المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[مسألة أفتى بعض المجتهدين بشيء من الأمور الاجتهادية أو قضى به واشتهر بين المجتهدين من أهل عصره وسكتوا بعد علمهم بذلك] - التقرير والتحبير على كتاب التحرير - جـ ٣

[ابن أمير حاج]

فهرس الكتاب

- ‌[فَصْلٌ فِي التَّعَارُضِ]

- ‌[مَسْأَلَة جَرْيِ التَّعَارُضِ بَيْنَ قَوْلَيْنِ وَنَفْيِهِ]

- ‌[مَسْأَلَة لَا تَرْجِيحَ بِكَثْرَةِ الْأَدِلَّةِ وَالرُّوَاةِ]

- ‌[فَصْلٌ يَلْحَقُ السَّمْعِيَّيْنِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ]

- ‌[مَسْأَلَة وَيَكُونُ الْبَيَانُ بِالْفِعْلِ كَالْقَوْلِ]

- ‌[مَسْأَلَة جَوَازِهِ أَيْ النَّسْخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ جَوَازِ النَّسْخِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ حُكْمِ فِعْلٍ لَا يَقْبَلُ حُسْنُهُ وَقُبْحُهُ السُّقُوطَ]

- ‌[مَسْأَلَةُ لَا يَجْرِي النَّسْخُ فِي الْأَخْبَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْحُكْمُ بِلَا بَدَلٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ التَّكْلِيفِ بِتَكْلِيفٍ أَخَفَّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ نَسْخُ السُّنَّةِ بِالْقُرْآنِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ جَمِيعِ الْقُرْآنِ مَمْنُوعٌ بِالْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْسَخُ الْإِجْمَاعُ وَلَا يُنْسَخُ بِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا رُجِّحَ قِيَاسٌ مُتَأَخِّرٌ لِتَأَخُّرِ شَرْعِيَّةِ حُكْمِ أَصْلِهِ عَنْ نَصٍّ عَلَى نَقِيضِ حُكْمِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ نَسْخُ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فَحَوَى مَنْطُوقٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ النَّاسِخِ فِي حَقِّ الْأُمَّةِ بَعْدَ تَبْلِيغِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا زَادَ فِي مَشْرُوعٍ جُزْءًا أَوْ شَرْطًا لَهُ مُتَأَخِّرًا]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يُعْرَفُ النَّاسِخُ بِنَصِّهِ عليه السلام عَلَيْهِ وَضَبْطِ تَأَخُّرِهِ]

- ‌[الْبَابُ الرَّابِعُ فِي الْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ انْقِرَاضُ الْمُجْمِعِينَ لَيْسَ شَرْطًا لِانْعِقَادِهِ وَلَا لِحُجَّتِهِ]

- ‌[لَا يَشْتَرِطُ لِحُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ انْتِفَاءَ سَبْقِ خِلَافٍ مُسْتَقِرٍّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ عَدَدُ التَّوَاتُرِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّتِهِ أَيْ الْإِجْمَاعِ مَعَ كَوْنِ الْمُجْمِعِينَ أَكْثَرَ مُجْتَهِدِي ذَلِكَ الْعَصْرِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ عَدَالَةُ الْمُجْتَهِدِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي حُجِّيَّةِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيَّةِ كَوْنُهُمْ أَيْ الْمُجْمِعِينَ الصَّحَابَةَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِأَهْلِ الْبَيْتِ النَّبَوِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ بِالْأَرْبَعَةِ الْخُلَفَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ بِالشَّيْخَيْنِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاع بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَفْتَى بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَوْ قَضَى بِهِ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَسَكَتُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ]

- ‌[تَنْبِيهٌ لَوْ قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْإِجْمَاعِ هَذَا مُبَاحٌ وَأَقْدَمَ الْبَاقِي عَلَى فِعْلِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إذَا أُجْمِعَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَسْأَلَةٍ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْجُمْهُورُ إذَا أَجْمَعُوا أَيْ أَهْلُ عَصْرٍ عَلَى دَلِيلٍ لِحُكْمٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا إجْمَاعَ إلَّا عَنْ مُسْتَنَدٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ لَا يَعْلَمُوا أَيْ مُجْتَهِدُو عَصْرٍ دَلِيلًا سَالِمًا عَنْ الْمُعَارِضِ الْمُكَافِئِ لَهُ عَمِلُوا بِخِلَافِهِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْمُخْتَارُ امْتِنَاعُ ارْتِدَادِ أُمَّةِ عَصْرٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ ظُنَّ أَنَّ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ دِيَةُ الْيَهُودِيِّ الثُّلُثُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ يَتَمَسَّكُ فِيهِ بِالْإِجْمَاعِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إنْكَارُ حُكْمِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْإِجْمَاعِ يُحْتَجُّ بِهِ فِيمَا لَا يَتَوَقَّفُ حُجِّيَّتُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ]

- ‌[الْبَابُ الْخَامِسُ فِي الْقِيَاسِ]

- ‌[أَرْكَانُ قِيَاسِ الْعِلَّةِ]

- ‌[فِي الشُّرُوطِ]

- ‌[فَصْلٌ فِي الْعِلَّةِ]

- ‌[الْكَلَامُ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةِ وَشُرُوطِهَا وَطُرُقِ مَعْرِفَتِهَا]

- ‌[الْمَرْصَدُ الْأَوَّلُ فِي تَقْسِيمِ الْعِلَّةُ]

- ‌[تَتِمَّةٌ تَقْسِيمَ لَفْظُ الْعِلَّةِ بِالِاشْتِرَاكِ اللَّفْظِيِّ أَوْ الْمَجَازِ]

- ‌[الْمَرْصَدُ الثَّانِي فِي شُرُوطِ الْعِلَّةِ]

- ‌[تَنْبِيهٌ قَسَّمَ الْمُصَحِّحُونَ لِتَخْصِيصِ الْعِلَّةِ مَعَ الْمَانِعِ إلَى خَمْسَةٍ]

- ‌[لَا يُشْتَرَطُ فِي تَعْلِيلِ انْتِفَاءِ حُكْمٍ بِوُجُودِ مَانِعٍ]

- ‌[فَصْلٌ تَقْسِيم الْقِيَاسَ بِاعْتِبَارِ التَّفَاوُتِ فِي الْقُوَّةِ إلَى جَلِيٍّ وَخَفِيَ]

- ‌[مَسْأَلَةُ حُكْمِ الْقِيَاسِ الثُّبُوتُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ لَا تَثْبُتُ بِهِ أَيْ بِالْقِيَاسِ الْحُدُودُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تَكْلِيفُ الْمُجْتَهِدِ بِطَلَبِ الْمَنَاطِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ النَّصِّ مِنْ الشَّارِعِ عَلَى الْعِلَّةِ لِلْحُكْمِ يَكْفِي فِي إيجَابِ تَعَدِّيَةِ الْحُكْمِ بِهَا]

- ‌[فَصْلٌ فِي بَيَانِ الِاعْتِرَاضَاتِ الْوَارِدَةِ عَلَى الْقِيَاسِ]

- ‌[خَاتِمَةٌ لِلْكَلَامِ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ الثَّانِيَةِ]

