مَشْهُورٌ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتَارَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَقَدْ نُقِلَ أَيْضًا عَنْ الشَّافِعِيِّ.

وَكَذَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إلَّا أَنَّهُ شَرَطَ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْمَصَالِحُ شَبِيهَةً بِالْمَصَالِحِ الْمُعْتَبَرَةِ وَالثَّالِثُ وَهُوَ رَأْيُ الْغَزَالِيِّ وَاخْتَارَهُ الْبَيْضَاوِيُّ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً اُعْتُبِرَتْ وَإِلَّا فَلَا اهـ فَجَعَلَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَا جُهِلَ حَالُهُ مِنْ الِاعْتِبَارِ وَعَدَمِهِ مَرْدُودٌ اتِّفَاقًا مَحَلَّ الْخِلَافِ الْمَذْكُورِ فِي الْمُرْسَلِ الْمُلَائِمِ نَعَمْ نِسْبَةُ الْإِسْنَوِيِّ ابْنَ الْحَاجِبِ إلَى أَنَّهُ قَالَ فِيمَا جُهِلَ حَالُهُ: الْمُخْتَارُ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لَيْسَتْ كَذَلِكَ بَلْ إنَّمَا ذَكَرَهُ فِي سَبِيلِ الْمُلَائِمِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَجَعَلَ الْآمِدِيُّ الْخَارِجِيَّ) أَيْ الْمُحَقَّقَ فِي الْخَارِجِ (مِنْ الْمُلَائِمِ) قِسْمًا (وَاحِدًا) وَهُوَ مَا اُعْتُبِرَ فِيهِ خُصُوصُ الْوَصْفِ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ وَعُمُومِهِ

ص: 151

فِي عُمُومِهِ

(قَالَ)(الْمُنَاسِبُ إنْ) كَانَ (مُعْتَبَرًا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ)(فَالْمُؤَثِّرُ وَإِلَّا فَإِنْ) كَانَ مُعْتَبَرًا (بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ عَلَى وَفْقِهِ فَتِسْعَةٌ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يُعْتَبَرَ خُصُوصُ الْوَصْفِ أَوْ عُمُومُهُ أَوْ خُصُوصُهُ وَعُمُومُهُ) مَعًا (فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ أَوْ عَيْنِهِ وَجِنْسِهِ) جَمِيعًا (ثُمَّ غَيْرُ الْمُعْتَبَرِ إمَّا أَنْ يَظْهَرَ إلْغَاؤُهُ أَوْ لَا) فَهَذِهِ جُمْلَةُ الْأَقْسَامِ (وَالْوَاقِعُ مِنْهَا فِي الشَّرْعِ لَا يَزِيدُ عَلَى خَمْسَةٍ مَا اُعْتُبِرَ خُصُوصُ الْوَصْفِ فِي خُصُوصِ الْحُكْمِ وَعُمُومُهُ) أَيْ الْوَصْفِ (فِي عُمُومِهِ) أَيْ الْحُكْمِ فِي مَحَلٍّ آخَرَ (وَيُسَمَّى الْمُلَائِمَ كَقَتْلِ الْمُثْقَلِ إلَخْ) أَيْ كَقِيَاسِ الْقَتْلِ بِالْمُثْقَلِ عَلَى الْقَتْلِ بِالْمُحَدَّدِ بِجَامِعِ الْقَتْلِ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ وَقَدْ ظَهَرَ تَأْثِيرُ عَيْنِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَهُوَ وُجُوبُ الْقَتْلِ فِي الْمُحَدَّدِ وَتَأْثِيرُ جِنْسِهِ وَهُوَ الْجِنَايَةُ عَلَى الْمَعْصُومِ بِالْقَوَدِ فِي جِنْسِ الْقَتْلِ مِنْ حَيْثُ الْقِصَاصُ فِي الْأَيْدِي فَهَذَا هُوَ الْأَوَّلُ.

قَالَ الْآمِدِيُّ وَهَذَا الْقِسْمُ مُتَّفَقٌ عَلَى قَبُولِهِ بَيْنَ الْقَائِسِينَ وَمَا عَدَاهُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ (وَمَا اُعْتُبِرَ الْخُصُوصُ) فِي الْخُصُوصِ (فَقَطْ) لَكِنْ (لَا بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ الْغَرِيبُ كَالْإِسْكَارِ فِي تَحْرِيمِ الْخَمْرِ لَوْ لَمْ يَنُصَّ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ النَّصِّ (إنَّمَا عَلَى عَيْنِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (فِي عَيْنِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (إذْ لَمْ يَظْهَرْ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ) أَيْ الْوَصْفِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ (وَلَا) اعْتِبَارُ (جِنْسِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (أَوْ عَيْنِهِ) أَيْ الْحُكْمِ فَهَذَا هُوَ الثَّانِي (وَمَا اُعْتُبِرَ جِنْسُهُ) أَيْ الْوَصْفِ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (فَقَطْ وَلَا نَصَّ وَلَا إجْمَاعَ وَهَذَا مِنْ جِنْسِ الْمُنَاسِبِ الْغَرِيبِ إلَّا أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الْقِسْمَ (دُونَ مَا سَبَقَ وَذَلِكَ كَاعْتِبَارِ جِنْسِ الْمَشَقَّةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ الْحَائِضِ وَالْمُسَافِرِ فِي جِنْسِ التَّخْفِيفِ الْمُتَنَاوِلِ لِإِسْقَاطِ الصَّلَاةِ) أَصْلًا (وَ) إسْقَاطِ (الرَّكْعَتَيْنِ) مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ فَهَذَا هُوَ الثَّالِثُ (وَمَا لَمْ يَثْبُتْ) اعْتِبَارُهُ وَلَا إلْغَاؤُهُ (كَالتَّتَرُّسِ) أَيْ تَتَرُّسِ الْكُفَّارِ بِالْمُسْلِمِينَ كَمَا هُوَ سَبَقَ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ الْمُرْسَلُ فَهَذَا هُوَ الرَّابِعُ (أَوْ) الْمُنَاسِبُ الَّذِي (ثَبَتَ إلْغَاؤُهُ) وَلَمْ يَثْبُتْ اعْتِبَارُهُ كَمَا فِي إيجَابِ صَوْمِ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ عَلَى الْمِلْكِ فِي كَفَّارَةٍ لِفِطْرٍ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا هُوَ الْخَامِسُ

(ثُمَّ جِنْسُ كُلٍّ) مِنْ الْحُكْمِ وَالْوَصْفِ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ (قَرِيبٌ) أَيْ سَافِلٌ وَهُوَ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَاسِطَةٌ (وَبَعِيدٌ) أَيْ عَالٍ وَهُوَ جِنْسٌ تَحْتَهُ جِنْسٌ لَيْسَ فَوْقَهُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُ مِنْ الْأَجْنَاسِ (وَمُتَوَسِّطٌ) بَيْنَهُمَا وَهُوَ جِنْسٌ مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَمَّا عَلَى السَّوَاءِ أَوْ عَلَى أَنَّهُ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ أَقْرَبُ مِنْهُ إلَى الطَّرَفِ الْآخَرِ (فَالْعَالِي) مِنْ الْحُكْمِ (الْحُكْمُ ثُمَّ الْوُجُوبُ وَأَحَدُ مُقَابِلَاتِهِ) مِنْ التَّحْرِيمِ وَالنَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ (ثُمَّ الْعِبَادَةُ) فِي الْعِبَادَاتِ (أَوْ الْمُعَامَلَةُ) فِي الْمُعَامَلَاتِ (ثُمَّ الصَّلَاةُ) فِي الْعِبَادَاتِ (أَوْ الْبَيْعُ) فِي الْمُعَامَلَاتِ (ثُمَّ الْمَكْتُوبَةُ أَوْ النَّافِلَةُ) فِي الْعِبَادَاتِ (أَوْ الْبَيْعُ بِشَرْطِهِ) فِي الْمُعَامَلَاتِ (عَلَى تَسَاهُلٍ) فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ (لَا يَخْفَى لِأَنَّهَا) أَيْ الْعِبَادَةَ وَمَا بَعْدَهَا (أَفْعَالٌ لَا أَحْكَامٌ وَالْوَصْفُ) أَيْ وَالْجِنْسُ الْعَالِي مِنْهُ (كَوْنُهُ وَصْفًا يُنَاطُ بِهِ الْأَحْكَامُ ثُمَّ الْمُنَاسِبُ ثُمَّ الْمَصْلَحَةُ الضَّرُورِيَّةُ ثُمَّ حِفْظُ النَّفْسِ أَوْ مُقَابِلَاتُهُ) أَيْ حِفْظُ الدِّينِ وَحِفْظُ الْعَقْلِ وَحِفْظُ النَّسَبِ وَحِفْظُ الْمَالِ.

