الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(إذْ لَا يَتَأَتَّى لِعَاقِلٍ إحَالَتُهُ) أَيْ الْخُلُوِّ (عَقْلًا فَالْوَجْهُ التَّرْجِيحُ بِأَظْهَرِيَّةِ الدَّلَالَةِ) لِلْحَدِيثِ الْأَوَّلِ الدَّالِّ عَلَى الْخُلُوِّ (عَلَى نَفْيِ الْعَالِمِ الْأَعَمِّ مِنْ الْمُجْتَهِدِ) فَيَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْمُجْتَهِدِ؛ لِأَنَّ نَفْيَ الْعَامِّ يَسْتَلْزِمُ نَفْيَ الْخَاصِّ (بِخِلَافِ الظُّهُورِ عَلَى الْحَقِّ) ، فَإِنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ وُجُودَ الْمُجْتَهِدِ (لِأَنَّهُ) أَيْ الظُّهُورَ عَلَى الْحَقِّ الْأَعَمُّ مِنْ الِاجْتِهَادِ (يَتَحَقَّقُ دُونَ اجْتِهَادٍ كَمَا يَتَحَقَّقُ بِإِرَادَةِ الِاتِّبَاعِ، وَلَوْ تَعَارَضَا) أَيْ مَا يُوجِبُ الْخُلُوَّ، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَمَا يُوجِبُ عَدَمَهُ، وَهُوَ الثَّانِي وَتَسَاقَطَا (بَقِيَ عَدَمُ الْمُوجِبِ) لِوُجُودِ الْمُجْتَهِدِ فَجَازَ عَلَى اللَّهِ أَنْ لَا يُوجِدَهُ لِعَدَمِ إخْبَارٍ مِنْهُ بِلَا مُعَارِضٍ أَنَّهُ يُوجِدُهُ أَلْبَتَّةَ (قَالُوا) ثَانِيًا الِاجْتِهَادُ (فَرْضُ كِفَايَةٍ فَلَوْ خَلَا) الزَّمَانُ عَنْ الْمُجْتَهِدِ (اجْتَمَعُوا) أَيْ الْأُمَّةُ.
(عَلَى الْبَاطِلِ) ، وَهُوَ مُحَالٌ (أُجِيبَ إذَا فُرِضَ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَبْقَ) فَرْضًا؛ لِأَنَّ شَرْطَ التَّكْلِيفِ الْإِمْكَانُ، وَإِذَا فُرِضَ الْخُلُوُّ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَكُنْ مُمْكِنًا مَقْدُورًا (عَلَى أَنَّهُ) أَيْ هَذَا الدَّلِيلَ (فِي غَيْرِ مَحِلِّ النِّزَاعِ؛ لِأَنَّ فَرْضَ الْكِفَايَةِ الِاجْتِهَادُ بِالْفِعْلِ) أَيْ تَحْصِيلِ الْمُكَلَّفِ مَرْتَبَتَهُ، وَهُوَ مُمْكِنٌ لِلْعَوَامِّ، وَمَحِلُّ النِّزَاعِ إنَّمَا هُوَ حُصُولُهُ بِالْفِعْلِ؛ لِأَنَّهُ الْمُنَافِي لِخُلُوِّ الزَّمَانِ بِمَوْتِ الْعُلَمَاءِ لَا الْإِمْكَانُ، وَالْقُدْرَةُ هَذَا وَقَوْلُ السُّبْكِيّ لَمْ يُثْبِتْ وُقُوعَ خُلُوِّ الزَّمَانِ مِنْ الْمُجْتَهِدِ إنْ أَرَادَ الْمُطْلَقَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْإِطْلَاقِ فَمُتَعَقَّبٌ بِقَوْلِ الْقَفَّالِ وَالْغَزَالِيِّ الْعَصْرُ خَلَا عَنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ وَبِقَوْلِ الرَّافِعِيِّ الْخَلْقُ كَالْمُتَّفِقِينَ عَلَى أَنَّهُ لَا مُجْتَهِدَ الْيَوْمَ وَبِمَا فِي الْخُلَاصَةِ الْقَاضِي إذَا قَاسَ مَسْأَلَةً عَلَى مَسْأَلَةٍ فِي حُكْمٍ فَظَهَرَ رِوَايَةً أَنَّ الْحُكْمَ بِخِلَافِهِ فَالْخُصُومَةُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى الْقَاضِي وَعَلَى الْمُدَّعِي؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ آثِمٌ بِالِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فِي زَمَانِنَا، وَالْمُدَّعِي آثِمٌ بِأَخْذِ الْمَالِ وَمَا قِيلَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُجْتَهِدُ الْقَائِمُ بِالْقَضَاءِ، فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَانُوا يَرْغَبُونَ عَنْهُ وَلَا يَلِي فِي زَمَانِهِمْ غَالِبًا إلَّا مَنْ هُوَ دُونَ ذَلِكَ وَكَيْفَ يُمْكِنُ الْقَضَاءُ عَلَى الْأَعْصَارِ بِخُلُوِّهَا عَنْ مُجْتَهِدٍ وَالْقَفَّالُ نَفْسُهُ كَانَ يَقُولُ لِلسَّائِلِ فِي مَسْأَلَةِ الصُّبْرَةِ: تَسْأَلُ عَنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَمْ مَا عِنْدِي وَقَالَ هُوَ وَالشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ لَسْنَا