الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الْجَدَلِ وَأَسْئِلَةِ الِاسْتِرْشَادِ.
وَمِنْ هُنَا وَقَعَ التَّخَبُّطُ وَإِلَّا فَالْحَقُّ أَنْ لَا يُبْنَى الْجَدَلُ إلَّا عَلَى وَجْهِ الْإِرْشَادِ وَالِاسْتِرْشَادِ لَا لِلْعِلِّيَّةِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالْوَاجِبُ رَدُّ الْجَمِيعِ إلَى مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ الشَّرْعِيَّةُ وَكَيْفَ لَا وَالْجَدَلُ مَأْمُورٌ بِهِ بِالْحَقِّ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ وَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَالسَّلَفُ ثُمَّ كَمَا فِي الْوَاضِحِ لَوْلَا مَا يَلْزَمُ مِنْ إنْكَارِ الْبَاطِلِ وَاسْتِنْقَاذِ الْهَالِكِ بِالِاجْتِهَادِ فِي رَدِّهِ عَنْ ضَلَالَتِهِ لَمَا حَسُنَتْ الْمُجَادَلَةُ لِلْإِيحَاشِ فِيهَا غَالِبًا وَإِذَا نَفَرَتْ النُّفُوسُ عَمِيَتْ الْقُلُوبُ وَخَمَدَتْ الْخَوَاطِرُ وَانْسَدَّتْ أَبْوَابُ الْفَوَائِدِ وَلَكِنْ فِيهَا أَعْظَمُ الْمَنْفَعَةِ إذَا قَصَدَ بِهَا نُصْرَةَ الْحَقِّ وَالتَّقَوِّي عَلَى الِاجْتِهَادِ وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ قَصْدِ الْمُغَالَبَةِ وَبَيَانِ الْفَرَاهَةِ فَضْلًا عَنْ قَصْدِ التَّغْطِيَةِ عَلَى الْحَقِّ وَتَرْوِيجُ الْبَاطِلِ بِآفَةٍ مِنْ الْآفَاتِ مِنْ مُحَابَاةٍ لِأَرْبَابِ الْمَنَاصِبِ تَقَرُّبًا إلَيْهِمْ أَوْ مُنَاضَلَةً مَرْدُودَةً دَوْمًا لِحُصُولِ الْمَنْزِلَةِ فِي قُلُوبِ الْعَوَامّ وَالتَّعْظِيمِ لَدَيْهِمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْقُصُودِ الْمُحَرَّمَةِ أَوْ الْمَكْرُوهَةِ وَمَنْ بَانَ لَهُ سُوءُ قَصْدِ خَصْمِهِ فَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ إنْ أَدَّى إلَى مَكْرُوهٍ فَمَكْرُوهٌ وَمُحَرَّمٍ فَمُحَرَّمٌ لِأَنَّهُ إعَانَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [المائدة: 2] وَقَالَ عز وجل {وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ} [الحج: 68] قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى عِبَادَهُ لِيَرُدُّوا بِهِ مَنْ جَادَلَ تَعَنُّتًا فَلَا يُجِيبُوهُ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اجْتِمَاعَ جَمْعٍ مُتَجَادِلِينَ فِي مَسْأَلَةٍ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ لَا يَطْمَعُ أَنْ يَرْجِعَ إذَا ظَهَرَتْ لَهُ الْحُجَّةُ وَلَا فِيهِ مُؤَانَسَةٌ وَمَوَدَّةٌ وَتَوْطِئَةُ الْقُلُوبِ لِوَعْيِ الْحَقِّ بَلْ هُوَ عَلَى الضِّدِّ مَحْمَلُ مَا رَوَى أَحْمَدُ وَحَسَّنَهُ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَا ضَلَّ قَوْمٌ بَعْدَ هُدًى كَانُوا عَلَيْهِ إلَّا أُوتُوا الْجَدَلَ ثُمَّ تَلَا {مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلا جَدَلا} [الزخرف: 58] » وَرَوَى أَحْمَدُ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا «لَا يُؤْمِنُ الْعَبْدُ الْإِيمَانَ كُلَّهُ حَتَّى يَتْرُكَ الْمِرَاءَ» .
وَكَوْنُ مَكْحُولٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرُ قَادِحٍ فِي هَذَا عِنْدَ التَّحْقِيقِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ مَرْفُوعًا «مَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَهُوَ مُبْطِلٌ بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ وَمَنْ تَرَكَهُ وَهُوَ مُحِقٌّ بُنِيَ لَهُ فِي وَسَطِهَا وَمَنْ حَسَّنَ خُلُقَهُ بُنِيَ لَهُ فِي أَعْلَاهَا» قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ يُقَالُ مَارَى يُمَارِي مُمَارَاةً وَمِرَاءً أَيْ جَادَلَ وَالْمِرَاءُ اسْتِخْرَاجُ غَضَبِ الْمُجَادِلِ مِنْ مَرَيْت الشَّاةَ اسْتَخْرَجْت لَبَنَهَا وَفِي الْوَاضِحِ وَاحْذَرْ الْكَلَامَ فِي مَجَالِسِ الْخَوْفِ أَوْ الَّتِي لَا إنْصَافَ فِيهَا وَكَلَامَ مَنْ تَخَافُهُ أَوْ تَبْغُضُهُ أَوْ لَا يَفْهَمُ عَنْك وَاسْتِصْغَارَ الْخَصْمِ وَلَا يَنْبَغِي كَلَامُ مَنْ عَادَتُهُ ظُلْمُ خَصْمِهِ وَالْهُزْءُ وَالتَّشَفِّي لِعَدَاوَتِهِ وَالْمُتَرَصِّدُ لِلْمَسَاوِئِ وَالتَّحْرِيفُ وَالتَّزَيُّدُ وَالْبُهْتُ، وَكُلُّ جَدَلٍ وَقَعَ فِيهِ ظُلْمُ الْخَصْمِ اخْتَلَّ فَيَنْبَغِي أَنْ يُحْتَرَزَ مِنْهُ وَقَدِّرْ فِي نَفْسِك الصَّبْرَ وَالْحِلْمَ وَلَا يَنْقُصُ بِالْحِلْمِ إلَّا عِنْدَ جَاهِلٍ وَلَا بِالصَّبْرِ عَلَى شَغَبِ السَّائِلِ إلَّا عِنْدَ غَبِيٍّ وَتَرْتَفِعُ فِي نُفُوسِ الْعُلَمَاءِ وَتَنْبُلُ عِنْدَ أَهْلِ الْجَدَلِ وَمَنْ خَاضَ فِي الشَّغَبِ تَعَوَّدَهُ وَمَنْ تَعَوَّدَهُ حُرِمَ الْإِصَابَةَ وَاسْتُدْرِجَ إلَيْهِ وَمَنْ عُرِفَ بِهِ سَقَطَ سُقُوطَ الدُّرَّةِ وَفِي رَدِّ الْغَضَبِ الظَّفَرُ وَلَا رَأْيَ لِغَضْبَانَ وَالْغَالِبُ فِي السَّفَهِ الْأَسْفَهُ كَالْغَالِبِ بِالْعِلْمِ الْأَعْلَمُ وَمَعَ هَذَا فَلَا أَحَدَ يَسْلَمُ مِنْ الِانْقِطَاعِ إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ.
