الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْمُصَنِّفُ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -.
[مَسْأَلَةٌ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ التَّعْرِيضِ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ]
(مَسْأَلَةٌ) تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ التَّعْرِيضِ (فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ الْمُخْتَارُ جَوَازُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُجْتَهِدِ: اُحْكُمْ بِمَا شِئْت بِلَا اجْتِهَادٍ، فَإِنَّهُ صَوَابٌ) أَيْ مُوَافِقٌ لِحُكْمِي بِأَنْ يُلْهِمَهُ إيَّاهُ وَيَكُونَ حُكْمُهُ إذْ ذَاكَ مِنْ الْمَدَارِكِ الشَّرْعِيَّةِ حَتَّى يَكُونَ قَوْلُهُ: هَذَا حَلَالٌ تَعْرِيفًا لَنَا بِأَنَّ اللَّهَ حَكَمَ فِي الْأَزَلِ بِحِلِّهِ لَا أَنَّهُ يُنْشِئُ الْحُكْمَ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ الرُّبُوبِيَّةِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ هَذَا وَالتَّعْبِيرُ بِالْمُجْتَهِدِ مُوَافِقٌ لِلْآمِدِيِّ وَاِبْنِ الْحَاجِبِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْعَالِمِ، وَالنَّبِيِّ كَالْبَيْضَاوِيِّ وَالسُّبْكِيِّ، فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ، وَإِنْ عَمَّ النَّبِيَّ فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْعَالِمِ ثُمَّ عَلَى كُلٍّ يَخْرُجُ الْعَامِّيُّ، وَقَدْ ذَكَرَ الْآمِدِيُّ جَوَازَهُ عَقْلًا فِي حَقِّهِ أَيْضًا وَمَنَعَهُ غَيْرُهُ قِيلَ لِلْإِجْمَاعِ وَقِيلَ لِفَضْلِ الْمُجْتَهِدِ وَإِكْرَامِهِ وَرُدَّ بِاسْتِوَاءِ الْعَامِّيِّ وَغَيْرِهِ هُنَا فِي الصَّوَابِ لِفَرْضِ أَنَّ مَا يَحْكُمُ بِهِ صَوَابٌ وَطَرِيقُ وُصُولِهِ إلَى غَيْرِ النَّبِيِّ إخْبَارُ النَّبِيِّ بِهِ وَقُيِّدَ بِلَا اجْتِهَادٍ؛ لِأَنَّهُ بِالِاجْتِهَادِ جَائِزٌ لِلْعُلَمَاءِ بِلَا خِلَافٍ وَلِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى مَا فِيهِ مِنْ خِلَافٍ كَمَا تَقَدَّمَ (وَتَرَدَّدَ الشَّافِعِيُّ) فِي الْجَوَازِ عَلَى مَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ وَالرَّازِيُّ.
قِيلَ وَهُوَ فِي الرِّسَالَةِ وَاخْتَارَهُ الْإِمَامُ وَأَتْبَاعُهُ وَقِيلَ يَجُوزُ لِلنَّبِيِّ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّ رُتْبَتَهُ لَا تَبْلُغُ أَنْ يُقَالَ لَهُ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْآمِدِيُّ أَنَّهُ أَحَدُ قَوْلَيْ الْجُبَّائِيِّ وَاخْتَارَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَذَكَرَ أَنَّ كَلَامَ الشَّافِعِيِّ فِي الرِّسَالَةِ يَدُلُّ عَلَيْهِ، وَقَالَ أَكْثَرُ الْمُعْتَزِلَةِ: لَا يَجُوزُ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ: إنَّهُ الصَّحِيحُ إلَّا بِطَرِيقِ الِاجْتِهَادِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ هَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ (ثُمَّ الْمُخْتَارُ) عِنْدَ الْمُجِيزِينَ كَالْآمِدِيِّ وَاِبْنِ الْحَاجِبِ (عَدَمُ الْوُقُوعِ وَاسْتَدَلُّوا لِلتَّرَدُّدِ بِتَأْدِيَتِهِ) أَيْ الْجَوَازِ (إلَى اخْتِيَارِ مَا لَا مَصْلَحَةَ فِيهِ) لِجَهْلِ الْمُفَوَّضِ إلَيْهِ بِوُجُوهِ الْمَصَالِحِ (فَيَكُونُ بَاطِلًا) ؛ لِأَنَّ الشَّارِعَ لَا يَحْكُمُ بِذَلِكَ قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَهَذَا) الدَّلِيلُ (يَصْلُحُ لِلنَّفْيِ) أَيْ نَفْيِ الْجَوَازِ (لَا لِلتَّرَدُّدِ الْمَفْهُومِ مِنْهُ الْوَقْفُ ثُمَّ الْعَجَبُ مِنْهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ كَيْفَ يَتَرَدَّدُ فِي الْجَوَازِ (وَالْفَرْضُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى مَا تَحْكُمُ بِهِ صَوَابٌ وَلَا مَانِعَ مِنْ الْعَقْلِ) إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ فَرْضِ وُقُوعِهِ مُحَالٌ (وَالْأَلْيَقُ أَنَّ تَرَدُّدَهُ) أَيْ الشَّافِعِيِّ (فِي الْوُقُوعِ) مَعَ الْجَزْمِ بِالْجَوَازِ (كَمَا نُقِلَ عَنْهُ) وَفِي بَحْرِ الزَّرْكَشِيّ، وَهُوَ الْأَصَحُّ نَقْلًا (الْوُقُوعُ) دَلِيلُهُ قَوْله تَعَالَى {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران: 93] ، فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ تَحْرِيمُ يَعْقُوبَ مَا حَرَّمَ مِنْ الطَّعَامِ عَلَى نَفْسِهِ إلَّا بِتَفْوِيضِ التَّحْرِيمِ إلَيْهِ وَإِلَّا كَانَ الْمُحَرِّمُ هُوَ اللَّهَ تَعَالَى (أُجِيبَ لَا يَلْزَمُ كَوْنُهُ) أَيْ مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ (عَنْ تَفْوِيضٍ) إلَيْهِ فِيهِ (لِجَوَازِهِ) أَيْ كَوْنِهِ مُحَرَّمًا عَلَيْهِ (عَنْ اجْتِهَادٍ فِي ظَنِّيٍّ) وَإِسْنَادُ التَّحْرِيمِ إلَيْهِ مَجَازٌ كَمَا فِي نَحْوِ حَرَّمَ أَبُو حَنِيفَةَ كَذَا وَأَبَاحَهُ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ هُوَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَالتَّفْوِيضُ لَا يَقْتَضِي إسْنَادَ الْحُكْمِ إلَى الْعَبْدِ، وَإِنَّمَا يَكُونُ فِعْلُهُ عَلَامَةً عَلَى مَا ذَكَرْنَا وَكَلَامُنَا فِي تَفْوِيضِ الْحُكْمِ إلَى الْمُجْتَهِدِ اخْتِيَارًا مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ فِي مُسْتَنَدَاتِهِ الشَّرْعِيَّةِ لَا اجْتِهَادًا.
(وَقَدْ يُقَالُ: لَوْ) كَانَ تَحْرِيمُ مَا حَرَّمَ إسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ (عَنْهُ) أَيْ عَنْ اجْتِهَادٍ ظَنِّيٍّ (لَمْ يَكُنْ كُلُّهُ) أَيْ الطَّعَامُ (حِلًّا) لِبَنِي إسْرَائِيلَ (قَبْلَهُ) أَيْ إنْزَالِ التَّوْرَاةِ (لِأَنَّ الدَّلِيلَ يُظْهِرُ الْحُكْمَ لَا يُنْشِئُهُ لِقِدَمِهِ) أَيْ الْحُكْمِ فَلَا يَتِمُّ الْجَوَابُ الْمَذْكُورُ (قَالَ) الْقَائِلُ بِالْوُقُوعِ أَيْضًا (قَالَ عليه السلام) : «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّةَ فَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَلَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلَا يُعْضَدُ شَجَرُهَا وَلَا تُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إلَّا لِمُعَرِّفٍ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا الْإِذْخِرَ فَقَالَ إلَّا الْإِذْخِرَ» لَفْظُ الْبُخَارِيِّ أَيْ لَا يُقْطَعُ نَبَاتُهَا الرَّطْبُ وَلَا شَجَرُهَا، وَالْإِذْخِرُ بِالذَّالِ، وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَالْخَاءِ نَبْتٌ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ مَعْرُوفٌ (وَمِثْلُهُ) أَيْ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (لَا يَكُونُ عَنْ وَحْيٍ لِزِيَادَةِ السُّرْعَةِ) فِي الْجَوَابِ مَعَ عَدَمِ ظُهُورِ عَلَامَاتِ نُزُولِهِ (وَلَا اجْتِهَادٍ) لِذَلِكَ أَيْضًا (أُجِيبَ بِأَحَدِ أُمُورٍ: كَوْنُ الْإِذْخِرِ لَيْسَ مِنْهُ) أَيْ مِنْ الْخَلَا أَيْ لَا يَصْلُحُ لَفْظُ الْخَلَا لَهُ لِيَتَنَاوَلَهُ الْحُكْمُ، وَالدَّلِيلُ الدَّالُّ عَلَى إبَاحَتِهِ اسْتِصْحَابُ حَالِ الْحِلِّ (وَاسْتِثْنَاءُ الْعَبَّاسِ مُنْقَطِعٌ) ، وَهُوَ شَائِعٌ سَائِغٌ، وَلَوْ مَجَازًا.