وَهَذَا جِنْسٌ سَافِلٌ لَهُ وَمَا بَيْنَهُمَا أَجْنَاسٌ مُتَوَسِّطَةٌ (وَمِثْلُ الْوَصْفِ أَيْضًا) فِي تَرَتُّبِ أَجْنَاسِهِ (بِعَجْزِ الصَّبِيِّ غَيْرِ الْعَاقِلِ وَعَجْزِ الْمَجْنُونِ نَوْعَانِ) مِنْ الْعَجْزِ (جِنْسُهُمَا الْعَجْزُ لِعَدَمِ الْعَقْلِ وَفَوْقَهُ) أَيْ الْعَجْزِ لِعَدَمِ الْعَقْلِ (الْعَجْزُ لِضَعْفِ الْقُوَى أَعَمُّ مِنْ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ عَلَى مَا يَشْمَلُ الْمَرِيضَ) وَفَوْقَهُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ الْعَجْزُ النَّاشِئُ عَنْ الْفَاعِلِ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ عَلَى مَا يَشْتَمِلُ الْمَحْبُوسَ وَفَوْقَهُ الْجِنْسُ الَّذِي هُوَ الْعَجْزُ النَّاشِئُ عَنْ الْفَاعِلِ عَلَى مَا يَشْتَمِلُ الْمُسَافِرَ أَيْضًا وَفَوْقَهُ مُطْلَقُ الْعَجْزِ الشَّامِلِ لِمَا يَنْشَأُ عَنْ الْفَاعِلِ وَعَنْ مَحَلِّ الْفِعْلِ وَعَنْ الْخَارِجِ كَذَا فِي التَّلْوِيحِ فَهَذَا هُوَ الْجِنْسُ الْعَالِي بِالنِّسْبَةِ إلَى عَجْزِ الْإِنْسَانِ وَتَحْتَهُ أَجْنَاسٌ مُتَوَسِّطَةٌ وَهِيَ الْعَجْزُ النَّاشِئُ عَنْ الْفَاعِلِ وَالْعَجْزُ النَّاشِئُ عَنْ مَحَلِّ الْفِعْلِ وَالْعَجْزُ النَّاشِئُ عَنْ الْخَارِجِ وَتَحْتَ كُلٌّ مِنْهُمَا جِنْسٌ مَثَلًا تَحْتَ الْعَجْزِ النَّاشِئِ عَنْ الْفَاعِلِ مُطْلَقًا جِنْسٌ هُوَ الْعَجْزُ النَّاشِئُ عَنْ الْفَاعِلِ بِدُونِ اخْتِيَارِهِ وَتَحْتَهُ جِنْسٌ هُوَ الْعَجْزُ بِسَبَبِ ضَعْفِ الْقُوَى وَتَحْتَهُ جِنْسٌ أَيْضًا هُوَ الْعَجْزُ بِسَبَبِ عَدَمِ الْعَقْلِ وَتَحْتَهُ نَوْعٌ هُوَ عَجْزُ الصَّبِيِّ وَعَجْزُ الْمَجْنُونِ وَيُقَابِلُ كُلًّا مِنْ ذَلِكَ حُكْمٌ فَيَتَعَلَّقُ بِالْعَجْزِ بِسَبَبِ عَدَمِ الْعَقْلِ حُكْمٌ هُوَ

ص: 152

سُقُوطُ مَا يَحْتَاجُ إلَى النِّيَّةِ كَالْعِبَادَاتِ وَيَتَعَلَّقُ بِالْعَجْزِ بِسَبَبِ ضَعْفِ الْقُوَى حُكْمٌ هُوَ سُقُوطُ وُجُوبِ الْحَجِّ وَالْجِهَادِ وَيَتَعَلَّقُ بِالْعَجْزِ النَّاشِئِ عَنْ الْفَاعِلِ بِدُونِ اخْتِبَارِهِ حُكْمٌ هُوَ سُقُوطُ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ وَهُوَ وُجُوبُ الْأَدَاءِ فِي حَقِّ الصَّلَاةِ وَيَتَعَلَّقُ بِالْعَجْزِ النَّاشِئِ عَنْ الْفَاعِلِ مُطْلَقًا حُكْمٌ هُوَ سُقُوطُ الْمُطَالَبَةِ فِي الْحَالِ فِي الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَالتَّرَخُّصُ بِقَصْرِ الصَّلَاةِ وَيَتَعَلَّقُ بِمُطْلَقِ الْعَجْزِ حُكْمٌ فِيهِ تَخْفِيفٌ فِي الْجُمْلَةِ لِلنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى عَدَمِ الْحَرَجِ وَالضَّرَرِ (وَلَا يُشْكِلُ أَنَّ الظَّنَّ بِاعْتِبَارِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ أَقْوَى لِكَثْرَةِ مَا بِهِ الِاشْتِرَاكُ) فِي الْأَقْرَبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَبْعَدِ مَثَلًا مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْحَسَّاسُ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ النَّامِي وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ النَّامِي يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْجِسْمُ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ الْجِسْمُ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الْحَيَوَانُ فَمَا يُشَارِكُ الْإِنْسَانَ فِي الْحَيَوَانِيَّةِ يُشَارِكُهُ فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِخِلَافِ مُشَارِكِهِ فِي الْجِسْمِيَّةِ أَوْ النُّمُوِّ وَالْحَاصِلُ أَنَّ أَقْوَى الْأَوْصَافِ فِي الْعَلِيَّةِ السَّافِلُ وَأَضْعَفَهَا الْعَالِي وَالْمُتَوَسِّطَات مُتَرَتِّبَةٌ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ بِحَسَبِ تَرَتُّبِهَا فِي الصُّعُودِ وَالنُّزُولِ فَمَا هُوَ أَقْرَبُ إلَى السَّافِلِ فَهُوَ أَقْوَى مِمَّا هُوَ أَقْرَبُ إلَى الْعَالِي.

(وَشَرَطَ بَعْضُهُمْ) أَيْ الشَّافِعِيَّةِ فِي وُجُوبِ الْعَمَلِ بِالْمُلَائِمِ (شَهَادَةَ الْأُصُولِ) مُرِيدِينَ بِهَا بَعْدَ أَنْ يُقَابِلَ الْوَصْفَ بِقَوَانِينَ الشَّرْعِ فَيُطَابِقَهَا (سَلَامَتُهُ) أَيْ الْوَصْفِ (مِنْ إبْطَالِهِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ تَخَلُّفٍ) لِلْحُكْمِ الْمَنُوطِ بِهِ (عَنْهُ) فِي بَعْضِ صُوَرِ وُجُودِهِ (أَوْ وُجُودِ وَصْفٍ يَقْتَضِي ضِدَّ مُوجِبِهِ) مِنْ غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَفْسِ الْوَصْفِ (كَلَا زَكَاةَ فِي ذُكُورِ الْخَيْلِ فَلَا) زَكَاةَ (فِي إنَاثِهَا بِشَهَادَةِ الْأُصُولِ بِالتَّسْوِيَةِ) بَيْنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ فِي سَائِرِ السَّوَائِمِ فِي الزَّكَاةِ وُجُوبًا وَسُقُوطًا لِأَنَّ الْأُصُولَ شُهَدَاءُ اللَّهِ عَلَى أَحْكَامِهِ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَيَكُونُ الْعَرْضُ عَلَيْهَا وَامْتِنَاعُهَا مِنْ رَدِّهِ دَلِيلُ عَدَالَتِهِ كَالْعَرْضِ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَسُكُوتِهِ عَنْ الرَّدِّ ثُمَّ قِيلَ لَا بُدَّ مِنْ الْعَرْضِ عَلَى كُلِّ الْأُصُولِ لِأَنَّ احْتِمَالَ النَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ لَا يَنْقَطِعُ إلَّا بِهِ.

وَقِيلَ أَدْنَى مَا يَجِبُ الْعَرْضُ عَلَيْهِ أَصْلَانِ لِأَنَّ الْعَرْضَ عَلَى الْكُلِّ مُتَعَذِّرٌ أَوْ مُتَعَسِّرٌ فَوَجَبَ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَصْلَيْنِ كَمَا فِي الِاقْتِصَارِ فِي تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ عَلَى اثْنَيْنِ قُلْت وَرَدُّ الْأَوَّلِ لَا شَكَّ فِيهِ لِإِسْقَاطِ الشَّارِعِ الْحَرَجَ فِي الْمُتَعَسِّرِ وَسُقُوطِ التَّكْلِيفِ بِالْمُتَعَذِّرِ عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ السَّرَخْسِيُّ وَمَنْ شَرَطَ الْعَرْضَ عَلَى كُلِّ الْأُصُولِ لَمْ يَجِدْ بُدًّا مِنْ الْعَمَلِ بِلَا دَلِيلٍ لِأَنَّهُ وَإِنْ اسْتَقْصَى فِي الْعَرْضِ فَالْخَصْمُ يَقُولُ وَرَاءَ هَذَا أَصْلٌ آخَرُ هُوَ مُعَارِضٌ أَوْ نَاقِضٌ لَا يَدَّعِيه فَلَا يَجِدُ بُدًّا مِنْ أَنْ يَقُولَ لَمْ يَقُمْ عِنْدِي دَلِيلُ النَّقْضِ وَالْمُعَارَضَةِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِإِلْزَامِ الْخَصْمِ.

وَأَمَّا الثَّانِي فَعَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ حَيْثُ كَانَ الْعَرْضُ تَزْكِيَةً أَوْ كَالتَّزْكِيَةِ فِي الشَّاهِدِ فَيَنْبَغِي الِاكْتِفَاءُ بِالْعَرْضِ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ كَمَا يَكْتَفِي فِي تَزْكِيَةِ الشَّاهِدِ بِالْوَاحِدِ كَمَا هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ وَكَأَنَّ قَائِلَ هَذَا إنَّمَا لَمْ يَكْتَفِ بِمَا يَعْرِضُ عَلَى أَصْلٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ مِنْ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّزْكِيَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا هُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَأَجَابَ مَشَايِخُنَا بِأَنَّ عَدَالَةَ الْوَصْفِ إنَّمَا تَثْبُتُ بِالتَّأْثِيرِ وَالْفَرْضُ ظُهُورُهُ وَالْعَرْضُ عَلَى الْأُصُولِ لَا يَقَعُ بِهِ التَّعْدِيلُ وَالْأُصُولُ شُهُودٌ لِلْحُكْمِ كَمَا تُوصَفُ الْعِلَلُ بِالْحُكْمِ لَا مُزَكُّونَ فَهِيَ كَثْرَةُ نَظَائِرَ وَذِكْرُ النَّظَائِرِ لَهُ لَا يُحْدِثُ لَهُ قُوَّةً كَالشَّاهِدِ إذَا انْضَمَّ إلَيْهِ أَفْعَالُهُ لَا تَظْهَرُ بِهِ عَدَالَتُهُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ (وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ) قَائِلُونَ (التَّعْلِيلُ بِكُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ) أَيْ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ وَفِي الْجِنْسِ وَالْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ وَفِي الْعَيْنِ (مَقْبُولٌ فَإِنْ) كَانَ التَّعْلِيلُ (بِمَا عَيْنُهُ أَوْ جِنْسُهُ) مُؤَثِّرٌ (فِي عَيْنِ الْحُكْمِ فَقِيَاسٌ اتِّفَاقًا لِلُزُومِ أَصْلِ الْقِيَاسِ) فِي كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ وَيُقَالُ لِمَا تَأْثِيرُ عَيْنِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ إنَّهُ فِي مَعْنَى الْأَصْلِ وَهُوَ الْمَقْطُوعُ بِهِ الَّذِي رُبَّمَا يُقِرُّ بِهِ مُنْكِرٌ وَالْقِيَاسُ إذْ لَا فَرْقَ إلَّا بِتَعَدُّدِ الْمَحَلِّ (وَإِلَّا) فَإِنْ كَانَ عَيْنُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسُهُ فِي جِنْسِهِ (فَقَدْ) يَكُونُ قِيَاسًا (بِأَنْ يَكُونَ) مَا عَيْنُهُ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ هُوَ مِنْ قَبِيلِ مَا يَكُونُ (الْعَيْنُ فِي الْعَيْنِ أَيْضًا) فَيُسْتَدْعَى أَصْلًا مَقِيسًا عَلَيْهِ (فَيَكُونُ مُرَكَّبًا) .