مُقَلِّدِينَ لِلشَّافِعِيِّ بَلْ وَافَقَ رَأْيُنَا رَأْيَهُ فَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَا يَدَّعِي رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ: وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ السَّلَامِ وَابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ بَلَغَا رُتْبَةَ الِاجْتِهَادِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ بَلْ كَلَامُ بَعْضِهِمْ نَابَ عَنْهُ كَمَا رَأَيْت ثُمَّ بَعْدَ تَمْشِيَتِهِ عَلَى مَا فِيهِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يَخْلُ عَصْرٌ مِنْ الْأَعْصَارِ الْمَاضِيَةِ مِنْ الْمُجْتَهِدِ الْمُطْلَقِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَخْلُوَ مِنْهُ عَصْرٌ مِنْ الْأَعْصَارِ الْآتِيَةِ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ
[مَسْأَلَة التَّقْلِيد الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ إحْدَى الْحُجَجِ الْأَرْبَعِ الشَّرْعِيَّةِ]
(مَسْأَلَةُ التَّقْلِيدِ الْعَمَلُ بِقَوْلِ مَنْ لَيْسَ قَوْلُهُ إحْدَى الْحُجَجِ) الْأَرْبَعِ الشَّرْعِيَّةِ (بِلَا حُجَّةٍ مِنْهَا فَلَيْسَ الرُّجُوعُ إلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْإِجْمَاعُ مِنْهُ) أَيْ مِنْ التَّقْلِيدِ عَلَى هَذَا؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا حُجَّةٌ شَرْعِيَّةٌ مِنْ الْحُجَجِ الْأَرْبَعِ، وَكَذَا لَيْسَ مِنْهُ عَلَى هَذَا عَمَلُ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ الْمُفْتِي وَعَمَلُ الْقَاضِي بِقَوْلِ الْعُدُولِ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إحْدَى الْحُجَجِ فَلَيْسَ الْعَمَلُ بِهِ بِلَا حُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ لِإِيجَابِ النَّصِّ أَخْذَ الْعَامِّيِّ بِقَوْلِ الْمُفْتِي وَأَخْذَ الْقَاضِي بِقَوْلِ الْعُدُولِ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَعَرَّضَ لَهُمَا لِظُهُورِهِمَا بَلْ عَلَى هَذَا لَا يُتَصَوَّرُ تَقْلِيدٌ فِي الشَّرْعِ لَا فِي الْأُصُولِ وَلَا فِي الْفُرُوعِ فَإِنَّ حَاصِلَهُ اتِّبَاعُ مَنْ لَمْ يَقُمْ حُجَّةً بِاعْتِبَارِهِ، وَهَذَا لَا يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ فَإِنَّ الْمُكَلَّفَ إمَّا مُجْتَهِدٌ فَمُتَّبِعٌ لِمَا قَامَ عِنْدَهُ بِحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ، وَإِمَّا مُقَلِّدٌ فَقَوْلُ الْمُجْتَهِدِ حُجَّةٌ فِي حَقِّهِ فَإِنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَوْجَبَ الْعَمَلَ عَلَيْهِ بِهِ كَمَا أَوْجَبَ عَلَى الْمُجْتَهِدِ بِالِاجْتِهَادِ فَلَوْ جَازَ تَسْمِيَةُ الْعَامِّيِّ مُقَلِّدًا جَازَ تَسْمِيَةُ الْمُجْتَهِدِ مُقَلِّدًا، وَعَلَى هَذَا مَشَى الْقَاضِي الْبَاقِلَّانِيُّ ثُمَّ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ. قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَإِنَّمَا صُورَةُ الْأَخْذِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم صُورَةُ التَّقْلِيدِ وَلَيْسَ بِتَقْلِيدٍ حَقِيقَةً بَلْ نَقَلَ الْبَاقِلَّانِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَمَنَعَ بِقَوْلِ أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ إنَّ الشَّافِعِيَّ نَصَّ عَلَى أَنَّهُ يُسَمَّى تَقْلِيدًا فَإِنَّهُ قَالَ فِيمَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِقَوْلِ الصَّحَابِيِّ مَا نَصُّهُ فَأَمَّا أَنْ يُقَلِّدَهُ فَلَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. اهـ.