- ‌[الْمَقَالَةُ الثَّالِثَةُ فِي الِاجْتِهَادِ وَمَا يَتْبَعُهُ مِنْ التَّقْلِيدِ وَالْإِفْتَاءِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ أَنَّهُ عليه السلام مَأْمُورٌ فِي حَادِثَةٍ لَا وَحْيَ فِيهَا بِانْتِظَارِ الْوَحْيِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ طَائِفَةٌ لَا يَجُوزُ عَقْلًا اجْتِهَادُ غَيْرِ النَّبِيّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الْعَقْلِيَّاتُ مَا لَا يَتَوَقَّفُ عَلَى سَمْعٍ كَحُدُوثِ الْعَالَمِ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمَسْأَلَةِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَيْ الَّتِي لَا قَاطِعَ فِيهَا مِنْ نَصٍّ أَوْ إجْمَاعٍ]

- ‌[مَسْأَلَةُ الْمُجْتَهِدِ بَعْدَ اجْتِهَادِهِ فِي وَاقِعَةٍ أَدَّى اجْتِهَادُهُ فِيهَا إلَى حُكْمٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ وَاقِعَةٌ اجْتَهَدَ الْمُجْتَهِدُ فِيهَا وَأَدَّى اجْتِهَادُهُ إلَى حُكْمٍ مُعَيَّنٍ لَهَا ثُمَّ تَكَرَّرَتْ الْوَاقِعَةُ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَصِحُّ فِي مَسْأَلَةٍ لِمُجْتَهِدٍ بَلْ لِعَاقِلٍ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ قَوْلَانِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يُنْقَضُ حُكْمٌ اجْتِهَادِيٌّ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ تُعْرَفُ بِمَسْأَلَةِ التَّعْرِيضِ فِي أُصُولِ الشَّافِعِيَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ خُلُوُّ الزَّمَانِ عَنْ مُجْتَهِدٍ]

- ‌[مَسْأَلَة التَّقْلِيد الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ إحْدَى الْحُجَجِ الْأَرْبَعِ الشَّرْعِيَّةِ]

- ‌[مَسْأَلَة غَيْر الْمُجْتَهِدِ المطلق يَلْزَمهُ التَّقْلِيد وَإِنَّ كَانَ مجتهدا فِي بَعْض مَسَائِل الْفِقْه]

- ‌[مَسْأَلَةٌ الِاتِّفَاقُ عَلَى حِلِّ اسْتِفْتَاءِ مَنْ عُرِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالِاجْتِهَادِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ إفْتَاءُ غَيْرِ الْمُجْتَهِدِ بِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ يَجُوزُ تَقْلِيدُ الْمَفْضُولِ مَعَ وُجُودِ الْأَفْضَلِ]

- ‌[مَسْأَلَةٌ لَا يَرْجِعُ الْمُقَلِّدُ فِيمَا قَلَّدَ الْمُجْتَهِدَ]

- ‌[إجْمَاعُ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى مَنْعِ الْعَوَامّ مِنْ تَقْلِيدِ أَعْيَانِ الصَّحَابَةِ]

- ‌[خَاتِمَة]

الفصل: ‌[مسألة أفتى بعض المجتهدين بشيء من الأمور الاجتهادية أو قضى به واشتهر بين المجتهدين من أهل عصره وسكتوا بعد علمهم بذلك]

الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ فِي الْمُلَخَّصِ، ثُمَّ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الْأَنْبَارِيُّ أَنَّهُ إذَا قُلْنَا إجْمَاعُهُمْ حُجَّةٌ لَا يُنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إجْمَاعِ جَمِيعِ الْأُمَّةِ حَتَّى يُفَسَّقَ الْمُخَالِفُ وَيُنْقَضَ قَضَاؤُهُ بَلْ حُجَّةٌ عَلَى مَعْنَى أَنَّ الْمُسْتَنِدَ إلَيْهِ مُسْتَنِدٌ إلَى مَأْخَذٍ مِنْ مَآخِذِ الشَّرِيعَةِ كَالْمُسْتَنِدِ إلَى الْقِيَاسِ وَخَبَرِ الْوَحْدِ (لَنَا الْأَدِلَّةُ) الْمُفِيدَةُ حُجِّيَّةَ الْإِجْمَاعِ (تَوَقُّفُهُ) أَيْ تَحَقُّقُ الْإِجْمَاعِ (عَلَى غَيْرِهِمْ) أَيْ غَيْرِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ؛ لِأَنَّ أَهْلَهَا لَيْسُوا كُلَّ الْأُمَّةِ فَلَا يَنْعَقِدُ بِهِمْ وَحْدَهُمْ.

(وَاسْتِدْلَالُهُمْ) أَيْ الْمَالِكِيَّةِ (بِأَنَّ الْعَادَةَ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْجَمْعِ الْمُنْحَصِرِ) فِي الْمَدِينَةِ مِنْ شَأْنِهِمْ أَنَّهُمْ مَعَ اجْتِهَادِهِمْ (يَتَشَاوَرُونَ وَيَتَنَاظَرُونَ) فِي الْوَاقِعَةِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا وَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى حُكْمٍ فِيهَا (لَا يُجْمِعُونَ إلَّا عَنْ رَاجِحٍ) فَيُكْتَفَى بِإِجْمَاعِهِمْ وَحْدَهُمْ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ (مَنَعَ قَضَاءَهَا) أَيْ الْعَادَةِ (بِهِ) أَيْ بِإِجْمَاعِهِمْ عَنْ رَاجِحٍ دُونَ سَائِرِ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّهُمْ الْمُخْتَصُّونَ بِهَذَا وَالْمُوجِبُ لِانْعِقَادِهِ مِنْهُمْ وَحْدَهُمْ هُوَ الِاخْتِصَاصُ (وَدُفِعَ) الْمَنْعِ (بِأَنَّ الْمُرَادَ) مِنْ أَنَّ الْعَادَةَ قَاضِيَةٌ بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الْجَمْعِ إلَخْ أَنَّ الْعَادَةَ (قَاضِيَةٌ) فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ عَلَى الْحُكْمِ إلَّا (بِاطِّلَاعِ الْأَكْثَرِ) مِنْ الْمُجْتَهِدِينَ عَلَى دَلِيلِهِ (فَامْتَنَعَ أَنْ لَا يَطَّلِعَ عَلَيْهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ أَحَدٌ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي الْأَكْثَرِ أَحَدٌ مِنْهُمْ) أَيْ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ شَأْنَ هَذَا الْجَمْعِ أَنْ لَا يُجْمِعُوا عَلَى أَمْرٍ إلَّا بَعْدَ تَشَاوُرٍ وَتَنَاظُرٍ وَذَلِكَ يَقْتَضِي اطِّلَاعَهُمْ عَلَيْهِ بِوَاسِطَةِ اطِّلَاعِ ذَلِكَ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ فَإِذَا أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ أَرْجَحَ مِنْهُ، فَإِنْ قِيلَ لَا نُسَلِّمُ امْتِنَاعَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى مَرْجُوحٍ إذْ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ فِي الْأَكْثَرِ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَلَا يَطَّلِعُونَ عَلَى دَلِيلٍ خِلَافَ قَوْلِهِمْ إذْ رُبَّ رَاجِحٍ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ الْبَعْضُ فَيُجَابُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مَا ذَكَرْنَا وَهَذَا احْتِمَالٌ مُمْكِنٌ بَعِيدٌ (وَالِاحْتِمَالُ) الْمُمْكِنُ الْبَعِيدُ (لَا يَنْفِي الظُّهُورَ وَهَذَا) أَيْ لَكِنَّ هَذَا الْجَوَابَ (انْحِطَاطٌ إلَى كَوْنِهِ) أَيْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ (حُجِّيَّةً ظَنِّيَّةً لَا) أَنَّهُ يَكُونُ (إجْمَاعًا) قَطْعِيًّا وَقَدْ صَرَّحَ أَكْثَرُ الْمَغَارِبَةِ بِهِ عَلَى مَا نَقَلَهُ السُّبْكِيُّ عَنْهُمْ فَقَالُوا وَلَيْسَ قَطْعِيًّا بَلْ ظَنِّيٌّ يُقَدَّمُ عَلَى خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْقِيَاسِ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِقَوْلِ جُمْهُورِهِمْ بَلْ قَوْلُ جُمْهُورِهِمْ تَقْدِيمُ الْخَبَرِ أَوْلَى كَمَا ذَكَرْنَاهُ آنِفًا عَنْ الْقُرْطُبِيِّ.

(فَإِنْ قِيلَ يَلْزَمُ مِثْلُهُ) أَيْ انْعِقَادُ الْإِجْمَاعِ بِمِثْلِ هَذَا الْجَمْعِ (فِي أَهْلِ) بَلْدَةٍ (أُخْرَى) كَمَكَّةَ وَالْكُوفَةِ وَالْبَصْرَةِ وَحْدَهُمْ (لِذَلِكَ) أَيْ لِأَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ إلَّا بِاطِّلَاعِ الْأَكْثَرِ عَلَى الدَّلِيلِ الرَّاجِحِ عَلَى ذَلِكَ الْحُكْمِ وَيَمْتَنِعُ أَنْ لَا يَطَّلِعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ إلَى آخِرِ مَا وَجَّهْنَاهُ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ (اُلْتُزِمَ) هَذَا (وَصَارَ الْحَاصِلُ أَنَّ اتِّفَاقَ مِثْلِهِمْ حُجَّةٌ يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُعَارِضِ مِنْ خِلَافِ مِثْلِهِ) غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ مُصَرَّحًا بِهِ عَنْ مَالِكٍ وَقَدَّمْنَا نَحْوَهُ عَنْ الْأَنْبَارِيِّ وَلَا بَأْسَ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.

[مَسْأَلَةٌ أَفْتَى بَعْضُ الْمُجْتَهِدِينَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ أَوْ قَضَى بِهِ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَسَكَتُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ]

(مَسْأَلَةٌ إذَا أَفْتَى بَعْضُهُمْ) أَيْ الْمُجْتَهِدِينَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأُمُورِ الِاجْتِهَادِيَّةِ التَّكْلِيفِيَّةِ (أَوْ قَضَى) بَعْضُهُمْ بِهِ وَاشْتَهَرَ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ وَسَكَتُوا بَعْدَ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَنَظَرِهِمْ فِيهِ (وَلَمْ يُخَالِفْ) فِي الْفُتْيَا وَلَا فِي الْقَضَاءِ وَكَانَ ذَلِكَ (قَبْلَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ) فِي تِلْكَ الْحَادِثَةِ وَاسْتَمَرَّ الْحَالُ عَلَى هَذَا (إلَى مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ) وَهِيَ عَلَى مَا ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ حِينَ يَتَبَيَّنُ لِلسَّاكِتِ الْوَجْهُ فِيهِ وَفِي الْمِيزَانِ وَأَدْنَاهُ إلَى آخِرِ الْمَجْلِسِ أَيْ مَجْلِسِ بُلُوغِ الْخَبَرِ وَقِيلَ يُعْذَرُ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ بَعْدَ بُلُوغِ الْخَبَرِ قِيلَ وَإِلَيْهِ أَشَارَ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيّ حَيْثُ قَالَ فَإِذَا اسْتَمَرَّتْ الْأَيَّامُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُظْهِرْ السَّاكِتُ خِلَافًا مَعَ الْعِنَايَةِ مِنْهُمْ بِأَمْرِ الدِّينِ وَحِرَاسَةِ الْأَحْكَامِ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ إنَّمَا لَمْ يُظْهِرُوا الْخِلَافُ؛ لِأَنَّهُمْ مُوَافِقُونَ لَهُمْ انْتَهَى. لِأَنَّهُ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْأَيَّامِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ وَأَقَلُّهُ ثَلَاثَةٌ قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا أَنَّ تَرْكَ إظْهَارِ الْخِلَافِ إنَّمَا يَكُونُ دَلَالَةً عَلَى الْمُوَافَقَةِ إذَا انْتَشَرَ الْقَوْلُ وَظَهَرَ وَمَرَّتْ عَلَيْهِ أَوْقَاتٌ يُعْلَمُ فِي مَجْرَى الْعَادَةِ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ هُنَاكَ مُخَالِفٌ لَأَظْهَرَ الْخِلَافَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَى غَيْرِهِ مَقَالَتَهُ إذْ كَانَ قَدْ اسْتَوْعَبَ مُدَّةَ النَّظَرِ وَالْفِكْرِ انْتَهَى.

وَهَذَا مَعْنَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ وَعَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ (وَلَا تَقِيَّةَ) أَيْ خَوْفٍ يَمْنَعُ السَّاكِتَ مِنْ الْمُخَالَفَةِ (فَأَكْثَرُ الْحَنَفِيَّةِ) وَأَحْمَدَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ كَأَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ أَنَّ هَذَا (إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ وَابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ) مِنْ الشَّافِعِيَّةِ هُوَ فِي الْفُتْيَا (كَذَلِكَ) أَيْ إجْمَاعٌ قَطْعِيٌّ (لَا فِي الْقَضَاءِ)

ص: 101

ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ وَاَلَّذِي فِي الْمَحْصُولِ وَالْبَحْرِ لِلرُّويَانِيِّ وَالْأَوْسَطِ لِابْنِ بَرْهَانٍ عَنْهُ إنْ كَانَ الْقَائِلُ حَاكِمًا لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةَ وَإِلَّا فَنَعَمْ وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّقْلَيْنِ وَاضِحٌ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ صُدُورِهِ عَنْ الْحَاكِمِ أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ فَقَدْ يُفْتِي الْحَاكِمُ تَارَةً وَيَقْضِي أُخْرَى وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ إجْمَاعٌ إنْ كَانَ حُكْمًا، غَيْرُ إجْمَاعٍ إنْ كَانَ فُتْيَا (وَعَنْ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِحُجَّةٍ) فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ إجْمَاعًا (وَبِهِ قَالَ ابْنُ أَبَانَ وَالْبَاقِلَّانِيّ وَدَاوُد وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ) وَالْغَزَالِيُّ بَلْ ذَكَرَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ الْإِسْنَوِيُّ وَقَالَ فِي الْبُرْهَانِ إنَّهُ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ وَالْغَزَالِيُّ فِي الْمَنْخُولِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَالسُّبْكِيُّ. وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ نَقَلُوا أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ السُّكُوتِيُّ لَيْسَ بِإِجْمَاعٍ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي وَذَكَرَ أَنَّهُ آخِرُ أَقْوَالِهِ قَالَ الْبَاجِيُّ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَابْنُ بَرْهَانٍ إلَيْهِ ذَهَبَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ الْكَرْخِيُّ وَنَصَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ وَالرَّافِعِيُّ أَنَّهُ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْأَصْحَابِ وَالنَّوَوِيُّ أَنَّهُ الصَّوَابُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُتُبِ أَصْحَابِنَا الْعِرَاقِيِّينَ فِي الْأُصُولِ وَمُقَدِّمَاتِ كُتُبِهِمْ الْمَبْسُوطَةِ فِي الْفُرُوعِ انْتَهَى.