وَكَذَا مَا جِنْسُهُ فِي جِنْسِهِ قَدْ يَكُونُ مَعَ ذَلِكَ فِي عَيْنِهِ فَيَكُونُ لَهُ أَصْلٌ فَيَكُونُ قِيَاسًا وَقَدْ لَا فَيَكُونُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُرْسَلِ

ص: 153

الَّتِي يَجِبُ قَبُولُهَا لِلْحَنَفِيَّةِ إذْ كُلٌّ مِنْ أَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ أَقْسَامِ الْمُؤَثِّرِ حَتَّى دَخَلَ فِيهِ، ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ) السَّرَخْسِيُّ قَالَ الْأَصَحُّ عِنْدِي (الْكُلُّ قِيَاسٌ دَائِمًا لِأَنَّ مِثْلَهُ) أَيْ هَذَا الْوَصْفِ (لَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَصْلِ قِيَاسٍ) فِي الشَّرْعِ لَا مَحَالَةَ (إلَّا أَنَّهُ قَدْ يُتْرَكُ لِظُهُورِهِ) كَمَا قُلْنَا فِي إيدَاعِ الصَّبِيِّ لِأَنَّهُ سَلَّطَهُ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ بِهَذَا الْوَصْفِ يَكُونُ مَقِيسًا عَلَى أَصْلٍ وَاضِحٍ وَهُوَ أَنَّ مَنْ أَبَاحَ الصَّبِيَّ طَعَامًا فَتَنَاوَلَهُ لَمْ يَضْمَنْ لِأَنَّهُ بِالْإِبَاحَةِ سَلَّطَهُ عَلَى تَنَاوُلِهِ فَتَرَكْنَا ذِكْرَ هَذَا الْأَصْلِ لِوُضُوحِهِ وَرُبَّمَا لَا يَقَعُ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ فَيُذْكَرُ كَمَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي طَوْلِ الْحُرَّةِ إنَّهُ لَا يَمْنَعُ نِكَاحَ الْأَمَةِ: إنَّ كُلَّ نِكَاحٍ يَصِحُّ مِنْ الْعَبْدِ بِإِذْنِ الْمَوْلَى فَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ الْحُرِّ كَنِكَاحِ الْحُرَّةِ فَهَذَا إشَارَةٌ إلَى مَعْنًى مُؤَثِّرٍ وَهُوَ أَنَّ الرِّقَّ يُنَصِّفُ الْحِلَّ الَّذِي يَبْتَنِي عَلَيْهِ عَقْدُ النِّكَاحِ شَرْعًا وَلَا يُبَدِّلُهُ بِحِلٍّ آخَرَ فَيَكُونُ الرَّقِيقُ فِي النِّصْفِ الْبَاقِي بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ فِي الْكُلِّ لِأَنَّهُ ذَلِكَ الْحِلُّ بِعَيْنِهِ وَلَكِنْ فِي هَذَا الْمَعْنَى بَعْضُ الْغُمُوضِ فَتَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى ذِكْرِ الْأَصْلِ (وَعَلَى هَذَا) الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ شَمْسُ الْأَئِمَّةِ (لَا بُدَّ فِي التَّعْلِيلِ مُطْلَقًا مِنْ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْجِنْسِ فِيهِ) أَيْ الْعَيْنِ (فَإِنَّ أَصْلَ الْقِيَاسِ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِذَلِكَ) أَيْ بِتَأْثِيرِ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ أَوْ الْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ (فَلَا يُعَلَّلُ بِالْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ أَوْ الْعَيْنِ فِي الْجِنْسِ تَعْلِيلًا بَسِيطًا أَصْلًا وَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِقْرَاءٍ يُفِيدُهُ) أَيْ هَذَا الْمَطْلُوبَ (ثُمَّ قَوْلُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (بِكُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ) الْمَذْكُورَةِ (يَشْمَلُ الْعَيْنَ فِي الْعَيْنِ فَقَطْ) كَمَا يَشْمَلُ الثَّلَاثَةَ الْأَقْسَامَ الْأُخَرَ: جِنْسَهُ فِي عَيْنِهِ فَقَطْ وَجِنْسَهُ فِي جِنْسِهِ فَقَطْ وَعَيْنَهُ فِي جِنْسِهِ فَقَطْ.

(وَمُرَادُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (إذَا ثَبَتَ) التَّأْثِيرُ الْمَذْكُورُ (بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ وَإِلَّا لَزِمَهُ) أَيْ الْوَصْفَ الْمُعَلَّلَ بِهِ (التَّرْكِيبُ) وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الْبَسِيطِ (وَسَمَّى بَعْضُهُمْ) أَيْ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ الرَّازِيِّ (مَا يُوجَدُ مِنْ أَصْلِ الْقِيَاسِ) أَيْ مَا يَكُونُ لِحُكْمِهِ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعِهِ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ (شَهَادَةَ الْأَصْلِ فَشَهَادَةُ الْأَصْلِ أَعَمُّ مِنْ كُلٍّ مِنْ الِاعْتِبَارَيْنِ) أَيْ اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ وَاعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي النَّوْعِ (مُطْلَقًا أَيْ بِصِدْقِ) شَهَادَةِ الْأَصْلِ (عِنْدَهُ) أَيْ مَا يُوجَدُ مِنْ أَصْلِ الْقِيَاسِ أَيْ لِأَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ اعْتِبَارَ نَوْعِ الْوَصْفِ أَوْ جِنْسَهُ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ فَقَدْ وُجِدَ لِلْحُكْمِ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ مِنْ نَوْعٍ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ لَكِنْ لَا يَلْزَمُ أَنَّهُ كُلَّمَا وُجِدَ لَهُ أَصْلٌ مُعَيَّنٌ يُوجَدُ فِيهِ جِنْسُ الْوَصْفِ أَوْ نَوْعُهُ فَقَدْ وُجِدَ اعْتِبَارُ نَوْعِ الْوَصْفِ أَوْ جِنْسِهِ فِي نَوْعِ الْحُكْمِ لِجَوَازِ عَدَمِ اعْتِبَارِ الشَّارِعِ لَهُ مَعَ وُجُودِهِ (وَمِنْ الْآخَرِينَ) أَيْ وَشَهَادَةُ الْأَصْلِ أَعَمُّ مِنْ اعْتِبَارِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ وَاعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي الْجِنْسِ (مِنْ وَجْهٍ) فَتُوجَدُ شَهَادَةُ الْأَصْلِ بِدُونِ كُلٍّ مِنْهُمَا وَيُوجَدُ كُلٌّ مِنْهُمَا بِدُونِ شَهَادَةِ الْأَصْلِ.

وَقَدْ يُوجَدَانِ مَعًا ذَكَرَهُ صَدْرُ الشَّرِيعَةِ وَيَلْزَمُ مِنْهُ إثْبَاتُ شَهَادَةِ الْأَصْلِ بِدُونِ التَّأْثِيرِ وَتَعَقَّبَهُ فِي التَّلْوِيحِ بِأَنَّ فِيهِ نَظَرًا لِأَنَّ التَّحَقُّقَ بِدُونِ كُلٍّ مِنْ الْأَرْبَعَةِ لَا يَسْتَلْزِمُ جَوَازَ التَّحَقُّقِ بِدُونِ الْمَجْمُوعِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعَمَّ مِنْ الْأَوَّلِينَ بِاعْتِبَارِ أَنْ يُوجَدَ فِي الْآخَرِينَ وَبِالْعَكْسِ فَبِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ أَنْ يُوجَدَ بِدُونِ التَّأْثِيرِ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَحَدُ نَوْعَيْ الْغَرِيبِ وَهُوَ الْمَرْدُودُ مِمَّا لَمْ يُعْلَمْ أَنَّ الشَّارِعَ اعْتَبَرَهُ أَمْ لَا دَلَّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ يَقْتَضِي انْفِكَاكَهُ عَنْ التَّأْثِيرِ فِي الْجُمْلَةِ وَالِانْفِكَاكُ عَنْ التَّأْثِيرِ يَقْتَضِي جَوَازَ التَّحَقُّقِ بِدُونِ الْمَجْمُوعِ وَنَظَرُ الْمُتَعَقِّبِ إنَّمَا يَتَوَجَّهُ إذَا لُوحِظَتْ النِّسْبَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَرْبَعَةِ بِدُونِ مُلَاحَظَةِ الْمَعْنَى الَّذِي اُعْتُبِرَ فِي الْغَرِيبِ الْمَرْدُودِ (وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَعْنَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ مَا ذَكَرْنَا) أَوَّلًا (ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ لُزُومَ الْقِيَاسِ مِمَّا جِنْسُهُ) أَيْ جِنْسُ عَيْنِ الْوَصْفِ الثَّابِتِ فِي الْأَصْلِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ (فِي الْعَيْنِ) أَيْ عَيْنِ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ (لَيْسَ إلَّا بِجَعْلِ الْعَيْنِ) أَيْ عَيْنِ الْوَصْفِ (عِلَّةً) لِذَلِكَ الْحُكْمِ (بِاعْتِبَارِ تَضَمُّنِهَا) أَيْ عَيْنِ الْوَصْفِ (الْعِلَّةَ) لِذَلِكَ الْحُكْمِ أَعْنِي بِهَا (جِنْسَهُ) أَيْ جِنْسَ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ (فَيَرْجِعُ إلَى اعْتِبَارِ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ) وَيَنْتَفِي هَذَا الْقِسْمُ فِي التَّحْقِيقِ مَثَلًا إذَا عُلِّلَ عِتْقُ الْأَخِ عِنْدَ شِرَاءِ أَخِيهِ إيَّاهُ لِأَنَّهُ مَلَكَهُ أَخُوهُ.

وَدَلَّ عَلَى اعْتِبَارِهِ بِتَأْثِيرِ مِلْكِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَهُوَ الْجِنْسُ فِي الْعَيْنِ كَانَ الْمُؤَثِّرُ فِي الْحَقِيقَةِ فِي الْعَيْنِ لَيْسَ إلَّا مِلْكَ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَثُبُوتُ الْعِتْقِ مَعَ مِلْكِ الْأَخِ لَيْسَ لِمِلْكِ الْأَخِ بَلْ

ص: 154

لِمِلْكِ ذِي الْمَحْرَمِيَّةِ فَلَيْسَ فِي التَّحْقِيقِ إلَّا قِسْمَانِ مِنْ الدَّالِ عَلَى الِاعْتِبَارِ ثُبُوتُ تَأْثِيرِ الْعَيْنِ فِي الْجِنْسِ وَالْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ (وَالْبَسَائِطُ أَرْبَعٌ مِنْ الْعَيْنِ وَالْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ وَالْجِنْسِ) حَاصِلَةٌ مِنْ ضَرْبِ الْعَيْنِ وَالْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ وَالْجِنْسِ عَيْنٌ فِي عَيْنٍ جِنْسٌ فِي جِنْسٍ عَيْنٌ فِي جِنْسِ قَلْبِهِ (هِيَ) أَيْ هَذِهِ الْأَرْبَعُ هِيَ (الْمُؤَثِّرُ وَثَلَاثَةٌ مُلَائِمُ الْمُرْسَلِ) الْمُتَقَدِّمَةِ (أَمَّا الْمُلَائِمُ) الَّذِي هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْأَوَّلِ الْمُقَابِلِ لِلْمُرْسَلِ (فَيَلْزَمُهُ التَّرْكِيبُ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ ثُبُوتِ عَيْنِهِ فِي عَيْنِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (بِتَرْتِيبِ الْحُكْمِ مَعَهُ فِي الْمَحَلِّ ثُمَّ ثُبُوتِ اعْتِبَارِ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ) ثُبُوتِ اعْتِبَارِ (قَلْبِهِ) أَيْ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ وَتَقَدَّمَ قَرِيبًا مَا فِيهِ مِنْ الْبَحْثِ (أَوْ) ثُبُوتِ اعْتِبَارِ (جِنْسِهِ فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (فَأَقَلُّ مَا يَلْزَمُ مِنْ الْمُلَائِمِ تَرْكِيبُهُ مِنْ اثْنَيْنِ) وَإِلَّا فَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَكْثَرِ مِنْ اثْنَيْنِ كَمَا سَيُعْلَمُ (وَالْمُرَكَّبُ إمَّا مِنْ الْأَرْبَعَةِ قِيلَ) أَيْ ذَكَرَ فِي التَّلْوِيحِ (كَالسُّكْرِ) فَإِنَّ عَيْنَ هَذَا الْوَصْفِ مُؤَثِّرٌ (فِي الْحُرْمَةِ) أَيْ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ حُرْمَةُ الشُّرْبِ (وَجِنْسِهِ) أَيْ السُّكْرِ وَهُوَ (إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ) مُؤَثِّرٌ (فِيهَا) أَيْ الْحُرْمَةِ لِأَنَّ إيقَاعَ الْعَدَاوَةِ كَمَا يَكُونُ بِسَبَبِ السُّكْرِ يَكُونُ بِغَيْرِهِ (ثُمَّ) السُّكْرُ مُؤَثِّرٌ (فِي وُجُوبِ الزَّاجِرِ أَعَمُّ مِنْ الْأُخْرَوِيِّ كَالْحَرْقِ وَالدُّنْيَوِيِّ كَالْحَدِّ) وَهَذَا جِنْسُ الْحُكْمِ (وَجِنْسُهُ) أَيْ السُّكْرِ (الْإِيقَاعُ) فِي الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ مُؤَثِّرٌ (فِي الْحَدِّ فِي الْقَذْفِ) وَهُوَ جِنْسُ الْحُكْمِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ السُّكْرَ لَمَّا كَانَ مَظِنَّةً لِلْقَذْفِ صَارَ الْمَعْنَى الْمُشْتَرَكُ بَيْنَهُمَا وَهُوَ إيقَاعُ الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ مُؤَثِّرًا فِي وُجُوبِ الزَّاجِرِ.

قَالَ الْمُصَنِّفُ رحمه الله (وَلَا يَخْفَى أَنَّ وُجُوبَ الْحَرْقِ) فِي النَّارِ فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ (بَعُدَ أَنَّهُ اعْتِزَالٌ) لِجَوَازِ عَدَمِهِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (غَيْرُ الْحُكْمِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ) وَهُوَ التَّكْلِيفِيِّ (وَأَنَّ تَأْثِيرَهُ) أَيْ السُّكْرِ (فِي وُجُوبِ الزَّاجِرِ لَيْسَ) تَأْثِيرًا (فِي جِنْسِ حُرْمَةِ الشُّرْبِ) لِيَكُونَ مِنْ تَأْثِيرِ الْعَيْنِ فِي الْجِنْسِ (وَإِنَّمَا يَصِحُّ) أَنْ يَكُونَ مِنْ تَأْثِيرِ الْعَيْنِ فِي الْجِنْسِ (لِتَأْثِيرِ السُّكْرِ فِي حُرْمَةِ الْإِيقَاعِ) فِي الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ أَيْضًا كَمَا أَثَّرَ فِي حُرْمَةِ الشُّرْبِ فَيَكُونُ الْعَيْنُ قَدْ أَثَّرَ فِي الْجِنْسِ وَأَثَّرَ فِي الْعَيْنِ (وَالْإِيقَاعُ) فِي الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ أَثَّرَ (فِي حُرْمَةِ الْقَذْفِ كَمَا أَثَّرَ فِي) حُرْمَةِ (الشُّرْبِ) أَيْضًا فَيَكُونُ جِنْسُ الْوَصْفِ وَهُوَ الْإِيقَاعُ قَدْ أَثَّرَ فِي الْجِنْسِ الَّذِي هُوَ الْحُرْمَةُ مِنْ حُرْمَةِ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ كَمَا أَثَّرَ فِي الْعَيْنِ الَّذِي هُوَ حُرْمَةُ الشُّرْبِ (لِلتَّصْرِيحِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِجِنْسِهِمَا) أَيْ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ (مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ كُلٍّ) مِنْهُمَا (فَيَلْزَمُ التَّصَادُقُ لَا يُقَالُ مَجِيءُ مِثْلِهِ) أَيْ هَذَا الْكَلَامِ (فِي الْإِيقَاعِ مَعَ السُّكْرِ) لِأَنَّا نَقُولُ لَا (لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ) أَيْ بِالْإِيقَاعِ (مَوْقِعُ الْعَدَاوَةِ وَهُوَ) أَيْ مَوْقِعُهَا (أَعَمُّ مِنْ السُّكْرِ وَالْقَذْفِ) أَيْ زَمَنَ الْكَلَامِ الَّذِي هُوَ قَذْفٌ فَيُصَدَّقُ السُّكْرُ مَوْقِعَ الْعَدَاوَةِ وَالْكَلَامُ الَّذِي هُوَ قَذْفٌ مَوْقِعَ الْعَدَاوَةِ (فَيُحَرِّمُهُمَا) أَيْ مَوْقِعُ الْعَدَاوَةِ السُّكْرَ وَالْقَذْفَ (وَأَمَّا مِنْ ثَلَاثَةٍ فَأَرْبَعَةٍ فَمَا سِوَى الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ) لِأَنَّ التَّرْكِيبَ مِنْ ثَلَاثَةٍ بِإِسْقَاطِ وَاحِدٍ مِنْ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ الْعَيْنُ فِي الْعَيْنِ وَفِي الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ فِي الْجِنْسِ وَفِي الْعَيْنِ.

فَإِنْ كَانَ السَّاقِطُ الْعَيْنَ فِي الْعَيْنِ كَانَ الْمُرَكَّبُ مِمَّا سِوَاهُ وَهُوَ الْعَيْنُ فِي الْجِنْسِ وَالْجِنْسُ فِي الْعَيْنِ وَالْجِنْسُ وَاحِدٌ وَإِنْ كَانَ السَّاقِطُ الْعَيْنَ فِي الْجِنْسَ فَالْمُرَكَّبُ الْعَيْنُ فِي الْعَيْنِ وَالْجِنْسُ فِي الْعَيْنِ وَالْجِنْسِ وَهُوَ ثَانٍ وَإِنْ كَانَ السَّاقِطُ الْجِنْسَ فِي الْجِنْسِ فَالْمُرَكَّبُ حِينَئِذٍ مِنْ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ وَالْجِنْسِ وَالْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ ثَالِثٌ وَإِنْ كَانَ السَّاقِطُ الْجِنْسَ فِي الْعَيْنِ فَالْمُرَكَّبُ مِنْ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ وَالْجِنْسِ، وَالْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ رَابِعٌ ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ فَنَقُولُ (التَّيَمُّمُ) أَيْ صِحَّتُهُ وَهَذَا هُوَ الْحُكْمُ (عِنْدَ خَوْفِ فَوْتِ صَلَاةِ الْعِيدِ) وَهَذَا عَيْنُ الْوَصْفِ (فَالْجِنْسُ) لِلْوَصْفِ (الْعَجْزُ بِحَسَبِ الْمَحَلِّ) عَمَّا يُحْتَاجُ إلَيْهِ شَرْعًا وَهُوَ فِي هَذَا الْمِثَالِ صَلَاةُ الْعِيدِ وَالْوَصْفُ مُؤْثَرٌ (فِي الْجِنْسِ) أَيْ جِنْسِ التَّيَمُّمِ أَيْ (سُقُوطُ مَا يُحْتَاجُ) إلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ (وَ) مُؤَثِّرٌ (فِي الْعَيْنِ التَّيَمُّمُ) لِقَوْلِهِ تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا} [النساء: 43] إقَامَةً لِأَحَدِ الْعَنَاصِرِ مَقَامَ الْآخَرِ فَإِنَّ التُّرَابَ مُطَهِّرٌ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ بِحَيْثُ يُنَشِّفُ النَّجَاسَاتِ (وَالْعَيْنُ) لِلْوَصْفِ (الْعَجْزُ عَنْ الْمَاءِ) مُؤَثِّرٌ (فِي الْجِنْسِ) لِلْحُكْمِ أَيْ (سُقُوطُ