وَلَيْسَ حَدُّ الْعَالِمِ كَوْنَهُ حَاذِقًا بِالْجَدَلِ فَإِنَّهُ صِنَاعَةٌ وَالْعِلْمُ صِنَاعَةٌ وَهُوَ مَادَّةُ الْجَدَلِ يَحْتَاجُ إلَى الْعَالِمِ وَلَا عَكَسَ وَأَدَبُ الْجَدَلِ يَزِينُ صَاحِبُهُ وَتَرْكُهُ يَشِينُهُ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ لِمَا اتَّفَقَ لِبَعْضِ مَنْ تَرَكَهُ مِنْ حَظْوَةٍ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ رَفِيعًا عِنْدَ الْجُهَّالِ فَهُوَ سَاقِطٌ عِنْدَ أُولِي الْأَلْبَابِ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْبَغْدَادِيُّ وَيُكْرَهُ اصْطِلَاحًا تَأْخِيرُ الْجَوَابِ عَنْ السُّؤَالِ كَثِيرًا وَعِنْدَ بَعْضِ الْجَدَلِيِّينَ مُنْقَطِعٌ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُوَفِّقُ لِمَحَاسِنِ الْآدَابِ وَالْهَادِي إلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ.
[خَاتِمَةٌ لِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ]
(خَاتِمَةٌ) لِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ (الِاتِّفَاقُ عَلَى الْأَرْبَعَةِ) أَيْ عَلَى كَوْنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ أَدِلَّةً شَرْعِيَّةً لِلْأَحْكَامِ (عِنْدَ مُثْبِتِي الْقِيَاسِ) وَهُمْ الْجُمْهُورُ مِنْهُمْ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ (وَاخْتُلِفَ فِي أُمُورٍ) أُخْرَى أَيْ فِي كَوْنِهَا أَدِلَّةً شَرْعِيَّةً لِلْأَحْكَامِ (الِاسْتِدْلَال بِالْعَدَمِ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّعْلِيلُ بِالْعَدَمِ فَإِنَّهُ الَّذِي (نَفَاهُ الْحَنَفِيَّةُ) وَتَقَدَّمَ فِي الْمَرْصَدِ الثَّانِي مِنْ شُرُوطِ الْعِلَّةِ الْكَلَامُ فِيهِ نَفْيًا لَهُ مُطْلَقًا عَنْهُمْ إلَّا عَدَمَ عِلَّةٍ مُتَّحِدَةٍ كَقَوْلِ مُحَمَّدٍ وَلَدُ الْمَغْصُوبِ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ لَمْ يَغْصِبْ عَلَى تَحْقِيقٍ لِلْمُصَنِّفِ رحمه الله فِي أَنَّ إضَافَةَ الْحُكْمِ إلَى هَذِهِ الْعِلَّةِ إنَّمَا هِيَ إضَافَةٌ إلَى الْعَدَمِ لَفْظًا وَإِلَى الْوُجُودِ مَعْنًى
كَمَا عُرِفَ ثَمَّةَ وَإِثْبَاتًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِمْ عَلَى تَفْصِيلٍ فِيهِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَدَمًا مُطْلَقًا وَمُضَافًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ الْمُعَلَّلُ بِهِ وُجُودِيًّا وَعَدَمِيًّا وَإِلَّا فَكَلَامُ الْمُصَنِّفِ ثَمَّةَ يُفِيدُ أَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ لِعَدَمِ دَلِيلِهِ صَحِيحٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ كَمَا نَزَلَ عَلَيْهِ قَوْلُ مُحَمَّدٍ الْمَذْكُورُ وَمَشَى عَلَيْهِ الْبَيْضَاوِيُّ وَقَرَّرَهُ بِقَوْلِهِ فِقْدَانُ الدَّلِيلِ بَعْدَ الْفَحْصِ الْبَلِيغِ يَغْلِبُ ظَنَّ عَدَمِهِ وَعَدَمُهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الْحُكْمِ لِامْتِنَاعِ تَكْلِيفِ الْغَافِلِ إذْ الْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ فِقْدَانَ الدَّلِيلِ بَعْدَ الْفَحْصِ الْبَلِيغِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْفِعْلِ الْمَخْصُوصِ مِنْ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ يُوجِبُ ظَنَّ عَدَمِ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا فَالْوَقْفُ عَلَيْهِ وَظَنُّ عَدَمِهِ يُوجِبُ ظَنَّ عَدَمِ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ إذْ لَوْ ثَبَتَ فِيهِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَزِمَ تَكْلِيفُ الْغَافِلِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَالْعَمَلُ بِالظَّنِّ وَاجِبٌ غَيْرَ أَنَّ عَدَّهُ إيَّاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمَقْبُولَةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ غَيْرُ ظَاهِرٍ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ عَدَمَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ الْخَاصِّ أَوْ مُطْلَقًا لَيْسَ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ فَصَدَقَ أَنَّ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ مِنْ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِلْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فَلَا جَرَمَ أَنَّ فِي التَّلْوِيحِ لَا قَائِلَ بِأَنَّ التَّعْلِيلَ بِالنَّفْيِ أَحَدُ الْحُجَجِ الشَّرْعِيَّةِ اهـ وَإِنَّمَا هُوَ نَفْيُ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ لِنَفْيِ الْمُدْرَكِ الشَّرْعِيِّ فَلْيُحْمَلْ كَلَامُ الْبَيْضَاوِيِّ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ فَهَذَا وَاحِدٌ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ.
(وَالْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ) وَهِيَ الَّتِي لَا يَشْهَدُ لَهَا أَصْلٌ بِالِاعْتِبَارِ فِي الشَّرْعِ وَلَا بِالْإِلْغَاءِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَى سُنَنِ الْمَصَالِحِ وَتَلَقَّتْهَا الْعُقُولُ بِالْقَبُولِ (أَثْبَتَهَا مَالِكٌ) وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلٍ قَدِيمٍ (وَمَنَعَهَا الْحَنَفِيَّةُ وَغَيْرُهُمْ) مِنْهُمْ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَمُتَأَخِّرُو الْحَنَابِلَةِ (لِعَدَمِ مَا يَشْهَدُ) لَهَا (بِالِاعْتِبَارِ وَلِعَدَمِ أَصْلِ الْقِيَاسِ فِيهَا كَمَا يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ) فِي الْمَرْصَدِ الْأَوَّلِ مِنْ فَصْلِ الْعِلَّةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ وَأَمَّا قَوْلُ الْقَرَافِيُّ الْمَصْلَحَةُ الْمُرْسَلَةُ فِي جَمِيعِ الْمَذَاهِبِ عِنْدَ التَّحْقِيقِ لِأَنَّهُمْ يَقِيسُونَ وَيُفَرِّقُونَ بِالْمُنَاسَبَاتِ وَلَا يَطْلُبُونَ شَاهِدًا بِالِاعْتِبَارِ وَلَا يَعْنِي بِالْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ إلَّا ذَلِكَ وَمِمَّا يُؤَكِّدُ الْعَمَلَ بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ عَمِلُوا أُمُورًا لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ لَا لِتَقْدِيمِ شَاهِدٍ بِالِاعْتِبَارِ نَحْوَ كِتَابَةِ الْمُصْحَفِ وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ وَوِلَايَةِ الْعَهْدِ مِنْ أَبِي بَكْرٍ لِعُمَرَ رضي الله عنهما وَلَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهَا أَمْرٌ وَلَا نَظِيرٌ وَكَذَلِكَ تَرْكُ الْخِلَافَةِ شُورَى وَتَدْوِينُ الدَّوَاوِينِ وَعَمَلُ السِّكَّةِ لِلْمُسْلِمِينَ وَاِتِّخَاذِ السِّجْنِ فَعَمِلَ ذَلِكَ عُمَرُ رضي الله عنه وَهَذِهِ الْأَوْقَافُ الَّتِي بِإِزَاءِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالتَّوْسِعَةُ بِهَا فِي الْمَسْجِدِ عِنْدَ ضِيقِهِ فَعَلَهُ عُثْمَانُ رضي الله عنه وَتَجْدِيدُ أَذَانٍ فِي الْجُمُعَةِ بِالسُّوقِ وَهُوَ الْأَذَانُ الْأَوَّلُ فَعَلَهُ عُثْمَانُ ثُمَّ نَقَلَهُ هِشَامٌ إلَى الْمَسْجِدِ وَذَكَرَ كَثِيرٌ حَدًّا لِمُطْلَقِ الْمَصْلَحَةِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ قَدْ عَمِلَ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِالْغِيَاثِيِّ أُمُورًا وَجَوَّزَهَا وَأَفْتَى بِهَا وَالْمَالِكِيَّةُ بَعِيدُونَ عَنْهَا وَجَسَرَ عَلَيْهَا وَقَالَهَا لِلْمَصْلَحَةِ الْمُطْلَقَةِ وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ فِي شِفَاءِ الْغَلِيلِ مَعَ أَنَّ الِاثْنَيْنِ شَدِيدَا الْإِنْكَارِ عَلَيْنَا فِي الْمَصْلَحَةِ الْمُرْسَلَةِ انْتَهَى فَلَا يَخْفَى مَا فِيهِ لِمَنْ تَتَبَّعَ وَحَقَّقَ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ وَهَذَا ثَانٍ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ.
