الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
أولاً: النجاسة:
عَلاقَةُ الجَرَاثِيمِ وَالطَّحَالِبِ وَبَقَايَا الطَّعَامِ بِنَجَاسَةِ المَاءِ
(712) السؤال: هل هناك علاقةٌ لوجود البَكْتِيريا أو الفَيْرُوسات أو الطَّحالِب أو بقايا الطَّعام في المياه بالنَّجاسَة أو الطَّهارة؟ أم أنَّ أساس ومصدر وجودها في الماء (إذا كانت من فَضَلات الإنسان وليس الحيوان) هو الذي يُحدِّد نجاسة الماء من طهارته
؟
الجواب: ليس هناك من علاقة مباشرة شرعاً بين وجود (البكتيريا) وبين الحُكم بنجاسة الماء، أو أيِّ مادَّةٍ أخرى دخلتها (البكتيريا). والله أعلم.
[الدرر البهية من الفتاوى الكويتية (2/ 8)]
* * *
وُقُوعُ النَّجَاسَةِ اليَسِيرَةِ فِي المِيَاهِ
(713) السؤال: قلتُ: بئرٌ وَقَع فيها نُقْطَة خَمْر
؟
الجواب: ما لم يُغيَّر طعم أو ريح.
قلت: فنُقْطَةُ بَوْلٍ؟
قال: أتوقَّاهُ؛ لقول النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم: (لَا يَبُولُ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ).
[مسائل الإمام أحمد برواية صالح (2/ 116)]
* * *
وُقُوعُ الطَّاهِرِ أو النَّجِسِ فِي المَاءِ
(714) السؤال: سُئل [شيخ الإسلام ابن تيمية] عن مسائل كثيرٍ وُقُوعُها؛ ويحصُل الابتلاء بها؛ ويحصُل الضِّيق والحَرَج والعَمَل بها على رأي إمامٍ بعَيْنِه؛ منها مسألة المياه اليسيرة ووقوع النَّجاسة فيها من غير تغيُّرٍ، وتغييرُها بالطَّاهرات
.
الجواب: الحمد لله ربِّ العالمين. أمَّا مسألة تغيُّر الماء اليسير أو الكثير بالطَّاهرات؛ كالأُشْنانِ
(1)
، والصَّابون،
(1)
الأُشنان: شجرٌ من الفصيلة الرَّمْراميَّة ينبتُ في الأرض الرَّمليَّة، ويُستعمَل ورماده في غسل الثياب والأيدي. المعجم الوسيط (1/ 19).
والسِّدْر، والخِطْمِيِّ
(1)
، والتُّراب، والعَجين، وغير ذلك ممَّا قد يُغيِّرُ الماء؛ مثل الإناء إذا كان فيه أثرُ سِدْرٍ أو خِطْمِيٍّ، ووُضِعَ فيه ماءٌ فتغيَّر به مع بقاء اسم الماء؛ فهذا فيه قولان معروفان للعُلماء:
أحدُهما: أنَّه لا يجوز التَّطهير به؛ كما هو مذهب مالك، والشَّافعيِّ، وأحمد في إحدى الرِّوايتين عنه التي اختارها الخِرَقِيُّ، والقاضي، وأكثر مُتأخِّري أصحابه؛ لأنَّ هذا ليس بماء مُطلَقٍ، فلا يَدْخُل في قوله تعالى:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} [النساء: 43]. ثُمَّ إنَّ أصحاب هذا القول استثنوا من هذا أنواعاً بعضها مُتَّفقٌ عليه بينهم، وبعضها مُختَلَفٌ فيه، فما كان من التَّغيُّر حاصلاً بأصل الخِلْقَة، أو بما يَشُقُّ صَوْنُ الماء عنه، فهو طَهور باتِّفاقهم، وما تغيَّر بالأَدْهان والكافور ونحو ذلك؛ ففيه قولان معروفان في مذهب الشَّافعيِّ وأحمد وغيرهما، وما كان تَغيُّرُه يسيراً؛ فهل يُعفَى عنه، أو لا يُعفَى عنه، أو يُفرَّق بين الرَّائحة وغيرها؟ على ثلاثة أوْجُهٍ، إلى غير ذلك من المسائل.
والقول الثَّاني: أنَّه لا فَرْقَ بين المُتغيِّر بأصل الخِلْقَة وغيره، ولا بما يَشُقُّ الاحتراز عنه، ولا بما لا يَشُقُّ الاحتراز عنه، فما دام يُسمَّى ماءً، ولم يَغْلِب عليه أجزاء غيره، كان طهوراً؛ كما هو مذهب أبي حنيفة، وأحمد في الرِّواية الأُخرى عنه، وهي التي نصَّ عليها في أكثر أجوبته.