وَصَرَّحَ بِهِ فِي الرِّسَالَةِ أَيْضًا لَكِنْ صَرَّحَ فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْأُمِّ بِخِلَافِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ وَأَنْ يُنَزَّلُ الْقَوْلَانِ عَلَى حَالَيْنِ فَالنَّفْيُ عَلَى مَا إذَا صَدَرَ مِنْ حَاكِمٍ وَالْإِثْبَاتُ إذَا مَا صَدَرَ مِنْ غَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي اللُّمَعِ إنَّهُ إجْمَاعٌ عَلَى الْمَذْهَبِ وَجَمَعَ السُّبْكِيُّ بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ الْمَنْفِيَّ هُوَ الْقَطْعِيُّ وَالْمُثْبَتُ هُوَ الظَّنِّيُّ، وَأَمَّا مُتَقَدِّمُو الْأُصُولِيِّينَ فَلَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْإِجْمَاعِ إلَّا عَلَى الْقَطْعِيِّ انْتَهَى.

قُلْت وَأُخِذَ هَذَا مِنْ قَوْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ كَالرُّويَانِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالرَّافِعِيِّ أَنَّهُ حُجَّةٌ وَهَلْ هُوَ إجْمَاعٌ فِيهِ وَجْهَانِ (وَالْجُبَّائِيُّ إجْمَاعٌ بِشَرْطِ الِانْقِرَاضِ) لِلْعَصْرِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَنَقَلَهُ ابْنُ فُورَكٍ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِ مَذْهَبِهِ وَالْأُسْتَاذُ أَبُو طَاهِرٍ عَنْ حُذَّاقِهِمْ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَقَالَ فِي اللُّمَعِ إنَّهُ الْمَذْهَبُ وَالرَّافِعِيُّ إنَّهُ أَصَحُّ الْأَوْجُهِ (وَمُخْتَارُ الْآمِدِيِّ) وَالْكَرْخِيِّ وَالصَّيْرَفِيِّ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ كَأَبِي هَاشِمٍ عَلَى مَا فِي الْقَوَاطِعِ (إجْمَاعٌ ظَنِّيٌّ أَوْ حُجَّةٌ ظَنِّيَّةٌ) وَقِيلَ إنْ كَانَ السَّاكِنُونَ أَقَلَّ كَانَ إجْمَاعًا وَإِلَّا فَلَا وَهُوَ مُخْتَارُ الْجَصَّاصِ، وَحَكَاهُ السَّرَخْسِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقِيلَ إنْ وَقَعَ فِي شَيْءٍ يَفُوتُ اسْتِدْرَاكُهُ مِنْ إرَاقَةِ دَمٍ أَوْ اسْتِبَاحَةِ فَرْجٍ فَإِجْمَاعٌ وَإِلَّا فَحُجَّةٌ وَفِي كَوْنِهِ إجْمَاعًا وَجْهَانِ وَذَهَبَ الرُّويَانِيُّ إلَى هَذَا التَّفْصِيلِ فِيمَا إذَا كَانَ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ أَمَّا إذَا كَانَ فِي غَيْرِ عَصْرِهِمْ فَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً وَأَلْحَقَ الْمَاوَرْدِيُّ التَّابِعِينَ بِالصَّحَابَةِ فِي ذَلِكَ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ الصَّحِيحُ، وَصَاحِبُ الْوَافِي تَابِعِي التَّابِعِينَ بِالتَّابِعِينَ، وَصَرَّحَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْمُتَوَلِّي بِأَنَّ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْأَعْصَارِ كَذَلِكَ وَهُوَ مُتَّجِهٌ قَالَ (الْحَنَفِيَّةُ لَوْ شُرِطَ سَمَاعُ قَوْلِ كُلٍّ) مِنْ الْمُجْمِعِينَ (انْتَفَى) الْإِجْمَاعُ (لِتَعَذُّرِهِ) أَيْ سَمَاعِ قَوْلِ كُلٍّ (عَادَةً) قَالَ السَّرَخْسِيُّ إذْ لَيْسَ فِي وُسْعِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ السَّمَاعُ مِنْ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُمْ بِقُرُونٍ فَهُوَ سَاقِطٌ عَنْهُمْ؛ لِأَنَّ الْمُتَعَذِّرَ كَالْمُمْتَنِعِ، وَكَذَا يَتَعَذَّرُ السَّمَاعُ عَنْ جَمِيعِ عُلَمَاءِ الْعَصْرِ وَالْوُقُوفُ عَلَى قَوْلِ كُلٍّ مِنْهُمْ فِي حُكْمِ حَادِثَةٍ حَقِيقَةً لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ الْبَيِّنِ لَكِنَّ الْإِجْمَاعَ غَيْرُ مُنْتَفٍ فَالشَّرْطُ الْمَذْكُورُ مُنْتَفٍ، فَإِنْ قِيلَ فَمِنْ أَيْنَ تَعْلَمُونَ السُّكُوتِيَّ مِنْ الْقَوْلِ حِينَئِذٍ؟ فَالْجَوَابُ بِالتَّتَبُّعِ لِكَيْفِيَّةِ وُقُوعِهِ فَمَا تُتُبِّعَ فَلَمْ يُدْرَ كَيْفَ وُجِدَ كَانَ قَوْلِيًّا؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَمَا تُتُبِّعَ فَوُجِدَ أَنَّهُ أَفْتَى بِهِ أَوْ قَضَى بِهِ بَعْضُهُمْ بِمَحْضَرٍ مِنْهُمْ أَوْ بِغَيْبَةٍ مِنْهُمْ وَبَلَغَهُمْ فَسَكَتُوا وَلَمْ يُنْكِرُوهُ أَوْ نُقِلَ ابْتِدَاءً بِهَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ فَهُوَ سُكُوتِيٌّ.

