المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[مسألة جواز النسخ] - التقرير والتحبير على كتاب التحرير - جـ ٣

[ابن أمير حاج]

فهرس الكتاب

- ‌[فَصْلٌ فِي التَّعَارُضِ]

- ‌[مَسْأَلَة جَرْيِ التَّعَارُضِ بَيْنَ قَوْلَيْنِ وَنَفْيِهِ]

- ‌[مَسْأَلَة لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ]

- ‌[فَصْلٌ يَلْحَقُ السَّمْعِيَّيْنِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ]

- ‌[مَسْأَلَة وَيَكُونُ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ كَالْقَوْلِ]

- ‌[مَسْأَلَة جَوَازِهِ أَيْ النَّسْخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جَوَازِ النَّسْخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ حُكْمِ فِعْلٍ لَا يَقْبَلُ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ السُّقُوطَ]

- ‌[مَسْأَلَةُ لَا يَجْرِي النَّسْخُ فِي الْأَخْبَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْحُكْمُ بِلَا بَدَلٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ التَّكْلِيفِ بِتَكْلِيفٍ أَخَفَّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ مَمْنُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْإِجْمَاعُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا رُجِّحَ قِيَاسٌ مُتَأَخِّرٌ لِتَأَخُّرِ شَرْعِيَّةِ حُكْمِ أَصْلِهِ عَنْ نَصٍّ عَلَى نَقِيضِ حُكْمِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فَحَوَى مَنْطُوقٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ النَّاسِخِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ بَعْدَ تَبْلِيغِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا زَادَ فِي مَشْرُوعٍ جُزْءًا أَوْ شَرْطًا لَهُ مُتَأَخِّرًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يُعْرَفُ النَّاسِخُ بِنَصِّهِ عليه السلام عَلَيْهِ وَضَبْطِ تَأَخُّرِهِ]

- ‌[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ انْقِرَاضُ الْمُجْمِعِينَ لَيْسَ شَرْطًا لِانْعِقَادِهِ وَلَا لِحُجَّتِهِ]

- ‌[لَا يَشْتَرِطُ لِحُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ انْتِفَاءَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ عَدَدُ التَّوَاتُرِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ مَعَ كَوْنِ الْمُجْمِعِينَ أَكْثَرَ مُجْتَهِدِي ذَلِكَ الْعَصْرِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ عَدَالَةُ الْمُجْتَهِدِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيَّةِ كَوْنُهُمْ أَيْ الْمُجْمِعِينَ الصَّحَابَةَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ بِالْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِالشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاع بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَفْتَى بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَوْ قَضَى بِهِ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَسَكَتُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ]

- ‌[تَنْبِيهٌ لَوْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ هَذَا مُبَاحٌ وَأَقْدَمَ الْبَاقِي عَلَى فِعْلِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا أُجْمِعَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْجُمْهُورُ إذَا أَجْمَعُوا أَيْ أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى دَلِيلٍ لِحُكْمٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا إجْمَاعَ إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا أَيْ مُجْتَهِدُو عَصْرٍ دَلِيلًا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُكَافِئِ لَهُ عَمِلُوا بِخِلَافِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ ارْتِدَادِ أُمَّةِ عَصْرٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ ظُنَّ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ دِيَةُ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ يَتَمَسَّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إنْكَارُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعِ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ حُجِّيَّتُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ]

- ‌[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْقِيَاسِ]

- ‌[أَرْكَانُ قِيَاسِ الْعِلَّةِ]

- ‌[فِي الشُّرُوطِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌[الْكَلَامُ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ وَشُرُوطِهَا وَطُرُقِ مَعْرِفَتِهَا]

- ‌[الْمَرْصَدُ الْأَوَّلُ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةُ]

- ‌[تَتِمَّةٌ تَقْسِيمَ لَفْظُ الْعِلَّةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَوْ الْمَجَازِ]

- ‌[الْمَرْصَدُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ]

- ‌[تَنْبِيهٌ قَسَّمَ الْمُصَحِّحُونَ لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ مَعَ الْمَانِعِ إلَى خَمْسَةٍ]

- ‌[لَا يُشْتَرَطُ فِي تَعْلِيلِ انْتِفَاءِ حُكْمٍ بِوُجُودِ مَانِعٍ]

- ‌[فَصْلٌ تَقْسِيم الْقِيَاسَ بِاعْتِبَارِ التَّفَاوُتِ فِي الْقُوَّةِ إلَى جَلِيٍّ وَخَفِيَ]

- ‌[مَسْأَلَةُ حُكْمِ الْقِيَاسِ الثُّبُوتُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِهِ أَيْ بِالْقِيَاسِ الْحُدُودُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَكْلِيفُ الْمُجْتَهِدِ بِطَلَبِ الْمَنَاطِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ النَّصِّ مِنْ الشَّارِعِ عَلَى الْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ يَكْفِي فِي إيجَابِ تَعَدِّيَةِ الْحُكْمِ بِهَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ]

- ‌[خَاتِمَةٌ لِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ]

- ‌[الْمَقَالَةُ الثَّالِثَةُ فِي الِاجْتِهَادِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ التَّقْلِيدِ وَالْإِفْتَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَنَّهُ عليه السلام مَأْمُورٌ فِي حَادِثَةٍ لَا وَحْيَ فِيهَا بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ طَائِفَةٌ لَا يَجُوزُ عَقْلًا اجْتِهَادُ غَيْرِ النَّبِيّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَقْلِيَّاتُ مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَمْعٍ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَيْ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي وَاقِعَةٍ أَدَّى اجْتِهَادُهُ فِيهَا إلَى حُكْمٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَاقِعَةٌ اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ لَهَا ثُمَّ تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَصِحُّ فِي مَسْأَلَةٍ لِمُجْتَهِدٍ بَلْ لِعَاقِلٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ التَّعْرِيضِ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ]