(وَتَعَارُضُ الْأَشْبَاهِ) أَيْ بَقَاءُ الْحُكْمِ الْأَصْلِيِّ فِي الْمُتَنَازَعِ فِيهِ لِتَعَارُضِ أَصْلَيْنِ فِيهِ يُمْكِنُ إلْحَاقُهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا (كَقَوْلِ زُفَرَ فِي الْمَرَافِقِ) لَا يَجِبُ غُسْلُهَا فِي الْوُضُوءِ لِأَنَّهَا (غَايَةٌ) لِغُسْلِ الْيَدِ وَالْغَايَةُ قِسْمَانِ (دَخَلَ مِنْهَا) فِي الْمُغَيَّا قِسْمٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى} [الإسراء: 1](وَخَرَجَ) مِنْهَا عَنْ الْمُغَيَّا قِسْمٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى {ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ} [البقرة: 187] وَإِذْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَلَيْسَ دُخُولُ الْمَرَافِقِ فِي الْغُسْلِ بِأَوْلَى مِنْ عَدَمِ دُخُولِهَا فِيهِ (فَلَا يَدْخُلُ بِالشَّكِّ) أَيْ وَلَمْ يَكُنْ غُسْلُهَا وَاجِبًا فَلَا يَجِبُ بِالشَّكِّ (وَدُفِعَ) كَوْنُهُ دَلِيلًا (بِأَنَّهُ إثْبَاتُ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِالْجَهْلِ وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْمُرَادَ) لِزُفَرَ (الْأَصْلُ عَدَمُهُ) أَيْ دُخُولُ الْمَرَافِقِ فِي الْغُسْلِ (فَيَبْقَى) عَدَمُهُ مُسْتَمِرًّا (إلَى ثُبُوتِ مُوجِبِهِ) أَيْ الدُّخُولِ (وَالثَّابِتُ) فِي الْغَايَةِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُغَيَّا دُخُولًا وَخُرُوجًا إنَّمَا هُوَ (التَّعَارُضُ) وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا يُعْرَفُ مِمَّا تَقَدَّمَ فِي مَسْأَلَةِ إلَى مِنْ حُرُوفِ الْجَرِّ فَلْيُرَاجَعْ وَهَذَا ثَالِثٌ مِنْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ.
(وَمِنْهَا) أَيْ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ (الِاسْتِدْلَال) وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ الدَّلَالَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ يَرِدُ لِمَعَانٍ مِنْهَا الطَّلَبُ كَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ وَالِاتِّخَاذُ كَاسْتَعْبَدَ فُلَانٌ فُلَانًا وَاسْتَأْجَرَهُ أَيْ اتَّخَذَهُ عَبْدًا وَأَجِيرًا فَذَكَرَ الْقَاضِي عَضُدُ الدِّينِ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ فِي اللُّغَةِ طَلَبُ الدَّلِيلِ وَفِي الْعُرْفِ يُطْلَقُ عَلَى إقَامَةِ الدَّلِيلِ مُطْلَقًا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ
أَوْ غَيْرِهِمَا وَعَلَى نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الدَّلِيلِ وَهُوَ الْمَقْصُودُ هُنَا (قِيلَ مَا لَيْسَ بِأَحَدِ) الْأَدِلَّةِ (الْأَرْبَعَةِ) الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ (فَيَخْرُجُ قِيَاسًا الدَّلَالَةُ وَمَا فِي مَعْنَى الْأَصْلِ تَنْقِيحُ الْمَنَاطِ) وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ مَا لَا يُذْكَرُ فِيهِ الْعِلَّةُ بَلْ وَصْفٌ مُلَازِمٌ لَهَا كَالنَّبِيذِ حَرَامٌ كَالْخَمْرِ بِجَامِعِ الرَّائِحَةِ الْمُشْتَدَّةِ وَإِنَّ الْقِيَاسَ الَّذِي فِي مَعْنَى الْأَصْلِ وَيُسَمَّى تَنْقِيحَ الْمَنَاطِ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ بِإِلْغَاءِ الْفَارِقِ كَقِيَاسِ الْبَوْلِ فِي إنَاءٍ وَصَبِّهِ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ عَلَى الْبَوْلِ فِيهِ فِي الْمَنْعِ بِجَامِعِ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي مَقْصُودِ الْمَنْعِ الثَّابِتِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ نَهْيِهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يُبَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ كَمَا يَخْرُجُ قِيَاسُ الْعِلَّةِ وَهُوَ مَا صُرِّحَ فِيهِ بِالْعِلَّةِ نَحْوَ يَحْرُمُ النَّبِيذُ كَالْخَمْرِ لِلْإِسْكَارِ لِإِطْلَاقِ نَفْيِ كَوْنِهِ قِيَاسًا أَيْضًا لِأَنَّ مُنَافِيَ الْأَعَمِّ مُنَافٍ لِلْأَخَصِّ. (وَقَدْ يُقَيَّدُ الْقِيَاسُ) الْمَنْفِيُّ (بِقِيَاسِ الْعِلَّةِ فَيُدْخِلَانِهِ) أَيْ قِيَاسَا الدَّلَالَةِ وَمَا فِي مَعْنَى الْأَصْلِ فِي الِاسْتِدْلَالِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ أَخَصَّ لِأَنَّ الْقِيَاسَ أَعَمُّ مِنْ قِيَاسِ الْعِلَّةِ وَنَفْيُ الْأَعَمِّ لِكَوْنِهِ أَخَصَّ يَكُونُ أَخَصَّ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ (وَاخْتِيرَ) أَيْ وَاخْتَارَ ابْنُ الْحَاجِبِ (أَنَّ أَنْوَاعَهُ) أَيْ الِاسْتِدْلَالِ ثَلَاثَةٌ (شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا وَالِاسْتِصْحَابُ وَالتَّلَازُمُ وَهُوَ) أَيْ التَّلَازُمُ (الْمُفَادُ بِالِاسْتِثْنَائِيِّ وَالِاقْتِرَانِيِّ بِضُرُوبِهِمَا) فِي مَبَاحِثِ النَّظَرِ (وَقَدَّمْنَا زِيَادَةَ ضَرْبٍ فِي تَسَاوِي الْمُقَدَّمِ وَالتَّالِي) بَلْ ضَرْبَيْنِ ضَرْبٌ حَاصِلٌ مِنْهُمَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ الْمُقَدَّمِ كَأَنْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ لَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ فَتَارِكُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ وَضَرْبٌ حَاصِلٌ مِنْهُمَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ عَيْنِ التَّالِي كَأَنْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ لَكِنْ تَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ فَهُوَ وَاجِبٌ فَتَصِيرُ ضُرُوبُهُ أَرْبَعَةً هَذَيْنِ وَالضَّرْبَيْنِ الْمُتَّفَقِ عَلَى إنْتَاجِهِمَا وَهُمَا الْحَاصِلُ مِنْهُمَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ عَيْنِ الْمُقَدَّمِ كَأَنْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ لَكِنَّهُ وَاجِبٌ فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ وَالْحَاصِلُ مِنْهُمَا مَعَ اسْتِثْنَاءِ نَقِيضِ التَّالِي كَأَنْ كَانَ هَذَا وَاجِبًا فَتَارِكُهُ يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ لَكِنْ تَارِكُهُ لَا يَسْتَحِقُّ الْعِقَابَ فَهُوَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ (وَكَذَا) زِيَادَةُ ضَرْبٍ (فِي الِاقْتِرَانِيِّ) وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ كُلِّيَّتَيْنِ صُغْرَى سَالِبَةٍ وَكُبْرَى مُوجَبَةٍ مُتَسَاوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ كَلَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِصَهَّالٍ وَكُلُّ صَهَّالٍ فَرَسٌ فَلَا شَيْءَ مِنْ الْإِنْسَانِ بِفَرَسٍ وَذَكَرَ الْعَبْدُ الضَّعِيفُ غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ثَمَّةَ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ صِدْقِ هَذَا زِيَادَةُ ضَرْبٍ آخَرَ أَيْضًا وَهُوَ الْمُرَكَّبُ مِنْ جُزْئِيَّةٍ سَالِبَةٍ صُغْرَى وَكُلِّيَّةٍ مُوجَبَةٍ كُبْرَى مُتَسَاوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ كَلَيْسَ بَعْضُ الْإِنْسَانِ بِفَرَسٍ وَكُلُّ فَرَسٍ صَهَّالٌ فَلَيْسَ بَعْضُ الْإِنْسَانِ بِصَهَّالٍ لِاتِّحَادِ الْوَسَطِ الْمُقْتَضِي لِلْإِنْتَاجِ فِي هَذَا كَمَا فِيمَا قَبْلَهُ (إلَّا أَنَّهُ) أَيْ التَّلَازُمَ (هُنَا عَلَى خُصُوصٍ هُوَ إثْبَاتُهُ أَحَدَ مُوجِبَيْ الْعِلَّةِ بِالْآخَرِ فَتَلَازُمُهُمَا) أَيْ مُوجِبِيهَا وَهُمَا الْحُكْمَانِ (بِلَا تَعْيِينِ عِلَّةٍ) جَامِعَةٍ.
(وَإِلَّا) لَوْ كَانَ إثْبَاتُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ لِتَلَازُمِهِمَا بِعِلَّةٍ جَامِعَةٍ (فَقِيَاسٌ) أَيْ فَإِثْبَاتُهُ بِهَا قِيَاسٌ (وَيَكُونُ) التَّلَازُمُ (بَيْنَ ثُبُوتَيْنِ) وَلَا بُدَّ فِيهِ إمَّا مِنْ الِاطِّرَادِ وَالِانْعِكَاسِ مِنْ الطَّرَفَيْنِ كَمَا فِيمَا يَكُونُ التَّالِي فِيهِ مُسَاوِيًا لِلْمُقَدَّمِ أَوْ طَرْدًا لَا عَكْسًا مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ فِيمَا يَكُونُ التَّالِي أَعَمَّ مِنْ الْمُقَدَّمِ (كَمَنْ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ وَهُوَ) أَيْ وَثُبُوتُ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا يَكُونُ (بِالِاطِّرَادِ) الشَّرْعِيِّ وَهُوَ أَنَّا تَتَبَّعْنَا فَوَجَدْنَا كُلَّ شَخْصٍ صَحَّ طَلَاقُهُ صَحَّ ظِهَارُهُ وَكُلُّ مَنْ صَحَّ ظِهَارُهُ صَحَّ طَلَاقُهُ (وَيَقْوَى) ثُبُوتُهُ بَيْنَهُمَا (بِالِانْعِكَاسِ) وَهُوَ أَنَّا تَتَبَّعْنَا فَوَجَدْنَا كُلَّ شَخْصٍ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ وَكُلَّ شَخْصٍ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ وَحَاصِلُهُ التَّمَسُّكُ بِالدَّوَرَانِ مُمْكِنٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَمَ لَيْسَ جُزْءًا مِنْهُ بَلْ هُوَ شَرْطٌ لَهُ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِهِ الْقَائِلِ بِصِحَّةِ ظِهَارِ الذِّمِّيِّ لَا الْحَنَفِيِّ وَمُوَافِقِهِ الْقَائِلِ بِعَدَمِ صِحَّةِ ظِهَارِ الذِّمِّيِّ فَإِنَّهُ لَا تَلَازُمَ عِنْدَهُ فِي هَذَا عَكْسًا فِي كِلَا الطَّرَفَيْنِ بَلْ فِي أَحَدِهِمَا الَّذِي هُوَ الظِّهَارُ وَسَيُشِيرُ الْمُصَنِّفُ إلَيْهِ ثُمَّ هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى التَّعْرِيفَيْنِ لَهُ (وَيُقَرِّرُ) ثُبُوتُ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا إذَا كَانَا أَثَرَيْنِ لِمُؤَثِّرٍ بِالِاسْتِدْلَالِ (ثُبُوتَ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ فَيَلْزَمُ) أَنْ يُوجَدَ الْأَثَرُ (الْآخَرُ لِلُّزُومِ) وُجُودَ (الْمُؤَثِّرِ) لَهُ ضَرُورَةَ أَنَّهُ أَثَرُهُ وَكَوْنُ نِسْبَتِهِ إلَى الْمُؤَثِّرِ كَنِسْبَةِ الْآخَرِ إلَيْهِ.