وَكَوْنُ مُرَادِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صُورَتَهُ صُورَةُ التَّقْلِيدِ كَمَا ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ خِلَافُ الظَّاهِرِ بَلْ خَطَّأَ الْمَاوَرْدِيُّ مَنْ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ اهـ. نَعَمْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هُوَ اخْتِلَافٌ فِي عِبَارَةٍ يَهُونُ مَوْقِعُهَا عِنْدَ ذَوِي التَّحْقِيقِ
وَقَالَ أَيْضًا الَّذِي عَلَيْهِ مُعْظَمُ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّ الْعَامِّيَّ مُقَلِّدٌ لِلْمُجْتَهِدِ فِيمَا يَأْخُذُهُ عَنْهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّهُ الْمَشْهُورُ فَلَا جَرَمَ أَنْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدَيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ لَوْ سَمَّى الرُّجُوعَ إلَى الرَّسُولِ أَوْ إلَى الْإِجْمَاعِ وَالْمُفْتِي وَالشُّهُودِ تَقْلِيدًا فَلَا مُشَاحَّةَ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ لِكُلِّ أَحَدٍ أَنْ يَصْطَلِحَ عَلَى مَا شَاءَ بَعْدَ رِعَايَةِ الْمُنَاسَبَةِ، وَعَلَى هَذَا قَوْلُ الْمُصَنِّفِ (بَلْ الْمُجْتَهِدُ وَالْعَامِّيُّ إلَى مِثْلِهِ، وَإِلَى الْمُفْتِي) أَيْ بَلْ التَّقْلِيدُ رُجُوعُ الْمُجْتَهِدِ إلَى مِثْلِهِ وَالْعَامِّيِّ إلَى مِثْلِهِ، وَإِلَى الْمُفْتِي أَيْضًا فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا ذَكَرَ الْآمِدِيُّ وَغَيْرُهُ (هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ تَقْلِيدِ عَامَّةِ مِصْرَ الشَّافِعِيَّ وَنَحْوَهُ) وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنْهُ كَمَا فِي جَمْعِ الْجَوَامِعِ بِأَخْذِ الْقَوْلِ بِغَيْرِ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ، وَعَلَيْهِ مَشَى الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ فَخَرَجَ أَخْذُهُ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِتَقْلِيدٍ، وَإِنْ وَافَقَ قَوْلَ مُجْتَهِدٍ بِهِ فَإِنَّهُ فِي الْحَقِيقَةِ أَخْذٌ مِنْ الدَّلِيلِ لَا مِنْ الْمُجْتَهِدِ بَلْ قَدْ قِيلَ: إنَّ أَخْذَهُ مَعَ مَعْرِفَةِ دَلِيلِهِ نَتِيجَةُ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ مَعْرِفَةَ الدَّلِيلِ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمُجْتَهِدِ لِتَوَقُّفِهَا عَلَى مَعْرِفَةِ سَلَامَتِهِ مِنْ الْمُعَارِضِ بِنَاءً عَلَى وُجُوبِ الْبَحْثِ عَنْهُ، وَهِيَ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى اسْتِقْرَاءِ الْأَدِلَّةِ كُلِّهَا وَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ إلَّا الْمُجْتَهِدُ بَقِيَ أَخْذُ الْمُجْتَهِدِ بِقَوْلِ الْعَامِّيِّ فَجَزَمَ الْقَاضِي وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهُ لَا يُسَمَّى تَقْلِيدًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَوْعِ اجْتِهَادٍ.
قُلْت: وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ كَمَا فِي الرُّجُوعِ فِي قِيَمِ الْمُتْلَفَاتِ إلَى الْعَامِّيِّ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَا نَعَمْ إنْ كَانَ ذَلِكَ مُجَرَّدَ اصْطِلَاحٍ فَلَا مُشَاحَّةَ فِيهِ ثُمَّ قِيلَ عَلَى هَذَا يُسَمَّى الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم تَقْلِيدًا إذَا قُلْنَا كَانَ يَقُولُ عَنْ قِيَاسٍ أَيْضًا وَلَمْ يَدْرِ قَالَ ذَلِكَ عَنْ وَحَيٍّ أَوْ قِيَاسٍ قُلْت وَحَيْثُ كَانَ الْمُسَوِّغُ لِتَسْمِيَتِهِ تَقْلِيدًا عَدَمَ الْعِلْمِ بِأَخْذِهِ مِنْ الْوَحْيِ عَيْنًا وَكَانَ صلى الله عليه وسلم لَا يُقَرُّ عَلَى خَطَأٍ عَلَى تَقْدِيرِ تَعَبُّدِهِ بِالِاجْتِهَادِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ بَعْدَ مُضِيِّ مُدَّةِ الِانْتِظَارِ لِلْوَحْيِ، وَأَنَّهُ وَحَيٌّ بَاطِنٌ كَمَا تَقَدَّمَ هَذَا كُلُّهُ فَلَا يُسَمَّى تَقْلِيدَ التَّعَيُّنِ كَوْنُهُ عَنْ الْوَحْيِ هَذَا، وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ الرَّأْيُ فَيَشْمَلُ مَا كَانَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ التَّفْتَازَانِيِّ وَالْمُرَادُ بِالْقَوْلِ مَا يَعُمُّ الْفِعْلَ وَالتَّقْرِيرَ تَغْلِيبًا وَقَوْلُ الْأَبْهَرِيِّ هُوَ أَعَمُّ مِنْ اللَّفْظِيِّ وَالنَّفْسِيِّ فَلَا يَرِدُ عَلَيْهِ مَا قَالَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ خُرُوجِ الْأَخْذِ بِفِعْلِ الْغَيْرِ مِنْ غَيْرِ حُجَّةٍ عَنْهُ ثُمَّ غَيْرُ خَافٍ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَأْخُوذُ بِهِ لَهُ نَوْعُ اخْتِصَاصٍ بِالْمَأْخُوذِ عَنْهُ لِيَخْرُجَ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ فَإِنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ لَهُ بِالْمَأْخُوذِ عَنْهُ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ (وَكَانَ الْوَجْهُ جَعْلَ الْمُعَرَّفِ بِمَا ذُكِرَ التَّقَلُّدُ؛ لِأَنَّهُ) أَيْ الْمُقَلِّدَ (جَعَلَ قَوْلَهُ) أَيْ مَنْ قَلَّدَهُ (قِلَادَةً) فِي عُنُقِهِ وَهَذَا تَقَلُّدٌ لَا تَقْلِيدٌ (فَتَصْحِيحُهُ) أَنْ يُقَالَ الْمُرَادُ (جَعَلَ عَمَلَهُ قِلَادَةَ إمَامِهِ) الَّذِي قَلَّدَهُ فَكَأَنَّهُ يُطَوِّقُهُ مَا فِيهِ مِنْ تَبِعَةٍ إنْ كَانَتْ.