(وَأَيْضًا الْعَادَةُ فِي كُلِّ عَصْرٍ إفْتَاءُ الْأَكَابِرِ وَسُكُوتُ الْأَصَاغِرِ تَسْلِيمًا وَلِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ) أَيْ السُّكُوتِيَّ (إجْمَاعٌ فِي الْأُمُورِ الِاعْتِقَادِيَّةِ فَكَذَا) الْأَحْكَامُ (الْفَرْعِيَّةُ) يَكُونُ فِيهَا إجْمَاعًا قَالَ (النَّافُونَ) لِحُجِّيَّتِهِ (مُطْلَقًا) أَيْ قَطْعًا وَظَنًّا (السُّكُوتُ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الْمُوَافَقَةِ مِنْ خَوْفٍ أَوْ تَفَكُّرٍ أَوْ عَدَمِ اجْتِهَادٍ أَوْ تَعْظِيمٍ) لِلْقَائِلِ فَلَا يَكُونُ إجْمَاعًا وَلَا حُجَّةً مَعَ قِيَامِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ (أَجَابَ الظَّنِّيُّ بِأَنَّهُ) أَيْ السُّكُوتَ (ظَاهِرٌ فِي الْمُوَافَقَةِ)

ص: 102

لِلْمُفْتِي فِي فَتْوَاهُ وَالْقَاضِي فِي قَضَائِهِ (وَفِي غَيْرِهَا) أَيْ وَالسُّكُوتُ فِي غَيْرِ الْمُوَافَقَةِ مِمَّا ذُكِرَ (احْتِمَالَاتٌ) غَيْرُ ظَاهِرَةٍ وَهِيَ (لَا تَنْفِي الظُّهُورَ وَ) أَجَابَ (الْحَنَفِيَّةُ انْتَفَى الْأَوَّلُ) وَهُوَ السُّكُوتُ لِلْخَوْفِ (بِالْعَرَضِ) حَيْثُ قُلْنَا وَلَا تَقِيَّةَ (وَ) انْتَفَى (مَا بَعْدَهُ) وَهُوَ السُّكُوتُ لِلتَّفَكُّرِ (بِمُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ فِيهِ عَادَةً وَ) السُّكُوتُ (لِلتَّعْظِيمِ بِلَا تَقِيَّةٍ فِسْقٌ) كَتَرْكِ الْوَاجِبِ الَّذِي هُوَ الرَّدُّ؛ لِأَنَّ الْفَتْوَى أَوْ الْقَضَاءَ إذَا كَانَ غَيْرَ حَقٍّ يَكُونُ مُنْكَرًا وَاجِبَ الرَّدِّ فَلَا يُنْسَبُ إلَى الْمُتَدَيِّنِ وَكَيْفَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَبَاحِثَ الْمُجْتَهِدِينَ مَأْمُونَةُ الْعَوَاقِبِ لِطَهَارَةِ مَقَاصِدِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ مُتَظَاهِرُونَ عَلَى النَّصِيحَةِ بِتَحْقِيقِ الْحَقِّ وَإِزَاحَةِ الْبَاطِلِ؛ لِأَنَّهُمْ أَئِمَّةُ الدِّينِ وَالسَّادَةُ الْقَادَةُ إلَى الْيَقِينِ فَإِنْ اُدُّعِيَ ثُبُوتُ ذَلِكَ عَنْ سَاكِتٍ فَلَا يَقْدَحُ مُخَالَفَتُهُ حِينَئِذٍ؛ لِأَنَّ الْقَادِحَ قَوْلُ الْمُجْتَهِدِ الْعَدْلِ وَهَذَا عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ لَيْسَ بِهِ وَكَيْفَ لَا وَمَنْ تَسَامَحَ فِي الدِّينِ وَلَوْ بِمَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ يَخْرُجُ عَنْ الْأَهْلِيَّةِ، وَإِنْ فُرِضَ كَوْنُ الْقَاضِي ظَالِمًا يَبْطِشُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَمَوَاضِعِ الْإِنْكَارِ مِمَّنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ فَهُوَ غَيْرُ أَهْلٍ فَلَا يُعْتَبَرُ قَوْلُهُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَصِيرَ إجْمَاعًا.

(وَمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سُكُوتِهِ عَنْ عُمَرَ فِي الْقَوْلِ) مِنْ قَوْلِهِ (كَانَ مَهِيبًا نَفَوْا) أَيْ الْحَنَفِيَّةُ كَفَخْرِ الْإِسْلَامِ وَالْقَاضِي أَبِي زَيْدٍ (صِحَّتَهُ) عَنْهُ (وَلِأَنَّهُ) أَيْ عُمَرَ رضي الله عنه (كَانَ يُقَدِّمُهُ) أَيْ ابْنَ عَبَّاسٍ (عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْأَكَابِرِ وَيَسْتَحْسِنُ قَوْلَهُ) فَعَنْهُ كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ فَكَأَنَّ بَعْضَهُمْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ لِمَ يَدْخُلُ هَذَا مَعَنَا وَلَنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ فَقَالَ عُمَرُ إنَّهُ مِنْ حَيْثُ عَلِمْتُمْ فَدَعَانِي ذَاتَ يَوْمٍ فَأَدْخَلَنِي مَعَهُمْ فَمَا رَأَيْت أَنَّهُ دَعَانِي يَوْمئِذٍ إلَّا لِيُرِيَهُمْ قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي قَوْلِ اللَّهِ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَمَرَنَا أَنْ نَحْمَدَ اللَّهَ وَنَسْتَغْفِرَهُ إذَا نَصَرَنَا وَفَتَحَ عَلَيْنَا وَسَكَتَ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَقَالَ لِي أَكَذَلِكَ تَقُولُ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْت لَا قَالَ فَمَا تَقُولُ قُلْت هُوَ أَجَلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَهُ لَهُ قَالَ {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: 1] وَذَلِكَ عَلَامَةُ أَجَلِك {فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا} [النصر: 3] فَقَالَ عُمَرُ مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إلَّا مَا تَقُولُ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَعَنْهُ قَالَ دَعَا عُمَرُ الْأَشْيَاخَ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ذَاتَ يَوْمٍ فَقَالَ لَهُمْ «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مَا عَلِمْتُمْ الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ» وِتْرًا فَفِي أَيْ الْوِتْرِ تَرَوْنَهَا فَقَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ إنَّهَا تَاسِعَةٌ سَابِعَةٌ خَامِسَةٌ ثَالِثَةٌ فَقَالَ يَا ابْنَ عَبَّاسٍ تَكَلَّمْ قَالَ قُلْت أَقُولُ بِرَأْيِي قَالَ عَنْ رَأْيِك أَسْأَلُك قُلْت إنِّي سَمِعْت وَاَللَّهِ أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِ السَّبْعِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ قَالَ عُمَرُ أَعْجَزْتُمْ أَنْ تَقُولُوا مِثْلَ مَا قَالَ هَذَا الْغُلَامُ الَّذِي لَمْ تَسْتَوْشِئُوا رَأْسَهُ أَخْرَجَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

