الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وأجمعوا على أنّ الإخلاص في الطّاعة ترك الرّياء «1» .
وقال الفضيل بن عياض: ترك العمل لأجل النّاس رياء، والعمل لأجلهم شرك، والإخلاص:
الخلاص من هذين. وفي رواية عنه: والإخلاص: أن يعافيك الله منهما «2» .
حقيقة الإخلاص:
فحقيقة الإخلاص، باعتباره التزاما في مواقف الحياة، لا مجرّد تصوّر نظريّ، وهو «التّبرّي عن كلّ ما دون الله» يجعلنا ننظر إليه من زاويتين:
الأولى: من جهة تعلّقه بالعمل، أو من حيث كونه واقعا يتعلّق بحياة النّاس ومواقفها، أو من حيث كونه يتعلّق بسلوك الإنسان، من هذا القبيل نجد أن العمل الصّادر عن الإنسان- أيّا كان- إذا قصد به وجه الله، وظهرت الشّواهد على ذلك، فإنّه يعدّ عملا مخلصا، لأنّه خالص من الشّرك، والرّياء، والمراءاة، والشّهرة. لأنّ العمل الإنسانيّ قد يشوبه شيء ما من ذلك، فإذا صفا عن شوبه، وخلص منه سمّي خالصا، فالإخلاص ينافي الإشراك، والرّياء، والغشّ، والخداع، والاحتيال، والكذب، ولذا قد نجد بينه وبين الصّدق قرابة معنى، وكذلك يمتدّ إلى معنى الصّراحة، ويلتقي بمفهوم الوضوح، والأمانة والصّفاء.
وإذا كانت كلّ المعاني السّابقة من رياء وغشّ وخداع، واحتيال، وكذب، تمتدّ إلى الشّرك بمعنى ما، فإنّ من الشّرك ما هو خفيّ وما هو جليّ، وكذا الإخلاص، وكلاهما يرد على قلب المسلم ويكون ذلك في المقصود والنّيّة، ولذا يأتي الفعل على قدر النّيّة، إمّا مخلصا أو غير مخلص، فمن كان قصده من عمله الرّياء، فهو غير مخلص، ومن كان غرضه التّقرّب إلى الله تعالى فهو مخلص، إلّا أنّ العادة جرت بتخصيص الإخلاص على قصد التّقرّب إلى الله تعالى وتخليصه من جميع ما يشوبه.
وكلّ عمل باعثه التّقرّب إلى الله تعالى، وانضاف إليه خطرة بشريّة حتّى صار العمل موسوما بها، وأخفّ من جهتها من حيث الإتيان، فقد خرج العمل عن الإخلاص، وخرج عن أن يكون خالصا لوجه الله تعالى، وبالتّالي خرج من أن يكون محقّقا لإنسانيّة الإنسان، وكما يقول الإمام الغزاليّ: «كلّ حظّ من حظوظ الدّنيا تستريح إليه النّفس، ويميل إليه القلب، قلّ أم كثر، إذا تطرّق إلى العمل تكدّر به صفوه، وزال به إخلاصه، والإنسان مرتبط في حظوظه، منغمس في شهواته، قلّما ينفكّ فعل من أفعاله، وعبادة من عباداته عن حظوظ وأغراض عاجلة من هذه الأجناس.
فلذلك قيل: من سلم له من عمره لحظة خالصة لوجه الله نجا، وذلك لعزّة الإخلاص وعسر تنقية القلب عن هذه الشّوائب، بل الخالص هو الّذي لا باعث له إلّا طلب القرب من الله تعالى» «3» .
وقد ذكر ابن تيميّة أنّ إخلاص الدّين هو الّذي
(1) التعريفات (13) ، والإحياء (4/ 400) وما بعدها.
(2)
مدارج السالكين (3/ 95) والتعريفات (13) .
(3)
إحياء علوم الدين (4/ 368) ، ومفردات الراغب (154) .