(وَ) يُقَرِّرُ (بِمَعْنَاهُ) أَيْ مَعْنَى هَذَا
وَهُوَ الِاسْتِدْلَال بِثُبُوتِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ عَلَى ثُبُوتِ الْمُؤَثِّرِ ثُمَّ ثُبُوتُهُ عَلَى ثُبُوتِ الْآخَرِ (كَفَرْضِ الصِّحَّتَيْنِ) لِلطَّلَاقِ وَالظِّهَارِ (أَثَرَ الْوَاحِدِ) كَالْأَهْلِيَّةِ لَهُمَا فَإِذَا ثَبَتَ صِحَّةُ الطَّلَاقِ ثَبَتَ الْأَهْلِيَّةُ لَهَا وَيَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْأَهْلِيَّةِ ثُبُوتُهُ لِصِحَّةِ الظِّهَارِ لِمَا ذَكَرْنَا وَهَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى التَّعْرِيفِ الثَّانِي لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ قِيَاسِ الْعِلَّةِ بَلْ مِنْ قِيَاسِ الدَّلَالَةِ دُونَ التَّعْرِيفِ الْأَوَّلِ لَهُ لِأَنَّ قِيَاسَ الدَّلَالَةِ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَعَرَّضَ لِتَعْيِينِ الْمُؤَثِّرِ (وَمَتَى عُيِّنَ الْمُؤَثِّرُ خَرَجَ) عَنْ الِاسْتِدْلَالِ (إلَى قِيَاسِ الْعِلَّةِ وَبَيْنَ نَفْيَيْنِ) أَيْ وَيَكُونُ التَّلَازُمُ بَيْنَهُمَا (وَلَا بُدَّ مِنْ كَوْنِهِ) أَيْ التَّنَافِي بَيْنَ (الطَّرَفَيْنِ) فَسَقَطَ مِنْ الْقَلَمِ لَفْظُ بَيْنَ (طَرْدًا وَعَكْسًا) أَيْ إثْبَاتًا وَنَفْيًا كَمَا هُوَ الْمُنْفَصِلَةُ الْحَقِيقِيَّةُ (أَوْ أَحَدِهِمَا) أَيْ طَرْدًا فَقَطْ كَمَا هُوَ مَانِعَةُ الْجَمْعِ أَوْ عَكْسًا فَقَطْ كَمَا هُوَ مَانِعَةُ الْخُلُوِّ مِثَالُهُ (لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِلَا نِيَّةٍ فَلَا يَصِحُّ الْوُضُوءُ) بِلَا نِيَّةٍ (وَهُوَ) أَيْ ثُبُوتُ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا (أَيْضًا بِالِاطِّرَادِ) أَيْ كُلُّ تَيَمُّمٍ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَكُلُّ وُضُوءٍ لَا يَصِحُّ إلَّا بِالنِّيَّةِ (وَيَقْوَى بِالِانْعِكَاسِ) أَيْ كُلُّ تَيَمُّمٍ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ وَكُلُّ وُضُوءٍ يَصِحُّ بِالنِّيَّةِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِهِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبِهِ فَيَتِمُّ التَّلَازُمُ طَرْدًا وَعَكْسًا فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ فَقَطْ وَهُوَ التَّيَمُّمُ فَإِنَّ عِنْدَهُمْ كُلَّ تَيَمُّمٍ بِالنِّيَّةِ صَحِيحٌ وَبِغَيْرِ النِّيَّةِ غَيْرُ صَحِيحٍ دُونَ الْآخَرِ وَهُوَ الْوُضُوءُ فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ كُلُّ وُضُوءٍ بِالنِّيَّةِ صَحِيحًا فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ كُلُّ وُضُوءٍ بِلَا نِيَّةٍ غَيْرَ صَحِيحٍ بَلْ ذَاكَ الْوُضُوءُ الَّذِي هُوَ عِبَادَةٌ لَا الْوُضُوءُ الَّذِي لَيْسَ بِعِبَادَةٍ فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَهُمَا فِي النَّفْيِ كَمَا سَيُشِيرُ إلَيْهِ الْمُصَنِّفُ.
وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى زُفَرَ فَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ هَذَيْنِ النَّفْيَيْنِ أَصْلًا لِعَدَمِ تَوَقُّفِ صِحَّةِ وُضُوءٍ وَتَيَمُّمٍ عَلَى النِّيَّةِ عِنْدَهُ (وَيُقَرَّرُ) ثُبُوتُ التَّلَازُمِ بَيْنَهُمَا إذَا كَانَا أَثَرَيْنِ لِمُؤَثِّرٍ (بِانْتِفَاءِ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ فَالْآخَرُ) أَيْ فَيَلْزَمُ انْتِفَاءُ الْأَثَرِ الْآخَرِ لِانْتِفَاءِ الْمُؤَثِّرِ لِفَرْضِ ثُبُوتِهِمَا أَثَرًا لِوَاحِدٍ وَلَيْسَ فَرْضُ كَوْنِ الثَّوَابِ وَاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ أَثَرَيْنِ لِلْعِبَادَةِ (يُوجِبُهُ) أَيْ التَّلَازُمَ بَيْنَ النَّفْيَيْنِ (عَلَى الْحَنَفِيِّ) لِأَنَّهُ لَا يَشْتَرِطُ فِي صِحَّةِ كَوْنِ الْوُضُوءِ شَرْطًا لِلصَّلَاةِ كَوْنَهُ عِبَادَةً (وَبَيْنَ نَفْيٍ لَازِمٍ لِلثُّبُوتِ) أَيْ وَيَكُونُ التَّلَازُمُ بَيْنَ ثُبُوتِ مَلْزُومٍ وَنَفْيِ لَازِمٍ لَهُ (وَعَكْسُهُ) أَيْ وَبَيْنَ نَفْيِ مَلْزُومٍ وَثُبُوتِ لَازِمٍ مِثَالُ الْأَوَّلِ هَذَا (مُبَاحٌ فَلَيْسَ بِحَرَامٍ) وَمِثَالُ الثَّانِي هَذَا (لَيْسَ جَائِزًا فَحَرَامٌ وَيُقَرَّرَانِ) أَيْ التَّلَازُمَانِ بَيْنَهُمَا (بِإِثْبَاتِ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا) كَذَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَظَاهِرُهُ أَنَّ الْمُرَادَ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَالنَّفْيِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا تَنَافِيَ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَعَدَمِ الْحَرَامِ لِجَوَازِ اجْتِمَاعِهِمَا لِأَنَّ عَدَمَ الْحَرَامِ أَعَمُّ مِنْ الْمُبَاحِ وَلَا بَيْنَ غَيْرِ الْجَائِزِ وَالْحَرَامِ لِأَنَّ غَيْرَ الْجَائِزِ إمَّا مُسَاوِي الْحَرَامِ أَوْ أَعَمُّ مِنْهُ فَلَا جَرَمَ أَنْ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّارِحِينَ أَيْ بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْحَرَامِ لَكِنْ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذَا قُصُورٌ بَلْ وَبَيْنَ الْجَائِزِ وَالْحَرَامِ ثُمَّ كَمَا قَالَ الْعَلَّامَةُ فِي الْأَوَّلِ وَهُوَ فِي الْإِثْبَاتِ وَلِهَذَا اسْتَلْزَمَ الْمُبَاحُ عَدَمَ الْحَرَامِ وَعَكْسَهُ لَا فِي النَّفْيِ وَلِهَذَا لَمْ يَسْتَلْزِمْ عَدَمُ الْمُبَاحِ الْحَرَامَ وَلَا عَكْسَهُ قُلْت إلَّا أَنَّ فِي اسْتِلْزَامِ عَدَمِ الْحَرَامِ الْمُبَاحَ كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَعَكْسَهُ نَظَرًا إلَّا أَنْ يُرِيدَ فِي الْجُمْلَةِ فَإِنَّ عَدَمَ الْحَرَامِ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمُبَاحَ أَلْبَتَّةَ بَلْ كَمَا يَسْتَلْزِمُهُ يَسْتَلْزِمُ الْمَنْدُوبَ.
