الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(كَالْخِطَابِ بِالْمُهْمَلِ) فَيَلْزَمُ جَوَازَ الْخِطَابِ بِهِ وَجَوَازُ تَأْخِيرِ بَيَانِهِ بِجَامِعِ عَدَمِ الْإِفَادَةِ فِي الْحَالِ وَالْإِفَادَةِ عِنْدَ الْبَيَانِ وَاللَّازِمُ بَاطِلُ فَالْمَلْزُومُ مِثْلُهُ (مُهْمَلٌ) إذْ فِي الْمُجْمَلِ يُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ أَحَدُ مُحْتَمَلَاتِهِ أَوْ مَعْنًى مَا فَيُطِيعُ أَوْ يَعْصِي بِالْعَزْمِ عَلَى فِعْلِهِ أَوْ تَرْكِهِ إذْ بَيْنَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ فَوَائِدِ التَّكْلِيفِ بِخِلَافِ الْمُهْمَلِ فَإِنَّهُ يُعْرَفُ أَنْ لَيْسَ لَهُ مَعْنًى أَصْلًا.
(وَمَا قِيلَ:) أَيْ وَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ الْحَاجِبِ (جَوَازُ تَأْخِيرِ إسْمَاعِ الْمُخَصَّصِ) لِلْعَامِّ الْمُكَلَّفِ الدَّاخِلِ تَحْتَ الْعُمُومِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ (أَوْلَى) بِالْجَوَازِ (مِنْ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ) إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ (لِأَنَّ عَدَمَ الْإِسْمَاعِ) أَيْ إسْمَاعِ الْمُكَلَّفِ الْمُخَصِّصِ لِلْعَامِّ مَعَ وُجُودِهِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (أَسْهَلُ مِنْ الْعَدَمِ) أَيْ عَدَمِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ لِإِمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْمُخَصِّصِ الْمَذْكُورِ وَعَدَمِ إمْكَانِ الِاطِّلَاعِ عَلَى بَيَانِ الْمُجْمَلِ قَبْلَ وُجُودِهِ وَهَذَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ وَجْهًا إلْزَامِيًّا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ الْمُجِيزِينَ لِتَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ لِلْحَنَفِيَّةِ الْقَائِلِينَ بِهِ دُونَ تَرَاخِي التَّخْصِيصِ فَيُقَالُ: إذَا جَازَ تَأْخِيرُ بَيَانِ الْمُجْمَلِ بِمُوَافَقَتِكُمْ فَيَلْزَمُكُمْ جَوَازُ تَأْخِيرِ بَيَانِ التَّخْصِيصِ بِأَوْلَى، ثُمَّ مَا قِيلَ: مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ الْعَامَّ غَيْرُ مُجْمَلٍ فَلَا يَتَعَذَّرُ الْعَمَلُ بِهِ) قَبْلَ الِاطِّلَاعِ عَلَى مُخَصِّصٍ بِهِ (فَقَدْ يُعْمَلُ بِهِ) بِنَاءً عَلَى أَنَّ عُمُومَهُ مُرَادٌ (وَهُوَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ عُمُومَهُ (غَيْرُ مُرَادٍ بِخِلَافِ الْمُجْمَلِ) فَإِنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ قَبْلَ الْبَيَانِ (فَلَا يَسْتَلْزِمُ تَأْخِيرَ بَيَانِهِ مَحْذُورًا) وَهُوَ الْعَمَلُ بِمَا هُوَ غَيْرُ مُرَادٍ بِهِ (بِخِلَافِهِ) أَيْ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ (فِي الْمُخَصِّصِ) فَإِنَّهُ يَسْتَلْزِمُهُ كَمَا بَيَّنَّا.
(ثُمَّ تَمْنَعُ الْأَوْلَوِيَّةُ) أَيْ كَوْنَ تَأْخِيرِ إسْمَاعِ الْمُخَصَّصِ بِالْجَوَازِ أَوْلَى مِنْ تَأْخِيرِ بَيَانِ الْمُجْمَلِ (بَلْ كُلٌّ مِنْ الْعَامِّ وَالْمُجْمَلِ أُرِيدَ بِهِ مُعَيَّنٌ آخَرُ ذُكِرَ دَالُّهُ فَقُبِلَ ذِكْرُهُ) أَيْ دَالِّهِ (هُوَ) أَيْ ذَلِكَ الْمُعَيَّنُ (مَعْدُومٌ إلَّا فِي الْإِرَادَةِ) أَيْ إلَّا فِي جَوَازِ كَوْنِهِ الْمُرَادَ مِنْ اللَّفْظِ (فَهُمَا) أَيْ الْمُجْمَلُ وَالْعَامُّ (فِيهَا) أَيْ فِي الْإِرَادَةِ (سَوَاءٌ) .
[مَسْأَلَة وَيَكُونُ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ كَالْقَوْلِ]
(مَسْأَلَةٌ وَيَكُونُ) الْبَيَانُ (بِالْفِعْلِ كَالْقَوْلِ إلَّا عِنْدَ شُذُوذٍ لَنَا يُفْهِمُ أَنَّهُ) أَيْ الْفِعْلُ الصَّالِحُ لِكَوْنِهِ مُرَادًا مِنْ الْقَوْلِ هُوَ (الْمُرَادُ بِالْقَوْلِ) الْمُجْمَلِ (بِفِعْلِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْفِعْلِ (عَقِيبَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلِ الْمُجْمَلِ (فَصَلَحَ) الْفِعْلُ (بَيَانًا بَلْ هُوَ) أَيْ الْفِعْلُ (أَدَلُّ) عَلَى بَيَانِهِ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْهُ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم «لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ» ) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَالطَّبَرَانِيُّ وَزَادَ فِيهِ «فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ عليه السلام عَمَّا صَنَعَ قَوْمُهُ مِنْ بَعْدِهِ فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ فَلَمَّا عَايَنَ ذَلِكَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ» وَقَدْ صَارَ هَذَا الْقَوْلُ مَثَلًا (وَبِهِ) أَيْ بِالْفِعْلِ (بَيَّنَ) النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ) لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ اسْتِقْرَاءُ بَعْضِ الْمَشَاهِيرِ مِنْ دَوَاوِينِ السُّنَّةِ (قَالُوا) أَيْ الْمَانِعُونَ لَمْ يُبَيِّنْهُمَا بِالْفِعْلِ (بَلْ «صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي» «وَخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ» وَتَقَدَّمَ تَخْرِيجُهُمَا فِي مَسْأَلَةِ الِاتِّفَاقِ فِي أَفْعَالِهِ الْجِبِلِّيَّةِ الْإِبَاحَةُ لَنَا وَلَهُ (أُجِيبَ بِأَنَّهُمَا) أَيْ الْقَوْلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ (دَلِيلَا كَوْنِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (بَيَانًا) لَا أَنَّهُ هُوَ الْبَيَانُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَمِلْ عَلَى تَعْرِيفِهِمَا