(وَكَانَ) عُمَرُ رضي الله عنه (أَلْيَنَ لِلْحَقِّ) وَأَشَدَّ انْقِيَادًا لَهُ مِنْ غَيْرِهِ (وَعَنْهُ لَا خَيْرَ فِيكُمْ إنْ لَمْ تَقُولُوا وَلَا خَيْرَ فِي إنْ لَمْ أَسْمَعْ) ذَكَرَهُ فِي التَّقْوِيمِ وَغَيْرِهِ (وَقِصَّتُهُ مَعَ الْمَرْأَةِ فِي نَهْيِهِ عَنْ مُغَالَاةِ الْمَهْرِ شَهِيرَةٌ) رَوَاهَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَبُو يَعْلَى الْمُوصِلِيُّ بِسَنَدٍ قَوِيٍّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ رَكِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مِنْبَرَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثُمَّ قَالَ أَيُّهَا النَّاسُ مَا إكْثَارُكُمْ فِي صُدُقِ النِّسَاءِ وَقَدْ «كَانَ الصَّدُقَاتُ فِيمَا بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ أَصْحَابِهِ أَرْبَعُمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَا دُونَ ذَلِكَ» وَلَوْ كَانَ الْإِكْثَارُ فِي ذَلِكَ تَقْوًى عِنْدَ اللَّهِ أَوْ مَكْرُمَةً لَمْ تَسْبِقُوهُمْ إلَيْهَا فَلَا أَعْرِفَنَّ مَا زَادَ رَجُلٌ فِي صَدَاقِ امْرَأَةٍ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ ثُمَّ نَزَلَ فَاعْتَرَضَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَقَالَتْ لَهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ نَهَيْتَ النَّاسَ أَنْ يَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صُدُقِهِنَّ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالَ نَعَمْ قَالَتْ أَمَا سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا} [النساء: 20] فَقَالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ عَفْوًا كُلُّ أَحَدٍ أَفْقَهُ مِنْ عُمَرَ قَالَ، ثُمَّ رَجَعَ فَرَكِبَ الْمِنْبَرَ، ثُمَّ قَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي كُنْت نَهَيْتُكُمْ أَنْ تَزِيدُوا النِّسَاءَ فِي صَدَاقِهِنَّ عَلَى أَرْبَعِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَمَنْ شَاءَ أَنْ يُعْطِيَ مِنْ مَالِهِ مَا أَحَبَّ لَكِنْ فِي نَفْيِ صِحَّةِ اعْتِذَارِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ تَرْكِ مُرَاجَعَةِ عُمَرَ بِالْهَيْبَةِ نَظَرٌ فَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ الْقَاضِي فِي الْأَحْكَامِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ قَالَ دَخَلْت أَنَا وَزُفَرُ بْنُ الْحَدَثَانِ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما بَعْدَ مَا ذَهَبَ بَصَرُهُ فَتَذَاكَرْنَا فَرَائِضَ الْمَوَارِيثِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَتَرَوْنَ مَنْ أَحْصَى رَمْلَ عَالِجٍ عَدَدًا

ص: 103

لَمْ يَخُصَّ فِي مَالٍ نِصْفًا وَنِصْفًا وَثُلُثًا إذَا ذَهَبَ نِصْفٌ وَنِصْفٌ فَأَيْنَ الثُّلُثُ فَسَاقَ الْحَدِيثَ وَرَأْيُهُ فِي ذَلِكَ وَفِي آخِرِهِ فَقَالَ لَهُ زُفَرُ مَا مَنَعَك أَنْ تُشِيرَ عَلَيْهِ بِهَذَا الرَّأْيِ قَالَ هَيْبَةً وَاَللَّهِ قَالَ شَيْخُنَا الْحَافِظُ مَوْقُوفٌ حَسَنٌ انْتَهَى

قَالُوا وَلَئِنْ صَحَّ فَهَذَا مِنْهُ إظْهَارٌ لِلْعُذْرِ فِي الِامْتِنَاعِ عَنْ مُنَاظَرَتِهِ وَاسْتِقْصَائِهِ فِي الْمُحَاجَّةِ مَعَهُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْهُ احْتِشَامًا وَإِجْلَالًا لَهُ كَمَا يَكُونُ مَعَ الشُّبَّانِ مَعَ ذَوِي الْأَسْنَانِ فِي كُلِّ عَصْرٍ وَلَا سِيَّمَا إذَا ظَهَرَ لَهُ أَنَّ الْمُخَالِفَ لَا يَرْجِعُ عَنْ رَأْيِهِ فَإِنَّ الْمُنَاظَرَةَ فِي ذَلِكَ قَدْ تُتْرَكُ لِعَدَمِ الْفَائِدَةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا وَإِنْ دَفَعَ أَنَّ السُّكُوتَ قَدْ يَكُونُ تَقِيَّةً لَا يَدْفَعُ أَنْ يَكُونَ لِغَيْرِهَا مُطْلَقًا لَا لِلْمُوَافَقَةِ فَلَا يَثْبُتُ مَعَ كَوْنِهِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا، بَلْ قُصَارَى مَا يَثْبُتُ مَعَهُ كَوْنُهُ ظَنِّيًّا بِنَاءً عَلَى أَنَّ هَذَا وَأَمْثَالَهُ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ نَادِرٌ فَلَا يَقْدَحُ فِيمَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْهُ وَهُوَ الْمُوَافَقَةُ وَلَعَلَّهُ إنَّمَا تَمَّ لِابْنِ عَبَّاسٍ السُّكُوتُ إجْلَالًا لَعُمَرَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مَلُومًا عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ وَقْتَئِذٍ فِي دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ وَغَيْرُ الْمُجْتَهِدِ لَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ إظْهَارُ الْمُخَالَفَةِ (وَقَدْ يُقَالُ السُّكُوتُ عَنْ) إنْكَارِ (الْمُنْكَرِ مَعَ الْقُدْرَةِ) عَلَى إنْكَارِهِ (فِسْقٌ وَقَوْلُ الْمُجْتَهِدِ لَيْسَ إيَّاهُ) أَيْ مُنْكَرًا (فَلَا يَجِبُ) عَلَى الْمُجْتَهِدِ السَّاكِتِ (إظْهَارُ خِلَافِهِ) أَيْ قَوْلِ الْمُجْتَهِدِ النَّاطِقِ (لِيَكُونَ السُّكُوتُ) عَنْ إنْكَارِهِ (فِسْقًا) لِكَوْنِهِ حِينَئِذٍ سُكُوتًا عَنْ إنْكَارِ الْمُنْكِرِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى إنْكَارِهِ (بَلْ هُوَ) أَيْ الْمُجْتَهِدُ السَّاكِتُ (مُخَيَّرٌ) بَيْنَ السُّكُوتِ وَاظِهَارِ خِلَافِهِ وَهَذَا (بِخِلَافِ الِاعْتِقَادِيِّ فَإِنَّهُ) أَيْ الْمُجْتَهِدَ فِيهِ (مُكَلَّفٌ بِإِصَابَةِ الْحَقِّ فَغَيْرُهُ) أَيْ الْحَقِّ إذَا أُتِيَ بِهِ (عَنْ اجْتِهَادِ مُنْكِرٍ فَامْتَنَعَ السُّكُوتُ) فِيهِ كَيْ لَا يَكُونَ سَاكِتًا عَنْ مُنْكَرٍ فَيَكُونُ فَاسِقًا اللَّهُمَّ (إلَّا أَنْ يُقَالَ يَجِبُ) عَلَى السَّاكِتِ إظْهَارُ خِلَافِ قَوْلِ الْقَائِلِ فِي الْفُرُوعِ أَيْضًا (لِتَجْوِيزِهِ) أَيْ الْمُجْتَهِدِ السَّاكِتِ (رُجُوعَ الْمُفْتِي) أَوْ الْقَاضِي (إلَيْهِ) أَيْ إلَى قَوْلِهِ (لِحَقِّيَّتِهِ) عَلَى أَنَّا سَنَذْكُرُ مِنْ الْمِيزَانِ أَنَّ الْعَمَلَ وَالِاعْتِقَادِيَّ فِي الْجَوَابِ سَوَاءٌ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْقَائِلُ بِأَنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ.