ص: 155

اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ عَدَمِ وُجُوبِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ (فَإِنَّهُ) أَيْ اسْتِعْمَالَهُ (أَعَمُّ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ لِلْحَدَثِ وَالْخَبَثِ لَكِنَّ الْعَيْنَ) لِلْوَصْفِ وَهُوَ (خَوْفُ الْفَوْتِ لَمْ يُؤَثِّرْ فِي الْعَيْنِ) لِلْحُكْمِ أَيْ (التَّيَمُّمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَيَمُّمٌ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ فَقَدْ جُعِلَتْ) الْعَيْنُ لِلْوَصْفِ (مَرَّةً خَوْفَ الْفَوْتِ وَمَرَّةً الْعَجْزَ عَنْ الْمَاءِ لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْخَوْفَ وَالْعَجْزَ (وَاحِدٌ) مَعْنًى (لِأَنَّ الْعَجْزَ مُخِيفٌ. فَإِنْ قُلْت خَوْفُ الْفَوْتِ وَهُوَ الْوَصْفُ الْمُعَلَّلُ بِهِ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ وَهُوَ الْفَرْعُ)

أَيْ صَلَاةُ الْعِيدِ (وَالْمُرَادُ مِنْ الْوَصْفِ الْمَنْظُورُ فِي أَنَّ جِنْسَهُ أَثَّرَ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ عَيْنِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (مَا فِي الْأَصْلِ لِيَدُلَّ بِهِ) أَيْ بِتَأْثِيرِ جِنْسِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ عَيْنِهِ (عَلَى اعْتِبَارِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ الْمَذْكُورِ (عِلَّةً فِي نَظَرِ الشَّارِعِ قُلْت ذَلِكَ) أَيْ كَوْنَ الْمُرَادِ بِالْوَصْفِ الْمَذْكُورِ مَا فِي الْأَصْلِ إنَّمَا هُوَ (فِي غَيْرِ الْمُرْسَلِ وَالتَّعْلِيلُ بِهِ) أَيْ بِغَيْرِ الْمُرْسَلِ (قِيَاسٌ وَلَيْسَ هَذَا الْقِسْمُ) أَيْ الْمُرَكَّبُ مِنْ ثَلَاثَةٍ لَيْسَ مِنْهَا الْعَيْنُ مَعَ الْعَيْنِ فِي الْمَحَلِّ (إلَّا مُرْسَلًا فَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ قِيَاسٌ وَلَا اسْتَدْعَى أَصْلًا فَلَزِمَهُ) حِينَئِذٍ (الْعَيْنُ مَعَ الْعَيْنِ فِي الْأَصْلِ وَالْمُرْسَلُ مَأْخُوذٌ فِيهِ عَدَمُهُ) أَيْ الْعَيْنِ مَعَ الْعَيْنِ فِي الْأَصْلِ (فَالتَّعْلِيلُ بِالْمُرْسَلِ) تَعْلِيلٌ (بِمَصَالِحَ خَاصَّةٍ ابْتِدَاءً اُعْتُبِرَتْ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الَّذِي يُرَادُ إثْبَاتُهُ أَوْ جِنْسُهَا) أَيْ الْمَصَالِحِ (فِي عَيْنِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (أَوْ جِنْسِهِ لَكِنْ تُشْتَرَطُ الضَّرُورِيَّةُ وَالْكُلِّيَّةُ) فِيهَا (عَلَى مَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَائِلِهِ) أَيْ الْمُرْسَلِ وَهُوَ الْغَزَالِيُّ (فَإِنْ قُلْت الْمِثَالُ حَنَفِيٌّ وَهُوَ) أَيْ الْحَنَفِيُّ (يَمْنَعُ الْمُرْسَلَ) فَكَيْفَ يَتِمُّ عَلَى قَوْلِهِ (قُلْنَا سَبَقَ أَنَّهُ يَجِبُ الْقَوْلُ بِعَمَلِهِمْ بِبَعْضٍ مَا يُسَمَّى مُرْسَلًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَيَدْخُلُ) ذَلِكَ (فِي الْمُؤَثِّرِ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (كَمَا سَيَظْهَرُ وَالْمُرَكَّبُ مِمَّا سِوَى الْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ الْعَجْزُ عَنْ غَيْرِ مَاءِ الشُّرْبِ فِي التَّيَمُّمِ) أَيْ جَوَازُهُ (وَهُوَ) أَيْ وَهَذَا هُوَ (الْعَيْنُ فِي الْعَيْنِ فِي مَحَلِّ النَّصِّ) أَيْ قَوْله تَعَالَى {فَلَمْ تَجِدُوا} [النساء: 43] الْآيَةَ (وَجِنْسُهُ) أَيْ عَيْنِ هَذَا الْوَصْفِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ (الْعَجْزُ الْحُكْمِيُّ) عَنْ الْمَاءِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا جَعَلَهُ حُكْمِيًّا لِأَنَّ الْفَرْضَ أَنَّ عَجْزَهُ عَنْ غَيْرِ مَاءِ الشُّرْبِ فَقَطْ فَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مُسْتَحِقًّا بِالْحَاجَةِ الْأَصْلِيَّةِ وَهِيَ الشُّرْبُ كَانَ كَأَنَّهُ غَيْرُ وَاجِدٍ لَهُ فَكَانَ عَجْزُهُ عَنْهُ حُكْمِيًّا لَا حَقِيقِيًّا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ مُؤَثِّرٌ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ أَيْ (سُقُوطُ اسْتِعْمَالِهِ) أَيْ مَاءِ الشُّرْبِ فَإِنَّهُ أَعَمُّ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْحَدَثِ وَالْخَبَثِ (وَعَيْنِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (عَدَمُ وِجْدَانِهِ) أَيْ مَاءِ الشُّرْبِ مُؤَثِّرٌ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ سُقُوطُ اسْتِعْمَالِهِ أَيْ (السُّقُوطِ دَفْعًا لِلْهَلَاكِ وَالْجِنْسُ غَيْرُ مُؤَثِّرٌ فِيهِ) أَيْ الْعَيْنِ (لِأَنَّ الْعَجْزَ الْمَذْكُورَ) وَهُوَ الْعَجْزُ الْحُكْمِيُّ مُطْلَقًا (غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي) جَوَازِ أَوْ وُجُوبِ (التَّيَمُّمِ مِنْ حَيْثُ هُوَ تَيَمُّمٌ) بَلْ إنَّمَا أَثَّرَ فِي سُقُوطِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مُطْلَقًا مِنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ كَمَا ذَكَرَ آنِفًا.

(وَ) الْمُرَكَّبُ (مِنْ غَيْرِ الْعَيْنِ فِي الْجِنْسِ كَالْحَيْضِ فِي حُرْمَةِ الْقُرْبَانِ) أَيْ وَهَذَا هُوَ (الْعَيْنُ فِي الْعَيْنِ وَجِنْسُهُ) أَيْ الْحَيْضِ (الْأَذَى) مُؤَثِّرٌ (فِيهِ) أَيْ فِي تَحْرِيمِ الْقُرْبَانِ (أَيْضًا وَ) مُؤَثِّرٌ (فِي الْجِنْسِ) لِحُرْمَةِ الْقُرْبَانِ أَيْ (حُرْمَةِ الْجِمَاعِ مُطْلَقًا) فَتَدْخُلُ حُرْمَةُ اللِّوَاطِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّ هَذَا أَوْلَى مِمَّا فِي التَّلْوِيحِ أَنَّهُ وُجُوبُ الِاعْتِزَالِ (وَ) الْمُرَكَّبُ (مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ كَالْحَيْضِ عِلَّةً لِحُرْمَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ) أَيْ وَهَذَا هُوَ (الْعَيْنُ فِي الْعَيْنِ وَ) عِلَّةُ (جِنْسِهِ) أَيْ عَيْنِ الْحُكْمِ (حُرْمَةُ الْقِرَاءَةِ) حَالَ كَوْنِهَا (أَعَمَّ مِمَّا فِي الصَّلَاةِ) وَخَارِجِهَا (وَجِنْسُهُ) أَيْ الْحَيْضِ (الْخَارِجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ) مُؤَثِّرٌ (فِي حُرْمَةِ الصَّلَاةِ لَا الْجِنْسِ) أَيْ لَكِنَّهُ غَيْرُ مُؤَثِّرٍ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَيْ (حُرْمَةِ الْقِرَاءَةِ مُطْلَقًا وَالْمُرَكَّبُ مِنْ اثْنَيْنِ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ مَعَ الْجِنْسِ فِيهِ) أَيْ الْعَيْنِ (الطَّوْفُ) فَإِنَّهُ عِلَّةٌ (فِي طَهَارَةِ سُؤْرِ الْهِرَّةِ) كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ (وَجِنْسِهِ) أَيْ الطَّوْفِ وَهُوَ (مُخَالَطَةُ نَجَاسَةٍ يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا) عِلَّةً لِلطَّهَارَةِ كَآبَارِ الْفَلَوَاتِ (وَ) الْمُرَكَّبُ (مِنْ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ وَفِي الْجِنْسِ الْمَرَضِ) فَإِنَّهُ مُؤَثِّرٌ (فِي الْفِطْرِ وَ) مُؤَثِّرٌ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْمَرَضِ (التَّخْفِيفُ فِي الْعِبَادَةِ بِثُبُوتِ الْقُعُودِ) فِي الْمَكْتُوبَةِ (وَ) الْمُرَكَّبُ (مِنْ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ مَعَ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ كَالْجُنُونِ الْمُطْبَقِ) فَإِنَّهُ مُؤَثِّرٌ (فِي وِلَايَةِ النِّكَاحِ) فَهَذَا مِنْ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ (وَجِنْسُهُ) أَيْ الْجُنُونِ الْمُطْبَقِ (الْعَجْزُ بِعَدَمِ