(وَفَائِدَتُهُ) أَيْ هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ هُنَا (دَفْعُ تَوَهُّمِ شُمُولِهِ) أَيْ الْإِذْخِرِ (بِالْحُكْمِ) الَّذِي هُوَ الْمَنْعُ (وَتَأْكِيدُ حَالِهِ) أَيْ الْإِذْخِرِ الَّذِي هُوَ الْحِلُّ (أَوْ) كَوْنُ الْإِذْخِرِ (مِنْهُ)
أَيْ الْخَلَا أَيْ يَصْلُحُ لَفْظُ الْخَلَالَةُ (وَلَمْ يُرِدْهُ) النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ عُمُومِ لَفْظِ خَلَاهَا بِنَاءً عَلَى تَخْصِيصِهِ مِنْهُ وَصَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ حَيْثُ أُرِيدَ بِهِ بَعْضُ مَا هُوَ مَدْلُولُهُ (وَفَهِمَ) الْعَبَّاسُ (عَدَمَهَا) أَيْ عَدَمَ إرَادَتِهِ مِنْهُ (فَصَرَّحَ) بِالْمُرَادِ الَّذِي هُوَ قَصْرُ اللَّفْظِ عَلَى الْبَعْضِ تَحْقِيقًا لِمَا فَهِمَهُ (لِيُقَرِّرَ عليه السلام) عَلَيْهِ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم إلَّا الْإِذْخِرَ لِيُقَرِّرَ مَا فَهِمَهُ لَا لِيَخْرُجَ مِنْ لَفْظِ خَلَاهَا الْمَذْكُورِ بَعْضُ مَا هُوَ دَاخِلٌ بِحَسَبِ الدَّلَالَةِ غَيْرُ دَاخِلٍ بِحَسَبِ الْحُكْمِ (وَأُورِدَ إذَا لَمْ يُرِدْ) الْإِذْخِرَ مِنْ دَلَالَةِ لَفْظِ الْخَلَا (فَكَيْفَ يُسْتَثْنَى) إذْ الْمُسْتَثْنَى يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِحَسَبِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ غَيْرَ مُرَادٍ بِحَسَبِ الْحُكْمِ (أُجِيبَ بِأَنَّهُ) أَيْ إلَّا الْإِذْخِرَ (لَيْسَ) مُسْتَثْنًى (مِنْ) الْخَلَا (الْمَذْكُورِ بَلْ مِنْ مِثْلِهِ مُقَدَّرًا) فَكَأَنَّ الْعَبَّاسَ قَالَ لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا إلَّا الْإِذْخِرَ وَقَرَّرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ: لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا إلَّا الْإِذْخِرَ فَالِاسْتِثْنَاءُ، وَالتَّقْرِيرُ مِنْ خَلَاهَا الْمُقَدَّرِ لَا الْمَذْكُورِ وَاَلَّذِي سَوَّغَ لِلْعَبَّاسِ تَقْدِيرَ التَّكْرِيرِ اتِّحَادُ مَعْنَى قَوْلِهِمَا لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا بِحَسَبِ اللُّغَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِذْخِرُ مُرَادًا مِنْهُ، أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ الْمُصَنِّفُ:
(وَهَذَا السُّؤَالُ بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ) فِي بَحْثِ الِاسْتِثْنَاءِ (مِنْ اخْتِيَارِ أَنَّ الْمَخْرَجَ) مِنْ الصَّدْرِ (مُرَادٌ بِالصَّدْرِ بَعْدَ دُخُولِهِ) أَيْ الْمَخْرَجِ (فِي دَلَالَتِهِ) أَيْ الصَّدْرِ عَلَيْهِ (ثُمَّ أَخْرَجَ) الْمَخْرَجَ مِنْ الصَّدْرِ (ثُمَّ أَسْنَدَ) الْحُكْمَ إلَى الصَّدْرِ كَمَا هُوَ مُخْتَارُ ابْنِ الْحَاجِبِ (وَنَحْنُ وَجَّهْنَا قَوْلَ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ) أَيْ الْمَخْرَجَ (لَمْ يُرَدْ) بِالصَّدْرِ (وَإِلَّا قَرِينَةُ عَدَمِ الْإِرَادَةِ) مِنْهُ (كَمَا هُوَ بِسَائِرِ التَّخْصِيصَاتِ فَلَا حَاجَةَ لِلسُّؤَالِ وَتَكَلُّفِ هَذَا الْجَوَابِ وَإِمَّا مِنْهُ) ، وَالْأَحْسَنُ، أَوْ مِنْهُ أَيْ مِنْ الْخَلَا أَيْ يَصْلُحُ لَفْظُهُ لَهُ (وَأُرِيدَ) الْإِذْخِرُ (بِالْحُكْمِ) الَّذِي هُوَ التَّحْرِيمُ أَيْضًا (ثُمَّ نُسِخَ) تَحْرِيمُهُ (بِوَحْيٍ كَلَمْحِ الْبَصَرِ خُصُوصًا عَلَى قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ إلْهَامُهُ) صلى الله عليه وسلم (وَحْيٌ، وَهُوَ لِاسْتِحْقَاقِهِمْ مَعْنًى فِي الْقَلْبِ دُفْعَةً) بِلَا وَاسِطَةِ عِبَارَةِ الْمَلَكِ وَلَا إشَارَتِهِ مَقْرُونٌ بِخَلْقِ عِلْمٍ ضَرُورِيٍّ أَنَّهُ مِنْهُ تَعَالَى كَمَا تَقَدَّمَ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْهُ اكْتِفَاءً بِتَقَدُّمِهِ، وَظُهُورُ الْعَلَامَاتِ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْوَحْيِ الْمُنْدَرِجِ لَا فِيمَا هُوَ كَلَمْحِ الْبَصَرِ، أَوْ كَانَ إلْهَامًا (وَأَوْرَدَ: الِاسْتِثْنَاءُ يَأْبَاهُ) أَيْ كَوْنَهُ مَنْسُوخًا بِوَحْيٍ كَلَمْحِ الْبَصَرِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَمْنَعُ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْحُكْمِ، وَمِنْ شَأْنِ الْمَنْسُوخِ أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ قَبْلَ النَّسْخِ.
(أُجِيبَ بِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ مِنْ مُقَدَّرٍ لِلْعَبَّاسِ) مِثْلُ الْمَذْكُورِ كَمَا ذَكَرْنَا (لَا مِمَّا ذَكَرَهُ عليه السلام، وَالنَّسْخُ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ ذِكْرِهِ صلى الله عليه وسلم (مَعَ ذِكْرِ الْعَبَّاسِ فَذِكْرُهُ عليه السلام بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ ذِكْرِ الْعَبَّاسِ (ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنْ اسْتِثْنَاءَ الْعَبَّاسِ مِنْ مُقَدَّرٍ) مِثْلِ الْمَذْكُورِ (عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ اسْتِثْنَاءَ الْعَبَّاسِ (تَرْكِيبُ مُتَكَلِّمٍ آخَرَ، وَوَحْدَةُ الْمُتَكَلِّمِ مُعْتَبَرَةٌ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَا هُوَ الْحَقُّ لِاشْتِمَالِهِ) أَيْ الْكَلَامِ (عَلَى النِّسْبَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ وَلَا يُتَصَوَّرُ قِيَامُهَا بِنَفْسِهَا بِمَحِلَّيْنِ، وَمِنْهُ) أَيْ وَكَذَا الِاسْتِثْنَاءُ مِنْهُ (صلى الله عليه وسلم عَلَى الثَّانِي) أَيْ إنَّ الْإِذْخِرَ مِنْ الْخَلَا وَلَمْ يُرَدْ مِنْهُ.
(قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِالْوُقُوعِ أَيْضًا (قَالَ عليه السلام «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ» أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ جَزْمًا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ فَأَضَافَ الْأَمْرَ إلَى نَفْسِهِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَمْرَ وَعَدَمَهُ إلَيْهِ (وَقَالَ) أَيْضًا: (لِقَائِلٍ «أَحَجُّنَا هَذَا لِعَامِنَا أَمْ لِلْأَبَدِ فَقَالَ لِلْأَبَدِ، وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَ» ) كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُ خَافٍ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ هُنَا إلَى لَفْظِ " فَقَالَ " ثُمَّ الْحَدِيثُ لَمْ يُحْفَظْ بِهَذَا السِّيَاقِ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ مُلَفَّقٌ مِنْ حَدِيثَيْنِ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ «أَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِالْمَدِينَةِ تِسْعًا لَمْ يَحُجَّ ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ، وَفِيهِ فَقَالَ سُرَاقَةُ بْنُ جُعْشُمٍ: أَلِعَامِنَا هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَوْ لِلْأَبَدِ فَقَالَ: بَلْ لِلْأَبَدِ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَأَخْرَجَ الْمَقْصُودَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ اللَّهَ قَدْ كَتَبَ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ فَسَكَتَ ثُمَّ أَعَادَ فَسَكَتَ ثُمَّ أَعَادَ فَقَالَ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ» ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَالرَّجُلُ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ قَوْلَهُ الْمُجَرَّدَ مِنْ
غَيْرِ وَحْيٍ يُوجِبُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُفَوَّضًا إلَيْهِ، فَإِنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى (وَلَمَّا «قَتَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم النَّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بِأَمْرِهِ عَلِيًّا رضي الله عنه بِذَلِكَ بِالصَّفْرَاءِ فِي مَرْجِعِهِ مِنْ بَدْرٍ فَقَتَلَهُ صَبْرًا ثُمَّ سَمِعَ مَا أَنْشَدَتْهُ أُخْتُهُ قَتِيلَةٌ» عَلَى مَا ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ هِشَامٍ، وَالْيَعْمُرِيُّ.
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ: الصَّحِيحُ أَنَّهَا بِنْتُ النَّضْرِ كَذَلِكَ قَالَ الزُّبَيْدِيُّ وَوَقَعَ فِي الدَّلَائِلِ وَمَشَى عَلَيْهِ الذَّهَبِيُّ فِي التَّجْرِيدِ، وَمِنْ قَبْلِهِ الْآمِدِيُّ، وَالرَّازِيُّ وَأَتْبَاعُهُمَا
(مَا كَانَ ضَرَّك لَوْ مَنَنْت وَرُبَّمَا
…
مَنَّ الْفَتَى وَهُوَ الْمُغِيظُ الْمُحْنَقُ
فِي أَبْيَاتٍ) سَابِقَةٍ عَلَى هَذَا هِيَ
يَا رَاكِبًا إنَّ الْأَثِيلَ مَظِنَّةٌ
…
مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ
أَبْلِغْ بِهَا مَيْتًا بِأَنَّ تَحِيَّةً
…
مَا إنْ تَزَالُ بِهَا النَّجَائِبُ تَخْفُقُ
مِنِّي إلَيْهِ وَعَبْرَةً مَسْفُوحَةً
…
جَادَتْ بِوَاكِفِهَا وَأُخْرَى تَخْنُقُ
هَلْ يَسْمَعَنَّ النَّضْرُ إنْ نَادَيْته
…
أَمْ كَيْفَ يَسْمَعُ مَيِّتٌ لَا يَنْطِقُ
أَمُحَمَّدٌ يَا خَيْرَ ضِنْءِ كَرِيمَةٍ
…
فِي قَوْمِهَا وَالْفَحْلُ فَحْلٌ مُعْرَقُ
وَلَاحِقَةٍ لَهُ وَهِيَ
، أَوْ كُنْت قَابِلَ فِدْيَةٍ فَلَيُنْفِقَن
…
بِأَعَزِّ مَا يَغْلُو بِهِ مَا يُنْفِقُ
فَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ أَسَرْت قَرَابَةً
…
وَأَحَقُّهُمْ إنْ كَانَ عِتْقٌ يُعْتَقُ
ظَلَّتْ سُيُوفُ بَنِي أَبِيهِ تَنُوشُهُ
…
لِلَّهِ أَرْحَامٌ هُنَاكَ تَشَقَّقُ
صَبْرًا يُقَادُ إلَى الْمَنِيَّةِ مُتْعَبًا
…
رَسْفَ الْمُقَيَّدِ وَهُوَ عَارٍ مُوثَقُ
الْأَثِيلُ مَوْضِعُ قَبْرِ أَخِيهَا بِالصَّفْرَاءِ وَمَعْنَى مِنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ أَيْ لَيْلَةٍ خَامِسَةٍ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ بِمَكَّةَ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأَثِيلِ هَذِهِ الْمَسَافَةُ وَتَخْفُقُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا تَضْطَرِبُ، وَالْهَمْزَةُ فِي أَمُحَمَّدٌ لِلنِّدَاءِ، وَالتَّنْوِينُ فِيهِ لِلضَّرُورَةِ وَضِنْءٌ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا مَعَ هَمْزَةٍ آخِرَهُ الْوَلَدُ الَّذِي يُضَنُّ بِهِ أَيْ يُبْخَلُ بِهِ لِعِظَمِ قَدْرِهِ وَأُعْرِقَ فَهُوَ مُعْرَقٌ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ فِيهِمَا أَيْ لَهُ عِرْقٌ فِي الْكَرَمِ وَعَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ بِمَعْنَى أُنْتِجَ، وَالْمَعْنَى أَنْتَ كَرِيمُ الطَّرَفَيْنِ وَمَا نَافِيَةٌ، أَوْ اسْتِفْهَامِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى أَيُّ شَيْءٍ كَانَ يَضُرُّك لَوْ عَفَوْت، وَالْفَتَى وَإِنْ كَانَ مُغْضَبًا مُضْجَرًا مَطْوِيًّا عَلَى حَنَقٍ وَحِقْدٍ وَعَدَاوَةٍ قَدِيمَةٍ وَيَعْفُو وَفِي هَذَا اعْتِرَافٌ بِالذَّنْبِ.