(وَهَذَا) الْجَوَابُ (يَنْفِي الدَّلِيلَ الْأَوَّلَ) وَهُوَ اقْتِضَاءُ فَهْمِ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُوقَعَ بَعْدَ الْقَوْلِ الْمُجْمَلِ هُوَ الْمُرَادُ مِنْهُ أَيْ يَنْفِي أَنْ يَكُونَ هَذَا مُثْبِتًا لِلْمُدَّعَى (إذْ يُفِيدُ) هَذَا (أَنَّ كَوْنَهُ) أَيْ الْفِعْلِ (بَيَانًا) إنَّمَا عُرِفَ (بِالشَّرْعِ وَبِهِ) أَيْ بِالشَّرْعِ (كِفَايَةٌ) فِي إثْبَاتِ كَوْنِ الْفِعْلِ بَيَانًا (فَالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ) أَيْ كُلًّا مِنْ: صَلُّوا وَخُذُوا إلَى آخِرِهِمَا (لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ) فَإِنَّ الْبَيَانَ حَصَلَ لَهُمْ بِلَا شَكٍّ بِمُبَاشَرَةِ تِلْكَ الْأَفْعَالِ بِحَضْرَتِهِمْ عَلَى أَنَّهَا أَفْعَالُ الصَّلَاةِ وَالْحَجِّ فَقَوْلُهُ: صَلُّوا وَخُذُوا تَأْكِيدٌ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ لِلْبَيَانِ بِالْفِعْلِ (الْفِعْلُ أَطْوَلُ) مِنْ الْقَوْلِ زَمَانًا (فَيَلْزَمُ تَأْخِيرُهُ) أَيْ الْبَيَانِ بِهِ (مَعَ إمْكَانِ تَعْجِيلِهِ) بِالْقَوْلِ، وَأَنَّهُ غَيْرُ جَائِرٍ (مَمْنُوعُ الْأَطْوَلِيَّةِ) إذْ قَدْ يَطُولُ الْبَيَانُ بِالْقَوْلِ أَكْثَرَ مِمَّا يَطُولُ بِالْفِعْلِ وَمَا فِي رَكْعَتَيْنِ مِنْ الْهَيْئَاتِ وَالْأَجْزَاءِ لَوْ بُيِّنَ بِالْقَوْلِ رُبَّمَا اسْتَدْعَى زَمَانًا أَكْثَرَ مِمَّا يُصَلِّيهِمَا فِيهِ (وَ) مَمْنُوعٌ (بُطْلَانُ اللَّازِمِ) أَيْ لُزُومِ التَّأْخِيرِ (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ إمْكَانِ تَعْجِيلِهِ قَالَ الْمُصَنِّفُ أَيْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ مَعَ إمْكَانِ تَعْجِيلِهِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ التَّعْجِيلُ قَبْلَ الْحَاجَةِ مُمْكِنًا وَالْفَرْضُ أَنَّ التَّأْخِيرَ حِينَئِذٍ جَائِزٌ فَلَا يَلْزَمُ تَعْجِيلُهُ، ثُمَّ الْمَمْنُوعُ
هُوَ التَّأْخِيرُ الْمُفَوِّتُ عَنْ الْوَقْتِ الْمُضَيَّقِ فِيهِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ بَلْ الْمَفْرُوضُ أَنْ يَشْتَغِلَ بِالْبَيَانِ بِالْفِعْلِ فِي زَمَانٍ بِحَيْثُ يَمْضِي مِنْهُ الْوَقْتُ الْمُضَيَّقِ فِيهِ قَبْلَ مَعْرِفَةِ الْبَيَانِ بِإِتْمَامِ ذَلِكَ الْفِعْلِ الْمُبَيَّنِ (فَلَوْ تَعَاقَبَا) أَيْ الْقَوْلُ وَالْفِعْلُ الصَّالِحُ كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونَ بَيَانًا (وَعُلِمَ الْمُتَقَدِّمُ فَهُوَ) أَيْ الْمُتَقَدِّمُ الْبَيَانُ قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا لِحُصُولِهِ بِهِ وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ (وَإِلَّا) إذَا لَمْ يُعْلَمْ الْمُتَقَدِّمُ (فَأَحَدُهُمَا) مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ هُوَ الْبَيَانُ أَيْ يُقْضَى بِحُصُولِ الْبَيَانِ بِوَاحِدٍ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ وَهُوَ الْأَوَّلُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَالثَّانِي تَأْكِيدٌ.
وَقِيلَ: يَتَعَيَّنُ الْأَرْجَحُ مِنْهُمَا لِلتَّأَخُّرِ، وَالْمَرْجُوحُ لِلْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ تَأْكِيدٌ وَالْمَرْجُوحُ لَا يَكُونُ تَأْكِيدًا لِلرَّاجِحِ لِامْتِنَاعِ تَرْجِيحِ الشَّيْءِ بِمَا دُونَهُ فِي الدَّلَالَةِ؛ لِأَنَّ الْمُؤَكِّدَ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَعَلَى الزِّيَادَةِ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ وَاخْتَارَهُ الْآمِدِيُّ وَأُجِيبَ بِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَلْزَمُ فِي الْمُفْرَدَاتِ كَ جَاءَنِي الْقَوْمُ كُلُّهُمْ أَمَّا الْمُؤَكِّدُ الْمُسْتَقْبَلُ يَعْنِي: مَا لَا يُتَوَقَّفُ فِي كَوْنِهِ بَيَانًا عَلَى غَيْرِهِ فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ تَابِعًا فِي الدَّلَالَةِ لِلرَّاجِحِ حَتَّى لَوْ جُعِلَ تَأْكِيدًا لَمْ يَكُنْ لَهُ فَائِدَةٌ وَمِنْ ثَمَّةَ تُذْكَرُ الْجُمَلُ بَعْضُهَا بَعْدَ بَعْضٍ لِلتَّأْكِيدِ، وَإِنْ كَانَتْ الثَّانِيَةُ أَضْعَفَ مِنْ الْأُولَى لَوْ اسْتَقَلَّتْ؛ لِأَنَّهَا بِانْضِمَامِهَا إلَيْهَا تُفِيدُهَا تَأْكِيدًا وَتَقْرِيرًا لِمَضْمُونِهَا فِي النَّفْسِ زِيَادَةَ تَقْرِيرٍ، ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ إذَا اتَّفَقَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى حُكْمٍ وَاحِدٍ (فَإِنْ تَعَارَضَا) قَالُوا كَمَا لَوْ طَافَ بَعْدَ آيَةِ الْحَجِّ طَوَافَيْنِ وَأُمِرَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَقَدْ وَرَدَ كِلَاهُمَا «فَعَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَطَافَ طَوَافَيْنِ وَسَعَى سَعْيَيْنِ وَحَدَّثَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَعَلَ ذَلِكَ» رَوَاهُ النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ رُوَاتُهُ مُوَثَّقُونَ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ «مَنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَجْزَأَهُ طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ مِنْهُمَا حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ (فَالْمُخْتَارُ) وِفَاقًا لِلْإِمَامِ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعِهِ وَابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْبَيَانَ هُوَ (الْقَوْلُ) ؛ لِأَنَّهُ يَدُلُّ بِنَفْسِهِ وَالْفِعْلُ لَا يَدُلُّ إلَّا بِأَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ أَنْ يُعْلَمَ ذَلِكَ بِالضَّرُورَةِ مِنْ قَصْدِهِ أَوْ أَنْ يَقُولَ هَذَا الْفِعْلَ بَيَانٌ لِلْمُجْمَلِ أَوْ بِالدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ وَهُوَ أَنْ يَذْكُرَ الْمُجْمَلَ وَقْتَ الْحَاجَةِ إلَى الْعَمَلِ بِهِ، ثُمَّ يَفْعَلَ فِعْلًا صَالِحًا أَنْ يَكُونَ بَيَانًا لَهُ وَلَا يَفْعَلَ شَيْئًا آخَرَ وَمَا هُوَ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ فِي الدَّلَالَةِ أَوْلَى مِمَّا يَحْتَاجُ فِيهَا إلَى غَيْرِهِ وَقَدْ أُورِدَتْ عَلَى الْمُصَنِّفِ رحمه الله يَنْبَغِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ أَدَلُّ مِنْ الْقَوْلِ أَنْ يُقَدَّمَ الْفِعْلُ عَلَى الْقَوْلِ.