(وَالْمُفْتِي الْمُجْتَهِدُ وَهُوَ الْفَقِيهُ) أَيْضًا اصْطِلَاحًا أُصُولِيًّا كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي أَوَائِلِ الِاجْتِهَادِ؛ لِأَنَّ مَنْ قَامَتْ بِهِ صِفَةٌ جَازَ أَنْ يُشْتَقَّ لَهُ مِنْهَا اسْمُ فَاعِلٍ فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ الصَّيْرَفِيُّ مَوْضُوعُ هَذَا الِاسْمِ لِمَنْ قَامَ لِلنَّاسِ بِأَمْرِ دِينِهِمْ وَعَلِمَ جُمَلَ عُمُومِ الْقُرْآنِ وَخُصُوصِهِ وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ وَكَذَلِكَ فِي السُّنَنِ وَالِاسْتِنْبَاطِ وَلَمْ يُوضَعَ لِمَنْ عَلِمَ مَسْأَلَةً وَأَدْرَكَ حَقِيقَتَهَا. وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ: الْمُفْتِي مَنْ اُسْتُكْمِلَ فِيهِ ثَلَاثُ شَرَائِطَ الِاجْتِهَادُ وَالْعَدَالَةُ وَالْكَفُّ عَنْ التَّرْخِيصِ وَالتَّسَاهُلِ.
وَلِلْمُتَسَاهِلِ حَالَتَانِ إحْدَاهُمَا أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي طَلَبِ الْأَدِلَّةِ وَطُرُقِ الْأَحْكَامِ وَيَأْخُذَ بِبَادِئِ النَّظَرِ وَأَوَائِلِ الْفِكَرِ فَهَذَا مُقَصِّرٌ فِي حَقِّ الِاجْتِهَادِ وَلَا يَحِلُّ لَهُ أَنْ يُفْتِيَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَفْتَى. وَالثَّانِيَةُ أَنْ يَتَسَاهَلَ فِي طَلَبِ الرُّخَصِ وَتَأَوُّلِ السُّنَّةِ فَهَذَا مُتَجَوِّزٌ فِي دَيْنِهِ وَهُوَ آثَمُ مِنْ الْأَوَّلِ اهـ. وَفِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ يَحْرُمُ تَسَاهُلُ الْمُفْتِي وَتَقْلِيدٌ مَعْرُوفٌ بِهِ وَفِي شَرْحِ الْبَدِيعِ لِلْهِنْدِيِّ وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا ثِقَةً حَتَّى يُوثَقَ بِهِ فِيمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ الْأَحْكَامِ اهـ.
يَعْنِي فَهَذَا مِنْ شَرْطِ قَبُولِ فَتْوَاهُ لَا مِنْ شَرْطِ صِحَّةِ اجْتِهَادِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي أَوَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الذُّكُورَةُ وَالْحُرِّيَّةُ وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُفْتِيَ حَتَّى يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ وَوَقَارٌ وَسَكِينَةٌ قَوِيًّا عَلَى مَا هُوَ فِيهِ وَمَعْرِفَتِهِ، وَالْكِفَايَةُ، وَإِلَّا مَضَغَهُ النَّاسُ، وَمَعْرِفَةُ النَّاسِ.
قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: هَذِهِ الْخِصَالُ مُسْتَحَبَّةٌ فَيَقْصِدُ الْإِرْشَادَ، وَإِظْهَارَ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَالتَّنْوِيهَ بِاسْمِهِ، وَالسَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ يُرَغِّبُ الْمُسْتَفْتِيَ وَهُمْ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ فَيَجِبُ أَنْ يَتَخَلَّقُوا بِأَخْلَاقِهِمْ وَالْكِفَايَةِ لِئَلَّا يَنْسُبُهُ النَّاسُ إلَى التَّكَسُّبِ بِالْعِلْمِ وَأَخْذِ الْعِوَضِ عَلَيْهِ
فَيَسْقُطُ قَوْلُهُ وَمَعْرِفَةُ النَّاسِ تَحْتَمِلُ حَالَ الرُّوَاةِ وَتَحْتَمِلُ حَالَ الْمُسْتَفْتِينَ فَالْفَاجِرُ لَا يَسْتَحِقُّ الرُّخَصَ فَلَا يُفْتِيهِ بِالْخَلْوَةِ بِالْمَحَارِمِ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ يَسْكَرُ، وَالْحَقُّ كَمَا فِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ أَنَّ الْخَصْلَةَ الْأُولَى وَاجِبَةٌ، وَلِلْمُفْتِي رَدُّ الْفَتْوَى وَفِي الْبَلَدِ غَيْرُهُ أَهْلٌ لَهَا شَرْعًا خِلَافًا لِلْحَلِيمِيِّ، وَإِلَّا لَزِمَهُ ذَكَرَهُ أَبُو الْخَطَّابِ وَابْنُ عَقِيلٍ وَغَيْرُهُمَا وَلَا يَلْزَمُهُ جَوَابُ مَا لَمْ يَقَعْ وَمَا لَا يَحْتَمِلُهُ السَّائِلُ وَلَا يَنْفَعُهُ بَلْ ذَكَرَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ يَحْرُمُ إلْقَاءُ عِلْمٍ لَا يَحْتَمِلُهُ وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ بِقَوْلِ ابْنِ الْجَوْزِيِّ لَا يَنْبَغِي.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه حَدِّثُوا النَّاس بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَرُوِيَ مَعْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقٍ وَسُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ أَمُسْلِمُونَ هُمْ فَقَالَ لِلسَّائِلِ أَحْكَمْتَ الْعِلْمَ حَتَّى تَسْأَلَ عَنْ ذَا وَيُفْتَى أَخْرَسُ بِإِشَارَةٍ مَفْهُومَةٍ أَوْ كِتَابَةٍ، وَكَانَ السَّلَفُ يَهَابُونَ الْفُتْيَا وَيُشَدِّدُونَ فِيهَا وَيَتَدَافَعُونَهَا وَيُنْكِرُونَ عَلَيْهَا حَتَّى قَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى أَدْرَكْتُ مِائَةً وَعِشْرِينَ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنْ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا هَذَا إلَى هَذَا وَهَذَا إلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إلَى الْأَوَّلِ، وَمَا مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ يُحَدِّثُ بِحَدِيثٍ أَوْ يُسْأَلُ عَنْ شَيْءٍ إلَّا وَدَّ أَنَّ أَخَاهُ كَفَاهُ.
وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ: أَدْرَكْتُ أَقْوَامًا إنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُسْأَلُ عَنْ الشَّيْءِ فَيَتَكَلَّمُ وَإِنَّهُ لَيَرْعَدُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ يَنْبَغِي لِلْمُفْتِي الْمُوَفَّقِ إذَا نَزَلَتْ بِهِ الْمَسْأَلَةُ أَنْ يَبْعَثَ مِنْ قَلْبِهِ الِافْتِقَارَ الْحَقِيقِيَّ الْحَالِيَّ لَا الْعِلْمِيَّ الْمُجَرَّدَ إلَى مُلْهِمِ الصَّوَابِ وَمُعَلِّمِ الْخَيْرِ أَنْ يَفْتَحَ لَهُ طُرُقَ السَّدَادِ وَأَنْ يَدُلَّهُ عَلَى حُكْمِهِ الَّذِي شَرَعَهُ لِعِبَادِهِ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ وَمَا أَجْدَرَ مِنْ فَضْلِ رَبِّهِ أَنْ لَا يَحْرِمَهُ إيَّاهُ (وَالْمُسْتَفْتِي مَنْ لَيْسَ إيَّاهُ) أَيْ مُفْتِيًا (وَدَخَلَ) فِي الْمُسْتَفْتَى (الْمُجْتَهِدُ فِي الْبَعْضِ) مِنْ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ (بِالنِّسْبَةِ إلَى) الْمُجْتَهِدِ (الْمُطْلَقِ) نَعَمْ حَيْثُ قُلْنَا بِتَجَزُّؤِ الِاجْتِهَادِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّخْصُ مُفْتِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَمْرٍ مُسْتَفْتِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى آخَرَ، وَيَنْبَغِي لَهُ حِفْظُ الْأَدَبِ مَعَ الْمُفْتِي، وَإِجْلَالُهُ قَوْلًا وَفِعْلًا، وَتَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ مِنْ السُّؤَالِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى كَرَاهَةِ السُّؤَالِ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى - {لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ} [المائدة: 101] الْآيَةَ «وَكَانَ صلى الله عليه وسلم يَنْهَى عَنْ قِيلَ وَقَالَ، وَإِضَاعَةِ الْمَالِ وَكَثْرَةِ السُّؤَالِ» وَفِي لَفْظٍ «إنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ذَلِكَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: كَرِهَ السَّلَفُ السُّؤَالَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ قَبْلَ كَوْنِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ؛ لِأَنَّ الِاجْتِهَادَ إنَّمَا يُبَاحُ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مُعَاذٍ أَيُّهَا النَّاسُ لَا تُعَجِّلُوا بِالْبَلَاءِ قَبْلَ نُزُولِهِ.