«قَالَ لَوْ بَلَغَنِي هَذَا الشَّعْرُ قَبْلَ قَتْلِهِ لَمَنَنْت عَلَيْهِ» وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ فِي كِتَابِ النَّسَبِ «فَرَقَّ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى دَمَعَتْ عَيْنَاهُ، وَقَالَ لِأَبِي بَكْرٍ لَوْ سَمِعْت شِعْرَهَا مَا قَتَلْت أَبَاهَا» وَهَذَا مِمَّا يَشْهَدُ بِأَنَّهَا ابْنَتُهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ الْقَتْلُ وَعَدَمُهُ إلَيْهِ لَمْ يُفَرِّقْ الْحَالُ بَيْنَ بُلُوغِ شِعْرِهَا إلَيْهِ وَعَدَمِ بُلُوغِهِ.
(أُجِيبَ بِجَوَازِ كَوْنِهِ) صلى الله عليه وسلم (خُيِّرَ فِيهَا) أَيْ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ الثَّلَاثَةِ (مُعَيِّنًا) أَيْ كَأَنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ فِي إيجَابِ السُّؤَالِ وَعَدَمِهِ وَتَكْرَارِ الْحَجِّ وَعَدَمِهِ وَقَتْلِ النَّضْرِ وَعَدَمِهِ (أَوْ) كَوْنِ الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ فِيهَا (بِوَحْيٍ سَرِيعٍ) لَا مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ عَلَى أَنَّ فِي الِاسْتِيعَابِ قَالَ الزُّبَيْرُ وَسَمِعْت بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَغْمِزُ أَبْيَاتَهَا وَيَذْكُرُ أَنَّهَا مَصْنُوعَةٌ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ، وَالْأَحْسَنُ فِي الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا قَضِيَّةُ النَّضْرِ فَقَدْ يَكُونُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مُخَيَّرًا فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَسَارَى، وَالتَّخْيِيرُ لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ اتِّفَاقًا بَلْ هَذَا التَّخْيِيرُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ كُلِّ إمَامٍ، وَأَمَّا قَوْلُهُ لِلْأَقْرَعِ: لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَ فَمَدْلُولُهُ الْوُجُوبُ عَلَى تَقْدِيرِ قَوْلِهِ نَعَمْ وَهَذَا صَحِيحٌ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، فَإِنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَا يَقُولُ نَعَمْ إلَّا إذَا كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَلَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ الْحُكْمَ كَذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ مُمْتَنِعًا وَقَوْلُهُ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ قَوْلِهَا؛ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ الشَّرْطِيَّةَ لَا تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الشَّرْطِ الَّذِي فِيهَا، وَأَمَّا قَوْلُهُ «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي» فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبَارِئُ تَعَالَى أَمَرَهُ بِأَنْ يَأْمُرَهُمْ عِنْدَ عَدَمِ الْمَشَقَّةِ فَلَمَّا وَجَدَ الْمَشَقَّةَ لَمْ يَأْمُرْهُمْ انْتَهَى قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَلَا يَخْفَى أَنَّ) الْجَوَابَ (الْأَوَّلَ رُجُوعٌ عَنْ الدَّعْوَى، وَهُوَ)