فَأَجَابَ أَنَّ مَعْنَى أَدِلِّيَّتِهِ أَنَّ الْفِعْلَ الْجُزْئِيَّ الْمَوْجُودَ فِي الْخَارِجِ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ لَا أَنَّهُ بِهَيْئَاتِهِ أَدَلُّ عَلَى كَوْنِهِ الْمُرَادَ بِالْمُجْمَلِ مِنْ دَلَالَةِ الْقَوْلِ عَلَى الْمُرَادِ بِهِ فَإِنَّ الِاسْتِقْرَاءَ يُفِيدُ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُبَيِّنَةِ لِلْمُجْمَلِ تَشْتَمِلُ عَلَى هَيْئَاتٍ غَيْرِ مُرَادَةٍ مِنْ الْمُجْمَلِ وَهَذَا لَيْسَ فِي الْقَوْلِ، ثُمَّ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ مُتَقَدِّمًا أَوْ مُتَأَخِّرًا أَوْ لَمْ يُعْلَمْ شَيْءٌ مِنْهُمَا؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الدَّلِيلَيْنِ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِ أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْقَوْلُ إنْ قُلْنَا الْفِعْلُ هُوَ الْبَيَانُ لَا الْقَوْلُ، ثُمَّ فِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم الزَّائِدُ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ كَالطَّوَافِ الثَّانِي نَدْبٌ أَوْ وَاجِبٌ فِي حَقِّهِ دُونَ أُمَّتِهِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْآمِدِيُّ الْأَشْبَهُ أَنَّهُ إنْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فَهُوَ الْمُبَيِّنُ وَإِنْ تَأَخَّرَ فَالْفِعْلُ الْمُتَقَدِّمُ مُبَيِّنٌ فِي حَقِّهِ حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ الطَّوَافَانِ وَالْقَوْلُ الْمُتَأَخِّرُ مُبَيِّنٌ فِي حَقِّنَا حَتَّى يَكُونَ الْوَاجِبُ عَلَيْنَا طَوَافًا وَاحِدًا عَمَلًا بِالدَّلِيلَيْنِ (وَقَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ) الْبَيَانُ هُوَ (الْمُتَقَدِّمُ) مِنْهُمَا قَوْلًا كَانَ أَوْ فِعْلًا لَوْ كَانَ) الْمُتَقَدِّمُ (الْفِعْلَ) فَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ إذَا كَانَ طَوَافَيْنِ فَقَدْ وَجَبَا عَلَيْنَا فَإِذَا أَمَرَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ فَقَدْ نَسَخَ أَحَدَ الطَّوَافَيْنِ عَنَّا وَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا اسْتَلْزَمَ النَّسْخَ بِلَا مُلْزِمٍ لِإِمْكَانِ الْجَمْعِ بِأَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ هُوَ الْبَيَانُ بِخِلَافِ مَا إذَا كَانَ الْمُتَقَدِّمُ الْقَوْلَ فَإِنَّ حُكْمَ الْفِعْلِ كَمَا سَبَقَ.
قُلْت: وَقَدْ ذَهَلَ الْإِسْنَوِيُّ فَجَعَلَ هَذَا بِعَيْنِهِ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلِ الْإِمَامِ وَمُوَافِقِيهِ فَتَنَبَّهْ لَهُ قِيلَ: وَلَوْ نَقَصَ الْفِعْلُ عَنْ مُقْتَضَى الْقَوْلِ فَقِيَاسُ الْمُخْتَارِ أَنَّ الْبَيَانَ الْقَوْلُ وَنَقْصَ الْفِعْلِ عَنْهُ تَخْفِيفٌ فِي حَقِّهِ صلى الله عليه وسلم تَأَخَّرَ الْفِعْلُ أَوْ تَقَدَّمَ وَقِيَاسُ مَا تَقَدَّمَ لِأَبِي الْحُسَيْنِ أَنَّ الْبَيَانَ الْمُتَقَدِّمَ فَإِنْ كَانَ الْقَوْلُ فَحُكْمُ الْفِعْلِ كَمَا سَبَقَ أَوْ الْفِعْلُ فَمَا زَادَهُ الْقَوْلُ عَلَيْهِ مَطْلُوبٌ بِالْقَوْلِ، هَذَا وَلَمْ أَقِفْ لِمَشَايِخِنَا عَلَى صَرِيحٍ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَلَوْ قَالُوا بِالْمُخْتَارِ لَاحْتَاجُوا إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ قَوْلِهِمْ بِوُجُوبِ
طَوَافَيْنِ أَوْ سَعْيَيْنِ لِلْقَارِنِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَنْقُضُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَذَلِكَ مُمْكِنٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَيُقَالُ هَذِهِ الْقَاعِدَةُ عَلَى إطْلَاقِهَا إذَا لَمْ يُوجَدْ مُرَجِّحٌ لِلْفِعْلِ عَلَى الْقَوْلِ أَمَّا إذَا وُجِدَ فَلَا وَهُنَا قَدْ وُجِدَ مَا بَيَّنَ مَا هُوَ فِي قُوَّةِ الْمُعَارِضِ الْقَوْلِيِّ وَهُوَ «قَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه لِصَبِيِّ ابْنِ مَعْبَدٍ هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ صلى الله عليه وسلم لَمَّا قَالَ لَهُ طُفْتُ طَوَافًا لِعُمْرَتِي وَسَعَيْتُ سَعْيًا لِعُمْرَتِي، ثُمَّ عُدْتُ فَفَعَلْتُ مِثْلَ ذَلِكَ لِحَجِّي، ثُمَّ بَقِيتُ حَرَامًا مَا أَقَمْنَا أَصْنَعُ كَمَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ حَتَّى قَضَيْتُ آخِرَ نُسُكِي» رَوَاهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَا هُوَ مُوَافِقٌ قَوْلِي وَعَمَلِي مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ لِلْفِعْلِ وَكَوْنُ الْفِعْلِ أَقْيَسُ بِأُصُولِ الشَّرْعِ؛ لِأَنَّ الْمُسْتَقِرَّ شَرْعًا فِي ضَمِّ عِبَادَةٍ إلَى أُخْرَى أَنَّهُ يَفْعَلُ أَرْكَانَ كُلٍّ مِنْهُمَا كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ الْمُصَنِّفُ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ (وَلَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ) فِي الْمُجْمَلِ (أَرْجَحِيَّةُ دَلَالَتِهِ عَلَى دَلَالَةِ الْمُبَيِّنِ) بِصِيغَةِ اسْمِ الْفَاعِلِ (عَلَى) الْمَعْنَى (الْمُعَيَّنِ) مِنْ الْمُجْمَلِ (بَلْ يُمْكِنُ) أَنْ تَكُونَ دَلَالَةُ الْمُجْمَلِ (عَلَى مَعْنَاهُ الْإِجْمَالِيِّ وَهُوَ أَحَدُ الِاحْتِمَالَيْنِ) أَقْوَى مِنْ دَلَالَةِ مُبَيِّنٍ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَحَدُهُمَا بِعَيْنِهِ لَا غَيْرُ (كَثَلَاثَةِ قُرُوءٍ) فَإِنَّهُ قَوِيُّ الدَّلَالَةِ (عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْرَاءٍ مِنْ الطُّهْرِ أَوْ الْحَيْضِ وَيَتَعَيَّنُ) أَحَدُهُمَا (بِأَضْعَفِ دَلَالَةٍ عَلَى الْمُعَيَّنِ) بِأَنْ لَا يَكُونَ قَطْعِيًّا فِي مَدْلُولِهِ.