وهذا القول هو الصَّواب؛ لأنَّ الله سبحانه وتعالى قال: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ} [المائدة: 6]، وقوله:{فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} نكرةٌ في سياق النَّفي؛ فيَعمُّ كُلَّ ما هو
(1)
الخِطْمي: بكسر الخاء وفتحها: نبات من الفصيلة الخبازيَّة، يُغسَل به الرأس. انظر: لسان العرب (12/ 186)، المعجم الوسيط (1/ 245).
ماءٌ، لا فَرْقَ في ذلك بين نوع ونوع.
فإن قيل: إنَّ المُتغيِّر لا يدخل في اسم الماء.
قيل: تناول الاسم لمُسمَّاه لا فَرْق فيه بين التَّغيُّر الأصليِّ والطَّارئ، ولا بين التَّغيُّر الذي يُمكن الاحتراز منه، والذي لا يُمكن الاحتراز منه؛ فإنَّ الفَرْق بين هذا وهذا إنَّما هو من جهة القياس؛ لحاجة النَّاس إلى استعمال هذا المُتغيِّر دون هذا.
فأمَّا من جهة اللُّغة وعموم الاسم وخصوصه؛ فلا فَرْق بين هذا وهذا، ولهذا لو وَكَّلَهُ في شراء ماءٍ، أو حَلَفَ لا يشربُ ماءً، أو غير ذلك، لم يُفرَّق بين هذا وهذا، بل إنْ دَخَل هذا، دَخَل هذا، وإنْ خرج هذا، خرج هذا؛ فلمَّا حصل الاتِّفاق على دخول المُتغيِّر تغيُّراً أصليًّا أو حادثاً بما يَشُقُّ صَوْنه عنه، عُلِمَ أنَّ هذا النَّوع داخلٌ في عموم الآية.
وقد ثبت بسُنَّة رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّه قال في البَحْر: (هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِلُّ مَيْتَتُهُ)، والبحر مُتغيِّر الطَّعم تَغيُّراً شديداً؛ لشِدَّة مُلوحَته؛ فإذا كان النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم قد أخبر أنَّ ماءَه طَهورٌ مع هذا التَّغيُّر، كان ما هو أخَفُّ مُلوحةً منه أَوْلَى أن يكون طَهوراً، وإن كان المِلْح وُضِعَ فيه قصداً؛ إذْ لا فَرْق بينهما في الاسم من جهة اللُّغة.
وبهذا يَظهَرُ ضَعْفُ حُجَّة المانعين؛ فإنَّه لو استقى ماءً، أو وَكَّلَه في شراء ماءٍ؛ لم يتناول ذلك ماء البحر، ومع هذا فهو داخلٌ في عموم الآية؛ فكذلك ما كان مثله في الصِّفة.
وأيضاً؛ فقد ثبت أنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (أَمَرَ بِغَسْلِ المُحْرِمِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)، (وَأَمَرَ بِغَسْلِ ابْنَتِهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)، (وَأَمَرَ الَّذِي أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ)، ومن المعلوم أنَّ السِّدْر لا بُدَّ أنْ يُغيِّر الماء؛ فلو كان التَّغيُّر يُفسِد الماء لم يأمر به.
وقول القائل: إنَّ هذا تغيُّرٌ في مَحلِّ الاستعمال فلا يُؤثِّر. تفريقٌ بوصْفٍ
غير مُؤثِّر لا في اللُّغة، ولا في الشَّرع؛ فإنَّ المُتغيِّر إن كان يُسمَّى ماءً مُطلَقاً وهو على البدن، فيُسمَّى ماءً مُطلَقاً وهو في الإناء، وإن لم يُسَمَّ ماءً مُطلَقاً في أحدهما لم يُسَمَّ مُطلَقاً في الموضع الآخر؛ فإنَّه من المعلوم أنَّ أهل اللُّغة لا يُفرِّقون في التَّسمية بين مَحلٍّ ومَحلٍّ.