وَقَالَ فِي الثَّانِي وَهُوَ فِي النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ وَلِهَذَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْجَوَازِ الْحُرْمَةُ وَعَكْسُهُ وَمِنْ الْجَوَازِ عَدَمُ الْحُرْمَةِ وَالْعَكْسُ وَيَخُصُّ هَذَا مُوَجِّهًا لَهُ الْفَاضِلُ الْأَبْهَرِيُّ فَقَالَ أَيْ التَّلَازُمُ بَيْنَ الثُّبُوتِ وَنَفْيِهِ وَعَكْسُهُ يُقَرَّرَانِ بِبَيَانِ ثُبُوتِ التَّنَافِي بَيْنَ الثُّبُوتَيْنِ فَإِنْ كَانَ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا فِي الْجَمْعِ كَمَا بَيْنَ الْمُبَاحِ وَالْحَرَامِ اسْتَلْزَمَ كُلٌّ مِنْ الثُّبُوتَيْنِ نَفْيَ الْآخَرِ فَيَصْدُقُ مَا كَانَ مُبَاحًا لَا يَكُونُ حَرَامًا وَإِنْ كَانَ التَّنَافِي بَيْنَهُمَا فِي الْخُلُوِّ كَمَا بَيْنَ الْجَائِزِ بِمَعْنَى مَا لَا يَمْتَنِعُ شَرْعًا اسْتَلْزَمَ نَفْيُ كُلٍّ مِنْ الثُّبُوتَيْنِ عَيْنَ الْآخَرِ فَيَصْدُقُ مَا لَا يَكُونُ جَائِزًا يَكُونُ حَرَامًا انْتَهَى وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذِهِ الْعِنَايَةَ لَا تُفِيدُهَا الْعِبَارَةُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَالسُّبْكِيِّ أَيْ بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ وَهُوَ مَعَ إبْهَامِهِ رَاجِعٌ إلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الْمَاضِيَيْنِ فَعَلَيْهِ مَا عَلَى أَحَدِهِمَا الْمُرَادُ مِنْهُ وَمِنْ الْعَجَبِ إهْمَالُ عَضُدِ الدِّينِ ثُمَّ التَّفْتَازَانِيِّ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا (أَوْ) بِإِثْبَاتِ التَّنَافِي بَيْنَ (لَوَازِمِهِمَا) وَهُوَ التَّأْثِيمُ اللَّازِمُ لِفِعْلِ الْحَرَامِ وَعَدَمُهُ اللَّازِمُ لِفِعْلِ الْمُبَاحِ وَالْجَائِزِ فَيَلْزَمُ التَّنَافِي بَيْنَ مَلْزُومِهِمَا لِأَنَّ تَنَافِيَ
اللَّوَازِمِ يَدُلُّ عَلَى تَنَافِي الْمَلْزُومَاتِ (وَيَرِدُ عَلَيْهَا) أَيْ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ (مَنْعُ اللُّزُومِ كَالْحَنَفِيِّ فِي الْأَوَّلَيْنِ) أَيْ كَمَنْعِ الْحَنَفِيِّ التَّلَازُمَ بَيْنَ الظِّهَارِ وَالطَّلَاقِ وَنَفْيِ صِحَّةِ التَّيَمُّمِ بِلَا نِيَّةٍ وَنَفْيِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ بِلَا نِيَّةٍ كَمَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ.
(وَ) مَنْعُ (ثُبُوتِ الْمَلْزُومِ وَمَا لَا يَخْتَصُّ بِالْعِلَّةِ) مِنْ الْأَسْئِلَةِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ لِأَنَّهُ لَمْ تَتَعَيَّنْ الْعِلَّةُ فِي التَّلَازُمِ وَمَا لَمْ يَتَعَيَّنْ لَمْ يَرِدْ عَلَيْهِ شَيْءٌ (وَيَخْتَصُّ) التَّلَازُمُ بِسُؤَالٍ لَا يَرِدُ عَلَى الْقِيَاسِ وَهُوَ مَنْعُ تَحَقُّقِ الْمُلَازَمَةِ (فِي مِثْلِ تَقْطَعُ الْأَيْدِيَ بِيَدٍ) وَاحِدَةٍ (كَقَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِوَاحِدٍ لِمُلَازَمَتِهِ) أَيْ الْقِصَاصِ (لِثُبُوتِ الدِّيَةِ عَلَى الْكُلِّ فِي الْأَصْلِ أَيْ النَّفْسِ لِأَنَّهُمَا) أَيْ الْقِصَاصَ وَالدِّيَةَ (أَثَرَانِ فِيهَا) أَيْ النَّفْسِ يَتَرَتَّبَانِ عَلَى الْجِنَايَةِ (وَوُجِدَ أَحَدُهُمَا) أَيْ الْأَثَرَيْنِ وَهُوَ الدِّيَةُ (فِي الْفَرْعِ) أَيْ الْيَدِ (فَالْآخَرُ) أَيْ الْأَثَرُ الْآخَرُ وَهُوَ (الْقِصَاصُ) عَلَى الْكُلِّ يُؤْخَذُ فِيهِ أَيْضًا (لِأَنَّ عِلَّتَهُمَا) أَيْ الْأَثَرَيْنِ وَهُمَا الْقِصَاصُ وَالدِّيَةُ (فِي الْأَصْلِ إنْ) كَانَتْ (وَاحِدَةً فَظَاهِرٌ) وُجُودُ وُجُوبِ الْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ إذْ لَا خَفَاءَ فِي وُجُودِ الْأَثَرِ عِنْدَ وُجُودِ الْمُؤَثِّرِ (أَوْ) كَانَتْ (مُتَعَدِّدَةً فَتَلَازُمُهُمَا) أَيْ الْأَثَرَيْنِ اللَّذَيْنِ هُمَا وُجُوبُ الدِّيَةِ وَالْقِصَاصِ عَلَى الْجَمِيعِ (فِي الْأَصْلِ) أَيْ النَّفْسِ دَلِيلٌ (لِتَلَازُمِهِمَا) أَيْ الْعِلَّتَيْنِ فَوُجُودُ أَحَدِ الْأَثَرَيْنِ وَهُوَ الدِّيَةُ فِي الْفَرْعِ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ عِلَّتِهِ وَهُوَ يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ عِلَّةِ الْأَثَرِ الْآخَرِ (فَيَثْبُتُ) الْأَثَرُ (الْآخَرُ) وَهُوَ الْقِصَاصُ فِي الْفَرْعِ أَيْضًا لِثُبُوتِ عِلَّتِهِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ (فَيَرِدُ) الْوَارِدُ الْمُخْتَصُّ بِهَذَا الْمِثَالِ وَهُوَ (تَجْوِيزُ كَوْنِهِ) أَيْ ذَلِكَ الْأَثَرِ الَّذِي هُوَ ثُبُوتُ الدِّيَةِ عَلَى الْكُلِّ (بِعِلَّةٍ) فِي الْفَرْعِ أَيْ الْيَدِ تَقْتَضِي وُجُوبَ الدِّيَةِ فِي الْكُلِّ ثُمَّ (لَا تَقْتَضِي قَطْعَ الْأَيْدِي) بِالْيَدِ (وَلَا) تَقْتَضِي (مُلَازَمَةَ مُقْتَضِيهِ) أَيْ قَطْعِ الْأَيْدِي بِالْيَدِ.