(وَسَلَفَ لِلْحَنَفِيَّةِ) فِي بَحْثِ الْمُجْمَلِ (مَا تَقْصُرُ مَعْرِفَتُهُ) أَيْ الْمُرَادُ بِالْمُجْمَلِ: السَّمْعِيُّ (عَلَى السَّمْعِ فَإِنْ وَرَدَ) بَيَانُ الْمُرَادِ مِنْهُ بَيَانًا (قَطْعِيًّا شَافِيًا صَارَ مُفَسِّرًا أَوْ لَا فَمُشْكِلٌ أَوْ ظَنًّا فَمُشْكِلٌ وَقُبِلَ الِاجْتِهَادُ فِي اسْتِعْلَامِهِ) وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْمُصَنِّفُ فِيمَا سَلَفَ: أَنَّهُ إنْ كَانَ الْبَيَانُ شَافِيًا بِقَطْعِيٍّ فَمُفَسَّرٌ أَوْ بِظَنِّيٍّ فَمُؤَوَّلٌ أَوْ غَيْرَ شَافٍ خَرَجَ مِنْ الْإِجْمَالِ إلَى الْإِشْكَالِ (وَهُوَ) أَيْ هَذَا الْخِلَافُ (لَفْظِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى الِاصْطِلَاحِ) فِي الْمُرَادِ بِالْمُجْمَلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي مَوْضِعِهِ (وَقَالُوا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ (إذَا بُيِّنَ الْمُجْمَلُ الْقَطْعِيُّ الثُّبُوتِ بِخَبَرِ وَاحِدٍ نُسِبَ) الْمَعْنَى الْمُبَيَّنُ (إلَيْهِ) أَيْ الْمُجْمَلِ لِكَوْنِهِ أَقْوَى (فَيَصِيرُ) الْمَعْنَى الْمُبَيَّنُ (ثَابِتًا بِهِ) أَيْ الْمُجْمَلِ (فَيَكُونُ) ذَلِكَ الْمَعْنَى (قَطْعِيًّا) بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ ثَابِتٌ بِقَطْعِيٍّ (وَمَنَعَهُ صَاحِبُ التَّحْقِيقِ إذْ لَا تَظْهَرُ مُلَازَمَةٌ) بَيْنَهُمَا تُوجِبُ ذَلِكَ، ثُمَّ أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُشْتَرَكِ بِالرَّأْيِ الَّذِي هُوَ ظَنِّيٌّ وَبَيْنَ مَعْرِفَةِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُجْمَلِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ الَّذِي هُوَ ظَنِّيٌّ وَمِنْ ثَمَّةَ ذُكِرَ فِي الْمِيزَانِ أَنَّ الْمُجْمَلَ إذَا لَحِقَهُ الْبَيَانُ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَهُوَ مُؤَوَّلٌ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهُوَ) أَيْ مَنْعُهُ (حَقٌّ وَلَوْ انْعَقَدَ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْمُجْمَلِ مَعْنًى بِعَيْنِهِ (إجْمَاعٌ فَشَيْءٌ آخَرُ) .
(وَإِلَى بَيَانِ ضَرُورَةٍ تَقَدَّمَ) فِي التَّقْسِيمِ الْأَوَّلِ مِنْ الْفَصْلِ الثَّانِي وَهَذَا أَيْضًا لَمْ يَجْعَلْهُ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ وَجَعَلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَمُوَافِقُوهُمَا مِنْ أَقْسَامِهِ وَحِينَئِذٍ يَحْتَاجُ تَعْرِيفُ الْبَيَانِ السَّابِقِ إلَى زِيَادَةٍ تُوجِبُ دُخُولَهُ فِيهِ، ثُمَّ الْإِضَافَةُ فِيهِ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى سَبَبِهِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ وَبَيَانُ التَّبْدِيلِ أَيْضًا فَإِنَّ الْإِضَافَةَ فِيهَا مِنْ إضَافَةِ الْعَامِّ إلَى الْخَاصِّ.
وَهَذَا أَوَانُ الشُّرُوعَ فِي بَيَانِ التَّبْدِيلِ فَنَقُولُ (وَأَمَّا بَيَانُ التَّبْدِيلِ فَهُوَ النَّسْخُ وَهُوَ) أَيْ النَّسْخُ لُغَةً (الْإِزَالَةُ) أَيْ الْإِعْدَامُ حَقِيقَةً كَنَسَخَتْ الشَّمْسُ الظِّلَّ وَالشَّيْبُ الشَّبَابَ وَالرِّيحُ آثَارَ الدَّارِ (مَجَازًا لِلنَّقْلِ) أَيْ التَّحْوِيلِ لِلشَّيْءِ مِنْ مَكَان إلَى مَكَان أَوْ مِنْ حَالَةٍ إلَى حَالَةٍ مَعَ بَقَائِهِ فِي نَفْسِهِ كَنَسَخَتْ النَّحْلُ الْعَسَلَ إذَا نَقَلَتْهُ مِنْ خَلِيَّةٍ إلَى خَلِيَّةٍ تَسْمِيَةً لِلْمَلْزُومِ بِاسْمِ اللَّازِمِ؛ لِأَنَّ فِي النَّقْلِ إزَالَةً عَنْ مَوْضِعِهِ الْأَوَّلِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي الْحُسَيْنِ الْبَصْرِيِّ وَعَزَاهُ الصَّفِيُّ الْهِنْدِيُّ إلَى الْأَكْثَرِينَ وَرَجَّحَهُ الْإِمَامُ الرَّازِيّ بِأَنَّ النَّقْلَ أَخَصُّ مِنْ الزَّوَالِ فَإِنَّ النَّقْلَ إعْدَامُ صِفَةٍ وَإِحْدَاثُ أُخْرَى وَالزَّوَالُ مُطْلَقُ الْإِعْدَامِ وَكَوْنُ اللَّفْظِ حَقِيقَةً فِي الْعَامِّ مَجَازًا فِي الْخَاصِّ أَوْلَى مِنْ الْعَكْسِ لِتَكْثِيرِ الْفَائِدَةِ (أَوْ قَلْبِهِ) أَيْ حَقِيقَةً لِلنَّقْلِ مَجَازٌ لِلْإِزَالَةِ تَسْمِيَةً لِلَّازِمِ بِاسْمِ الْمَلْزُومِ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ الْقَفَّالُ (أَوْ مُشْتَرَكٍ) لَفْظِيٍّ بَيْنَ الْإِزَالَةِ وَالنَّقْلِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أُطْلِقَ عَلَيْهِمَا، الْأَصْلُ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ يَطْرُقُهُ أَنَّ الْمَجَازَ مُقَدَّمٌ عَلَى الِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ إذَا دَارَ الْإِطْلَاقُ بَيْنَهُمَا أَوْ مَعْنَوِيٌّ بَيْنَهُمَا فَهُوَ لِلْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الرَّفْعُ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ
(وَتَمْثِيلُ النَّقْلِ بِ نَسَخْتُ مَا فِي