(وَإِذَنْ فَقَوْلُ مُعَاذٍ فِي جَلْدِ الْحَامِلِ) الَّتِي زَنَتْ لَمَّا هَمَّ بِجِلْدِهَا عُمَرُ أَنْ جَعَلَ اللَّهُ لَك عَلَى ظَهْرِهَا سَبِيلًا (مَا جَعَلَ اللَّهُ لَك عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلًا) وَلَفْظُ كَشْفِ الْبَزْدَوِيِّ فَلَمْ يَجْعَلْ لَك عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا سَبِيلًا فَقَالَ لَوْلَا مُعَاذٌ لَهَلَكَ عُمَرُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى تَخْرِيجِهِ. دَلِيلٌ (لِلْوُجُوبِ) أَيْ وُجُوبِ إظْهَارِ الْمُخَالَفَةِ فِي قَضَاءِ الْمُجْتَهِدِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ الْمُخَالِفِ لَهُ (فَيَبْطُلُ) بِهِ (تَفْصِيلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ) السَّابِقُ بِنَاءً عَلَى مَا سَنَذْكُرُهُ مِنْ أَنَّ الْعَادَةَ لَا تُنْكِرُ الْحُكْمَ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا أَنْكَرَ الْقَضَاءَ الْمُخَالِفَ لِمَا عِنْدَهُ (لَكِنَّهُ) أَيْ وُجُوبَ إظْهَارِ الْمُخَالَفَةِ عَلَى الْمُجْتَهِدِ السَّاكِتِ لِلْمُجْتَهِدِ الْقَائِلِ إذَا جُوِّزَ رُجُوعُهُ إلَيْهِ (مَمْنُوعٌ) ؛ لِأَنَّ التَّجْوِيزَ غَيْرُ مُلْزِمٍ وَلَيْسَ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَائِلُ بِمَعْلُومِ الْبُطْلَانِ فِي الْوَاقِعِ بَلْ صَوَابٌ عِنْدَ قَائِلِهِ وَهُوَ مَأْجُورٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَعْذُورٌ فِي حَالِ الْخَطَأِ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَ مُعَاذٍ دَلِيلُ الْوُجُوبِ بَلْ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَقَوْلُ مُعَاذٍ اخْتِيَارٌ لِأَحَدِ الْجَائِزَيْنِ) مِنْ السُّكُوتِ وَإِظْهَارِ الْمُخَالَفَةِ (أَوْ) إظْهَارُ الْمُخَالَفَةِ وَاجِبٌ (فِي خُصُوصِ) هَذِهِ (الْمَادَّةِ) لِمَا فِيهِ مِنْ صِيَانَةِ نَفْسٍ مُحْتَرَمَةٍ عَنْ تَعْرِيضِهَا لِلْهَلَاكِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ السُّكُوتِ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا فِي الِاعْتِقَادِيِّ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ فِي الْفَرْعِيِّ لِعَدَمِ اللَّازِمِ الْبَاطِلِ عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ غَيْرَ إجْمَاعٍ قَطْعِيٍّ فِي الْفَرْعِيِّ بِخِلَافِهِ فِي الِاعْتِقَادِيِّ لَكِنَّ إبْطَالَ الدَّلِيلِ الْمُعَيَّنِ لَا يُبْطِلُ الْمُدَّعَى.

(وَقَوْلُهُ) أَيْ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ (الْعَادَةُ أَنْ لَا يُنْكَرَ بِخِلَافِ الْفَتْوَى) إنَّمَا هُوَ (بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْمَذَاهِبِ) لَا قَبْلَهُ وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِيمَا قَبْلَهُ وَالْأَمْرُ فِي الْفَتْوَى كَذَلِكَ (وَقَوْلُ الْجُبَّائِيُّ الِاحْتِمَالَاتُ تَضْعُفُ بَعْدَ الِانْقِرَاضِ لَا قَبْلَهُ) أَيْ الِانْقِرَاضِ (مَمْنُوعٌ بَلْ الضَّعْفُ) لَهَا (يَتَحَقَّقُ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ التَّأَمُّلِ فِي مِثْلِهِ عَادَةً وَمِنْ الْمُحَقِّقِينَ) وَهُوَ عَضُدُ الدِّينِ (مَنْ قَيَّدَ قَطْعِيَّتَهُ) أَيْ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ (بِمَا إذَا كَثُرَ وَتَكَرَّرَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى) بِلَفْظِ رُبَّمَا (وَحِينَئِذٍ) أَيْ وَحِينَ كَانَ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيِّ فِيمَا يَكْثُرُ وُقُوعُهُ مِمَّا تَمَسُّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَقَدْ تَكَرَّرَ الْإِفْتَاءُ وَالْحُكْمُ فِيهِ بِشَيْءٍ مِنْ بَعْضِ الْمُجْتَهِدِينَ مَعَ عَدَمِ الْمُخَالَفَةِ مِنْ آخَرِينَ (يُحْتَمَلُ) أَنْ يَكُونَ مُفِيدًا لِلْقَطْعِ بِمَضْمُونِهِ كَمَا ذُكِرَ لِبُعْدِ ظَنِّ الْمُخَالَفَةِ مِنْ السَّاكِتِينَ فِي مِثْلِهِ عَادَةً بَلْ كَمَا ذَكَرَ السُّبْكِيُّ أَنَّ تَكَرُّرَ الْفُتْيَا مَعَ

ص: 104

طُولِ الْمُدَّةِ وَعَدَمِ الْمُخَالَفَةِ مُفْضٍ إلَى الْقَطْعِ قَالَ وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ طُولِ الزَّمَانِ وَقِصَرِهِ وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ التِّلْمِسَانِيِّ فِي شَرْحِ الْمَعَالِمِ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَلِّ الْخِلَافِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَيْضًا فَإِنَّهُ جَعَلَ صُورَةَ الْمَسْأَلَةِ مَا إذَا لَمْ يَطُلْ الزَّمَانُ مَعَ تَكَرُّرِ الْوَاقِعَةِ.

قَالَ السُّبْكِيُّ وَأَمَّا إذَا تَكَرَّرَ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ فَلَا أُنْكِرُ جَرَيَانَ خِلَافٍ وَقَدْ اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَلَكِنَّهُ لَيْسَ الْخِلَافُ فِي السُّكُوتِيِّ بَلْ أَضْعَفُ مِنْهُ وَقَدْ ذَكَرَ فِي وَضْعِ الْمَسْأَلَةِ قُيُودًا رَأَيْنَا أَنْ نَذْكُرَهَا مَعَ مَزِيدِ كَلَامٍ فِيهَا، وَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا: أَوَّلُهَا: كَوْنُهُ فِي مَسَائِلِ التَّكْلِيفِ إذْ قَوْلُ الْقَائِلِ عَمَّارٌ أَفْضَلُ مِنْ حُذَيْفَةَ مَثَلًا وَبِالْعَكْسِ لَا يَدُلُّ السُّكُوتُ فِيهِ عَلَى شَيْءٍ إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَى النَّاسِ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ وَصَاحِبُ الْمِيزَانِ مِنْ مَشَايِخِنَا كَمَا نَذْكُرُهُ قَرِيبًا.