- ‌[مَسْأَلَة التَّقْلِيد الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ إحْدَى الْحُجَجِ الْأَرْبَعِ الشَّرْعِيَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَة غَيْر الْمُجْتَهِدِ المطلق يَلْزَمهُ التَّقْلِيد وَإِنَّ كَانَ مجتهدا فِي بَعْض مَسَائِل الْفِقْه]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى حِلِّ اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالِاجْتِهَادِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إفْتَاءُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَرْجِعُ الْمُقَلِّدُ فِيمَا قَلَّدَ الْمُجْتَهِدَ]

- ‌[إجْمَاعُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى مَنْعِ الْعَوَامّ مِنْ تَقْلِيدِ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ]

- ‌[خَاتِمَة]

الفصل: ‌[مسألة جواز النسخ]

إنْ وُجِدَ التَّعَلُّقُ بِالْفِعْلِ الَّذِي فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ لَمْ يُوجَدْ التَّعَلُّقُ بِالْفِعْلِ الَّذِي فِي الزَّمَانِ الثَّانِي فَارْتَفَعَ وَانْقَطَعَ الِاسْتِمْرَارُ الَّذِي كَانَ يَتَحَقَّقُ لَوْلَا النَّاسِخُ (كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي التَّعْرِيفِ) ، وَإِنْ كَانَ الْحُكْمُ أَزَلِيًّا لَا يَرْتَفِعُ لَا أَنَّ الْفِعْلَ ارْتَفَعَ (وَنَخْتَارُ عِلْمَهُ) أَيْ أَنَّهُ تَعَالَى عَلَى اسْتِمْرَارِ الْحُكْمِ الْمَنْسُوخِ (مُؤَقَّتٌ) أَيْ إلَى الْوَقْتِ الَّذِي عَلِمَ أَنَّهُ يَنْسَخُهُ فِيهِ (وَيَتَضَمَّنُ) عِلْمُهُ بِهِ مُؤَقَّتًا (عِلْمُهُ بِالْوَقْتِ الَّذِي يَنْسَخُهُ فِيهِ) وَعِلْمُهُ بِارْتِفَاعِهِ بِنَسْخِهِ فِيهِ لَا يَمْنَعُ النَّسْخَ بَلْ يُثْبِتُهُ وَيُحَقِّقُهُ (فَكَيْفَ يُنَافِيهِ) .

[مَسْأَلَةٌ جَوَازِ النَّسْخِ]

(مَسْأَلَةٌ.

الِاتِّفَاقُ عَلَى جَوَازِ النَّسْخِ) لِلْحُكْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِالْفِعْلِ (بَعْدَ التَّمَكُّنِ) مِنْ الْفِعْلِ بَعْدَ عِلْمِهِ بِتَكَلُّفِهِ بِهِ (بِمُضِيِّ مَا يَسَعُ) الْفِعْلَ (وَمِنْ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لَهُ) أَيْ لِلْفِعْلِ (شَرْعًا إلَّا مَا عَنْ الْكَرْخِيِّ) مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا بَعْدَ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ سَوَاءٌ مَضَى مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ الْفِعْلَ أَوْ لَا (وَاخْتُلِفَ فِيهِ) أَيْ فِي النَّسْخِ (قَبْلَهُ) أَيْ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ (بِكَوْنِهِ) أَيْ النَّسْخِ (قَبْلَ) دُخُولِ (الْوَقْتِ) الْمُعَيَّنِ لِلْفِعْلِ (أَوْ بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ الْمُعَيَّنِ لَهُ (قَبْلَ) مُضِيِّ (مَا يَسَعُ) الْفِعْلَ مِنْهُ سَوَاءٌ (شَرَعَ) فِي الْفِعْلِ (أَوْ لَا) أَيْ أَوْ لَمْ يَشْرَعْ فِيهِ، وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِنَفْيِ تَعْيِينِ ابْنِ الْحَاجِبِ وَغَيْرِهِ كَوْنَ الْخِلَافِ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ وَلِذَا قَالَ فِي التَّصْوِيرِ قَبْلَ دُخُولِ عَرَفَةَ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَيْهِ لَكِنَّ الْحَقَّ مَا ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَالْمِثَالُ الْوَاضِحُ (كَصُمْ غَدًا وَرَفْعُ) وُجُوبَ صَوْمِهِ (قَبْلَهُ) أَيْ الْغَدِ

(أَوْ) رَفَعَ (فِيهِ) أَيْ فِي الْغَدِ (وَإِنْ شَرَعَ) فِي صَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ يَكُونَ (قَبْلَ التَّمَامِ) لِصِيَامِهِ (فَالْجُمْهُورُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ) مِنْهُمْ الشَّافِعِيَّةُ وَالْأَشَاعِرَةُ قَالُوا (نَعَمْ) يَجُوزُ نَسْخُهُ (بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ) بِالْقَلْبِ لِحَقِّيَّتِهِ (وَجُمْهُورُ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضُ الْحَنَابِلَةِ وَالْكَرْخِيُّ) وَالْجَصَّاصُ وَالْمَاتُرِيدِيُّ وَالدَّبُوسِيُّ (وَالصَّيْرَفِيُّ لَا) يَجُوزُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ فَيَتَلَخَّصُ أَنَّ مَحَلَّ الْخِلَافِ مَا إذَا مَضَى مَا لَا يَسَعُ الْفِعْلَ وَحَصَلَ التَّمَكُّنُ مِنْ عَقْدِ الْقَلْبِ قَالَ الْمُصَنِّفُ وَقَدْ يَظْهَرُ مِنْ بَعْضِ الْأَدِلَّةِ مَا يُفِيدُ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ قَبْلَ نَفْسِ الْفِعْلِ كَمَا فِي ابْنِ الْحَاجِبِ إذْ قَالَ: وَلَنَا أَنَّ كُلَّ نَسْخٍ قَبْلَ الْفِعْلِ وَقَدْ اعْتَرَفْتُمْ بِثُبُوتِهِ فَلْيَلْزَمُكُمْ قَبْلَ الْفِعْلِ وَهَذَا مَعَ تَهَافُتِهِ يُفِيدُ أَنَّهُمْ يَمْنَعُونَهُ قَبْلَ حَقِيقَةِ الْفِعْلِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِلِاتِّفَاقِ الْمَحْكِيِّ فِي أَوَّلِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا مَا عَنْ الْكَرْخِيِّ وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْكَشْفِ فَقَالَ: وَعِنْدَهُمْ هُوَ أَنَّ النَّسْخَ بَيَانُ مُدَّةِ الْعَمَلِ بِالْبَدَنِ وَذَلِكَ لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بَعْدَ الْفِعْلِ أَوْ التَّمَكُّنِ مِنْهُ؛ لِأَنَّ التَّرْكَ بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ تَفْرِيطٌ مِنْ الْعَبْدِ فَلَا يَنْعَدِمُ بِهِ مَعْنَى بَيَانِ مُدَّةِ الْعَمَلِ بِالنَّسْخِ انْتَهَى. فَكُلُّ مَا يُفِيدُ خِلَافَهُ تَسَاهُلٌ