الْكِتَابِ) كَمَا ذَكَرَهُ كَثِيرٌ (تَسَاهُلٌ) ؛ لِأَنَّهُ فِعْلٌ مِثْلُ مَا فِي غَيْرِهِ لَا نَقْلُ عَيْنِهِ وَلَا إزَالَتُهُ وَلَا رَفْعُهُ، ثُمَّ قَالُوا هَذَا كُلُّهُ نِزَاعٌ لَفْظِيٌّ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ عَمَلِيٌّ وَقِيلَ: بَلْ مَعْنَوِيٌّ تَظْهَرُ فَائِدَتُهُ فِي جَوَازِ النَّسْخِ بِلَا بَدَلٍ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْحَقَائِقِ الْعُرْفِيَّةِ لَا اللُّغَوِيَّةِ وَأَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّهُ كَنَقْلِ الصَّلَاةِ اللُّغَوِيَّةِ إلَى الشَّرْعِيَّةِ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّهُ كَنَقْلِ الدَّابَّةِ فَنُقِلَ مِنْ الْأَعَمِّ إلَى الْأَخَصِّ (وَاصْطِلَاحًا رَفْعُ تَعَلُّقٍ مُطْلَقٍ) عَنْ تَقْيِيدٍ بِتَأْقِيتٍ أَوْ تَأْبِيدٍ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِفِعْلٍ (بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ ابْتِدَاءً) فَالرَّفْعُ شَامِلٌ لِلنَّسْخِ وَغَيْرِهِ وَمَا عَدَاهُ مُخْرِجٌ لِغَيْرِهِ فَيَنْطَبِقُ عَلَيْهِ، ثُمَّ كَمَا فِي التَّلْوِيحِ لَا يُقَالُ: مَا ثَبَتَ فِي الْمَاضِي لَا يُتَصَوَّرُ بُطْلَانُهُ لِتَحَقُّقِهِ قَطْعًا وَمَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لَمْ يَثْبُتْ بَعْدُ فَكَيْفَ يَبْطُلُ وَأَيًّا مَا كَانَ فَلَا رَفْعَ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالرَّفْعِ الْبُطْلَانُ بَلْ زَوَالُ مَا يُظَنُّ مِنْ التَّعَلُّقِ بِالْمُسْتَقْبَلِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَوْلَا النَّاسِخُ لَكَانَ فِي عُقُولِنَا ظَنُّ التَّعَلُّقِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَبِالنَّاسِخِ زَالَ ذَلِكَ التَّعَلُّقُ الْمَظْنُونُ، ثُمَّ نَقُولُ (فَانْدَفَعَ) مُتَعَلِّقُ أَنْ يُقَالَ:(إنَّ الْحُكْمَ قَدِيمٌ لَا يَرْتَفِعُ) ؛ لِأَنَّهُ كَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى " وَمَا ثَبَتَ قِدَمُهُ امْتَنَعَ عَدَمُهُ " فَلَا يُتَصَوَّرُ رَفْعُهُ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ: رُفِعَ الْحُكْمُ الشَّرْعِيُّ كَمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَإِنْ وَقَعَ التَّقَصِّي عَنْهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ مَا تَعَلَّقَ الْخِطَابُ بِهِ تَعَلُّقَ تَنْجِيزٍ وَهُوَ بِهَذَا الْمَعْنَى إنَّمَا يَحْدُثُ بَعْدَ حُدُوثِ شُرُوطِ التَّكْلِيفِ وَالْقَدِيمُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ تَعَلُّقًا مَعْنَوِيًّا هُوَ ضَرُورِيٌّ لِلطَّلَبِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ تَحْرِيمُ شَيْءٍ بَعْدَ وُجُوبِهِ فَقَدْ انْتَفَى الْوُجُوبُ وَهَذَا الِانْتِفَاءُ هُوَ الَّذِي نَعْنِيهِ بِالرَّفْعِ وَإِذَا تَصَوَّرْت الْحُكْمَ وَالرَّفْعَ كَذَلِكَ كَانَ إمْكَانُ رَفْعِهِ ضَرُورِيًّا
(وَ) انْدَفَعَ (بِمُطْلَقِ مَا) أَيْ التَّعَلُّقِ الْمَرْفُوعِ (بِالْغَايَةِ) نَحْوُ {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187](وَالشَّرْطِ) نَحْوُ «صَلِّ الظُّهْرَ إنْ زَالَتْ الشَّمْسُ» (وَالِاسْتِثْنَاءِ) نَحْوُ: اُقْتُلْ الْمُشْرِكِينَ إلَّا أَهْلَ الذِّمَّةِ فَإِنَّ رَفْعَ الصِّيَامِ عَنْ اللَّيْلِ وَالصَّلَاةِ عَمَّا قَبْلَ الزَّوَالِ وَالْقَتْلِ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَا يُسَمَّى نَسْخًا اتِّفَاقًا قُلْت وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ أَوَّلًا الرَّفْعُ يَقْتَضِي سَابِقَةَ الثُّبُوتِ كَمَا سَنَذْكُرُ وَالْغَايَةُ وَالشَّرْطُ وَالِاسْتِثْنَاءُ لَمْ يَرْفَعْ مَا سَبَقَ ثُبُوتُهُ قَبْلَ ذِكْرِهَا وَثَانِيًا سَنَذْكُرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالتَّأَخُّرِ التَّرَاخِي وَهَذِهِ لَوْ قُدِّرَ بِهَا رَفْعٌ لَمْ تَكُنْ مُتَرَاخِيَةً فَلَا يُحْتَاجُ إلَى الِاحْتِرَازِ عَنْ الرَّفْعِ بِهَا فَالْأَوْجَهُ أَنَّهُ احْتِرَازٌ عَنْ الْحُكْمِ الْمُؤَقَّتِ بِوَقْتٍ خَاصٍّ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ نَسْخُهُ قَبْلَ انْتِهَائِهِ وَلَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ انْتِهَائِهِ وَعَنْ الْحُكْمِ الْمُقَيَّدِ بِالتَّأْبِيدِ عَلَى مَا فِي كِلَيْهِمَا مِنْ خِلَافٍ سَيُذْكَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَانْدَفَعَ بِقَوْلِنَا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَقَدْ كَانَ الْوَجْهُ التَّصْرِيحُ بِهِ مَا كَانَ رَفْعًا لِلْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ الثَّابِتَةِ بِحُكْمِ الْأَصْلِ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِهَا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّهُ لَا يُسَمَّى نَسْخًا اتِّفَاقًا وَمِنْ ثَمَّةَ اُعْتُرِضَ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ رحمه الله: إنَّ الْكَلَامَ كَانَ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فِيمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ بِالْإِجْمَاعِ وَبَقِيَ مَا سِوَاهُ عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ بِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ؛ لِأَنَّ إبَاحَةَ الْكَلَامِ إنَّمَا كَانَتْ عَلَى الْأَصْلِ لَا بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ فَإِنْ قِيلَ: وَأَيْضًا سَيَأْتِي مِنْ أَقْسَامِ النَّسْخِ مَا نُسِخَ لَفْظُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ وَهُوَ لَيْسَ بِرَفْعِ حُكْمٍ بَلْ لَفْظٍ فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا مُتَضَمِّنٌ لِرَفْعِ أَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ كَالتَّعَبُّدِ بِتِلَاوَتِهِ وَمَنْعِ الْجُنُبِ وَمَنْ فِي مَعْنَاهُ مِنْهَا وَمِنْ مَسِّهِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ
(وَ) انْدَفَعَ (بِالْأَخِيرِ) أَيْ ابْتِدَاءً (مَا) أَيْ التَّعَلُّقُ الْمُطْلَقُ لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ الْمَرْفُوعِ (بِالْمَوْتِ وَالنَّوْمِ) وَالْجُنُونِ وَنَحْوِهَا وَبِانْعِدَامِ الْمَحَلِّ كَذَهَابِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ (لِأَنَّهُ) أَيْ رَفْعُهُ كَالصَّلَاةِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالنَّائِمِ وَالْمَجْنُونِ وَكَوُجُوبِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ عَنْ مَقْطُوعِهَا (لِعَارِضٍ) مِنْ هَذِهِ الْعَوَارِضِ لَا ابْتِدَاءً بِخِطَابٍ شَرْعِيٍّ وَأُورِدَ رَفْعُ تَعَلُّقِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ بِالنَّوْمِ مَمْنُوعٌ بَلْ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ» الْحَدِيثَ وَقَدَّمْنَا تَخْرِيجَهُ قُبَيْلَ الْفَصْلِ الَّذِي اخْتَصَّ الْحَنَفِيَّةُ بِعَقْدِهِ فِي الْأَهْلِيَّةِ وَأُجِيبَ بِأَنَّ رَفْعَ الْحُكْمِ عَنْ الْمَيِّتِ وَالْمَجْنُونِ وَالنَّائِمِ وَالْغَافِلِ إنَّمَا هُوَ فِي الْحَقِيقَةِ لِعَدَمِ قَابِلِيَّةِ الْمَحَلِّ لَهُ لِطَرَيَانِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَيْهِ، وَالنُّصُوصُ الْوَارِدَةُ فِي ذَلِكَ لَيْسَتْ رَافِعَةً بَلْ مُبَيِّنَةً أَنَّ هَذِهِ وَاقِعَاتٌ قُلْت وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ ثُمَّ إذَا كَانَ هَذَا الْقَيْدُ لِإِخْرَاجِ مَا يَكُونُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ وَمَا جَرَى مَجْرَاهَا لَمْ يَكُنْ حَاجَةٌ إلَى ذِكْرِهِ؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ بِهَا خَارِجٌ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَإِنَّ هَذِهِ الْعَوَارِضَ
لَيْسَتْ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، ثُمَّ قَدْ كَانَ الْوَجْهُ أَيْضًا إبْدَالٌ شَرْعِيٌّ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ قَدْ يَكُونُ بِلَا بَدَلٍ فَلَا يَنْطَبِقُ التَّعْرِيفُ عَلَيْهِ وَلَا يَكُونُ إلَّا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ
(وَيُعْلَمُ التَّأَخُّرُ) أَيْ التَّرَاخِي لِلرَّفْعِ عَنْ ثُبُوتِ التَّعَلُّقِ (مِنْ) ذِكْرِ (الرَّفْعِ) نَفْسِهِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي سَبْقَ الثُّبُوتِ لِلْمَرْفُوعِ فَيَكُونُ الرَّفْعُ مُتَأَخِّرًا عَنْهُ ضَرُورَةً وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا التَّأَخُّرَ بِالتَّرَاخِي؛ لِأَنَّ الْمُتَأَخِّرَ قَدْ يَكُونُ مُخَصِّصًا لَا نَاسِخًا كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْمُخَصِّصِ الْأَوَّلِ وَقَدْ كَانَ الْأَحْسَنُ التَّصْرِيحُ بِهِ فَيُقَالُ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ مُتَرَاخٍ، ثُمَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذَا التَّعْرِيفُ يَصْدُقُ عَلَى الْمُخَصِّصِ الثَّانِي إذَا كَانَ مُتَرَاخِيًا وَهَلُمَّ جَرَّا مَعَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ بِنَسْخٍ نَعَمْ لَا يَضُرُّ هَذَا الْمُصَنِّفَ بِنَاءً عَلَى اخْتِيَارِهِ اشْتِرَاطَ الْمُقَارَنَةِ فِي سَائِرِ الْمُخَصِّصَاتِ السَّمْعِيَّةِ فَالْمُخَصِّصُ الْمُتَرَاخِي مِنْهَا نَاسِخٌ عِنْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي مَوْضِعِهِ - وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ - (وَالسَّمْعِيُّ الْمُسْتَقِلُّ) بِنَفْسِهِ (دَلِيلُهُ) أَيْ الرَّفْعِ الَّذِي هُوَ النَّسْخُ (وَقَدْ يَجْعَلُ) النَّسْخُ (إيَّاهُ) أَيْ الدَّلِيلَ (اصْطِلَاحًا فِي قَوْلِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ اللَّفْظُ الدَّالُ عَلَى ظُهُورِ انْتِفَاءِ شَرْطِ دَوَامِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ) قَالَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْحُكْمَ كَانَ دَائِمًا فِي عِلْمِ اللَّهِ دَوَامًا مَشْرُوطًا بِشَرْطٍ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا هُوَ وَأَجَلُ الدَّوَامِ أَنْ يَظْهَرَ انْتِفَاءُ ذَلِكَ الشَّرْطِ لِلْمُكَلَّفِ فَيَنْقَطِعَ الْحُكْمُ وَيَبْطُلَ دَوَامُهُ وَمَا ذَلِكَ إلَّا بِتَوْفِيقِهِ تَعَالَى إيَّاهُ فَإِذَا قَالَ قَوْلًا دَالًّا عَلَيْهِ فَذَلِكَ هُوَ النَّسْخُ (وَالْغَزَالِيُّ) وِفَاقًا لِلْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ (الْخِطَابُ الدَّالُ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْأَوَّلِ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ كَانَ ثَابِتًا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ) وَقَالَ الْخِطَابَ لِيَعُمَّ اللَّفْظَ وَالْفَحْوَى وَالْمَفْهُومَ لِجَوَازِ النَّسْخِ بِجَمِيعِهَا وَيَخْرُجُ الْمَوْتُ وَنَحْوُهُ، وَمِمَّا يَرْفَعُ الْأَحْكَامَ وَالْخِطَابَ الْمُقَرِّرَ لِلْحُكْمِ وَقَالَ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ لِيَتَنَاوَلَ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ وَالْخَبَرَ وَيَعُمَّ أَنْوَاعَ الْحُكْمِ مِنْ النَّدْبِ وَالْكَرَاهَةِ وَالْإِبَاحَةِ وَالْحَظْرِ وَالْوُجُوبِ، فَإِنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ قَدْ يُنْسَخُ وَقَالَ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ؛ لِأَنَّ إيجَابَ الْعِبَادَاتِ فِي الشَّرْعِ يُزِيلُ حُكْمَ الْعَقْلِ مِنْ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ وَلَا يُسَمَّى نَسْخًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُزِلْ حُكْمَ خِطَابٍ وَقَالَ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا؛ لِأَنَّ حَقِيقَةَ النَّسْخِ الرَّفْعُ وَهُوَ إنَّمَا يَكُونُ رَفْعًا لَوْ كَانَ الْمُتَقَدِّمُ بِحَيْثُ لَوْلَا طَرَيَانُهُ لَبَقِيَ فَخَرَجَ الْخِطَابُ الدَّالُّ عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي لَهُ وَقْتٌ مَحْدُودٌ مِثْلُ «لَا تَصُومُوا بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ» بَعْدَ {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] فَإِنَّهُ لَيْسَ نَسْخًا وَإِنْ كَانَ دَالًّا عَلَى ارْتِفَاعِ الْحُكْمِ الثَّابِتِ بِالْخِطَابِ الْمُتَقَدِّمِ لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا وَقَالَ مَعَ تَرَاخِيهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اتَّصَلَ بِهِ لَكَانَ بَيَانًا لِمُدَّةِ الْحُكْمِ لَا نَسْخًا لَهُ كَالشَّرْطِ وَالصِّفَةِ وَالْغَايَةِ وَالِاسْتِثْنَاءِ