ثَانِيهَا: أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ بَلَغَ جَمِيعَ أَهْلِ الْعَصْرِ وَلَمْ يُنْكِرُوا وَإِلَّا فَلَا يَكُونُ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ قَالَهُ الصَّيْرَفِيُّ وَغَيْرُهُ وَوَرَاءَهُ حَالَتَانِ: إحْدَاهُمَا أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّهُ بَلَغَهُمْ لِانْتِشَارِهِ وَشُهْرَتِهِ فَقَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ هُوَ إجْمَاعٌ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ أَيْضًا وَجَعَلَهُ دَرَجَةً دُونَ الْأَوَّلِ انْتَهَى قُلْت وَجَعَلَ مَشَايِخُنَا اشْتِهَارَ الْفَتْوَى مِنْ الْبَعْضِ وَالسُّكُوتَ مِنْ الْبَاقِينَ كَافِيًا فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ يُفِيدُ أَنَّ هَذَا مِنْ صُوَرِ الْإِجْمَاعِ السُّكُوتِيِّ أَيْضًا لَكِنَّ كَوْنَهُ إجْمَاعًا قَطْعِيًّا عِنْدَهُمْ يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ الْعِلْمِ بِبُلُوغِهِ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ فَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ الِاشْتِهَارُ عَلَى الْعِلْمِ بِبُلُوغِهِمْ وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُمْ الْإِجْمَاعُ السُّكُوتِيُّ قَطْعِيٌّ عَلَى نَوْعٍ مِنْهُ وَهُوَ مَا عُلِمَ بُلُوغُهُ مُجْتَهِدِي الْعَصْرِ وَسُكُوتُهُمْ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ، وَأَمَّا مَا ظُنَّ بُلُوغُهُ إيَّاهُمْ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ فَظَنِّيٌّ وَعَلَى هَذَا يَتَّفِقُ هُوَ وَقَوْلُ الْإسْفَرايِينِيّ الْمَذْكُورُ.

الْحَالَة الثَّانِيَةِ أَنْ لَا يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ بَلْ اُحْتُمِلَ بُلُوغُهُ وَعَدَمُهُ وَعَبَّرَ عَنْهُ ابْنُ الْحَاجِبِ بِمَا إذَا لَمْ يَنْتَشِرْ وَذَكَرَ أَنَّ عَدَمَ إنْكَارِهِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُمْ قَوْلٌ فِيهِ لِعَدَمِ خَوْضِهِمْ فِي ذَلِكَ أَوْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْمَوَانِعِ أَوْ لَهُمْ قَوْلٌ مُخَالِفٌ لَمْ يُنْقَلْ وَقِيلَ حُجَّةٌ مُطْلَقًا، وَقَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيّ وَأَتْبَاعُهُ إنْ كَانَ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى كَنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّ الذَّكَرِ كَانَ كَالسُّكُوتِيِّ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ خَوْضِ غَيْرِ الْقَائِلِ فِيهِ فَيَكُونُ سُكُوتُهُ مُوَافَقَةً لِلْقَائِلِ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ حُجَّةً لِاحْتِمَالِ الذُّهُولِ، ثُمَّ اشْتِرَاطُ بُلُوغِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَصْرِ كَمَا ذَكَرَ مَاشٍ عَلَى ظَاهِرِ تَفْسِيرِ الْآمِدِيِّ وَابْنِ الْحَاجِبِ الِانْتِشَارَ بِبُلُوغِ الْجَمِيعِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الرَّازِيِّ أَنَّهُ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهُ بَلَغَ الْجَمِيعَ أَوْ لَا وَبِهِ صَرَّحَ بَعْضُهُمْ. قُلْت وَيَتَأَتَّى أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا مُتَفَرِّعٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي اشْتِرَاطِ اتِّفَاقِ جَمِيعِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ إلَّا وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ أَوْ أَكْثَرَهُمْ وَقَدْ عَرَفْت الْمُخْتَارَ وَغَيْرَهُ فِيهِ.

ثَالِثُهَا كَوْنُ السُّكُوتِ مُجَرَّدًا عَنْ الرِّضَا وَالْكَرَاهَةِ أَمَّا إذَا كَانَ مَعَهُ أَمَارَةُ رِضًا فَقَالَ الرُّويَانِيُّ وَالْخُوَارِزْمِي وَالْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ يَكُونُ إجْمَاعًا بِلَا خِلَافٍ وَجَرَى عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ قَالَ السُّبْكِيُّ وَقَضِيَّتُهُ أَنَّهُ إنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ سَخَطٍ لَمْ يَكُنْ إجْمَاعًا بِلَا خِلَافٍ وَكَلَامُ الْإِمَامِ الرَّازِيِّ كَالصَّرِيحِ فِي جَرَيَانِ الْخِلَافِ، وَإِنْ ظَهَرَتْ أَمَارَةُ السَّخَطِ. قُلْت وَالْقَوْلُ بِأَنَّهُ إجْمَاعٌ بَعِيدٌ.

رَابِعُهَا مُضِيُّ زَمَانٍ يَسَعُ قَدْرَ مُهْلَةِ النَّظَرِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ عَادَةً وَلَا بُدَّ مِنْهُ لِيَنْدَفِعَ احْتِمَالُ أَنَّ السَّاكِتِينَ كَانُوا فِي مُهْلَةِ النَّظَرِ ذَكَرَهُ أَبُو زَيْدٍ وَغَيْرُهُ.

خَامِسُهَا أَنْ لَا يَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مَعَ طُولِ الزَّمَانِ.

سَادِسُهَا أَنْ يَكُونَ فِي مَحَلِّ الِاجْتِهَادِ فَلَوْ أَفْتَى وَاحِدٌ بِخِلَافِ الثَّابِتِ قَطْعًا فَلَيْسَ سُكُوتُهُمْ دَلِيلًا عَلَى شَيْءٍ وَلَعَلَّهُمْ إنَّمَا سَكَتُوا لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ وَأَنَّ الْإِنْكَارَ لَا يُفِيدُ وَفِي الْمِيزَانِ إنْ لَمْ تَكُنْ الْمَسْأَلَةُ مِنْ الِاجْتِهَادِيَّات بَلْ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى الدَّلِيلِ الْعَقْلِيِّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا تَكْلِيفٌ عِنْدَهُمْ كَمَا يُقَالُ أَبُو هُرَيْرَةَ أَفْضَلُ أَمْ أَنَسٌ لَا يَكُونُ السُّكُوتُ وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَمَّا اُشْتُهِرَ مِنْ الْقَوْلِ بِأَحَدِهِمَا إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَ فِي مَعْرِفَةِ حُكْمِهَا تَكْلِيفٌ عِنْدَهُمْ وَانْتَشَرَ قَوْلُ الْبَعْضِ وَسَكَتَ الْبَاقُونَ كَانَ إجْمَاعًا، وَإِنْ كَانَتْ اجْتِهَادِيَّةً بِأَنْ كَانَتْ مِنْ الْفُرُوعِ الَّتِي هِيَ مِنْ بَابِ الْعَمَلِ لَا الِاعْتِقَادِ فَعَلَى قَوْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْقَائِلِ إنَّ الْمُجْتَهِدَ قَدْ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ فِي الْفُرُوعِ فَالْجَوَابُ فِيهَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ الِاعْتِقَادِيَّةِ سَوَاءٌ وَعَلَى قَوْلِ الْقَائِلِ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ فَالْجُبَّائِيُّ يَكُونُ إجْمَاعًا إذَا انْتَشَرَ الْقَوْلُ فِيهِمْ، ثُمَّ انْقَرَضَ الْعَصْرُ وَابْنُهُ لَا يَكُونُ إجْمَاعًا

ص: 105