(لَنَا: لَا مَانِعٌ عَقْلِيٌّ وَلَا شَرْعِيٌّ) مِنْ ذَلِكَ (فَجَازَ وَنَسَخَ خَمْسِينَ) مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ بِفَرْضِ خَمْسٍ كَذَا ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ ابْنُ بَطَّالٍ وَالشَّيْخُ سِرَاجُ الدِّينِ الْهِنْدِيُّ وَالشَّيْخُ قِوَامُ الدِّينِ الْكَاكِيُّ وَالْأَظْهَرُ كَمَا قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ نَسَخَ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تُفِيدُ نَسْخَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ مِنْهَا وَاسْتِمْرَارَ خَمْسٍ، ثُمَّ قَوْلُهُ (فِي) لَيْلَةِ (الْإِسْرَاءِ) إنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْمِعْرَاجَ إلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِسْرَاءَ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَهُوَ بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْمِعْرَاجِ أَيْضًا وَأَنَّهُمَا كَانَا يَقَظَةً كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِلَّا فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ بَلْ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ وَمِنْ ثَمَّةَ قَالَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُهُ هِيَ لَيْلَةُ الْمِعْرَاجِ (وَإِنْكَارُ الْمُعْتَزِلَةِ إيَّاهُ) أَيْ نَسْخَ الْخَمْسِينَ أَوْ مَا زَادَ عَلَى الْخَمْسِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ وُجُوبِهَا، وَكَذَا إنْكَارُ جُمْهُورِهِمْ الْمِعْرَاجَ (مَرْدُودٌ بِصِحَّةِ النَّقْلِ) لِذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مَعَ عَدَمِ إحَالَةِ الْعَقْلِ لَهُ فَإِنْكَارُهُ بِدْعَةٌ ضَلَالَةٌ وَأَمَّا إنْكَارُ الْإِسْرَاءِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى فَكُفْرٌ، ثُمَّ قَوْلُهُمْ هَذَا يَقْتَضِي جَوَازَ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِخَمْسِينَ صَلَاةٍ كَانَ لِلْأُمَّةِ وَلَوْ يُوجَدُ تَمَكُّنُهُمْ مِنْ الِاعْتِقَادِ إذْ لَا يُتَصَوَّرُ قَبْلَ الْعِلْمِ دُفِعَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَانَ مِنْ الْمُكَلَّفِينَ بِهَا، وَهُوَ الْأَصْلُ فِي الشَّرِيعَةِ، وَالْأُمَّةُ تَابِعَةٌ لَهُ وَقَدْ عَلِمَ وَاعْتَقَدَ عَلَى أَنَّهُ كَمَا قَالَ صَدْرُ الْإِسْلَامِ ظَهَرَ بِالنَّسْخِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْأَمْرِ بِخَمْسِينَ صَلَاةً دُونَ أُمَّتِهِ وَإِنْ كَانَ الْأَمْرُ فِي الِابْتِدَاءِ مُتَنَاوِلًا لَهُ وَلَهُمْ فَإِنْ قِيلَ ظَاهِرُ الْمَرْوِيِّ أَنَّ أُمَّتَهُ كَانُوا مَأْمُورِينَ بِهَا أَيْضًا فَكَيْفَ يَسْتَقِيمُ هَذَا أُجِيبَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْتَلِي عِبَادَهُ بِمَا شَاءَ فَإِذَا

ص: 49

نَسَخَ الْمَأْمُورَ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ عَمَلِهِ لِلْجَمِيعِ وَمِنْ الِاعْتِقَادِ لِلْأُمَّةِ ظَهَرَ أَنَّ الِابْتِلَاءَ كَانَ بِالِاعْتِقَادِ وَالْقَبُولِ مِنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِنَفْسِهِ وَلِأُمَّتِهِ وَلَا بِدْعَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يُبْتَلَى بِأُمَّتِهِ كَمَا يُبْتَلَى لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ فِي الشَّفَقَةِ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ كَالْأَبِ فِي حَقِّ وَلَدِهِ، وَالْأَبُ يُبْتَلَى بِوَلَدِهِ كَمَا يُبْتَلَى بِنَفْسِهِ فَلَمْ يُوجَدْ النَّسْخُ إلَّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ مِنْ الِاعْتِقَادِ وَالْقَبُولِ، ثُمَّ الِابْتِلَاءُ بِهِمَا كَالِابْتِلَاءِ بِالْفِعْلِ بَلْ أَوْلَى حَتَّى كَانَ الْقَبُولُ إيمَانًا، وَالْفِعْلُ خِدْمَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْإِيمَانَ رَأْسُ الطَّاعَاتِ وَرَأْسُ الْعِبَادَاتِ

(وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ (لَا فَائِدَةَ) حِينَئِذٍ فِي التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّ الْعَمَلَ بِالْبَدَنِ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ شَرْعِ الْأَحْكَامِ إذْ بِهِ يَتَحَقَّقُ الِابْتِلَاءُ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ يَدُلَّانِ عَلَى وُجُوبِ نَفْسِ الْعَمَلِ لَا عَلَى الْعَزْمِ، وَالْعَقْدُ (مُنْتَفٍ بِأَنَّهَا) أَيْ الْفَائِدَةَ فِي التَّكْلِيفِ حِينَئِذٍ (الِابْتِلَاءُ لِلْعَزْمِ) عَلَى الْفِعْلِ إذَا حَضَرَ وَقْتُهُ وَتَهْيِئَةُ أَسْبَابِهِ وَإِظْهَارُ الطَّاعَةِ مِنْ نَفْسِهِ (وَوُجُوبُ الِاعْتِقَادِ) لِحَقِّيَّتِهِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْعَمَلَ وَحْدَهُ هُوَ الْمَقْصُودُ بَلْ عَقْدُ الْقَلْبِ مَقْصُودٌ أَيْضًا وَكَيْفَ وَالطَّاعَةُ لَا تُتَصَوَّرُ بِدُونِهِ حَتَّى لَوْ فَعَلَ الْمَأْمُورَ بِهِ، وَلَمْ يَعْتَقِدْ وُجُوبَهُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهُ وَعَزِيمَةُ الْقَلْبِ قَدْ تَصِيرُ قُرْبَةً بِلَا فِعْلٍ؛ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ الثَّوَابُ بِمُجَرَّدِ نِيَّةِ الْخَيْرِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم «فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً» إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَالْإِنْسَانُ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ التَّصْدِيقِ الْقَلْبِيِّ فَأَتَى بِهِ، وَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ الْإِقْرَارِ اللِّسَانِيِّ كَانَ إيمَانًا صَحِيحًا بِالْإِجْمَاعِ بَلْ الْفِعْلُ بِاحْتِمَالِ السُّقُوطِ فَوْقَ الْعَزِيمَةِ الْقَلْبِيَّةِ؛ لِأَنَّ الْفِعْلَ يَسْقُطُ بِعُذْرِ الْإِغْمَاءِ وَغَيْرِهِ وَالتَّصْدِيقُ لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ أَصْلًا فَإِذَنْ اعْتِبَارُ التَّمَكُّنِ مِنْ عَزِيمَةِ الْقَلْبِ فِي تَحْقِيقِ مَعْنَى الِابْتِلَاءِ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ وَيَتَحَرَّرُ أَنَّ حُكْمَ النَّسْخِ بَيَانٌ لِمُدَّةِ عَمَلِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا تَارَةً وَلِمُدَّةِ عَمَلِ الْقَلْبِ وَحْدَهُ تَارَةً، وَإِنَّ الشَّرْطَ التَّمَكُّنُ مِنْ الْأَمْرِ الْأَصْلِيِّ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُ السُّقُوطَ وَهُوَ عَمَلُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ رَئِيسُ الْأَعْضَاءِ إذْ ابْتِلَاؤُهُ هُوَ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ فَكَانَ لَازِمًا عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ وَأَمَّا التَّمَكُّنُ مِنْ الْعَمَلِ فَمِنْ الزَّوَائِدِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ السُّقُوطَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّسْخُ بَيَانًا لِمُدَّتِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ وَكَوْنُ الْمَقْصُودِ الْعَمَلَ لَا غَيْرَ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَوَامِرِ الْعِبَادِ؛ لِأَنَّهَا لِجَرِّ النَّفْعِ لَا لِلِابْتِلَاءِ وَذَا يَحْصُلُ بِالْفِعْلِ لَا بِالِاعْتِقَادِ

(وَأَمَّا إلْحَاقُهُ) أَيْ جَوَازُ النَّسْخِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ (بِالرَّفْعِ) أَيْ رَفْعِ الْحُكْمِ (لِلْمَوْتِ) أَيْ لِمَوْتِ الْمُكَلَّفِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ فِعْلِ مَا كُلِّفَ بِهِ فَكَمَا أَنَّ هَذَا لَا يُعَدُّ تَنَاقُضًا فَكَذَا النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ بِجَامِعِ اسْتِوَائِهِمَا فِي انْقِطَاعِ تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِمَا كَمَا أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ الْحَاجِبِ وَصَاحِبُ الْبَدِيعِ (وَمَا قِيلَ: كُلُّ رَفْعٍ قَبْلَ) وَقْتِ (الْفِعْلِ) كَمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْ ابْنِ الْحَاجِبِ وَهُوَ فِي الْبَدِيعِ أَيْضًا (فَلَيْسَا بِشَيْءٍ لِتَقْيِيدِ الْأَوَّلِ) أَيْ الرَّفْعِ بِالْمَوْتِ (عَقْلًا) أَيْ بِالْعَقْلِ إذْ الْعَقْلُ قَاضٍ بِأَنَّهُ لَا تَكْلِيفَ لِلْمَيِّتِ فَلَمْ يُوجَدْ الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الرَّفْعَ بِالْمَوْتِ بِالْعَقْلِ لَا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ وَالْكَلَامُ إنَّمَا هُوَ فِي الرَّفْعِ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ (لَا مَا قِيلَ: مِنْ مَنْعِ تَكْلِيفِ الْمَعْلُومِ مَوْتَهُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْ الْفِعْلِ (لِيُدْفَعَ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ) أَوْ لِزَامٌ لِلْمُعْتَزِلَةِ حَيْثُ قَالُوا بِالتَّكْلِيفِ قَبْلَ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ يَمُوتُ أَوْ لَا يَمُوتُ كَمَا ذَكَرَهُ التَّفْتَازَانِيُّ (وَالثَّانِي) أَيْ كُلُّ رَفْعٍ قَبْلَ وَقْتِ الْفِعْلِ (فِي غَيْرِ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ قَائِلَهُ (يُرِيدُ) أَيْ بِالْوَقْتِ (وَقْتَ الْمُبَاشَرَةِ) لَا لِلْفِعْلِ لِمَا ذَكَرْنَا سَالِفًا (وَالنِّزَاعُ) لَيْسَ فِيهِ فِي الْجُمْلَةِ بَلْ النِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ رَفْعُ التَّكْلِيفِ بِالْفِعْلِ (فِي وَقْتِهِ) أَيْ الْفِعْلِ (الَّذِي حُدَّ لَهُ) أَيْ لِلْفِعْلِ شَرْعًا قَبْلَ مُضِيِّ زَمَنٍ مِنْهُ يَسَعُ الْفِعْلَ وَفِيمَا قَبْلَ حُضُورِ الْوَقْتِ الْمُقَدَّرِ لِلْفِعْلِ شَرْعًا (وَاسْتَدَلَّ) لِلْمُخْتَارِ (بِقِصَّةِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام أُمِرَ) بِذَبْحِ وَلَدِهِ فَأَفَادَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ

(ثُمَّ تَرَكَ) إبْرَاهِيمُ عليه السلام ذَبْحَهُ (فَلَوْ) كَانَ تَرْكُهُ لَهُ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ (بِلَا نَسْخٍ) لِوُجُوبِهِ (عَصَى) بِتَرْكِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يَعْصِ إجْمَاعًا فَتَعَيَّنَ أَنَّ تَرْكَهُ لَهُ كَانَ لِنَسْخِ وُجُوبِهِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْهُ (وَأُجِيبَ بِمَنْعِ وُجُوبِ الذَّبْحِ) عَنْ أَمْرٍ لَهُ بِهِ (بَلْ) رَأَى (رُؤْيَا فَظَنَّهُ) أَيْ الْوُجُوبَ ثَابِتًا لَهُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ {إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ} [الصافات: 102] فَنَسَبَهُ إلَى الْمَنَامِ (وَمَا تُؤْمَرُ) أَيْ وَقَوْلُ وَلَدِهِ لَهُ {افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ} [الصافات: 102](يَدْفَعُهُ) أَيْ مَنْعَ وُجُوبِ الذَّبْحِ لِانْصِرَافِهِ ظَاهِرًا إلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ

ص: 50

إذْ لَا مَذْكُورَ غَيْرُهُ فَإِنْ قِيلَ تُؤْمَرُ مُضَارِعٌ فَلَا يَعُودُ إلَى مَا مَضَى فِي الْمَنَامِ أُجِيبَ يَجِبُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ ضَرُورَةَ إقْدَامِهِ عَلَى الذَّبْحِ بِتَهْيِئَةِ أَسْبَابِهِ (مَعَ) لُزُومِ (الْإِقْدَامِ عَلَى مَا يَحْرُمُ) مِنْ قَصْدِ الذَّبْحِ وَتَرْوِيعِ الْوَلَدِ (لَوْلَاهُ) أَيْ الْوُجُوبُ بِالْأَمْرِ وَإِلَّا لَكَانَ مُمْتَنِعًا شَرْعًا وَعَادَةً عَلَى أَنَّ مَنَامَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَحْيٌ مَعْمُولٌ بِهِ (وَعَلَى أَصْلِهِمْ) أَيْ وَيَدْفَعُ هَذَا الْجَوَابَ عَلَى أَصْلِ الْمُعْتَزِلَةِ أَنَّ الْأَحْكَامَ ثَابِتَةٌ عَقْلًا وَالشَّرْعُ كَاشِفٌ عَنْهَا وَيَجِبُ عَلَيْهِ إنْزَالُ الْكُتُبِ وَإِرْسَالُ الرُّسُلِ وَتَمْكِينُ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ فَهْمِ مَا أُنْزِلَ إلَيْهِمْ لِيَنْكَشِفَ لَهُمْ أَنَّ إرَاءَةَ إبْرَاهِيمَ عليه السلام مَا يُوهِمُ أَنَّهُ أَمْرٌ وَلَيْسَ بِأَمْرٍ (تَوْرِيطٌ لَهُ) أَيْ إيقَاعٌ لِإِبْرَاهِيمَ (فِي الْجَهْلِ فَيَمْتَنِعُ) بَلْ لَا يَجُوزُ لِآحَادِ الْمُكَلَّفِينَ فَكَيْفَ لِإِبْرَاهِيمَ صلى الله عليه وسلم

(وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ (جَازَ التَّأْخِيرُ) لِلذَّبْحِ مِنْ غَيْرِ لُزُومِ عِصْيَانٍ (لِأَنَّهُ) أَيْ وُجُوبَهُ (مُوَسَّعٌ) فَيَحْصُلُ التَّمَكُّنُ مِنْهُ؛ لِأَنَّهُ أَدْرَكَ الْوَقْتَ فَلَا يَكُونُ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ بَلْ بَعْدَهُ (فِيهِ) أَيْ فِي قَوْلِهِمْ هَذَا (الْمَطْلُوبُ) وَهُوَ النَّسْخُ قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ (لِتَعَلُّقِهِ) أَيْ الْوُجُوبِ حِينَئِذٍ (بِالْمُسْتَقْبَلِ) ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بَاقٍ عَلَى الْمُكَلَّفِ قَطْعًا فِي الْوَقْتِ الْمُوَسَّعِ إذَا لَمْ يَأْتِ بِالْمَأْمُورِ بِهِ فَإِذَا نُسِخَ عَنْهُ فَقَدْ نُسِخَ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ (وَهُوَ) أَيْ تَعَلُّقُ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ هُوَ (الْمَانِعُ عِنْدَهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ مِنْ النَّسْخِ لِاشْتِرَاطِهِمْ فِي تَحْقِيقِ النَّسْخِ كَوْنَ الْمَنْسُوخِ وَاجِبًا فِي وَقْتِهِ وَتَعَلُّقُ الْوُجُوبِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ يُنَافِيهِ وَسَتَقِفُ قَرِيبًا عَلَى مَا فِي إطْلَاقِهِ وَأَنَّهُ لَا يَتِمُّ فِي هَذَا (لَكِنْ نَقَلَ الْمُحَقِّقُونَ) كَالْحَنَفِيَّةِ (عَنْهُمْ) أَيْ الْمُعْتَزِلَةِ (أَنَّهُ) أَيْ النَّسْخَ (بَيَانُ مُدَّةِ الْعَمَلِ بِالْبَدَنِ فَلَا يَتَحَقَّقُ) النَّسْخُ (إلَّا بَعْدَ التَّمَكُّنِ) مِنْ الْعَمَلِ بِالْبَدَنِ (الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ) مِنْ شَرْعِ الْأَحْكَامِ (لَا الْعَزْمُ) عَلَى الْعَمَلِ (وَمَعَهُ) أَيْ التَّمَكُّنِ مِنْ الْعَمَلِ (يَجُوزُ) النَّسْخُ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ (لِأَنَّ الثَّابِتَ) حِينَئِذٍ مِنْ الْمُكَلَّفِ (تَفْرِيطُ الْمُكَلَّفِ) فِي ذَلِكَ بِالتَّرْكِ لَهُ (وَلَيْسَ) تَفْرِيطُهُ (مَانِعًا) مِنْ النَّسْخِ (وَهَذَا) أَيْ التَّمَكُّنُ مِنْ الْعَمَلِ (مُتَحَقِّقٌ فِي الْمُوَسَّعِ) فَيَجُوزُ فِيهِ النَّسْخُ عِنْدَهُمْ (وَدَفْعُهُ) أَيْ جَوَازِ النَّسْخِ عِنْدَهُمْ فِي الْمُوَسَّعِ (بِتَعَلُّقِ الْوُجُوبِ بِالْمُسْتَقْبَلِ فِي الْمُوَسَّعِ) فَلَا يَتَحَقَّقُ شَرْطُ النَّسْخِ عِنْدَهُمْ فِيهِ كَمَا ذَكَرْنَا (إنَّمَا يَصْدُقُ فِي الْمُضَيَّقِ) قَبْلَ وَقْتِهِ الْمُقَدَّرِ لَهُ شَرْعًا (وَإِلَّا فَقَدْ يَثْبُتُ الْوُجُوبُ) فِي الْمُوَسَّعِ (وَلِذَا) أَيْ لِوُجُوبِهِ (لَوْ فَعَلَهُ) أَيْ الْوَاجِبَ (سَقَطَ بِخِلَافِ مَا) أَيْ الْفِعْلِ الَّذِي (قَبْلَ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا) أَيْ فِي الْمُضَيَّقِ وَالْمُوَسَّعُ لَا يَسْقُطُ بِهِ الْوَاجِبُ

(ثُمَّ الْجَوَابُ) عَنْ قَوْلِهِمْ الْمَقْصُودُ الْأَصْلِيُّ الْعَمَلُ بِالْبَدَنِ (أَنَّ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنَهُ مَقْصُودًا أَصْلِيًّا (لَا يُوجِبُ الْحَصْرَ) فِيهِ كَمَا أَوْضَحْنَاهُ قَرِيبًا (وَمَنْعَهُ) أَيْ وُجُوبَ الذَّبْحِ مُوَسَّعًا (بِأَنَّهُ) أَيْ وُجُوبَ الذَّبْحِ (لَوْ كَانَ) مُوَسَّعًا (لَأَخَّرَ) الْمُكَلَّفُ بِفِعْلِهِ فِعْلَهُ (عَادَةً فِي مِثْلِهِ) أَيْ ذَبْحِ الْوَلَدِ إمَّا رَجَاءَ أَنْ يُنْسَخَ عَنْهُ أَوْ يَمُوتَ أَحَدُهُمَا فَيَسْقُطَ عَنْهُ لِعِظَمِ الْأَمْرِ (مُنْتَفٍ؛ لِأَنَّ عليه السلام يَقْتَضِي الْمُبَادَرَةَ) إلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ (وَإِنْ كَانَ مَا كَانَ) وَكَيْفَ لَا وَهُوَ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ (وَقَوْلُهُمْ) أَيْ الْمَانِعِينَ (فَعَلَ) أَيْ ذَبَحَ وَ (لَكِنْ) كَانَ كُلَّمَا قَطَعَ شَيْئًا (الْتَحَمَ) أَيْ بَرَأَ وَاتَّصَلَ مَا تَفَرَّقَ عَقِيبَ الْقَطْعِ أَيْ كَانَ مَأْمُورًا وَلَكِنْ بِمَا هُوَ مَقْدُورٌ لَهُ مِنْ فِعْلِهِ وَهُوَ إمْرَارُ السِّكِّينِ عَلَى الْحَلْقِ وَالتَّحَامُلُ عَلَيْهِ وَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ مِنْ قَطْعِ الْأَوْدَاجِ فَحَصَلَ مُطَاوِعُ الذَّبْحِ لَكِنْ انْعَدَمَ أَثَرُهُ وَطَرَأَ ضِدُّهُ عَقِبَهُ وَلِهَذَا قِيلَ لَهُ {قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا} [الصافات: 105] وَمُدِحَ عَلَى ذَلِكَ (دَعْوًى مُجَرَّدَةٌ) عَنْ الثُّبُوتِ (كَذَا) قَوْلُهُمْ (مُنِعَ) الْقَطْعُ (بِصَفِيحَةٍ) مِنْ حَدِيدٍ أَوْ نُحَاسٍ خُلِقَتْ عَلَى حَلْقِهِ أَيْ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ أَثَرٌ لِوُجُودِ هَذَا الْمَانِعِ فَلَمْ يَحْصُلْ مُطَاوِعُ الذَّبْحِ دَعْوًى مُجَرَّدَةٌ مَعَ أَنْ كُلًّا خِلَافَ الْعَادَةِ وَالظَّاهِرِ، وَلَمْ يُنْقَلْ نَقْلًا مُعْتَبَرًا وَلَوْ صَحَّ لَنُقِلَ وَاشْتُهِرَ وَكَانَ مِنْ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْمُعْجِزَاتِ الْبَاهِرَةِ وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَدْ صَدَّقْت؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - أَنَّك عَمِلْت فِي الْمُقَدَّمَاتِ عَمَلَ مُصَدِّقٍ لِلرُّؤْيَا بِقَلْبِهِ قُلْت لَكِنْ يُعَكِّرُ هَذَا مَا أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ عَنْ السُّدِّيِّ وَهُوَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ تَابِعِيٌّ صَغِيرٌ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ «لَمَّا أُمِرَ إبْرَاهِيمُ