وَأَخْرَجَ أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «لَا تُعَجِّلُوا بِالْبَلِيَّةِ قَبْلَ نُزُولِهَا فَإِنَّكُمْ إنْ لَمْ تَفْعَلُوا لَمْ يَنْفَكَّ الْمُسْلِمُونَ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ مَنْ إذَا قَالَ سُدِّدَ وَوُفِّقَ، وَإِنَّكُمْ إنْ عَجَّلْتُمْ تَشَتَّتُ بِكُمْ السُّبُلُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا» وَلِأَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَا تَسْأَلُوا عَمَّا لَمْ يَكُنْ فَإِنَّ عُمَرَ نَهَى عَنْهُ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ عَنْ الصَّحَابَةِ مَا كَانُوا يَسْأَلُونَ إلَّا عَمَّا يَنْفَعُهُمْ وَلَهُ أَيْضًا وَلِأَبِي دَاوُد عَنْ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا «نَهَى عَنْ الْغُلُوطَاتِ» قِيلَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَأَحَدُهَا غَلُوطَةٌ، وَقِيلَ بِضَمِّهَا وَأَصْلُهَا الْأُغْلُوطَاتِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ هِيَ شِدَادُ الْمَسَائِلِ وَقَالَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ هِيَ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ كَيْفَ وَكَيْفَ قَالَ الْحَافِظُ ابْنُ رَجَبٍ: وَيُرْوَى مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ عَنْ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ «سَيَكُونُ أَقْوَامٌ مِنْ أُمَّتِي يُغَلِّطُونَ فُقَهَاءَهُمْ بِعَضْلِ بَعْضِ الْمَسَائِلِ أُولَئِكَ شِرَارُ أُمَّتِي» . وَقَالَ الْحَسَنُ شِرَارُ عِبَادِ اللَّهِ الَّذِينَ يَتْبَعُونَ شِدَادَ الْمَسَائِلِ يُغَمُّونَ بِهَا عِبَادَ اللَّهِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: إنَّ اللَّهَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَحْرِمَ عَبْدَهُ بَرَكَةَ الْعِلْمِ أَلْقَى عَلَى لِسَانِهِ الْمَغَالِيطَ فَلَقَدْ رَأَيْتَهُمْ أَقَلَّ النَّاسِ عِلْمًا وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ نَهَى السَّلَفُ عَنْهَا قَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ: وَيُعَزَّرُ فَاعِلُهُ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ.
(وَالْمُسْتَفْتَى فِيهِ) الْأَحْكَامُ (الْفَرْعِيَّةُ الظَّنِّيَّةُ) قَالَ الْمُصَنِّفُ (وَالْعَقْلِيَّةُ وَلِذَا) أَيْ كَوْنِ الْمُسْتَفْتَى فِيهِ قَدْ يَكُونُ حُكْمًا عَقْلِيًّا (صَحَّحْنَا إيمَانَ الْمُقَلِّدِ، وَإِنْ أَثَّمْنَاهُ) بِتَرْكِ الِاجْتِهَادِ، وَإِلَّا لَوْ كَانَ الْعَقْلِيُّ غَيْرَ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفْتًى فِيهِ لَمْ يُصْحَحْ إيمَانُ الْمُقَلِّدِ؛ لِأَنَّهُ رَأْسُ الْعَقَائِدِ وَأَمْرُ الْقَوَاعِدِ الْمُتَظَافِرُ عَلَى ثُبُوتِهِ الدَّلِيلُ الْعَقْلِيُّ وَالنَّقْلِيُّ الْقَطْعِيُّ نَعَمْ لَا بُدَّ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ مِنْهُ مَعَ تَجْوِيزِ شُبْهَةٍ فَلَا جَرَمَ إنْ قَالَ صَاحِبُ الصَّحَائِفِ مِنْ اعْتَقَدَ أَرْكَانَ الدِّينِ تَقْلِيدًا فَإِنْ اعْتَقَدَ مَعَ ذَلِكَ جَوَازَ شُبْهَةٍ فَهُوَ كَافِرٌ وَمَنْ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ فَقِيلَ مُؤْمِنٌ، وَإِنْ كَانَ عَاصِيًا بِتَرْكِ النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ الْمُؤَدِّي إلَى مَعْرِفَةِ
أَدِلَّةِ قَوَاعِدِ الدِّينِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَقِيلَ لَا يَسْتَحِقُّ اسْمَ الْمُؤْمِنِ إلَّا بَعْدَ عِرْفَانِ الْأَدِلَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَشْعَرِيِّ. اهـ.