وأمَّا الشَّرع: فإنَّ هذا فَرْقٌ لم يَدُلَّ عليه دليلٌ شرعيٌّ، فلا يُلْتَفت إليه، والقياس عليه إذا جُمِع أو فُرِّق: أن يُبيِّن أنَّ ما جَعَلَه مناط الحكم جَمْعاً أو فَرْقاً ممَّا دلَّ عليه الشَّرع، وإلَّا فمَنْ عَلَّق الأحكام بأوصافٍ جَمْعاً وفَرْقاً بغير دليلٍ شرعيٍّ، كان واضعاً لشرعٍ مِنْ تلقاءِ نفْسِه، شارعاً في الدِّين ما لم يأْذَن به الله؛ ولهذا كان على القائِسِ أنْ يُبيِّن تأثير الوصف المُشتَرَك الذي جَعَلَه مناط الحكم بطريقٍ من الطُّرُق الدَّالَّة على كون الوصف المُشتَرَك هو عِلَّة الحكم، وكذلك في الوصف الذي فُرِّق فيه بين الصُّورتين؛ عليه أن يُبيِّن تأثيرَه بطريقٍ من الطُّرُق الشَّرعيَّة.
وأيضاً؛ فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم (تَوَضَّأَ مِنْ قَصْعَةٍ فِيهَا أَثَرُ العَجِينِ)، ومن المعلوم أنَّه لا بُدَّ في العادة من تغيُّر الماء بذلك، لا سيَّما في آخر الأمر إذا قَلَّ الماء وانْحَلَّ العجين.
فإن قيل: ذلك التَّغيُّر كان يسيراً.
قيل: وهذا أيضاً دليلٌ في المسألة؛ فإنَّه إن سوَّى بين التَّغيُّر اليسير والكثير مُطلَقاً كان مُخالِفاً للنَّصِّ؛ وإنْ فَرَّق بينهما لم يكن للفَرْق بينهما حدٌّ مُنضبِطٌ؛ لا بِلُغةٍ، ولا شَرْعٍ، ولا عَقْلٍ، ولا عُرْفٍ، ومن فَرَّق بين الحلال والحرام بفَرْقٍ غير معلوم لم يكن قولُه صحيحاً.
وأيضاً؛ فإنَّ المانعين مُضطربون اضطراباً يدُلُّ على فساد أصل قولهم؛ منهم مَنْ يُفرِّقُ بين الكافور والدُّهن وغيره، ويقولُ: إنَّ هذا التَّغيُّر عن مُجاورةٍ لا عن مُخالطةٍ، ومنهم من يقولُ: بل نحن نَجِدُ في الماء أَثَرَ ذلك، ومنهم من يُفرِّقُ بين الورق الرَّبيعيِّ والخَريفيِّ،
ومنهم من يُسوِّي بينهما، ومنهم من يُسوِّي بين المِلْحَيْنِ؛ الجَبَليِّ والمائيِّ، ومنهم من يُفرِّقُ بينهما.
وليس على شيءٍ من هذه الأقوال دليلٌ يُعتَمَدُ عليه، لا من نصٍّ، ولا قياسٍ، ولا إجماعٍ؛ إذ لم يكن الأصل الذي تفرَّعت عليه مأخوذاً من جهة الشَّرع، وقد قال الله سبحانه وتعالى:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء: 82]، وهذا بخلاف ما جاء من عند الله فإنَّه محفوظٌ؛ كما قال تعالى:{إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9]؛ فدلَّ ذلك على ضَعْف هذا القول.
وأيضاً؛ فإنَّ القول بالجواز موافقٌ للعموم اللَّفظيِّ والمعنويِّ، مدلولٌ عليه بالظَّواهر والمعاني؛ فإنَّ تَناوُلَ اسمِ الماء لمواقع الإجماع كتناوُلِه لموارد النِّزاع في اللُّغة، وصفات هذا كصفات هذا في الجِنْس؛ فتَجِب التَّسوية بين المُتماثِلَيْن.
وأيضاً؛ فإنَّه على قول المانعين: يلزم مخالفة الأصل، وتَرْك العمل بالدَّليل الشَّرعيِّ لمُعارِضٍ راجح؛ إذ كان يقتضي القياسُ عندهم أنَّه لا يجوز استعمال شيءٍ من المُتغيِّرات في طهارتي الحَدَث والخَبَث، لكن استُثني المُتغيِّر بأصل الخِلْقَة، وبما يَشُقُّ صَوْنُ الماء عنه؛ للحَرَج والمشقَّة؛ فكان هذا موضع استحسانٍ تُرِكَ له القياس، وتعارض الأدلَّة على خلاف الأصل.
وعلى القول الأوَّل: يكون رُخصةً ثابتةً على وفق القياس، من غير تعارضٍ بين أدلَّة الشَّرع؛ فيكون هذا أقوى.