ص: 156

الْعَقْلِ لِشُمُولِهِ) أَيْ الْعَجْزِ (الصِّغَرَ) مُؤَثِّرٌ (فِي جِنْسِهَا) أَيْ وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ وَهُوَ الْوِلَايَةُ مُطْلَقًا (لِثُبُوتِهَا) أَيْ الْوِلَايَةِ (فِي الْمَالِ وَ) الْمُرَكَّبُ (مِنْ الْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ وَالْجِنْسِ كَجِنْسِ الصِّغَرِ الْعَجْزُ لِعَدَمِ الْعَقْلِ) مُؤَثِّرٌ (فِي وِلَايَةِ الْمَالِ) لِلْحَاجَةِ إلَى بَقَاءِ النَّفْسِ (وَ) فِي (مُطْلَقِهَا) أَيْ الْوِلَايَةِ (فَتَثْبُتُ) الْوِلَايَةُ (فِي كُلٍّ مِنْهُ) أَيْ الْمَالِ (وَمِنْ النَّفْسِ وَ) الْمُرَكَّبِ (مِنْ الْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ وَقَلْبِهِ) أَيْ وَمِنْ الْعَيْنِ فِي الْجِنْسِ (خُرُوجُ النَّجَاسَةِ) لِأَنَّهَا أَعَمُّ مِنْ كَوْنِهَا مِنْ السَّبِيلَيْنِ أَوْ غَيْرِهِمَا وَهُوَ مُؤَثِّرٌ (فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ ثُمَّ خُرُوجُهَا مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ) مُؤَثِّرٌ (فِي وُجُوبِ إزَالَتِهَا) وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْوُضُوءِ لِأَنَّهُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَإِزَالَةُ النَّجَاسَةِ أَعَمُّ مِنْ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ الْحَقِيقِيَّةِ وَالْحُكْمِيَّةِ فَكَانَ جِنْسَ الْوُضُوءِ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا لَا يَسْتَقِيمُ لِانْتِفَاءِ تَأْثِيرِ خُرُوجِ النَّجَاسَةِ إلَّا فِي الْحَدَثِ ثُمَّ بِوُجُوبِ مَا شُرِطَ لَهُ) إزَالَتُهَا (تَجِبُ) إزَالَتُهَا.

(وَ) الْمُرَكَّبِ (مِنْ الْعَيْنِ وَالْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ وَالْجُنُونِ وَالصِّبَا) فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مُؤَثِّرٌ (فِي سُقُوطِ الْعِبَادَةِ) لِلِاحْتِيَاجِ إلَى النِّيَّةِ (وَجِنْسُهُ) أَيْ كُلٍّ مِنْهُمَا الَّذِي هُوَ الْعَجْزُ بِعَدَمِ الْعَقْلِ (الْعَجْزُ لِخَلَلِ الْقُوَى) فَإِنَّهُ مُؤَثِّرٌ (فِيهِ) أَيْ فِي سُقُوطِ الْعِبَادَةِ (وَظَهَرَ أَنَّ سِتَّةَ) الْمُرَكَّبِ (الثُّنَائِيِّ ثَلَاثَةٌ قِيَاسٌ) وَهِيَ الْأُولَى (وَثَلَاثَةٌ مُرْسَلٌ) وَهِيَ الْأَخِيرَةُ (وَثَلَاثَةٌ مِنْ أَرْبَعَةِ) الْمُرَكَّبِ (الثُّلَاثِيِّ قِيَاسٌ) وَهِيَ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْهَا (وَوَاحِدٌ لَا) أَيْ لَيْسَ بِقِيَاسٍ وَهُوَ الْأَوَّلُ مِنْهَا (هَذَا وَالْأَكْثَرُ تَرْكِيبًا يُقَدَّمُ عِنْدَ تَعَارُضِهَا) أَيْ الْمُرَكَّبَاتِ (وَالْمُرَكَّبُ) يُقَدَّمُ (عَلَى الْبَسِيطِ) عِنْدَ تَعَارُضِهِمَا لِأَنَّ قُوَّةَ الْوَصْفِ إنَّمَا هِيَ بِحَسَبِ التَّأْثِيرِ وَالتَّأْثِيرُ اعْتِبَارُ الشَّرْعِ فَكُلَّمَا كَثُرَ الِاعْتِبَارُ قَوِيَ الْآثَارَ فَيَكُونُ الْمُرَكَّبُ أَقْوَى مِنْ الْبَسِيطِ وَالْمُرَكَّبُ مِنْ أَجْزَاءٍ أَكْثَرَ أَقْوَى مِنْ الْمُرَكَّبِ مِنْ أَجْزَاءٍ أَقَلَّ لَكِنْ كَمَا قَالَ فِي التَّلْوِيحِ وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَقِيمُ فِيمَا سِوَى اعْتِبَارِ النَّوْعِ فِي النَّوْعِ فَإِنَّهُ أَقْوَى الْكُلِّ لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ النَّصِّ حَتَّى كَادَ يُقِرُّ بِهِ مُنْكِرُو الْقِيَاسِ إذْ لَا فَرْقَ إلَّا بِتَعَدِّي الْمَحَلِّ فَالْمُرَكَّبُ فِي غَيْرِهِ لَا يَكُونُ أَقْوَى مِنْهُ (وَأَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ فَخْرُ الْإِسْلَامِ) وَالسَّرَخْسِيُّ وَأَبُو زَيْدٍ (لَا بُدَّ قَبْلَ التَّعْلِيلِ فِي الْمُنَاظَرَةِ مِنْ الدَّلَالَةِ عَلَى مَعْلُولِيَّةِ هَذَا الْأَصْلِ) الْمَقِيسِ عَلَيْهِ بَلْ قَالَ السَّرَخْسِيُّ وَالْأَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأُصُولَ مَعْلُولَةٌ فِي الْأَصْلِ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ لِجَوَازِ التَّعْلِيلِ فِي كُلِّ أَصْلٍ مِنْ دَلِيلٍ مُمَيِّزٍ وَالْمَذْهَبُ عِنْدَ عُلَمَائِنَا أَنَّهُ لَا بُدَّ مَعَ هَذَا مِنْ قِيَامِ دَلِيلٍ يَدُلُّ عَلَى كَوْنِهِ مَعْلُولًا فِي الْحَالِ انْتَهَى إلَّا إذَا اتَّفَقُوا عَلَى كَوْنِهِ مَعْلُولًا مَعَ اخْتِلَافِهِمْ فِي الْوَصْفِ الَّذِي هُوَ عِلَّةٌ لِمُسَاعَدَةِ الْخَصْمِ عَلَى ذَلِكَ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ دَلِيلٍ آخَرَ عَلَيْهِ.

(وَلَا يَكْفِي) قَوْلُ الْمُعَلِّلِ (الْأَصْلُ) فِي النُّصُوصِ التَّعْلِيلُ كَمَا عَزَاهُ فِي الْمِيزَانِ إلَى عَامَّةِ مُثْبِتِي الْقِيَاسِ وَالشَّافِعِيِّ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَهُوَ الْمُخْتَارُ (لِأَنَّهُ) أَيْ الْأَصْلَ (مُسْتَصْحَبٌ يَكْفِي لِلدَّفْعِ) أَيْ لِدَفْعِ ثُبُوتِ مَا لَمْ يُعْلَمْ ثُبُوتُهُ (لَا الْإِثْبَاتِ) عَلَى الْخَصْمِ (كَمَا سَيُعْلَمُ) فِي بَحْثِ الِاسْتِصْحَابِ آخِرَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَهَذَا (بِخِلَافِ الْإِثْبَاتِ لِنَفْسِهِ) فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ قَبْلَ التَّعْلِيلِ لِنَفْسِهِ الدَّلَالَةُ عَلَى مَعْلُولِيَّةِ ذَلِكَ الْأَصْلِ الَّذِي هُوَ بِصَدَدِ الْقِيَاسِ عَلَيْهِ (كَنَقْضِ الْخَارِجِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ يُسْتَدَلُّ عَلَى مَعْلُولِيَّتِهِ) أَيْ كَوْنِ الْخَارِجِ النَّجِسِ الْمَذْكُورِ عِلَّةً لِلنَّقْضِ (بِالْإِجْمَاعِ عَلَى ثُبُوتِهِ) أَيْ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ (فِي مَثْقُوبِ السُّرَّةِ) إذَا خَرَجَ مِنْهَا قِيَاسًا عَلَى النَّقْضِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ (فَعُلِمَ) بِدَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ (تَعَدِّيهِ) أَيْ النَّقْضِ (عَنْ مَحَلِّ النَّصِّ) الَّذِي هُوَ السَّيَلَانُ إلَى مَا سِوَاهُ مِنْ الْبَدَنِ إذْ لَوْ كَانَ خُصُوصُ الْمَحَلِّ مُعْتَبَرًا فِي النَّقْضِ بِالْخَارِجِ مِنْهُ لَمَا جَازَ قِيَامُ غَيْرِهِ مَكَانَهُ بِالرَّأْيِ لِأَنَّ الْأَبْدَالَ لَا تُنَصَّبَ بِالرَّأْيِ (فَصَحَّ تَعْلِيلُهُ) أَيْ النَّقْضِ بِالْخَارِجِ النَّجِسِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ (بِنَجَاسَةِ الْخَارِجِ) وَإِنَّمَا قَالَ هَكَذَا لِأَنَّ الضِّدَّ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي رَفْعِ ضِدِّهِ فَصِفَةُ النَّجَاسَةِ هِيَ الرَّافِعَةُ لِلطَّهَارَةِ وَالْعَيْنُ الْخَارِجَةُ مَعْرُوضُهَا الَّتِي هِيَ قَائِمَةٌ بِهَا (لِيَثْبُتَ النَّقْضُ بِهِ) أَيْ الْخَارِجِ النَّجِسِ (مِنْ سَائِرِ الْبَدَنِ وَطَائِفَةٌ لَا) تَشْتَرِطُ الدَّلَالَةَ عَلَى مَعْلُولِيَّةِ الْأَصْلِ قَبْلَ التَّعْلِيلِ فِي الْمُنَاظَرَةِ (إذْ لَمْ يُعْرَفْ) ذَلِكَ (فِي مُنَاظَرَةٍ قَطُّ لِلصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ) وَكَفَى بِهِمْ قُدْرَةً (وَلِأَنَّ إقَامَةَ الدَّلِيلِ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ وَلَا بُدَّ مِنْهُ) فِي إلْحَاقِ الْفَرْعِ بِالْأَصْلِ فِي حُكْمِهِ

ص: 157

بِوَاسِطَتِهِ (يَتَضَمَّنُهُ) أَيْ كَوْنُ الْأَصْلِ مَعْلُولًا (فَأَغْنَى) بَيَانُ الدَّلِيلِ عَلَى عِلِّيَّةِ الْوَصْفِ عَنْ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى كَوْنِ الْأَصْلِ مَعْلُولًا.