وَإِذَا عُرِفَ هَذَا (فَمَا يَحِلُّ الِاسْتِفْتَاءُ فِيهِ) الْأَحْكَامُ (الظَّنِّيَّةُ لَا الْعَقْلِيَّةُ عَلَى الصَّحِيحِ) فَلَا يَجُوزُ التَّقْلِيدُ فِيهَا بَلْ يَجِبُ تَحْصِيلُهَا بِالنَّظَرِ الصَّحِيحِ كَمَا هُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَاخْتَارَهُ الرَّازِيّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ بَلْ حَكَاهُ الْأُسْتَاذُ الْإسْفَرايِينِيّ عَنْ إجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَقِّ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الطَّوَائِفِ ثُمَّ لَا يَخْفَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ (لَا قَصْرَ صِحَّتِهِ) أَيْ الْمُسْتَفْتَى فِيهِ الَّذِي يَقَعُ فِيهِ التَّقْلِيدُ (عَلَى) الْأَحْكَامِ (الظَّنِّيَّةِ) بَعْدَ قَوْلِهِ إنْ أَثَّمْنَاهُ، وَقَوْلُهُ (كَوُجُودِهِ تَعَالَى) مِثَالٌ لِمَا هُوَ مِنْ الْعَقْلِيَّاتِ وَمُقَابِلِ الصَّحِيحِ (وَقِيلَ يَجِبُ) التَّقْلِيدُ فِي الْعَقْلِيَّاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالِاعْتِقَادِ (وَيَحْرُمُ النَّظَرُ) وَالْبَحْثُ فِيهَا وَهُوَ مَعْزُوٌّ إلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالظَّاهِرِ، وَنَقَلَهُ صَاحِبُ الْأَحْوَذِيِّ عَنْ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ذَكَرَهُ الزَّرْكَشِيُّ.
قُلْت وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُمْ، وَإِنَّمَا تُوُهِّمَ عَنْهُمْ مِنْ نَهْيِهِمْ عَنْ تَعَلُّمِ عِلْمِ الْكَلَامِ وَالِاشْتِغَالِ بِهِ وَلَكِنَّ مَنْ تَتْبَعَ حَالَهُمْ عَلِمَ أَنَّ نَهْيَهُمْ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ خِيفَ أَنْ يَزِلَّ فِيهِ حَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ قَدَمُ صِدْقٍ فِي مَسَالِكِ التَّحْقِيقِ فَيَقَعُ فِي شَكٍّ أَوْ رِيبَةٍ لَا عَلَى مَنْ لَهُ قُوَّةٌ تَامَّةٌ وَقَدَمُ صِدْقٍ (وَالْعَنْبَرِيُّ) وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى مَا فِي أُصُولِ ابْنِ مُفْلِحٍ وَعَزَاهُ الْآمِدِيُّ إلَى الْحَشْوِيَّةِ وَالتَّعْلِيمِيَّة قَالُوا (يَجُوزُ) التَّقْلِيدُ فِيهَا وَلَا يَجِبُ النَّظَرُ (لَنَا الْإِجْمَاعُ) مُنْعَقِدٌ (عَلَى وُجُوبِ الْعِلْمِ بِاَللَّهِ تَعَالَى) وَصِفَاتِهِ عَلَى الْمُكَلَّفِ (وَلَا يَحْصُلُ) الْعِلْمُ بِهِ (بِالتَّقْلِيدِ لِإِمْكَانِ كَذِبِهِ) أَيْ الْمُفْتِي الْمُخْبِرِ (إذْ نَفْيُهُ) أَيْ الْكَذِبِ عَنْهُ (بِالضَّرُورَةِ مُنْتَفٍ) ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَعْصُومًا فِيمَا أَخْبَرَ بِهِ مِنْ الِاجْتِهَادِ فَلَا يَحْصُلُ الْعِلْمُ بِقَوْلِهِ فَيَكُونُ تَارِكًا لِلْوَاجِبِ، وَهُوَ الْعِلْمُ الْيَقِينِيُّ (وَبِالنَّظَرِ لَوْ تَحَقَّقَ يَرْفَعُ التَّقْلِيدَ وَلِأَنَّهُ لَوْ حَصَلَ) الْعِلْمُ بِالتَّقْلِيدِ (لَزِمَ النَّقِيضَانِ بِتَقْلِيدِ اثْنَيْنِ) لِاثْنَيْنِ (فِي حُدُوثِ الْعَالَمِ وَقِدَمِهِ) بِأَنْ يَحْصُلَ لِزَيْدٍ الْعِلْمُ بِحُدُوثِهِ تَقْلِيدًا مِنْهُ لِلْقَائِلِ بِهِ وَلِعَمْرٍو الْعِلْمُ بِقَدَمِهِ تَقْلِيدًا لِلْقَائِلِ بِهِ إذْ الْعِلْمُ يَسْتَدْعِي الْمُطَابَقَةَ فَيَلْزَمُ حَقِيقَةُ الْحُدُوثِ وَالْقِدَمِ (الْمُجَوِّزِ) لِلتَّقْلِيدِ فِيهَا النَّافِي لِوُجُوبِ النَّظَرِ وَمُوَافِقُوهُ قَالُوا أَوَّلًا (لَوْ وَجَبَ النَّظَرُ لَفَعَلَهُ الصَّحَابَةُ وَأَمَرُوا بِهِ) ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتْرُكُونَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ يَتَعَلَّقُ بِهِمْ أَوْ بِغَيْرِهِمْ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فِي تَرْكِهِ، وَالْفَرْضُ انْتِفَاؤُهُ (وَهُوَ) أَيْ الْمَجْمُوعُ مِنْ الْفِعْلِ وَالْأَمْرِ (مُنْتَفٍ) وَلَا سِيَّمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَكْثَرِ عَوَامِّ الْعَرَبِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا عَالِمِينَ بِالْأَدِلَّةِ الْكَلَامِيَّةِ (وَإِلَّا) لَوْ وُجِدَ ذَلِكَ مِنْهُمْ (لَنُقِلَ كَمَا) نُقِلَ عَنْهُمْ النَّظَرُ (فِي الْفُرُوعِ) فَلَمَّا لَمْ يُنْقَلْ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ (الْجَوَابُ مَنْعُ انْتِفَاءِ التَّالِي) أَيْ عَدَمِ فِعْلِهِمْ، وَإِلَّا لَزِمَ نِسْبَتُهُمْ إلَى أَنَّهُمْ كَانُوا جَاهِلِينَ بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِصِفَاتِهِ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ بِهِ لَيْسَ ضَرُورِيًّا، وَهُوَ بَاطِلٌ وَعَدَمُ أَمْرِهِمْ غَيْرَهُمْ بِهِ.