فصلٌ: وأمَّا الماءُ إذا تغيَّر بالنَّجاسات؛ فإنَّه يَنْجُس بالاتِّفاق، وأمَّا ما لم يتغيَّر ففيه أقوالٌ معروفةٌ:
أحدُها: لا ينجُس؛ وهو قول أهل المدينة، ورواية المَدَنيِّين عن مالكٍ، وكثيرٍ من أهل الحديث، وإحدى الرِّوايات عن أحمد اختارها طائفةٌ من أصحابه، ونَصَرَها ابن عَقيلٍ في
(المُفْرَدات)، وابن البَنَّاء، وغيرُهما.
والثَّاني: ينجُس قليل الماء بقليل النَّجاسة؛ وهي رواية البَصْريِّين عن مالكٍ.
والثَّالث: وهو مذهب الشَّافعيِّ، وأحمد في الرِّواية الأُخرى -اختارها طائفةٌ من أصحابه-: الفَرْق بين القُلَّتين وغيرهما؛ فمالكٌ لا يَحُدُّ الكثير بالقُلَّتين، والشَّافعيُّ وأحمد يَحُدَّان الكثير بالقُلَّتين.
والرَّابع: الفَرْق بين البَوْل والعَذِرَة المائعة وغيرهما؛ فالأوَّل يُنَجِّس منه ما أمكن نَزْحُه دون ما لم يُمكِن نَزْحُه، بخلاف الثَّاني؛ فإنَّه لا يُنَجِّس القُلَّتين فصاعداً. وهذا أشهر الرِّوايات عن أحمد، واختيار أكثر أصحابه.
والخامس: أنَّ الماء يَنْجُس بمُلاقاة النَّجاسة؛ سواءٌ كان قليلاً أو كثيراً؛ وهذا قول أبي حنيفة وأصحابه، لكن ما لم يصل إليه لا يُنجِّسُه. ثُمَّ حَدُّوا ما لا يصل إليه بما لا يتحرَّك أحد طَرَفَيْه بتحريك الطَّرَف الآخر.
ثُمَّ تنازعوا: هل يُحَدُّ بحركة المُتوضِّئ أو المُغتَسِل؟ وقدَّر ذلك مُحمَّد بن الحسن بمسجده، فوجدوه عشرة أذْرُعٍ في عشرة أذْرُعٍ.
وتنازعوا في الآبار إذا وقعت فيها نجاسةٌ: هل يمكن تطهيرها؟
فزعم المُزَنِيُّ: أنَّه لا يمكن. وقال أبو حنيفة وأصحابه: يمكن تطهيرها بالنَّزْح، ولهم في تقدير الدِّلاء أقوالٌ معروفةٌ.
والسَّادس: قول أهل الظَّاهر الذين يُنَجِّسون ما بال فيه البائل دون ما أُلْقِيَ فيه البَوْل، ولا يُنَجِّسون ما سوى ذلك إلَّا بالتَّغيُّر.
وأصل هذه المسألة من جهة المعنى: أنَّ اختلاط الخبيث -وهو النَّجاسة- بالماء؛ هل يُوجِب تحريم الجميع، أم يُقال: بل قد استحال في الماء فلم يَبْقَ له حُكمٌ؟
فالمُنَجِّسون ذهبوا إلى القول الأوَّل،
ثُمَّ من استثنى الكثير قال: هذا يَشُقُّ الاحتراز من وقوع النَّجاسة فيه، فجعلوا ذلك موضع استحسانٍ؛ كما ذهب إلى ذلك طائفةٌ من أصحاب الشَّافعيِّ وأحمد.
وأمَّا أصحاب أبي حنيفة فبنوا الأمر على وصول النَّجاسة وعدم وصولها، وقَدَّروه بالحركة، أو بالمساحة في الطُّول والعَرْض دون العُمْق.
والصَّواب: هو القول الأوَّل، وأنَّه متى عُلِمَ أنَّ النَّجاسة قد استحالت؛ فالماء طاهرٌ؛ سواءٌ كان قليلاً أو كثيراً، وكذلك في المائعات كُلِّها؛ وذلك لأنَّ الله تعالى أباح الطَّيِّبات وحَرَّم الخبائث، والخبيث مُتميِّزٌ عن الطَّيِّب بصفاته، فإذا كانت صفات الماء وغيره صفات الطَّيِّب دون الخبيث، وَجَبَ دخوله في الحلال دون الحرام.