ص: 51

- عليه السلام بِذَبْحِ ابْنِهِ قَالَ الْغُلَامُ يَا أَبَتِ اُشْدُدْ عَلَيَّ رِبَاطِي لِئَلَّا أَضْطَرِبَ وَاكْفُفْ عَنِّي ثِيَابَكَ لِئَلَّا يَنْضَحَ عَلَيْكَ مِنْ دَمِي وَأَسْرِعْ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِي لِيَكُونَ أَهْوَنَ عَلَيَّ قَالَ فَأَمَرَّ السِّكِّينَ عَلَى حَلْقِهِ وَهُوَ يَبْكِي فَضَرَبَ اللَّهُ عَلَى حَلْقِهِ صَفِيحَةً مِنْ نُحَاسٍ. قَالَ فَقَلَبَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَحَزَّ الْقَفَا فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى {وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ} [الصافات: 103] فَنُودِيَ أَنْ يَا إبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا فَإِذَا الْكَبْشُ فَأَخَذَهُ وَذَبَحَهُ وَأَقْبَلَ عَلَى ابْنِهِ يُقَبِّلُهُ وَيَقُولُ يَا بُنَيَّ الْيَوْمَ وُهِبْتَ لِي»

وَأَخْرَجَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ مُجَاهِدٍ «أَنَّ إبْرَاهِيمَ عليه الصلاة والسلام أَمَرَّ السِّكِّينَ فَانْثَنَتْ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى فَقَالَ لَهُ الْغُلَامُ اطْعَنْ بِهَا طَعْنًا فَطَعَنَ بِهَا فَانْقَلَبَتْ فَنُودِيَ حِينَئِذٍ» ، ثُمَّ عَلَى هَذَا لَا يَتِمُّ قَوْلُهُ (مَعَ أَنَّهُ) أَيْ الذَّبْحَ عَلَى التَّقْدِيرِ الثَّانِي (حِينَئِذٍ تَكْلِيفٌ بِمَا لَا يُطَاقُ) لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ حِينَئِذٍ عَلَى حَقِيقَةِ الذَّبْحِ الَّذِي هُوَ قَطْعُ الْحَلْقِ عَلَى وَجْهٍ تَبْطُلُ بِهِ الْحَيَاةُ وَالْمُعْتَزِلَةُ لَا يُجَوِّزُونَهُ (ثُمَّ هُوَ) أَيْ هَذَا الْمَنْعُ (نَسْخٌ) لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ الذَّبْحُ (أَيْضًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ) مِنْهُ وَإِلَّا أَثِمَ بِتَرْكِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ تَكْلِيفًا بِمَا لَا يُطَاقُ أَنْ لَوْ كَانَ التَّكْلِيفُ بِحَقِيقَةِ الذَّبْحِ مَوْجُودًا حَالَةَ قِيَامِ هَذَا الْمَانِعِ بِحَلْقِهِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِهِ بَلْ نَقُولُ زَالَ التَّكْلِيفُ بِحَقِيقَةِ الذَّبْحِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بِالْمَانِعِ الْمَذْكُورِ، وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّ الْمَانِعَ الْمَذْكُورَ إنَّمَا يَكُونُ نَسْخًا قَبْلَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْفِعْلِ أَنْ لَوْ كَانَ دَلِيلًا شَرْعِيًّا لَكِنَّهُ لَيْسَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، نَعَمْ أُجِيبَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْقَائِلَ بِالنَّسْخِ لَا يَقُولُ نُسِخَ بِالْمَانِعِ الْمَذْكُورِ بَلْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107] وَإِنَّمَا يُذْكَرُ الْمَانِعُ الْمَذْكُورُ لِعَدَمِ التَّمَكُّنِ مِنْ الذَّبْحِ فَيَكُونُ النَّسْخُ بِالدَّلِيلِ الْمَذْكُورِ قَبْلَ التَّمَكُّنِ بِالْمَانِعِ لَا بِنَفْسِ الْمَانِعِ (وَلِلْحَنَفِيَّةِ) فِي جَوَابِهِمْ (مُنِعَ النَّسْخُ وَالتَّرْكُ) لِلْمَأْمُورِ بِهِ (لِلْفِدَاءِ) أَيْ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ} [الصافات: 107](وَهُوَ) أَيْ الْفِدَاءُ (مَا يَقُومُ مَقَامَ الشَّيْءِ فِي تَلَقِّي الْمَكْرُوهِ) الْمُتَوَجِّهِ عَلَيْهِ وَمِنْهُ فَدَتْكَ نَفْسِي أَيْ قَبِلَتْ مَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْك مِنْ الْمَكْرُوهِ.