(وَفِي الْأَصْلِ) أَيْ النَّفْسِ (بِأُخْرَى تَقْتَضِيهِمَا) أَيْ الْقِصَاصَ وَوُجُوبَ الدِّيَةِ (أَوْ) بِعِلَّةٍ أُخْرَى (لَا تَلَازُمَ مُقْتَضٍ قَبْلَ الْكُلِّ وَيُرَجَّحُ) الْمُعْتَرِضُ كَوْنَ ثُبُوتِهِ فِي الرَّفْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى (بِاتِّسَاعِ مَدَارِكِ الْأَحْكَامِ) أَيْ أَدِلَّتِهَا الَّتِي يُدْرَكُ بِهَا فَإِنَّ وُجُوبَ الدِّيَةِ عَلَى الْجَمِيعِ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى يُوجِبُ التَّعَدُّدَ فِي مُدْرَكِ حُكْمِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ (وَهُوَ) أَيْ اتِّسَاعُ مَدَارِك الْأَحْكَامِ (أَكْثَرُ فَائِدَةً وَجَوَابُهُ) أَيْ هَذَا السُّؤَالِ (الْأَصْلُ عَدَمُ) عِلَّةٍ (أُخْرَى)(وَيُرَجَّحُ الِاتِّحَادُ) أَيْ اتِّحَادُ الْعِلَّةِ فِي الْحُكْمِ الْوَاحِدِ وَهُوَ الدِّيَةُ مَثَلًا عَلَى تَعَدُّدِهَا (بِأَنَّهَا) أَيْ الْعِلَّةَ الْمُتَّحِدَةَ (مُنْعَكِسَةٌ) وَالْمُنْعَكِسَةُ عِلَّةٌ بِاتِّفَاقٍ بِخِلَافِ غَيْرِهَا وَالْمُتَّفِقُ عَلَيْهَا أَرْجَحُ (فَإِنْ دَفَعَهُ) أَيْ الْمُعْتَرِضُ الْجَوَابَ الْمَذْكُورَ بِأَنَّهُ مُعَارَضٌ (بِأَنَّ الْأَصْلَ أَيْضًا عَدَمُ عِلَّةِ الْأَصْلِ فِي الْفَرْعِ قَالَ) الْمُسْتَدِلُّ إذَا تَعَارَضَ الْأَصْلَانِ وَتَسَاقَطَا كَانَ التَّرْجِيحُ مَعَنَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ الْعِلَّةُ (الْمُتَعَدِّيَةُ) مِنْ النَّفْسِ إلَى الْيَدِ (أَوْلَى) مِنْ الْقَاصِرَةِ عَلَى النَّفْسِ لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهَا وَالْخِلَافُ فِي الْقَاصِرَةِ وَلِكَثْرَتِهَا وَقِلَّةِ الْقَاصِرَةِ فَإِنَّا إذَا أَثْبَتْنَا الْحُكْمَ فِي الْفَرْعِ بِعِلَّةِ الْأَصْلِ فَقَدْ عَدَّيْنَاهَا مِنْ الْأَصْلِ إلَى الْفَرْعِ وَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ بِهِمَا فَقَدْ قَصَرْنَا عِلَّةَ الْأَصْلِ عَلَى الْأَصْلِ وَعِلَّةَ الْفَرْعِ عَلَى الْفَرْعِ قَالَ (الْآمِدِيُّ وَمِنْهُ) أَيْ الِاسْتِدْلَالِ (وُجِدَ السَّبَبُ) فَيَثْبُتُ الْحُكْمُ لِأَنَّ الدَّلِيلَ مَا يُلْزِمُهُ الْمَطْلُوبُ بِتَقْدِيرِ تَحَقُّقِهِ قَطْعًا أَوْ ظَاهِرًا وَمَا ذَكَرَ كَذَلِكَ وَالْمَطْلُوبُ وَإِنْ تَوَقَّفَ وُجُودُهُ عَلَى الدَّلِيلِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ فَوُجُودُ الدَّلِيلِ غَيْرُ مُتَوَقِّفٍ عَلَى وُجُودِهِ بَلْ تَمَيُّزُهُ فِي نَفْسِهِ فَلَا دُورَ كَمَا فِي مُنْتَهَى السُّولِ لَهُ أَيْ الْمَطْلُوبُ يَتَوَقَّفُ عَلَى الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةِ وُجُودِهِ فِي آحَادِ الصُّوَرِ وَالدَّلِيلُ يَتَوَقَّفُ عَلَى لُزُومِ الْمَطْلُوبِ مِنْ جِهَةِ حَقِيقَتِهِ فَلَا دُورَ ثُمَّ قَالَ وَلَيْسَ نَصًّا وَلَا إجْمَاعًا وَلَا قِيَاسًا لِاحْتِمَالِ تَقْرِيرِ سَبَبِيَّةِ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ.
(وَ) وُجِدَ (الْمَانِعُ وَفُقِدَ الشَّرْطُ) فَيُعْدَمُ الْحُكْمُ (وَنُفِيَ الْحُكْمُ لِانْتِفَاءِ مُدْرَكِهِ) وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالتَّعْلِيلِ بِالْعَدَمِ (وَالْحَنَفِيَّةُ وَكَثِيرٌ عَلَى نَفْيِهِ) أَيْ الِاسْتِدْلَالِ بِأَحَدِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ (إذْ هُوَ دَعْوَى الدَّلِيلِ) فَهُوَ بِمَثَابَةِ وُجِدَ دَلِيلُ الْحُكْمِ فَيُوجَدُ فَلَا يُسْمَعُ مَا لَمْ يُعَيِّنْ الدَّلِيلَ الْمُدَّعَى وُجُودُهُ (فَالدَّلِيلُ وُجُودُ الْمُعَيَّنِ) أَيْ الْمُقْتَضِي أَوْ الْمَانِعِ أَوْ فَقْدِ الشَّرْطِ (مِنْهَا) أَيْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِلْحُكْمِ (وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ) أَيْ الْمَذْكُورَ (دَلِيلٌ) وَهُوَ مَثَلًا هَذَا حُكْمٌ وُجِدَ سَبَبُهُ وَكُلُّ حُكْمٍ وُجِدَ سَبَبُهُ فَهُوَ مَوْجُودٌ
(بَعْضُ مُقَدِّمَاتِهِ نَظَرِيَّةٌ) وَهِيَ الصُّغْرَى فَإِنَّ الْكُبْرَى بَيِّنَةٌ (وَالْمُخْتَارُ) عِنْدَ ابْنِ الْحَاجِبِ (إنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ) أَيْ وُجُودُ السَّبَبِ أَوْ الْمَانِعُ أَوْ فَقْدُ الشَّرْطِ (بِأَحَدِهَا) وَهُوَ سَهْوٌ وَالصَّوَابُ بِغَيْرِهَا أَيْ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ وَالْقِيَاسِ (فَاسْتِدْلَالٌ وَإِلَّا) فَإِنْ ثَبَتَ بِأَحَدِهَا (فَبِأَحَدِهَا) أَيْ فَهُوَ ثَابِتٌ بِأَحَدِهَا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ لَا بِالِاسْتِدْلَالِ (وَعَلَى هَذَا) التَّفْصِيلِ (يَرِدُ الِاسْتِدْلَال مُطْلَقًا إلَى أَحَدِهَا إذْ ثُبُوتُ ذَلِكَ التَّلَازُمِ لَا بُدَّ فِيهِ شَرْعًا مِنْهُ) أَيْ مِنْ أَحَدِهَا (وَإِلَّا) لَوْ لَمْ يَكُنْ التَّلَازُمُ ثَابِتًا شَرْعًا بِأَحَدِهَا (فَلَيْسَ) ذَلِكَ الْحُكْمُ الثَّابِتُ بِهِ (حُكْمًا شَرْعِيًّا) لِأَنَّ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ لَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِأَحَدِهَا.