وأيضاً؛ فقد ثبت من حديث أبي سعيدٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قِيلَ لَهُ: أَنَتَوَضَّأُ مِنْ بِئْرِ بُضَاعَةَ؛ وِهِيَ بِئْرٌ يُلْقَى فِيهَا الحِيَضُ، وَلُحُومُ الكِلَابِ، وَالنَّتَنُ؟ فقال: المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ). قال أحمد: حديث بئر بُضاعَة صحيحٌ.
وهو في (المُسند) أيضاً عن ابن عبَّاسٍ (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: المَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ). وهذا اللَّفظُ عامٌّ في القليل والكثير، وهو عامٌّ في جميع النَّجاسات.
وأمَّا إذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ فإنَّما حُرِّم استعمالُه؛ لأنَّ جُرْمَ النَّجاسَة باقٍ؛ ففي استعمالِه استعمالُها، بخلاف ما إذا استحالَت النَّجاسة؛ فإنَّ الماء طَهورٌ وليس هناك نجاسةٌ قائمةٌ.
وممَّا يُبيِّن ذلك: أنَّه لو وقع خَمْرٌ في ماءٍ، واستحالَت، ثُمَّ شَرِبَها شارِبٌ، لم يكن شارباً للخَمْر، ولم يجب عليه حَدُّ الخَمْر؛ إذ لم يَبْق شيءٌ من طَعْمِها وَلَوْنها وريحها، ولو صُبَّ لَبَن امرأةٍ في ماءٍ واستحال حتَّى لم يَبْق له أثرٌ، وشَرِبَ طِفْلٌ ذلك الماء، لم يَصِرْ ابنَها من الرَّضاعة بذلك.
وأيضاً؛ فإنَّ هذا باقٍ على أوصاف
خِلْقَته؛ فيدخل في عُموم قوله تعالى: {فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً} ؛ فإنَّ الكلام إنَّما هو فيما لم يتغيَّر بالنَّجاسة؛ لا طعمُه ولا لونُه ولا ريحُه.
فإن قيل: فإنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم قد (نَهَى عَنِ البَوْلِ فِي المَاءِ الدَّائِمِ، وَعَنِ الاغْتِسَالِ فِيهِ).
قيل: نَهْيُه عن البَوْل في الماء الدَّائم لا يَدُلُّ على أنَّه يَنْجُس بمُجرَّد البَوْل؛ إذ ليس في اللَّفظ ما يَدُلُّ على ذلك، بل قد يكون نَهْيُه سدًّا للذَّريعة؛ لأنَّ البَوْل ذريعةٌ إلى تنجيسه؛ فإنَّه إذا بال هذا، ثُمَّ بال هذا، تغيَّر الماء بالبَوْل؛ فكان نَهْيُه سدًّا للذَّريعة.
أو يُقال: إنَّه مكروهٌ بمُجرَّد الطَّبْع، لا لأَجْل أنَّه يُنجِّسُه.
وأيضاً؛ فيدُلُّ نَهْيُه عن البَوْل في الماء الدَّائم أنَّه يَعُمُّ القليل والكثير؛ فيُقال لصاحب القُلَّتين: أتُجوِّز بَوْلَه فيما فوق القُلَّتين؟
إنْ جَوَّزتَه فقد خالفت ظاهر النَّصِّ، وإنْ حَرَّمته فقد نَقَضْت دليلك.
وكذلك يُقال لمن فَرَّق بين ما يُمكن نَزْحُه وما لا يُمكن: أتُسَوِّغ للحُجَّاج أن يَبُولوا في الَمصانِع المَبنيَّة بطريق مكَّة؟
إنْ جَوَّزتَه خالَفْت ظاهر النَّصِّ؛ فإنَّ هذا ماءٌ دائمٌ، والحديث لم يُفرِّق بين القليل والكثير، وإلَّا نَقَضْت قولك.
وكذلك يُقال للمُقدَّر بعشرة أذْرُعٍ: إذا كان لأهل القَرْية غَديرٌ مُستطيلٌ أكثر من عشرة أذْرُعٍ رقيقٌ؛ أتُسوِّغ لأهل القرية البَوْلَ فيه؟
فإنْ سَوَّغتَه خالَفْت ظاهر النَّصِّ، وإلَّا نَقَضْت قولك.
فإذا كان النَّصُّ، بل والإجماع دلَّ على أنَّه نَهَى عن البَوْل فيما يُنجِّسُه البَوْلُ، بل تقدير الماء وغير ذلك فيما يشترك فيه القليل والكثير، كان هذا الوصف المُشترَك بين القليل والكثير مُستقِلًّا بالنَّهي، فلم يَجُزْ تعليل النَّهي