(وَهَذَا) الْقَوْلُ (أَوْجَهُ) كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ (ثُمَّ دَلِيلُ اعْتِبَارِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمُدَّعَى عِلِّيَّتُهُ بِعَيْنِهِ فِي الْحُكْمِ الْمُعَيَّنِ (النَّصُّ وَالْإِجْمَاعُ وَسَيَأْتِيَانِ وَالتَّأْثِيرُ) وَهُوَ (ظُهُورُ أَثَرِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (شَرْعًا وَيُسَمُّونَهُ) أَيْ التَّأْثِيرَ (عَدَالَتَهُ) أَيْ الْوَصْفِ (وَيَسْتَلْزِمُ) التَّأْثِيرُ (مُنَاسَبَتَهُ) أَيْ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ بِأَنْ يَصِحَّ إضَافَةُ الْحُكْمِ إلَيْهِ (وَيُسَمُّونَهَا) أَيْ مُنَاسَبَتَهُ (مُلَاءَمَتَهُ) بِالْهَمْزَةِ أَيْ مُوَافَقَتَهُ لِلْحُكْمِ (وَتَسْتَلْزِمُ) مُنَاسَبَتُهُ (كَوْنَهُ) أَيْ الْوَصْفِ (غَيْرَ نَابٍ) أَيْ بَعِيدٍ (عَنْ الْحُكْمِ) وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى بِصَلَاحِ الْوَصْفِ لِلْحُكْمِ (كَتَعْلِيلِ) وُقُوعِ (الْفُرْقَةِ) بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ إذَا أَسْلَمَتْ وَأَبَى (بِالْإِبَاءِ) فَإِنَّهُ يُنَاسِبُهُ (بِخِلَافِهَا) أَيْ الْفُرْقَةِ (بِإِسْلَامِ الزَّوْجَةِ) فَإِنَّهُ نَابٍ عَنْهُ لِأَنَّ الْإِسْلَامَ عُرِفَ عَاصِمًا لِلْحُقُوقِ وَالْأَمْلَاكِ قَاطِعًا لَهَا وَكَيْفَ لَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنَى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى» وَالْمَحْظُورُ يَصْلُحُ سَبَبًا لِلْعُقُوبَةِ وَانْقِطَاعُ النِّكَاحِ عُقُوبَةٌ وَإِبَاءُ الْإِسْلَامِ رَأْسُ أَسْبَابِ الْعُقُوبَاتِ فَصَلَحَ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لَهُ (كَمَا سَيَأْتِي) ذِكْرُهُ فِي فَسَادِ الْوَضْعِ وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِمْ صَلَاحُ الْوَصْفِ كَوْنُهُ مُوَافِقًا لِلْعِلَلِ الْمَنْقُولَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَعَنْ السَّلَفِ فَإِنَّهُمْ كَانُوا يُعَلِّلُونَ مُنَاسَبَةَ الْأَحْكَامِ غَيْرَ نَابِيَةٍ عَنْهَا فَمَا كَانَ مُوَافِقًا لَهَا يَصْلُحُ عِلَّةً وَمَا لَا فَلَا لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي الْعِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ وَالْمَقْصُودُ إثْبَاتُ حُكْمٍ شُرِعَ بِهَا فَلَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ مُوَافِقَةً لِمَا نُقِلَ عَمَّنْ عُرِفَتْ أَحْكَامُ الشَّرْعِ بِبَيَانِهِمْ (وَفُسِّرَ) التَّأْثِيرُ (بِأَنْ يَكُونَ لِجِنْسِهِ) أَيْ الْوَصْفِ (تَأْثِيرٌ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ كَإِسْقَاطِ الصَّلَاةِ الْكَثِيرَةِ) بِأَنْ تَزِيدَ عَلَى خَمْسٍ (بِالْإِغْمَاءِ) إذْ (لِجِنْسِهِ) أَيْ الْوَصْفِ الْمُعَلَّلِ بِهِ الَّذِي هُوَ الْإِغْمَاءُ وَهُوَ الْعَجْزُ عَنْ الْأَدَاءِ تَأْثِيرٌ (فِيهِ) أَيْ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ الَّذِي هُوَ إسْقَاطُ الصَّلَاةِ وَمَا يُقَالُ إنَّهُ الْحَرَجُ حَتَّى لَا يَجِبَ الْقَضَاءُ إذَا ذَهَبَ الْعَجْزُ فَهُوَ عِلَّةُ الْعِلَّةِ (أَوْ) لِجِنْسِهِ تَأْثِيرٌ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (كَالْإِسْقَاطِ) لِلصَّلَاةِ عَنْ الْحَائِضِ (بِمَشَقَّتِهِ) أَيْ فِعْلِهَا بِوَاسِطَةِ كَثْرَتِهَا.

(وَجِنْسُهُ) أَيْ هَذَا الْوَصْفِ (الْمَشَقَّةُ الْمُتَحَقِّقَةُ فِي مَشَقَّةِ السَّفَرِ) مُؤَثِّرٌ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ (السُّقُوطُ الْكَائِنُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ) مِنْ الرُّبَاعِيَّةِ (وَعَنْ بَعْضِهِمْ نَفْيُهُ) أَيْ كَوْنِ تَأْثِيرِ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ مِنْ التَّأْثِيرِ (وَمِنْ الْحَنَفِيَّةِ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّ التَّأْثِيرَ هُوَ اعْتِبَارُ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ نَصًّا أَوْ إجْمَاعًا كَمَا عَزَاهُ صَاحِبُ الْكَشْفِ إلَى فَخْرِ الْإِسْلَامِ فِي بَعْضِ مُصَنَّفَاتِهِ وَلَمَّا كَانَ ظَاهِرُ هَذَا يُفِيدُ سُقُوطَ الْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ وَقَبْلَهُ وَالْعَيْنُ فِي الْعَيْنِ مِنْ التَّأْثِيرِ وَبَعْضُهُ مُتَّجَهٌ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ دُونَ الْبَعْضِ أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (وَالْوَجْهُ سُقُوطُ الْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ) مِنْ التَّأْثِيرِ (بِمَا قَدَّمْنَا) كَأَنَّهُ يُرِيدُ قَوْلَهُ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ لُزُومَ الْقِيَاسِ مِمَّا جِنْسُهُ فِي الْعَيْنِ لَيْسَ إلَّا بِجَعْلِ الْعَيْنِ عِلَّةً بِاعْتِبَارِ تَضَمُّنِهَا لِعِلَّةِ جِنْسِهِ فَيُرْجَعُ إلَى اعْتِبَارِ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ (دُونَ) سُقُوطِ (قَبْلِهِ) أَيْ الْعَيْنِ فِي الْجِنْسِ مِنْ التَّأْثِيرِ (بِتَأَمُّلٍ يَسِيرٍ) لِانْتِفَاءِ اللَّازِمِ الْمَذْكُورِ فِيهِ (أَوْ) يَكُونُ (لِعَيْنِهِ) أَيْ الْوَصْفِ تَأْثِيرٌ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ (كَالْإِخْوَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فِي التَّقَدُّمِ) عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ (فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ) لِلصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ وَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْحُكْمِ الْمُؤَثِّرِ فِيهِ عَيْنُ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِيهِ (فِي جِنْسِهِ) أَيْ الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (التَّقْدِيمُ) الصَّادِقُ عَلَى كُلٍّ مِنْ التَّقَدُّمِ (فِي الْمِيرَاثِ) وَالْإِنْكَاحِ (أَوْ) يَكُونُ لِعَيْنِهِ تَأْثِيرٌ (فِي عَيْنِهِ ذَكَرَهُ فِي الْكَشْفِ الصَّغِيرِ) ثُمَّ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ (وَيَلْزَمُهُ) أَيْ هَذَا الْكَلَامَ (كَوْنُهُ) أَيْ الْحُكْمِ (بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ كَالسُّكْرِ فِي الْحُرْمَةِ) إذْ كُلٌّ مِنْهُمَا عَيْنٌ وَالسُّكْرُ عِلَّةٌ لِلْحُرْمَةِ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ.

(وَهُوَ) أَيْ كَوْنُ الْحُكْمِ بِهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا (مُخْرِجٌ لَهُ) أَيْ لِلْحُكْمِ الْمَذْكُورِ (عَنْ دَلَالَةِ التَّأْثِيرِ عَلَى الِاعْتِبَارِ) أَيْ كَوْنِ الْوَصْفِ مُعْتَبَرًا بِالتَّأْثِيرِ فَتَكُونُ عِلَّتُهُ مُسْتَنْبَطَةً (إلَى الْمَنْصُوصَةِ) أَيْ إلَى أَنْ تَكُونَ مَنْصُوصَةً فَلَا تَكُونُ مِنْ أَقْسَامِ الْمُؤَثِّرِ بَلْ مِنْ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا يَلْزَمُ هَذَا الْكَلَامَ هَذَا (إذْ لَمْ يَبْقَ مَعَ ظُهُورِ الْمُنَاسَبَةِ) بَعْدَ النَّصِّ

ص: 158

وَالْإِجْمَاعِ دَلِيلٌ عَلَى الِاعْتِبَارِ (إلَّا الْإِخَالَةُ) فَإِنَّ الْمُنَاسَبَةَ إذَا ظَهَرَتْ فَدَلِيلُ اعْتِبَارِ مَا قَامَتْ بِهِ أَمَّا النَّصُّ أَوْ الْإِجْمَاعُ أَوْ التَّأْثِيرُ وَهُوَ بِثُبُوتِ تَأْثِيرِ جِنْسِ الْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ الَّذِي يُرَادُ إثْبَاتُهُ أَوْ الْإِخَالَةُ فَإِذَا فُرِضَ ثُبُوتُ تَأْثِيرِ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ بِنَصٍّ خَرَجَ عَنْ التَّأْثِيرِ.