(بَلْ عِلْمُهُمْ، وَ) عِلْمُ (عَامَّةِ الْعَوَامّ) بِاَللَّهِ تَعَالَى وَبِصِفَاتِهِ حَاصِلٌ لَهُمْ (عَنْ النَّظَرِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَدْرِ) النَّظَرَ (بَيْنَهُمْ) أَيْ الصَّحَابَةِ (لِظُهُورِهِ) لَهُمْ بِوَاسِطَةِ مَا لَهُمْ مِنْ سَلَامَةِ الْفِطْرَةِ وَمُشَاهَدَةِ الْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ (وَنَيْلِهِ) لَهُمْ (بِأَدْنَى الْتِفَاتٍ إلَى الْحَوَادِثِ) لِصَفَاءِ قَرِيحَتِهِمْ وَنَقَاءِ سَرِيرَتِهِمْ وَكَمَالِ اسْتِعْدَادِهِمْ وَكَيْفَ لَا وَهُمْ مُعَايِنُونَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَنْوَارَ مَنْبَعِ الْأَنْوَارِ، وَهَدْيَ الْمُرْسَلِ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا يُعِدُّ النُّفُوسَ الزَّكِيَّةَ لَدَرْكِ الْأُمُورِ الْإِلَهِيَّةِ وَالصِّفَاتِ الْقُدْسِيَّةِ لِانْهِزَامِ عَسَاكِرِ الْأَوْهَامِ الْمُوجِبَةِ لِاخْتِلَافِ الْآرَاءِ وَضَلَالَاتِ الْخَيَالَاتِ وَالْأَهْوَاءِ، وَكَانُوا يَكْتَفُونَ مِنْ النَّظَرِ مِنْ غَيْرِهِمْ بِمَا يَظْهَرُ عَلَيْهِ مِنْ حُصُولِهِ لَهُ مِنْ الِانْقِيَادِ وَالْإِذْعَانِ إلَى الْإِيمَانِ وَآثَارِ الْقَطْعِ بِهِ وَالْإِيقَانِ بِحَيْثُ لَوْ سُئِلَ عَنْ سَبَبِهِ لَأَتَى بِهِ أَكْمَلَ مِمَّا أَجَابَ بِهِ الْأَعْرَابِيُّ لَلْأَصْمَعِيِّ عَنْ سُؤَالِهِ لَهُ بِمَ عَرَفْتَ رَبَّك حَيْثُ قَالَ الْبَعْرَةُ تَدُلُّ عَلَى الْبَعِيرِ وَآثَارُ الْأَقْدَامِ عَلَى الْمَسِيرِ فَسَمَاءٌ ذَاتُ أَبْرَاجٍ وَأَرْضٌ ذَاتُ فِجَاجٍ أَلَا تَدُلُّ عَلَى اللَّطِيفِ الْخَبِيرِ. غَايَتُهُ أَنَّهُمْ مَا كَانُوا يُؤَدُّونَ ذَلِكَ بِالْعِبَارَاتِ وَالتَّرْتِيبِ الْمُتَعَارَفِ لِلْمُتَكَلِّمِينَ (وَلَيْسَ الْمُرَادُ) مِنْ النَّظَرِ الْوَاجِبِ (تَحْرِيرَهُ عَلَى قَوَاعِدِ الْمَنْطِقِ) بَلْ مَا يُوَصِّلُ إلَى الْإِيمَانِ بِطَرِيقِ الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَيِّ طَرِيقٍ كَانَ (وَمَنْ أَصْغَى إلَى عَوَامِّ الْأَسْوَاقِ امْتَلَأَ سَمْعُهُ مِنْ اسْتِدْلَالِهِمْ بِالْحَوَادِثِ) عَلَى مُحْدِثِهَا.
(وَالْمُقَلَّدُ الْمَفْرُوضُ) فِي الْإِيمَانِ