وَحَاصِلُ مَا لَهُمْ كَمَا قَالَهُ الْمُصَنِّفُ رحمه الله أَنَّ النَّسْخَ رَفْعُ الْحُكْمِ، وَالْوَلَدُ وَنَحْوُهُ مَحَلٌّ لِلْفِعْلِ الَّذِي هُوَ مُتَعَلِّقُ الْحُكْمِ فَهُوَ مَحَلُّ مَحَلِّ الْحُكْمِ وَمَحَلُّ الْحُكْمِ لَيْسَ دَاخِلًا فِي الْحُكْمِ فَضْلًا عَنْ مَحَلِّ مَحَلِّهِ وَإِنَّمَا يَتَحَقَّقُ نَسْخُ الْحُكْمِ بِرَفْعِهِ لَا بِإِبْدَالِ مَحَلِّهِ بَلْ الْإِبْدَالُ يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ الْحُكْمِ غَيْرَ أَنَّهُ جُعِلَ مَحَلَّهُ فِدَاءً عِوَضًا عَنْ ذَاكَ فَإِذَنْ كَمَا قَالَ (فَلَوْ ارْتَفَعَ) وُجُوبُ ذَبْحِ الْوَلَدِ (لَمْ يُفِدْ) أَيْ لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُ مَقَامَهُ، وَلَمْ يُسَمَّ فِدَاءً لَهُ، وَالتَّالِي مُنْتَفٍ وَنَظِيرُهُ بَقَاءُ وُجُوبِ الصَّوْمِ فِي حَقِّ الشَّيْخِ الْفَانِي عِنْدَ وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ وَإِلَّا لَمْ تَجِبْ الْفِدْيَةُ عَلَيْهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ تَرْكُ الْمَأْمُورِ بِهِ حَتَّى يَلْزَمَ الْإِثْمُ (وَمَا قِيلَ) مِنْ الْإِيرَادِ عَلَى هَذَا (الْأَمْرِ بِذَبْحِهِ) أَيْ الْفِدَاءِ (بَدَلًا هُوَ النَّسْخُ) يَعْنِي جَعْلَ وُجُوبِ ذَبْحِ الْفِدَاءِ بَدَلًا عَنْ وُجُوبِ ذَبْحِ الْوَلَدِ وَهَذَا نَسْخٌ ظَاهِرٌ فَجَوَابُهُ هَذَا (مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِهِ) أَيْ ثُبُوتِ رَفْعِ ذَلِكَ الْوُجُوبِ الْمُتَعَلِّقِ بِذَبْحِ الْوَلَدِ وَإِثْبَاتِ وُجُوبٍ آخَرَ لِذَبْحِ الْكَبْشِ (وَهُوَ) أَيْ ثُبُوتُ هَذَا (مُنْتَفٍ) وَلَا يَلْزَمُ مِنْ مُجَرَّدِ إبْدَالِ الْمَحَلِّ ذَلِكَ لَا يُقَالُ إنْ لَمْ يَلْزَمْ ذَلِكَ مِنْ مُجَرَّدِ الْإِبْدَالِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِيهِ؛ لِأَنَّا نَمْنَعُهُ بَلْ الْإِبْدَالُ كَمَا جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعَ إيجَابٍ آخَرَ جَازَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْإِيجَابِ الْأَوَّلِ وَإِذَا جَازَ وَجَبَ اعْتِبَارُهُ مَعَ الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ اعْتِبَارٌ لَا يُؤَدِّي إلَى النَّسْخِ وَكُلُّ اعْتِبَارٍ كَذَلِكَ يَتَرَجَّحُ مَا يُؤَدِّي إلَيْهِ فَتَعَيَّنَ. ذَكَرَهُ الْمُصَنِّفُ وَفِي التَّلْوِيحِ فَإِنْ.

قِيلَ: هَبْ أَنَّ الْخَلَفَ قَامَ مَقَامَ الْأَصْلِ لَكِنَّهُ اسْتَلْزَمَ حُرْمَةَ الْأَصْلِ أَعْنِي ذَبْحَ الْوَلَدِ وَتَحْرِيمُ الشَّيْءِ بَعْدَ وُجُوبِهِ نَسْخٌ لَا مَحَالَةَ فَجَوَابُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ كَوْنَهُ نَسْخًا وَإِنَّمَا يَلْزَمُ لَوْ كَانَ حُكْمًا شَرْعِيًّا وَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنَّ حُرْمَةَ ذَبْحِ الْوَلَدِ ثَابِتَةٌ فِي الْأَصْلِ فَزَالَتْ بِالْوُجُوبِ، ثُمَّ عَادَتْ بِقِيَامِ الشَّاةِ مَقَامَ الْوَلَدِ فَلَا يَكُونُ حُكْمُهَا شَرْعِيًّا حَتَّى يَكُونَ ثُبُوتُهَا نَسْخًا لِلْوُجُوبِ انْتَهَى. قُلْت وَهَذَا عَلَى مِنْوَالِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ رَفْعَ الْإِبَاحَةِ الْأَصْلِيَّةِ لَيْسَ نَسْخًا إمَّا عَلَى أَنَّهُ نَسْخٌ كَمَا الْتَزَمَهُ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ إذْ لَا إبَاحَةَ وَلَا تَحْرِيمَ قَطُّ إلَّا بِشَرْعٍ كَمَا تَقَدَّمَ أَيْضًا يَكُونُ رَفْعُ الْحُرْمَةِ الْأَصْلِيَّةِ نَسْخًا، ثُمَّ إذَا كَانَ رَفْعُهَا نَسْخًا يَكُونُ ثُبُوتُهَا بَعْدَ رَفْعِهَا نَسْخًا أَيْضًا فَيَبْقَى الْإِيرَادُ الْمَذْكُورُ مُحْتَاجًا إلَى الْجَوَابِ فَلْيُتَأَمَّلْ، ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي الذَّبِيحِ قَالَ أَبُو الرَّبِيعُ الطُّوفِيُّ فَالْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ إسْمَاعِيلُ وَأَهْلُ الْكِتَابِ عَلَى أَنَّهُ

ص: 52