(وَيَنْفُونَ) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (إيجَابَهَا) أَيْ الْإِخَالَةِ الْحُكْمَ (مُجَوِّزِي الْعَمَلِ قَبْلَهُ) أَيْ التَّأْثِيرِ (بِهَا) أَيْ الْإِخَالَةِ (كَالْقَضَاءِ بِالْمَسْتُورِينَ يَنْفُذُ وَلَا يَجِبُ) هَذَا وَيَظْهَرُ أَنَّ الْأَوْلَى فِي حُسْنِ السِّيَاقِ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ أَوْ لِعَيْنِهِ فِي جِنْسِهِ كَالْإِخْوَةِ لِأَبٍ وَأُمٍّ فِي التَّقَدُّمِ عَلَى الْأَخِ لِأَبٍ فِي وِلَايَةِ الْإِنْكَاحِ وَهُوَ مُؤَثِّرٌ فِي جِنْسِهِ التَّقَدُّمُ فِي الْمِيرَاثِ أَوْ لِعَيْنِهِ فِي عَيْنِهِ كَمَا فِي كَشْفِ الْمَنَارِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ عَنْ بَعْضِهِمْ نُفِيَ الْجِنْسُ فِي الْجِنْسِ مِنْ التَّأْثِيرِ وَمِنْهُمْ مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى أَنَّ التَّأْثِيرَ وَهُوَ تَأْثِيرُ الْجِنْسِ فِي الْجِنْسِ وَالْوَجْهُ سُقُوطُ الْجِنْسِ فِي الْعَيْنِ مِنْهُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ دُونَ قَلْبِهِ بِتَأَمُّلٍ يَسِيرٍ ثُمَّ يَلْزَمُ الْكَشْفَ كَوْنُهُ إلَخْ (وَظَهَرَ أَنَّ الْمُؤَثِّرَ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (أَعَمُّ مِنْهُ) أَيْ الْمُؤَثِّرِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَا ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ (وَمِنْ الْمُلَائِمِ الْأَوَّلُ) الَّذِي هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْمُنَاسِبِ بِأَقْسَامِهِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ مَا ثَبَتَ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي عَيْنِهِ بِمُجَرَّدِ ثُبُوتِهِ مَعَ الْحُكْمِ فِي الْمَحَلِّ مَعَ اعْتِبَارِ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ جِنْسِهِ فِي عَيْنِهِ أَوْ فِي جِنْسِهِ (وَمَا مِنْ الْمُرْسَلِ) أَيْ وَثَلَاثَةِ أَقْسَامِ الْمُلَائِمِ الْمُرْسَلِ وَهِيَ مَا لَمْ يَثْبُتْ الْعَيْنُ مَعَ الْعَيْنِ فِي الْمَحَلِّ لَكِنْ ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ فِي عَيْنِهِ أَوْ جِنْسِهِ (فَشَمِلَ) الْمُؤَثِّرَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ الَّذِي ثَبَتَ بِنَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ اعْتِبَارُ عَيْنِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ أَوْ جِنْسِهِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ (سَبْعَةُ أَقْسَامٍ فِي عُرْفِ الشَّافِعِيَّةِ إذْ لَمْ يُقَيِّدُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (الثَّلَاثَةَ) الَّتِي هِيَ تَأْثِيرُ الْجِنْسِ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ فِي جِنْسِهِ وَتَأْثِيرُ الْعَيْنِ فِي جِنْسِ الْحُكْمِ

(بِوُجُودِ الْعَيْنِ مَعَ الْعَيْنِ فِي الْمَحَلِّ أَيْ الْأَصْلِ. وَكَذَا تَصْرِيحُهُمْ) أَيْ الْحَنَفِيَّةِ (فِيمَا تَقَدَّمَ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِمَا اُعْتُبِرَ جِنْسُهُ إلَخْ) أَيْ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ، وَمَا اُعْتُبِرَ عَيْنُهُ فِي عَيْنِ الْحُكْمِ أَوْ جِنْسِهِ (مَقْبُولٌ وَقَدْ لَا يَكُونُ) التَّعْلِيلُ بِأَحَدِهِمَا (قِيَاسًا بِأَنْ لَمْ يَتَرَكَّبْ مَعَ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ) أَيْ الْعَيْنِ أَوْ الْجِنْسِ مَعَ الْعَيْنِ (وَلَا حَاجَةَ إلَى تَقْيِيدِهِ) أَيْ الْمَقْبُولِ (لِغَيْرِ مَا جِنْسُهُ) أَيْ ذَلِكَ الْوَصْفِ (أَبْعَدُ) أَيْ مَا اعْتَبَرَ الشَّارِعُ جِنْسَهُ الْأَبْعَدَ (كَتَضَمُّنِ مُطْلَقِ مَصْلَحَةٍ) أَيْ كَوْنِهِ مُتَضَمِّنًا لِمَصْلَحَةٍ فِي إثْبَاتِ الْحُكْمِ (بِخِلَافِ) جِنْسِهِ (الْبَعِيدِ) الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ الْأَبْعَدِ وَقَدْ اعْتَبَرَهُ الشَّرْعُ إذَا كَانَتْ الْمَصْلَحَةُ ضَرُورِيَّةً قَطْعِيَّةً كُلِّيَّةً فَإِنَّهُ يُقْبَلُ (كَالرَّمْيِ) أَيْ كَجَوَازِهِ (إلَى التُّرْسِ الْمُسْلِمِ إذَا غَلَبَ ظَنُّ نَجَاتِهِمْ) أَيْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِالرَّمْيِ إلَيْهِ (إذْ لَا سَبِيلَ إلَى الْقَطْعِ) بِالنَّجَاةِ (كَالْغَزَالِيِّ بِخِلَافِ بَعْضِهِمْ فِي السَّفِينَةِ) أَيْ رَمْيِ بَعْضِ مَنْ فِي السَّفِينَةِ فِي الْبَحْرِ إذَا عُلِمَتْ نَجَاةُ الْبَعْضِ الْآخَرِينَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَنَّ الْمَصْلَحَةَ غَيْرُ كُلِّيَّةٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إلَى هَذَا التَّقْيِيدِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ مُفَادَةً فِي تَوْضِيحِ صَدْرِ الشَّرِيعَةِ (إذْ دَلِيلُ الِاعْتِبَارِ بِالنَّصِّ أَوْ بِالْإِجْمَاعِ لَمْ يَتَحَقَّقْ فِي مُطْلَقِهَا) وَالْكَلَامُ فِيمَا ثَبَتَ اعْتِبَارُهُ بِالنَّصِّ أَوْ الْإِجْمَاعِ ثُمَّ اعْتِبَارُ الْعَيْنِ فِي الْعَيْنِ بِمُجَرَّدِ إبْدَاءِ الْمُنَاسَبَةِ وَهُوَ الْإِخَالَةُ لَيْسَ مُوجِبًا لِلْعَمَلِ وَلَا مُجَوِّزًا لَهُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ كَمَا سَيَذْكُرُهُ قَرِيبًا وَيُنَبِّهُ عَلَيْهِ (وَالْإِخَالَةُ إبْدَاءُ الْمُنَاسَبَةِ بَيْنَ) حُكْمِ (الْأَصْلِ وَالْوَصْفِ بِمُلَاحَظَتِهِمَا) أَيْ الْوَصْفِ وَالْحُكْمِ سُمِّيَ بِهَا لِأَنَّ الْمُنَاسَبَةَ الْمَذْكُورَةَ يُخَالُ أَيْ يُظَنُّ أَنَّ الْوَصْفَ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ (فَيَنْتَهِضُ) إبْدَاءُ مُنَاسَبَةِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِذَلِكَ الْحُكْمِ (عَلَى الْخَصْمِ الْمُنْكِرِ لِلْمُنَاسَبَةِ) أَيْ لِمُنَاسَبَةِ الْحُكْمِ لَا الْمُنْكِرِ لِلْحُكْمِ لِأَنَّ مُجَرَّدَ الْمُنَاسَبَةِ لَا تُوجِبُ عِلِّيَّةَ الْوَصْفِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ لِمَا عُرِفَ مِنْ كَلَامِهِمْ فِي الْإِخَالَةِ (وَهُوَ) أَيْ الْوَصْفُ الْمُنَاسِبُ (مَا عَنْ الْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ مَا لَوْ عُرِضَ عَلَى الْعُقُولِ تَلَقَّتْهُ الْأُمَّةُ بِالْقَبُولِ) وَلَفْظُهُ فِي التَّقْوِيمِ بِدُونِ ذِكْرِ الْأُمَّةِ كَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ النُّسْخَةُ أَوَّلًا وَتَقَدَّمَ أَيْضًا فِي أَوَائِلِ فَصْلٍ فِي الْعِلَّةِ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا زَادَهَا إشَارَةً إلَى أَنَّ الْمُرَادَ عَامَّةُ الْعُقُولِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الصِّيغَةِ فَيَتَّضِحُ عَلَيْهِ تَفْرِيعُ قَوْلِهِ (فَإِنَّ الْمُنْكِرَ حِينَئِذٍ مُكَابِرٌ) أَيْ مُعَانِدٌ فَلَا يُقْبَلُ إنْكَارُهُ.

(وَقِيلَ) أَيْ وَقَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ كَابْنِ الْحَاجِبِ

ص: 159