(فَالْحَقُّ أَنَّهُ) أَيْ الِاسْتِدْلَالَ (كَيْفِيَّةُ اسْتِدْلَالٍ) بِأَحَدِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ وَالْقِيَاسُ (لَا) دَلِيلَ (آخَرَ غَيْرُ الْأَرْبَعَةِ وَتَقَدَّمَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا) قَبْلَ فَصْلِ التَّعَارُضِ بِمَسْأَلَتَيْنِ (وَيُرَدُّ إلَى الْكِتَابِ) بِقَصِّهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ (وَالسُّنَّةِ) بِقَصِّهَا لَهُ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ (وَقَوْلِ الصَّحَابِيِّ) وَمَا فِيهِ مِنْ التَّفْصِيلِ (وَرُدَّ إلَى السُّنَّةِ) حَيْثُ وَجَبَ الْعَمَلُ بِهِ فِي الْمَسْأَلَةِ الَّتِي يَلِيهَا فَصْلُ التَّعَارُضِ (وَرُدَّ الِاسْتِصْحَابُ إلَى مَا بِهِ ثَبَتَ الْأَصْلُ الْمَحْكُومُ بِاسْتِمْرَارِهِ)
(فَهُوَ) أَيْ الِاسْتِصْحَابُ (الْحُكْمُ) ظَنًّا (بِبَقَاءِ أَمْرٍ تَحَقَّقَ) سَابِقًا (وَلَمْ يَظُنَّ عَدَمَهُ) بَعْدَ تَحَقُّقِهِ (وَهُوَ حُجَّةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَطَائِفَةٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ) السَّمَرْقَنْدِيِّينَ مِنْهُمْ أَبُو مَنْصُورٍ الْمَاتُرِيدِيُّ وَاخْتَارَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ وَالْحَنَابِلَةُ (مُطْلَقًا) أَيْ لِلْإِثْبَاتِ وَالدَّفْعِ (وَنَفَاهُ) أَيْ كَوْنَهُ حُجَّةً (كَثِيرٌ) مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمُتَكَلِّمُونَ (مُطْلَقًا) أَيْ لِلْإِثْبَاتِ وَالدَّفْعِ (وَأَبُو زَيْدٍ وَشَمْسُ الْأَئِمَّةِ وَفَخْرُ الْإِسْلَامِ) وَصَدْرُ الْإِسْلَامِ وَمُتَابِعُوهُمْ قَالُوا هُوَ حُجَّةٌ (لِلدَّفْعِ) لَا لِلْإِثْبَاتِ (وَالْوَجْهُ لَيْسَ حُجَّةٌ) أَصْلًا كَمَا قَالَ الْكَثِيرُ (وَالدَّفْعُ اسْتِمْرَارُ عَدَمِهِ) أَيْ عَدَمِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الطَّارِئِ (الْأَصْلِيِّ) عَلَى مَا تَحَقَّقَ وُجُودُهُ (لِأَنَّ مُوجِبَ الْوُجُودِ لَيْسَ مُوجِبَ بَقَائِهِ) أَيْ الْوُجُودِ وَكَيْفَ لَا وَبَقَاءُ الشَّيْءِ غَيْرُ وُجُودِهِ لِأَنَّهُ اسْتِمْرَارُ الْوُجُودِ بَعْدَ الْحُدُوثِ (فَالْحُكْمُ بِبَقَائِهِ) أَيْ الْوُجُودِ يَكُونُ (بِلَا دَلِيلٍ قَالُوا) أَيْ الْقَائِلُونَ بِحُجِّيَّتِهِ مُطْلَقًا الْحُكْمُ ظَنًّا بِالْبَقَاءِ الْمَذْكُورِ الَّذِي هُوَ مَعْنَى الِاسْتِصْحَابِ أَمْرٌ (ضَرُورِيٌّ لِتَصَرُّفَاتِ الْعُقَلَاءِ بِاعْتِبَارِهِ) أَيْ الْحُكْمِ ظَنًّا بِالْبَقَاءِ الْمَذْكُورِ (مِنْ إرْسَالِ الرُّسُلِ وَالْكُتُبِ وَالْهَدَايَا) مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَلَوْلَا الْحُكْمُ ظَنًّا بِالْبَقَاءِ الْمَذْكُورِ لَكَانَ ذَلِكَ سَفَهًا وَالِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ وَإِذْ ثَبَتَ الْحُكْمُ ظَنًّا بِالْبَقَاءِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ مُتَّبَعٌ كَمَا عُرِفَ.
(وَمِنْهُمْ) أَيْ الْقَائِلِينَ بِحُجِّيَّتِهِ مُطْلَقًا (مَنْ اسْتَبْعَدَهُ) أَيْ كَوْنَهُ حُجَّةً بِالضَّرُورَةِ (فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ فَعَدَلُوا إلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لَمْ يَجْزِمْ بِبَقَاءِ الشَّرَائِعِ مَعَ احْتِمَالِ الرَّفْعِ) أَيْ طَرَيَانِ النَّاسِخِ وَاللَّازِمِ بَاطِلٌ لِلْقَطْعِ بِبَقَاءِ شَرِيعَةِ عِيسَى صلى الله عليه وسلم إلَى بِعْثَةِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم وَبَقَاءِ شَرِيعَةِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم أَبَدًا (وَ) إلَى (الْإِجْمَاعِ) أَيْضًا (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الِاسْتِصْحَابِ أَيْ اعْتِبَارُهُ فِي كَثِيرٍ مِنْ الْفُرُوعِ كَمَا (فِي نَحْوِ بَقَاءِ الْوُضُوءِ وَالْحَدَثِ وَالزَّوْجِيَّةِ وَالْمِلْكِ) إذَا ثَبَتَ (مَعَ طُرُوِّ الشَّكِّ) فِي طَرَيَانِ الضِّدِّ (وَأُجِيبَ) عَنْ الْأَوَّلِ (بِمَنْعِ الْمُلَازَمَةِ لِجَوَازِهِ) أَيْ الْجَزْمِ بِبَقَائِهَا وَالْقَطْعِ بِعَدَمِ نَسْخِهَا (بِغَيْرِهِ) أَيْ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ الِاسْتِصْحَابِ (كَتَوَاتُرِ إيجَابِ الْعَمَلِ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ بِهَا) أَيْ بِتِلْكَ الشَّرِيعَةِ لِأَهْلِهَا (إلَى ظُهُورِ النَّاسِخِ) وَوُجُودِ الْقَاطِعِ عَلَى أَنَّهُ لَا نَسْخَ لِشَرِيعَةِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم (وَتِلْكَ الْفُرُوعُ) لَيْسَتْ مَبْنِيَّةً عَلَى الِاسْتِصْحَابِ بَلْ (لِأَنَّ الْأَسْبَابَ تُوجِبُ أَحْكَامًا مُمْتَدَّةً) مِنْ جَوَازِ الصَّلَاةِ وَعَدَمِ جَوَازِهَا وَحِلِّ الْوَطْءِ وَالِانْتِفَاعِ بِحَسَبِ وَضْعِ الشَّارِعِ (إلَى ظُهُورِ النَّاقِضِ شَرْعًا وَاعْلَمْ أَنَّ مَدَارَ الْخِلَافِ) فِي كَوْنِ الِاسْتِصْحَابِ حُجَّةً أَوْ لَا مَبْنِيٌّ (عَلَى أَنَّ سَبْقَ الْوُجُودِ مَعَ عَدَمِ ظَنِّ الِانْتِفَاءِ هَلْ هُوَ دَلِيلُ الْبَقَاءِ فَقَالُوا) أَيْ الشَّافِعِيَّةُ وَمُوَافِقُوهُمْ (نَعَمْ فَلَيْسَ الْحُكْمُ بِهِ) أَيْ بِالِاسْتِصْحَابِ حُكْمًا (بِلَا دَلِيلٍ وَالْحَنَفِيَّةُ) قَالُوا (لَا إذْ لَا بُدَّ فِي الدَّلِيلِ مِنْ جِهَةٍ يَسْتَلْزِمُ بِهَا) الْمَطْلُوبَ (وَهِيَ) أَيْ الْجِهَةُ الْمُسْتَلْزِمَةُ لَهُ (مُنْتَفِيَةٌ) فِي حَقِّ الْبَقَاءِ (فَتَفَرَّعَتْ الْخِلَافِيَّاتُ) بَيْنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ (فَيَرِثُ الْمَفْقُودُ) مِنْ مَاتَ مِنْ وَرَثَتِهِ فِي غَيْبَتِهِ (عِنْدَهُ) أَيْ