لا يقبل الله تعالى سواه، وهو الذي بعث الله به الأوّلين والآخرين من الرّسل، وأنزل به جميع الكتب، واتّفق عليه أئمّة أهل الإيمان وهذا هو خلاصة الدّعوة النّبويّة، وهو قطب القرآن الّذي تدور عليه رحاه «1» .
بناء على ما سبق فإنّ الإخلاص هو تصفية السّرّ والقلب والعمل، والخالص هو الّذي لا باعث له إلّا طلب الحقّ، والإخلاص لا يكون إلّا بعد الدّخول في العمل، والإخلاص لله؛ هو أن لا يفعل المخلص فعلا إلّا لله تعالى.
الثّانية: من جهة معناه وشروطه كموقف يلتزم به الإنسان في حياته.
الإخلاص ينقسم بحسب ما يظهر من العبد، يمكن أن يشمل كلّ فعل الإنسان، ولذا يقال: إنّ الإخلاص أربعة أقسام: إخلاص في الأقوال، وإخلاص في الأفعال، وإخلاص في الأعمال أي العبادات، وإخلاص في الأحوال أي إلهامات القلب وواردات الغيب. والدّين شامل لكلّ هذا، وباعتبار أنّ الإخلاص التزام حيويّ أكثر ممّا هو تصوّر نظريّ، فإنّ موقف الإخلاص يستلزم عدّة أمور، وهي:
1-
الاستمراريّة: حيث إنّ حياة الإنسان عبارة عن تواصل واستمرار، ومواقف الحياة مستمرّة ومتكاملة، ولذا لا ينبغي أن يتفكّك الإخلاص أو يتبعثر، لأنّه لا يتعلّق بالموقف المعاصر فقط، ولا بالماضي فقط، ولا بالمستقبل فقط، وإنّما هو موقف مستمرّ، ومن ثمّ كانت الاستمراريّة صفة أساسيّة في الإخلاص.
2-
التّكامل: بمعنى انضواء الشّخص بجميع مكوّناته في أهداف وجوده المستمدّة من الإطار الإسلاميّ للحياة، حتّى يتمكّن من بلوغ أكمل درجة ممكنة من صياغة الذّات بطريقة متكاملة، وذلك عبر محبّة قويّة لله وللحقّ والحقيقة، وللآخرين المخلصين، هذا إلى جانب التّكامل بين النّيّة والفعل.
3-
العلم: حيث إنّ الإخلاص يستلزم وعي الإنسان بوجوده في إطار التّعاليم الإسلاميّة، وهذا الوعي لا يمكن أن يتمّ بغير معرفة، لأنّه لا يمكن أن يتأتّى عن جهل، وجهل الإنسان لا يمكن أن يؤدّي إلى إخلاص حقيقيّ، ومن ثمّ كان العلم شرطا ضروريّا لتحقيق الإخلاص، هذا إلى جانب ضرورة العلم بما يحقّق الإخلاص.
4-
التدرّج: باعتبار أنّ الإخلاص جهد بشريّ من أجل الوصول إلى كمال الإنسان بوصوله إلى حقيقة العبوديّة والتّحقّق بها، ولذا فإنّ الإنسان يتعثّر وينهض مرارا وتكرارا، بهدف بلوغ المرتبة العالية، إنّ التّجربة صعبة في مواقف حياة الإنسان، ولذا فهو يحتاج إلى التّدرّج، وهذا شرط لكمال الإخلاص.
5-
الأمانة: باعتبارها رعاية لحقّ الله تعالى، وأداء للفرائض والواجبات، وهذا يتطلّب عدم الخيانة وحفظ الحقوق، وهي خير شاهد خارجيّ على الإخلاص، وخاصّة أنّ المنزلقات الّتي يمكن أن تطيح بالأمانة اللّازمة للإخلاص وفيرة، وهذه توفّر
(1) التحفة العراقية في أعمال القلوب (58) .