(وَمَا قِيلَ:) وَعَزَاهُ ابْنُ الْحَاجِبِ إلَى الْفُقَهَاءِ (النَّصُّ الدَّالُّ عَلَى انْتِهَاءِ أَمَدِ الْحُكْمِ) أَيْ غَايَتِهِ (مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْ مَوْرِدِهِ) أَيْ زَمَانِ وُرُودِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ وَهُوَ احْتِرَازٌ عَنْ الْبَيَانِ الْمُتَّصِلِ بِالْحُكْمِ الْأَوَّلِ سَوَاءٌ كَانَ مُسْتَقِلًّا كَلَا تَقْتُلُوا أَهْلَ الذِّمَّةِ عَقِبَ اُقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ مُتَّصِلًا بِهِ أَوْ غَيْرَ مُتَّصِلٍ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالْغَايَةِ وَالشَّرْطِ وَالْوَصْفِ (فَإِنَّهُ اُعْتُرِضَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى هَذِهِ التَّعَارِيفِ الثَّلَاثَةِ (بِأَنَّ جِنْسَهَا) مِنْ اللَّفْظِ وَالْخِطَابِ وَالنَّصِّ (دَلِيلُهُ) أَيْ طَرِيقُ النَّسْخِ الْمُعَرِّفِ لَهُ (لَا هُوَ) أَيْ النَّسْخُ (وَأُجِيبَ بِالْتِزَامِهِ) أَيْ الْتِزَامِ كَوْنِ جِنْسِهَا دَلِيلًا دَلِيلُ النَّسْخِ فِي الْحَقِيقَةِ لَكِنْ لَا ضَيْرَ فَإِنَّ التَّعْرِيفَ لَهُ غَايَتُهُ أَنَّ إطْلَاقَ النَّسْخِ عَلَيْهِ حَقِيقَةٌ اصْطِلَاحِيَّةٌ وَمَجَازٌ لُغَوِيٌّ فَلَيْسَ النَّسْخُ اصْطِلَاحًا إلَّا ذَلِكَ الْقَوْلَ (كَمَا أَنَّهُ) أَيْ ذَلِكَ الْقَوْلَ هُوَ (الْحُكْمُ، وَهَذَا) أَيْ يَكُونُ النَّسْخُ الْحُكْمَ وَلَيْسَ إلَّا ذَلِكَ الْقَوْلَ (إنَّمَا يَصِحُّ فِي) الْكَلَامِ (النَّفْسِيِّ وَالْمَجْعُولِ جِنْسًا) فِي هَذِهِ التَّعَارِيفِ إنَّمَا هُوَ (اللَّفْظُ) الَّذِي هُوَ الْكَلَامُ اللَّفْظِيُّ فَلَا يَسْتَقِيمُ أَنْ يَكُونَ جِنْسًا لَهُ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ الْخِطَابُ (جُعِلَ دَالًّا لَنَا وَالنَّفْسِيَّ مَدْلُولٌ) عَلَيْهِ بِهِ (وَأَيْضًا يَدْخُلُ قَوْلُ الْعَدْلِ نُسِخَ) حُكْمُ كَذَا فِي التَّعَارِيفِ الْمَذْكُورَةِ لِصِدْقِهَا عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِنَسْخٍ فَلَا تَكُونُ مُطَّرِدَةً (وَيَخْرُجُ) عَنْهَا (فِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم) إذْ قَدْ يَكُونُ النَّسْخُ بِهِ فَلَا تَكُونُ مُنْعَكِسَةً (وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْمُرَادَ) بِالدَّالِّ فِي التَّعَارِيفِ الْمَذْكُورَةِ (الدَّالُّ بِالذَّاتِ) أَيْ بِحَسَبِهَا لَا بِحَسَبِ الْمَفْهُومِ
(وَهُمَا) أَيْ قَوْلُ الْعَدْلِ وَفِعْلُهُ صلى الله عليه وسلم (دَلِيلَا ذَلِكَ) أَيْ الدَّالِّ بِالذَّاتِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى الدَّالِّ عَلَى انْتِهَاءِ الْحُكْمِ (لَا هُوَ) أَيْ الدَّالِّ بِالذَّاتِ (وَخَصَّ الْغَزَالِيُّ بِوُرُودِ اسْتِدْرَاكٍ عَلَى وَجْهٍ إلَخْ) أَمَّا لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا فَلِأَنَّ الرَّفْعَ لَا يَكُونُ إلَّا كَذَلِكَ
وَأَمَّا مَعَ تَرَاخِيهِ عَنْهُ فَلِأَنَّهُ لَوْلَاهُ لَمْ يَتَقَرَّرْ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ إذَا تَقَرَّرَ إلَّا بَعْدَ تَمَامِ الْكَلَامِ فَكَانَ رَفْعًا لِلثُّبُوتِ لَا رَفْعًا لِلثَّابِتِ فَهُوَ حِينَئِذٍ تَخْصِيصٌ لَا نَسْخٌ (وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ عَلَى وَجْهٍ إلَخْ (احْتِرَازٌ) عَنْ قَوْلِ الْعَدْلِ (لِأَنَّهُ) أَيْ قَوْلُ الْعَدْلِ (لَيْسَ كَذَلِكَ) أَيْ لَوْلَاهُ لَكَانَ ثَابِتًا (لِأَنَّ الِارْتِفَاعَ بِقَوْلِ الشَّارِعِ قَالَهُ هُوَ) أَيْ الْعَدْلُ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يَقُلْهُ (وَالتَّرَاخِي لِإِخْرَاجِ الْمُقَيَّدِ بِإِلْغَائِهِ) وَنَحْوِهَا مِنْ الْمُخَصِّصَاتِ الْمُتَّصِلَةِ فَأَنَّ أَفْعَلُهُ إلَى يَوْمِ كَذَا يُوجِبُ ارْتِفَاعَ التَّكْلِيفِ فِي يَوْمِ كَذَا بِالْغَايَةِ وَهِيَ غَيْرُ مُتَرَاخِيَةٍ عَنْ التَّكْلِيفِ بِهِ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ صِحَّتَهُ) أَيْ هَذَا الْجَوَابِ (تُوجِبُ اعْتِبَارَ قَوْلِ الْعَدْلِ دَاخِلًا) فِي تَعْرِيفِهِ الَّذِي هُوَ الْخِطَابُ الدَّالُّ إلَخْ؛ لِأَنَّهُ يُحْتَرَزُ عَمَّا لَيْسَ بِدَاخِلٍ (فَلَا يَنْدَفِعُ) إيرَادُ قَوْلِ الْعَدْلِ وَفِعْلِهِ صلى الله عليه وسلم (عَنْ الْآخَرَيْنِ) الْأَوَّلِ وَالثَّالِثِ لِإِيجَابِهِ حَمْلَ الدَّالِّ عَلَى أَعَمِّ مِمَّا يَكُونُ بِالذَّاتِ (وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ) أَيْ دَفْعُ الْإِيرَادِ عَنْهُمَا (بِادِّعَاءِ أَنَّهُ) الدَّالُّ بِالذَّاتِ هُوَ (الْمُتَبَادَرُ مِنْ الدَّالِّ لَزِمَ الِاسْتِدْرَاكُ) الْمَذْكُورُ عَلَى الْغَزَالِيِّ وَخُصُوصًا حَيْثُ وَصَفَ بِهِ الْخِطَابَ وَكَانَ الْمُرَادُ بِهِ خِطَابَ الشَّارِعِ كَمَا هُوَ الْمُتَبَادَرُ مِنْ إطْلَاقِهِ هُنَا وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ دَارَ الْحَالُ بَيْنَ انْدِفَاعِ قَوْلِ الْعَدْلِ وَفِعْلِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم عَنْ التَّعَارِيفِ الثَّلَاثَةِ وَلُزُومِ الِاسْتِدْرَاكِ لِلْغَزَالِيِّ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ: قَوْلُهُ لَوْلَاهُ إلَخْ تَصْرِيحٌ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا مِنْ إرَادَةِ الدَّالِّ بِالذَّاتِ وَدَفْعٌ لِمَا يَتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ إطْلَاقِ الدَّلَالَةِ وَلَا يَقْدَحُ فِي التَّعْرِيفِ التَّصْرِيحُ بِمَا عُلِمَ الْتِزَامًا وَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ لَوْلَا فَهْمُ خِطَابِ الشَّارِعِ مِنْ الْخِطَابِ هُنَا وَبَيْنَ انْدِفَاعِهِمَا عَنْ تَعْرِيفِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْرَاكٍ عَلَيْهِ عَلَى مَا فِيهِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ آنِفًا وَعَدَمُ انْدِفَاعِهِمَا عَنْ الْآخَرَيْنِ إلَّا الثَّالِثَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ
(وَيَنْدَفِعُ قَوْلُ الرَّاوِي) نُسِخَ كَذَا (عَنْ الثَّالِثِ أَيْضًا بِأَنَّهُ) أَيْ قَوْلَهُ (لَيْسَ بِنَصٍّ فِي الْمُتَبَادَرِ) ، وَكَذَا فِعْلُ الرَّسُولِ لِمَا فِيهِمَا مِنْ الِاحْتِمَالِ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّ النَّصَّ لَيْسَ بِمُخْرِجٍ لِكُلٍّ مِنْهُمَا مُطْلَقًا بَلْ قَدْ وَقَدْ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ قَوْلِ الرَّاوِي وَفِعْلِ الرَّسُولِ قَدْ يَكُونُ نَصًّا كَمَا يَكُونُ ظَاهِرًا وَمُجْمَلًا هَذَا إنْ أُرِيدَ بِالنَّصِّ مَا يُقَابِلُ الظَّاهِرَ وَإِنْ أُرِيدَ مَا يُقَابِلُ الْإِجْمَاعَ وَالْقِيَاسَ وَهُوَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ فَخُرُوجُ قَوْلِ الْعَدْلِ وَدُخُولُ فِعْلِ الرَّسُولِ ظَاهِرٌ هَذَا وَاَلَّذِي عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَشَمْسِ الْأَئِمَّةِ أَنَّ النَّسْخَ بِالنِّسْبَةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بَيَانٌ لِمُدَّةِ الْحُكْمِ الْأَوَّلِ لَا رَفْعٌ وَتَبْدِيلٌ، وَبِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا تَبْدِيلٌ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا كَانَ عَالِمًا بِأَنَّ الْحُكْمَ الْأَوَّلَ مُؤَقَّتٌ وَمِنْ وَقْتِ كَذَا إلَى وَقْتِ كَذَا كَانَ النَّسْخُ بَيَانًا مَحْضًا لِمُدَّةِ الْحُكْمِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى، وَلَمَّا كَانَ الْحُكْمُ الْأَوَّلُ مُطْلَقًا كَانَ الْبَقَاءُ فِيهِ أَصْلًا ظَاهِرٌ فِي حَقِّنَا لِجَهْلِنَا بِمُدَّتِهِ فَالنَّسْخُ يَكُونُ تَبْدِيلًا لَهُ بِآخَرَ فِي حَقِّنَا كَالْقَتْلِ بَيَانٌ مَحْضٌ لِلْأَجَلِ فِي حَقِّهِ تَعَالَى؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ مَقْتُولٌ بِأَجَلِهِ وَفِي حَقِّنَا تَبْدِيلٌ لِلْحَيَاةِ بِالْمَوْتِ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ الْحَيَاةُ لَوْلَا مُبَاشَرَةُ قَتْلِهِ وَتَعَقَّبَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى الْقَوْلِ بِتَعَدُّدِ الْحُقُوقِ، وَالْحَقُّ فِي الشَّرْعِيَّاتِ وَالْعَقْلِيَّاتِ وَاحِدٌ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَا هُوَ وَاقِعٌ عِنْدَ اللَّهِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ فِي حَقِّ الْعَمَلِ فَمُتَعَدِّدٌ حَتَّى وَجَبَ عَلَى كُلِّ مُجْتَهِدٍ الْعَمَلُ بِاجْتِهَادِهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ وَهَذَا الْحَقُّ بِالنِّسْبَةِ إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ وَاحِدٌ، وَهُوَ كَوْنُهُ بَيَانًا مَحْضًا لَا رَفْعًا وَهُوَ كَالْأَسْبَابِ فَإِنَّهَا عَلَامَاتٌ مَحْضَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّارِعِ وَإِنْ كَانَتْ مُوجِبَةً بِالنِّسْبَةِ إلَيْنَا
قُلْت: وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْ الْمُعْتَرِضِ وَالْمُجِيبِ فَإِنَّ مَا نَحْنُ فِيهِ لَيْسَ فِيهِ حَقٌّ مُتَعَدِّدٌ أَصْلًا، وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ لَهُ اعْتِبَارَانِ مُخْتَلِفَانِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِهَتَيْنِ كَمَا فِيمَا ذُكِرَ مِنْ الْقَتْلِ وَالْوَقْتِ وَلَا خَفَاءَ فِي أَنَّ الشَّيْءَ الْوَاحِدَ لَا يَكُونُ فِي الْخَارِجِ بِاعْتِبَارَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جِهَتَيْنِ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَكَمْ لَهُ مِنْ أَمْثَالٍ غَيْرَ أَنَّ شَمْسَ الْأَئِمَّةِ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ أَقْسَامِ الْبَيَانِ كَمَا ذَكَرْنَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْبَيَانَ إظْهَارُ حُكْمِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ وُجُودِهَا ابْتِدَاءً وَالنَّسْخَ رَفْعٌ بَعْدَ الثُّبُوتِ فَكَانَا غَيْرَيْنِ وَإِنْ كَانَ النَّسْخُ بَيَانَ انْتِهَاءِ مُدَّةِ الْحُكْمِ فَإِنَّهُ فِي حَقِّ صَاحِبِ الشَّرْعِ أَمَّا فِي حَقِّ الْعِبَادِ فَرَفْعُ الْحُكْمِ الثَّابِتِ وَالْبَيَانُ إنَّمَا يَكُونُ بَيَانًا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِمْ لِاحْتِيَاجِهِمْ إلَيْهِ لَا إلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ لِعِلْمِهِ بِالْأَشْيَاءِ كُلِّهَا وَجَعَلَهُ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَمُوَافِقُوهُ بَيَانًا كَمَا سَلَفَ قَالَ الشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيِّ وَهُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ النَّسْخَ فِعْلُ الشَّارِعِ وَحَقِيقَتُهُ إظْهَارُ مُدَّةِ الْحُكْمِ لِلْعِبَادِ وَأَمَّا كَوْنُهُ رَفْعًا لِمَا هُوَ الْمُسْتَمِرُّ